الموجز
محمد عثمان جلال (1829–1898) مترجم وكاتب مصري، وأحد رواد تمصير المسرحيات الأوروبية في القرن التاسع عشر. أسهم في نقل المسرح الفرنسي إلى العربية، ولا سيما أعمال موليير (Molière؛ 1622–1673)، التي أعاد صياغة عدد منها باللهجة المصرية ونقل أحداثها وشخصياتها إلى البيئة المحلية. كما ترجم ثلاث مآسٍ لـجان راسين (Jean Racine؛ 1639–1699)، هي إستير وإيفيجينيا والإسكندر الأكبر. وظهرت بعض أعماله المسرحية المبكرة في صحيفتي وادي النيل وروضة المدارس المصرية منذ عامي 1870 و1871، ونُشرت بعد وفاته مسرحيته المخدمين سنة 1904.
أسهمت أعماله المُمصَّرة في ترسيخ هذا الاتجاه في المسرح المصري، وظل بعضها يُعرض في القرن العشرين، ومن أبرزها الشيخ متلوف التي قدمها المسرح القومي المصري في ستينيات القرن العشرين.
حياته وتعليمه
وُلد محمد عثمان جلال بقرية ونا القس التابعة لمحافظة بني سويف، وكان أبوه كاتبًا ببيت القاضي. ويذكر المؤرخ عبد الرحمن الرافعي (1889-1966) "أنه تلقى تعليمه في مدرسة القصر العيني، ثم مدرسة أبي زعبل، ثم درس في مدرسة الألسن علوم اللغتين العربية والفرنسية، فهو من تلاميذ رفاعة الطهطاوي"[1]. وذكر سيد علي إسماعيل أن حفيد عثمان جلال، القاضي إبراهيم جلال، قدم عام 1916 كراسة لمجلة الأدب والتمثيل جاء فيها: "عُين عثمان جلال عام 1844 عضوًا بقلم الترجمة العلمية، ثم في الديوان العالي بمرتب 100 قرش في الشهر أيام حكم المرحوم محمد علي باشا. ثم لما تولى سعيد باشا أخذه كلوت بك ليترجم بمجلس الطب، ثم اشتغل بترجمة العيون اليواقظ، وما زال ينتقل من ديوان إلى ديوان في هذه الوظيفة حتى تولى الخديوي إسماعيل، فانتخب لديوان الواردات وترقى إلى رتبة بكباشي عام 1862، وكان من كثرة أشغاله يُعنى بترجمة ما يلذه، فترجم عدة كتب كلها مطبوعة"[2]. وكانت آخر مناصبه قاضيًا بالمحكمة المختلطة عام 1888. وتوفي في القاهرة عام 1896.
عمله في التمصير
بعد إغلاق مسرح يعقوب صنوع عام 1872، ظهر في العام التالي عثمان جلال بمسرحية الشيخ متلوف (1873)، التي نقلها إلى العربية بتصرف عن نص طرطوف لموليير. ولم يكن جلال مترجمًا ينقل النصوص من لغتها الأصلية إلى العربية فقط، بل كان يضفي عليها طابعًا مصريًا، فخرج عن النص الفرنسي، متجاوزًا تقديم ترجمة أو تمصير، بل كان شريكًا في الكتابة، حيث استعار من المسرح الشعبي مفردات عديدة ووضعها في مسرحيات موليير، فكانت الشخصيات الفرنسية مصرية بعاداتها وتقاليدها، يقول عنه الناقد الأدبي علي الراعي (1920-1998): "تحكمت في هذا التمصير الرغبة التي أعلن عنها الكاتب منذ البداية أنها كانت ديدنه، وهي التزام نص موليير بشرط مراعاة عوائد الشرق. فهذا الهدف المزدوج مسؤول عما نجد في هذا التمصير من مزايا، وعما نلقى خلاله أحيانًا من عيوب"[3]. كان جلال ينزع الثوب الفرنسي عن هذه الأعمال ويُلبسها الثوب العربي وفقًا لتعبيره الذي جاء في مقدمة كتاب الأربع روايات من نخب التياترات (1874). وحسب رأي زكي طليمات (1895-1982)، لم يحد جلال في اقتباسه عن النص الأصلي في جملته، ولم يجر تقديمًا أو تأخيرًا، ولم يقحم عليها جديدًا من عنده، بقصد التعمية والتنكير، كذلك لم يتصرف في سياق الحوادث والحوار التصرف الذي تضيع معه معالم شخصيات المسرحية أو تشحُب ألوانها[4]. ومن ملامح تمصير جلال أنه مكتوب بكامله بالزجل العامي، وبلهجة شعبية مصرية، ليس فقط على مستوى اللغة، إنما على مستوى بيئة المسرحية التي نقلت إلى المصرية بمجملها.
