الموجز
نظرية التأثير الانتقائي للإعلام نظرية تقوم على فكرة أن تأثير وسائل الإعلام لا يحدث بين الأفراد على نحوٍ موحد، بل يختلف تبعًا لخصائصهم النفسية والاجتماعية والمعرفية. وتبرز النظرية بوصفها إطارًا تفسيريًا مهمًا لفهم العلاقة المعقدة بين وسائل الإعلام والجمهور، فهي تؤكد أن الرسائل الإعلامية لا تؤثر في الأفراد على نحوٍ مباشر أو موحد، بل تمر عبر عوامل نفسية واجتماعية ومعرفية تحدد كيفية اختيار الرسائل وفهمها وتذكرها، والتصرف على أساسها.
وقد أسهمت أعمال جوزف كلابر في ترسيخ فكرة التأثيرات المحدودة، من خلال بيان أن الإعلام يميل غالبًا إلى تعزيز الاتجاهات القائمة أكثر من تغييرها جذريًا. وكذلك تستند إلى الأساس النفسي الذي يتمثل في نظرية التنافر المعرفي. ومع تطور البيئة الرقمية، ازدادت أهمية النظرية في تفسير غرف الصدى، وفقاعات الترشيح، والاستقطاب الإعلامي، إذ أصبح الأفراد أكثر قدرة على انتقاء المحتوى المتوافق مع قناعاتهم، وهو ما يجعل التأثير الإعلامي عملية انتقائية ومتغيرة باستمرار.
مع تطوّر الإعلام الرقمي، واجهت النظرية نقدًا، وخاصة فيما يتعلق بمحدودية تأثير الإعلام. ومع تطوّر البيئات الرقمية، اتسّع نظاق النظرية وتطوّر لينفتح على دور مشترك بين الفرد محركات البحث الرقمية وأثرها.
خلفية عامة
تعدّ نظرية التأثير الانتقائي للإعلام (Selective Media Influence Theory) أحد الأطر النظرية الرئيسة في دراسات الاتصال الجماهيري، إذ تقوم على افتراض مفاده أن الأفراد لا يتلقون الرسائل الإعلامية على نحوٍ سلبيّ، بل يتفاعلون معها من خلال عمليات انتقائية، وتشمل هذه العمليات: التعرض، والإدراك، والتذكر، والسلوك.
جوزف كلابر (1917-1984)
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تندرج هذه النظرية ضمن ما يُعرف -في تاريخ الفكر الاتصالي- بمرحلة "التأثيرات المحدودة"، وهي مرحلة أعادت تشكيل نظرة الباحثين لطبيعة العلاقة بين وسائل الإعلام والجمهور، بعد أن أثبتت الدراسات الميدانية أن الجمهور ليس كتلة سلبية قابلة للتشكيل بسهولة، بل هو مجموعة من الأفراد الذين يملكون القدرة على تنقية ما يصلهم من رسائل بواسطة آليات انتقائية متعددة، مؤكدة دور العوامل النفسية والاجتماعية في تشكيل استجاباته.
توضح النظرية أن تأثير وسائل الإعلام يتحدد عبر مجموعة من العوامل الوسيطة، مثل: الاتجاهات المسبقة، والانتماءات الاجتماعية، ومستوى التعليم، وقادة الرأي، وهو ما يجعل التأثير الإعلامي عملية غير مباشرة ومعقدة، وكذلك تؤكد أن وسائل الإعلام غالبًا ما تعمل على تعزيز المواقف لدى الأفراد، أكثر من إحداث تغييرات جذرية فيها.
وثق دعائم هذه النظرية جوزف كلابر (1917-1984) في كتابه المرجعي تأثيرات الاتصال الجماهيري الذي أصدره عام 1960، وجمع فيه خلاصة مئات من الدراسات التجريبية والميدانية، وصاغ منها تعميمات نظرية أحدثت تحولًا كبيرًا في مسار دراسات الاتصال. ولا يمكن فهم هذه النظرية بمعزل عن مرجعيتها النفسية التي تتمثل في نظرية التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance Theory) لعالم النفس الاجتماعي ليون فيستنجر (1919-1989)، التي تعدّ العنصر النفسي الذي يفسر ميل الأفراد إلى تفضيل المعلومات المتوافقة مع معتقداتهم، والابتعاد عن تلك التي تتعارض معها.
الخلفية المعرفية والفكرية
غلاف كتاب تأثيرات الاتصال الجماهيري لجوزف كلابر (1960)
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
نظرية التنافر المعرفي
تُعدّ نظرية التنافر المعرفي من الأعمدة النفسية الأساسية التي تقوم عليها نظرية التأثير الانتقائي، إذ تنبعث من فرضية أن الإنسان بطبيعته يسعى إلى تحقيق نوع من الانسجام بين أفكاره ومعتقداته وسلوكاته، وأن الاتساق والانسجام بين هذه العناصر يعبّر عن حاجة نفسية رئيسة. وعندما تخلّ معلومة جديدة، أو موقف معارض هذا التوازن، ينشأ لدى الفرد ما سماه فيستنجر التنافر (Dissonance)، وهو حالة من التوتر والانزعاج النفسي التي تدفعه إلى البحث عن آليات للتخفيف من شعوره ذاك ومحاولة التخلص منه[1].
تتعدد الوسائل التي يلجأ إليها الشخص لتقليل هذا التنافر، ولا سيما تغيير أحد معتقداته ليتوافق مع المعلومات الجديدة، أو إضافة معرفة جديدة للتخفيف من حدة التناقض، أو اللجوء إلى الآلية الأشيع، وهي تجاهل المعلومات المحدِثة لهذا التنافر، أو التقليل من مصداقيتها وأهميتها. وفي سياق الاتصال الجماهيري، يُترجم هذا الدافع النفسي إلى سلوك انتقائي نشط، بحيث يعمل الفرد حارسًا لبوابته المعرفية، فيميل إلى متابعة المحتويات الإعلامية التي تحقق له الاتساق المعرفي (Consonance)، وتدعم قناعاته وأفكاره، ويتجنّب تلك التي قد تثير عنده الشعور بالتوتر[2].
وبذلك، فإن العمليات الانتقائية في تلقي الإعلام، ليست مجرد عادات استهلاكية يسيرة، بل هي في أساسها وسائل نفسية دفاعية شديدة التعقيد، تهدف إلى حفظ الاستقرار المعرفي للفرد، في مواجهة الكم الهائل من المعلومات المتعارضة التي يتعرض لها بشكل يومي. وقد طور نظرية التنافر المعرفي لاحقًا مجموعة من الباحثين، من أمثال جويل كوبر (Joel Cooper) وإيدي هارمون جونز (Eddie Harmon-Jones)، الذين أضافوا إليها أبعادًا جديدة أدقّ في تفسير الظروف التي يظهر فيها التنافر ويُعالج أيضًا[3].
التحول من مرحلة التأثيرات القوية إلى التأثيرات المحدودة
لا يمكن استيعاب نظرية التأثير الانتقائي بكليّتها إلا في سياقها التاريخي الذي يتمثل في التحول الكبير الذي شهده الفكر الاتصالي في منتصف القرن العشرين، وفي المراحل الأولى لدراسة الإعلام، إذ سادت نماذج تفترض أن وسائل الإعلام قادرة على التأثير وتوجيه الجماهير توجيهًا مباشرًا وقويًا، ومن أبرزها نموذج الرصاصة السحرية (Magic Bullet, Hypodermic Needle Model)، القائم على تشبيه المحتوى الإعلامي برصاصة تصيب المتلقي الضعيف مباشرة، وتترك أثرًا سريعًا وحتميًا لديه. وقد اعتمدت هذه النماذج على ملاحظات حضور الدعاية الحربية، وتأثيرها البارز في الرأي العام، بغير إسناد علمي كافٍ.