أربع روايات من نخب التياترات
كتاب الأربع روايات من نخب التياترات، أول أعمال عثمان جلال الأدبية وطُبع في القاهرة عام 1890، إذ يذكر طليمات أن جلال "قام بتمصير أربع مسرحيات بعد اقتباسها من أصول فرنسية لم يخف المقتبس أسماءها ثم أجرى طبعها في كتاب وهي: الشيخ متلوف، والنساء العالمات، ومدرسة الأزواج، ومدرسة النساء"[5]. وفي مسرحية الشيخ متلوف يحتفظ المقتبس بالمعنى العام للنص الأصلي حيث تتحول الشخصية الرئيسة القس إلى فقيه مصري يحمل كل ملامح الشخصية المصرية، والوصيفة دورينا إلى الخادمة ببهانة، وأورانت العجوز اللعوب التي تقدم بها السن إلى دودو، والميرا إلى أنيسة وهكذا الشخصيات الأخرى، وجاءت المسرحية في خمسة فصول، وفي رأي علي الراعي أن جلال كان ينتهز كل فرصة ليخلق شخصيات مصرية حقيقية، مستعينًا بموليير فقط باعتباره نقطة انطلاق، مستخدمًا تجاربه الشخصية وبيئته المحلية لخلق شخصيات مقابلة لها انتماء حقيقي لمصر. بل وإنه نجح في الارتفاع بمستوى التمصير في بعض المواقف الهامة في مسرحية الشيخ متلوف إلى الحد الذي تصبح فيه هذه المواقف، بما فيها من شخصيات ومواقف وحوار مصرية خالصة[6]. وجاءت مسرحية الشيخ متلوف الأوفر حظًا بين أعمال جلال حيث عاشت طويلًا، إذ قدمها جورج أبيض (1880-1959) على مسرح عباس الأول بالقاهرة في 14 أيلول/ سبتمبر 2014، وقدمتها أيضًا فرقة عكاشة، وعاشت إلى أن قدمها المسرح القومي في مصر عام 1963 من إخراج زكي طليمات.
غلاف
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
والمسرحيات الثلاث الأخرى التي ضمها كتاب الأربع روايات من نخب التياترات كُتبت كلها بطريقة الزجل العامي، وإذا كانت الشيخ متلوف حظيت بنجاح كبير، فإن مدرسة النساء حالفها نوع من سوء الحظ، ووفقًا لعلي الراعي فقد كان موضوعها جديرًا بأن يصدم الذوق العام، فلم يكن جمهور آخر القرن التاسع عشر ليرضى عن مسلك فتاة تلقى عشيقًا لها المرة بعد المرة في بيت ربيبها، وتسلم له جسدها، ثم تحكي لربيبها تفاصيل هذه اللقاءات الحسية العارمة[7]. ليؤسس عثمان جلال من خلال هذه الأعمال لكوميديا انتقادية شعبية ذات طابع مصري، قدمها في خمس مسرحيات، نشر أربعًا منها في كتاب الأربع روايات من نخب التياترات، والمسرحية الخامسة هي الثقلاء (1896)، جاء تاريخ نشرها كما يلي:
- الشيخ متلوف (1873) تمصير عن مسرحية "طرطوف" لموليير إلى الزجل العامي.
- 2. النساء العالمات (1889) تمصير عن "النساء العالمات" لموليير عن الزجل العامي.