جاءت الدراسات الميدانية الكبرى لتفنّد هذه الافتراضات بالتدريج، فقد أجرى بول لازارسفيلد (Paul Lazarsfeld)، وزملاؤه في جامعة كولومبيا دراستهم الشهيرة بعنوان "اختيار الشعب"[4] عن الانتخابات الرئاسية الأميركية، وتوصّلوا إلى أن الحملات الإعلامية المكثفة نجحت في تنشيط القناعات الكامنة لدى الناخبين، وتعزيزها في المقام الأول، لا في تغيير مواقفهم، وكذلك شاركت دراسات إليهو كاتز وروي كارتر (Roy E. Carter Jr.) وغيرهما في تقوية آفاق هذه الرؤية وتوسيعها[5].
في السياق نفسه، جاءت دراسات كاتز[6] التي طوّر فيها مفهوم "التدفق الإعلامي على مرحلتين" (Two-Step Flow of Communication) مع لازارسفيلد، تأكيدًا أن الرسائل الإعلامية لا تصل إلى الجمهور مباشرة، وإنما تمر بواسطة قادة الرأي الذين يعيدون تفسيرها وتوزيعها. وعلى المنوال نفسه، شارك كارل هوڤلاند وفريق بحثه في جامعة ييل في تحديد العوامل النفسية التي تؤثر في قبول الرسائل الإقناعية أو رفضها، مثل مصداقية المصدر وترتيب الحجج، وهو ما عزز التصور القائل بأن الجمهور ليس متلقّيًا سلبيًا، بل طرف نشط في عملية الاتصال[7].
وفي إثر هذه النتائج المتراكمة، تحوّل اهتمام الباحثين من السؤال عمّ تفعله وسائل الإعلام بالناس، إلى سؤال أعمق وأدقّ، وهو: :ماذا يفعل الناس بوسائل الإعلام؟". وصار من المسلَّم به علميًا وجود عوامل نفسية واجتماعية وسيطة تعترض مسار المحتوى الإعلامي قبل أن تحدِث أثرها في المتلقي، وأن الجمهور طرف فاعل غير سلبي في عملية الاتصال. وجاء إسهام كلابر عام 1960 تحديدًا في هذه البيئة الفكرية، ليعطي هذا التوجه الصياغة المنهجية والنظرية الشاملة.
نشأة النظرية: إسهامات جوزف كلابر
يعدّ كلابر من أبرز الباحثين في تطوير نظرية التأثير الانتقائي، إذ صاغها في إطار نظري متكامل. تخرّج كلابر في جامعة كولومبيا، وعمل باحثًا في مكتب البحث الاجتماعي التطبيقي. وفي عام 1960، أصدر كتابه المرجعي تأثيرات الاتصال الجماهيري، الذي يعدّ من أشهر الأعمال الكلاسيكية في مجال دراسات الاتصال[8].
لم يقتصر كتاب كلابر المرجعي على تقديم نظرية جديدة فحسب، بل أجرى أيضًا مراجعة نقدية منهجية شاملة لأكثر من ألف دراسة تجريبية وميدانية أُجريت في الفترة ما بين ثلاثينيات القرن العشرين وخمسينياته، واستخلص منها ما سمّاه تعميمات (Generalizations) تعيد تشكيل الصورة الكاملة لتأثيرات وسائل الإعلام. واعتمد في ذلك ما سمّاه النهج الظاهراتي (Phenomenological Approach)، الذي يعني دراسة الظاهرة كما هي حقيقةً في الواقع الاجتماعي، بدلًا من تطبيق نماذج نظرية جاهزة عليها[9].
توصل كلابر إلى مجموعة من التعميمات الأساسية، وأبرزها أن الاتصال الجماهيري لا يعدّ سببًا ضروريًا وكافيًا لإحداث تأثيرات مباشرة في الجمهور، بل يعمل من خلال وسائط، وعوامل مترابطة تجعله جزءًا ضمن منظومة أوسع من المؤثرات الاجتماعية والنفسية. ومن أبرز تعميماته أن وسائل الإعلام غالبًا ما تعمل على تعزيز الاتجاهات والقناعات لدى الأفراد، بدلًا من أن تكون عامل تغيير جذري لها. وعندما يحدث التغيير، يعدّ ذلك استثناءً وليس قاعدة، ويتطلب توافر مجموعة من الظروف النفسية والاجتماعية الملائمة[10].
كذلك أكّد كلابر أهمية دور العوامل الوسيطة (Mediating Factors) في تحديد مصير الرسالة الإعلامية، ومن أبرز هذه العوامل قادة الرأي (Opinion Leaders) الذين يعيدون تفسير الرسائل لمن حولهم، والجماعات المرجعية، مثل الأسرة والأصدقاء ودوائر العمل، التي تحدد كيفية استقبال الرسائل، إضافة إلى السِّمات الشخصية للمتلقي، مثل مستوى التعليم، والميول الثقافية، والنضج الفكري[11].
المفاهيم الأساسية للتأثير الانتقائي
العمليات الانتقائية الأربع في نظرية التأثير الانتقائي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تقوم نظرية التأثير الانتقائي على أربعة مفاهيم رئيسة متسلسلة، تشرح مسار العملية الانتقائية بداية من اللحظة التي يقرر فيها الفرد التعرض لرسالة إعلامية وصولًا إلى الفعل السلوكي الناتج منها[12].
التعرض الانتقائي
يشير التعرض الانتقائي (Selective Exposure) إلى الميل الطبيعي والمكتسب لدى الأفراد للانفتاح على الرسائل الإعلامية التي تتوافق مع آرائهم ومعتقداتهم وقيمهم الراسخة، مع تجنّب الرسائل التي قد تسبب لديهم توترًا معرفيًا. يمكن أن يكون هذا التعرض مقصودًا وواعيًا، كأن يختار الفرد متابعة قناة إخبارية معينة، لأنه يعرف أنها تتبنى توجهاته السياسية، أو قد يكون غير واعٍ، إذ يتجه الفرد تلقائيًا نحو محتوًى يحقق له الراحة الذهنية[13].
وتكشف الدراسات أن هذا النمط يظهر في سياقات متعددة، ففي مجال الإعلام السياسي يميل مؤيدو الأحزاب المختلفة إلى استهلاك المحتوى الذي يدعم آراءهم، وتجنّب وسائل الإعلام ذات الآراء المعاكسة. أما فيما يتعلق بالمعتقدات الصحية، فإن الأفراد الذين يتبنون سلوكات صحية غير سليمة يتجنبون المحتوى الذي يسلط الضوء على أضرار تلك السلوكات.
ومن أشهر الدراسات التي وثّقت هذا النمط دراسة أيينغار وهان المنشورة في Journal of Communication، التي أثبتت أن الجماهير الأميركية تميل إلى اختيار القنوات الإخبارية التي توافق توجهاتهم السياسية المسبقة، إذ فضّل المحافظون قناة Fox News، في حين آثر الليبراليون CNN وMSNBC[14]. وبالمثل، كشفت دراسة ستراود في Political Behavior أن التعرض الانتقائي للمحتوى السياسي يعمّق الاستقطاب بمرور الوقت عوضًا عن تقليصه[15]. وعلى صعيد الإعلام الصحي، بحثت دراسة يوري هوانغ في ما إذا كان الشباب المدخنون يمارسون التعرض الانتقائي أو الإدراك الانتقائي لرسائل حملات مكافحة التبغ. وبالاستناد إلى بيانات مسحية وطنية عن استجابات الشباب الأميركيين لعدد من هذه الحملات، وجدت الدراسة أن المدخنين كانوا أكثر ميلًا من غير المدخنين إلى انتقاص قيمة رسائل الحملة أو رفضها، وهو ما يندرج ضمن الإدراك الانتقائي، ولكنها لم تجد فرقًا بين المجموعتين في مقدار التعرض للحملات. ولذلك لا تدعم الدراسة القول إن المدخنين يتجنبون التعرض لهذه الحملات مباشرة، أو إن هذا التجنّب يرتبط بمستوى اعتمادهم على النيكوتين[16].
وفي البيئة الرقمية، اتخذ التعرض الانتقائي أبعادًا جديدة ومعقدة، إذ أضافت خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث مستوًى إضافيًا من الفلترة التلقائية. تفرز هذه الخوارزميات المحتوى الذي يظهر للمستخدم بناء على تفضيلاته وسلوكاته السابقة، ما يؤدي إلى ظهور ظاهرة الفقاعات التصفوية (Filter Bubbles) التي أشار إليها إيلي باريزر (Eli Pariser) في عام 2011، إذ يرى المستخدم فقط ما يتوافق مع قناعاته، ما يقلل من فرص التعرض للآراء المختلفة[17].