- مدرسة الأزواج (1889) تمصير عن "مدرسة الأزواج" لموليير.
- مدرسة النساء (1889) تمصير عن "مدرسة الزوجات" لموليير.
- الثقلاء (1896) تمصير عن موليير إلى الزجل العامي[8].
الترجمة
ترجم جلال ثلاث مسرحيات لجان راسين وهي أستر، وأفغانية، والإسكندر الأكبر. ونشرها في كتاب الروايات المفيدة في علم التراجيدة (1893)، الذي صدر عن المطبعة الشرقية. ويبدو أن هذه الأعمال المترجمة لم تحظ بإقبال جماهيري كما حدث في المقتبسات، "إذ إن الزجل قد أفسد جوهر هذه المسرحيات التراجيدية الصارم، وأخرج أبطالها العظام الذين انحدروا من التاريخ عن وقارهم التاريخي"[9] حسب رأي الباحثة والأديبة نفوسة زكريا سعيد.
التأليف المسرحي
كتب جلال مسرحية واحدة تحت عنوان المخدمين (1904)، وهي من تأليفه الخالص، ولم تلقَ قبولًا، إذ خلت من الطابع الشعبي والمواقف المضحكة كما حدث في مقتبساته عن موليير. والمخدمين كوميديا أخلاقية من فصلين تدور أحداثها حول المخدمين وألاعيبهم وسيطرتهم على فئة الخدم، و"تدل هذه المسرحية على مهارته في الترجمة والصياغة الزجلية، أكثر من قدرته على التأليف"[10]، ويفسر علي الراعي ضعف هذه المسرحية بأن قدرات جلال ظهرت وهو يعمل تحت وصاية موليير، ففي مسرحية المخدمين نجد أن ضعفها الأساسي راجع إلى تهافت بنائها، وإلى عدم قدرة كاتبها على أن يطور موضوعها وشخصياتها[11]. فقد نجحت خبرات جلال وثقافته في الاقتباس من خلال قناع كاتب آخر، ولم يكن التأليف الخالص ضمن قدراته. لكنه أسس بأعماله المقتبسة لكوميديا إنسانية استعارها من المسرح العالمي وأضفى عليها طابعًا شعبيًا من البيئة المصرية.
المراجع
الراعي، علي. مسرح الشعب. القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2020.
طليمات، زكي. التمثيل.. المسرحية.. المسرح العربي "وقفات وتأملأت" الكويت: مطبعة حكومة الكويت، 1971.
عوض، رمسيس. قاموس المسرح. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2008.
سعيد، نفوسة زكريا. تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر. القاهرة: دار المعارف، 1964.
إسماعيل، سيد علي. تاريخ المسرح في العالم العربي القرن التاسع عشر. القاهرة: مؤسسة هنداوي، نسخة إلكترونية، 2016.
عانوس، نجوى. التمصير في المسرح المصري:من يعقوب صنوع 1870 إلى الحرب العالمية الثانية 1945. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2019
[1] عبد الرحمن الرافعي، عصر إسماعيل، ج 1، ط 4 (القاهرة: دار المعارف، 1987)، ص 261.
[2] سيد علي إسماعيل، تاريخ المسرح في العالم العربي القرن التاسع عشر (القاهرة: مؤسسة هنداوي، نسخة إلكترونية، 2016)، ص 166.
[3] علي الراعي، مسرح الشعب (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2020)، ص 239.
[4] زكي طليمات، التمثيل.. المسرحية.. المسرح العربي "وقفات وتأملات" (الكويت: مطبعة حكومة الكويت، 1971)، ص 130.
[5] المرجع نفسه، ص 129.
[6] الراعي، ص 244.
[7] المرجع نفسه، ص 247.
[8] نجوى عانوس، التمصير في المسرح المصري:من يعقوب صنوع 1870 إلى الحرب العالمية الثانية 1945 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2019)، ص 26.
[9] نفوسة زكريا سعيد، تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر (القاهرة: دار المعارف، 1964)، ص 267.
[10] رمسيس عوض، قاموس المسرح (الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2008)، ص 494.
[11] الراعي، ص 238.