الإدراك الانتقائي
يشير الإدراك الانتقائي (Selective Perception) إلى ميل الأفراد إلى تفسير الرسائل الإعلامية وتأويلها وفقًا لإطارهم المرجعي الخاص، حتى عندما يتعرض العديد منهم للرسالة نفسها، فالإدراك ليس عملية موضوعية تعكس الواقع كما هو، بل هو عملية بنائية فعالة، يعيد الفرد من خلالها تشكيل المعلومات المستقبَلة لتتناسب مع بنيته المعرفية، ويُعرف هذا الميل بالتحيّز الانتقائي (Selective Bias)، إذ يركز الفرد على التفاصيل التي تدعم موقفه، ويقلل من أهمية التفاصيل المخالفة، أو يعيد تفسيرها بما يتوافق مع منظومته المعرفية[18].
توجد العديد من الأمثلة في الأدبيات الاتصالية على هذا المفهوم، ففي دراسة كلاسيكية أجراها هاستورف وكانتريلعن مباراة كرة قدم جامعية مثيرة للجدل، طُلب من مشجعي الفريقين المتنافسين مشاهدة التسجيل نفسه وتدوين المخالفات، وقد رصد المشجعون مخالفات الفريق المنافس بمعدل أعلى بكثير من مخالفات فريقهم، وهو ما يثبت أن "المشاهدة الموضوعية" ليست إلا مجرد وهم في مواقف يتعرض فيها انتماء الفرد الهوياتي للاختبار[19].
التذكر الانتقائي
يشير التذكر الانتقائي (Selective Retention) إلى أن الذاكرة البشرية ليست مجرد مستودع حيادي يحفظ المعلومات بالتساوي، بل هي عملية نشطة تتأثر تأثّرًا بالغًا بالدوافع النفسية والمعتقدات المسبقة للفرد، إذ يميل الناس إلى تذكر المعلومات والحجج التي تتوافق مع مواقفهم ومعتقداتهم بدقة أعلى، ولفترات زمنية أطول، مقارنة بالمعلومات التي تعارضها فتُنسى أو تُتذكر على نحوٍ مشوهٍ ومنقوص[20].
تُكسب هذه الآلية الاتجاهات القائمة متانة زمنية إضافية، فمع مرور الوقت يتراكم لدى الفرد مخزون معرفي متحيّز يدعم قناعاته باستمرار، في حين تتلاشى المعلومات التي تناقض هذه القناعات. يفسر هذا المفهوم ظاهرة يعيشها كثيرون في المجال السياسي، إذ يتمكن مؤيدو حزب سياسي معين من استحضار إنجازاته بسهولة ونسيان أخطاء خصومه، في حين يجدون صعوبة في استرجاع إخفاقات حزبهم المفضل[21].
الفعل الانتقائي
يمثل الفعل الانتقائي (Selective Action)المرحلة الأخيرة والمحصلة النهائية للسلسلة الانتقائية، إذ يعبّر عن السلوك الفعلي الذي يؤدي الفرد بعد تعرضه للرسالة الإعلامية، ومروره بمراحل الإدراك والتذكر. يشير كلابر إلى أنه لا يمكن أن تؤدي أي رسالة إعلامية إلى سلوك معين، مثل: التصويت لمرشح، أو تغيير العادات الصحية، أو اتخاذ قرار شراء، إلا إذا مرّت بنجاح عبر المرشّحات الانتقائية السابقة كافة، وتوافقت في نهاية الأمر مع الدوافع والاحتياجات العميقة للمتلقي[22].
يعدّ الفعل الانتقائي في نظر كلابر ذا طابع تعزيزي في الغالب؛ أي أن يؤدي الفرد سلوكًا كان لديه ميل إليه مسبقًا، فتأتي الرسالة الإعلامية عاملًا محفزًا، وليست عاملًا مؤسسًا للسلوك من العدم. ومن ثم تظل وسائل الإعلام في هذا السياق، عوامل مساعدة ضمن منظومة أكبر من المؤثرات الاجتماعية والنفسية التي تؤثر في قرارات الأفراد وسلوكاتهم.
الأطروحات الأساسية في النظرية
تدور الأطروحات الأساسية لنظرية التأثير الانتقائي، كما صاغها كلابر وأغناها الباحثون لاحقًا، حول ستة محاور رئيسة:
- نشاط الجمهور والرغبة في الاختيار: الجمهور ليس كتلة موحدة تتلقى الرسائل الإعلامية آليًا، بل هو مجموعة من الأفراد النشطين الذين يمتلكون القدرة على الاختيار، والتمييز، والمقاومة[23].
- التأثير عملية تفاعلية: لا يعتمد تأثير الرسالة على مضمونها ومصدرها فحسب، بل على التفاعل المعقد بين هذه الرسالة وخصائص المتلقي النفسية والاجتماعية[24].
- الوظيفة التعزيزية: تعمل وسائل الإعلام عادة على تعزيز القيم والاتجاهات والمعتقدات الموجودة، ويعدّ التغيير الجذري في هذه الاتجاهات استثناء وليس قاعدة[25].
- دور العوامل الوسيطة: لا تصل الرسالة إلى المتلقي في بيئة اجتماعية فارغة، بل تمر من خلال شبكة من العوامل الوسيطة المتمثلة في قادة الرأي، والجماعات المرجعية، والخصائص الشخصية[26].
- محدودية التأثير المباشر: نادرًا ما تكون وسائل الإعلام سببًا كافيًا لإحداث تغيير على المستوى السلوكي أو المعرفي وحدها، بل تعمل ضمن مجموعة من المتغيّرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية[27].
- الاتساق المعرفي محرّكًا: إن السعي إلى تحقيق الاتساق المعرفي وتجنب التنافر هو ما يشكل الدافع الرئيس وراء العمليات الانتقائية الأربع مجتمعة[28].
تطبيقات النظرية في مجالات الاتصال الجماهيري
الإعلام السياسي والحملات الانتخابية
تجمع ضمن حملة انتخابية في إيطاليا، 1948
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تقدم نظرية التأثير الانتقائي تفسيرًا شاملًا لإحدى أبرز المعضلات في الاتصال السياسي، وهي قلة قدرة الحملات الإعلامية الانتخابية على تحويل الأصوات من مرشح إلى آخر، إذ يظهر الناخبون ميلًا انتقائيًا عاليًا نحو المحتوى الذي يدعم مرشحيهم المفضلين، ويدركون خطاب الخصوم بطريقة انتقائية تعزز من مواقفهم السلبية تجاهه. وكذلك فإنهم يحتفظون في ذاكرتهم بالمعلومات التي تتماشى مع قناعاتهم الحزبية السابقة. وتشير الأبحاث إلى أن الوظيفة الكبرى للحملات الإعلامية هي تنشيط المؤيدين الكامنين وزيادة حماسهم، بدلًا من محاولة استمالة المعارضين[29].
الإعلان والتسويق التجاري
يعتمد مصممو الحملات التسويقية الناجحة على مبادئ هذه النظرية لاستهداف الجماهير ذوي الميول المسبقة نحو المنتج أو الخدمة، إذ إن الإعلان الفاعل لا يخلق احتياجات جديدة من لا شيء، بل يخاطب احتياجات موجودة، ويقدم المنتَج بوصفه حلًا مثاليًا يتناسب مع نمط حياة المستهلك وهويته، وكذلك تفسر النظرية ظاهرة تجاهل الإعلانات (Ad Blindness) التي تدفع المعلنين إلى استخدام أسلوب الاستهداف السلوكي الدقيق، لضمان وصول رسائلهم إلى من هم في حالة انتقائية مناسبة[30].
الإعلام الصحي والتوعوي
تواجه حملات التوعية الصحية تحديات بنيوية ترتبط مباشرة بمفاهيم النظرية، إذ يميل الأفراد الذين يتبنون سلوكات صحية غير سليمة إلى تفادي الرسائل التحذيرية، أو تفسيرها بطريقة تقلل من تأثيرها فيهم شخصيًا، تخفيفًا للتنافر المعرفي. وكذلك ينصح الباحثون بتصميم رسائل لا تكتفي بالتحذير فقط، بل تقدّم بدائل سلوكية واقعية، تقلل من التنافر وتجعل اعتماد السلوك الصحي أسهل نفسيًا، وأقل كلفة على المتلقي[31].
الانتقادات الموجهة إلى النظرية والتطورات اللاحقة
على الرغم من أن النظرية تقدم تفسيرات قوية، تعرضت لانتقادات علمية رئيسة أسهمت في تطويرها وتوسيع نطاقها. ومن أبرز هذه الانتقادات أنها بالغت في تأكيد محدودية التأثير الإعلامي، وهو ما قد يؤدي إلى تجاهل التأثيرات التراكمية طويلة الأمد التي يمكن أن تحدثها وسائل الإعلام على مستوى الثقافة والمجتمع بشكل عام. وقد سَعَت نظريات لاحقة إلى معالجة هذا القصور، مثل نظرية ترتيب الأولويات (Agenda Setting) لماكسويل ماكومبس (Maxwell McCombs) ودونالد شو (Donald Lewis Shaw)، ونظرية الغرس الثقافي (Cultivation Theory) لجورج غيربنر (George Gerbner)، اللتين تركزان على التأثيرات المتراكمة والمستمرة لوسائل الإعلام في تشكيل الآراء العامة[32].
جورج غيربنر، أستاذ الاتصال وصاحب نظرية "الغرس الثقافي"
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تعرّض التركيز الشديد على الاتساق المعرفي أيضًا للانتقاد بوصفه الدافع الرئيس للسلوك الانتقائي، إذ أثبتت دراسات لاحقة أن الأفراد قد يسعون أحيانًا إلى الحصول على معلومات متناقضة بدافع الفضول المعرفي، أو لرغبتهم في فهم وجهات نظر الآخرين، أو حتى لدوافع ترفيهية. وقد أدى هذا النقد إلى التمييز بين الانتقائية الدفاعية (Defensive Selectivity) التي تهدف إلى حماية المعتقدات، والانتقائية الاستكشافية (Exploratory Selectivity) التي تستهدف التعلم والنمو المعرفي[33].
على صعيد التطورات اللاحقة، دُمجت مفاهيم النظرية مع نماذج معالجة المعلومات الحديثة، مثل نموذج احتمالية التوسع (Elaboration Likelihood Model)، وذلك لفهم كيفية تأثير الدوافع الانتقائية في عمق معالجة الرسالة الإقناعية. كذلك أسهمت علوم الأعصاب الحديثة في تقديم دلائل بيولوجية تدعم افتراضات النظرية، إذ أظهرت صور الرنين المغناطيسي الوظيفي أن الدماغ يستجيب بالانزعاج عند مواجهة معلومات تتناقض مع المعتقدات الراسخة[34].
ومن أبرز الإسهامات التي وسّعت آفاق النظرية ما قدّمه كل من دولف زيلمان (Dolf Zillmann) وجينينغز براينت (Jennings Bryant)، إذ ربطا الاختيار الانتقائي للمضامين الإعلامية بالدوافع النفسية العميقة للمستخدم، مثل الحاجة إلى إدارة الحالة المزاجية (Mood Management) وتنظيم مستوى الإثارة. وقد أثبتت أبحاثهما أن الأشخاص لا يختارون المحتوى الإعلامي للاستجابة للتنافر المعرفي فحسب، بل أيضًا للبحث عن التوازن الانفعالي، وهو ما أضاف بعدًا وجدانيًا لم تأخذه نظرية كلابر في الاعتبار[35].
النظرية في البيئة الرقمية المعاصرة
أعادت البيئة الرقمية المعاصرة، التي تشمل منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث وخوارزميات تخصيص المحتوى، إظهار أهمية نظرية التأثير الانتقائي، مع توسيع مفاهيمها على نحوٍ لم يتوقعه كلابر؛ فما عادت العمليات الانتقائية مجرد سلوك مقتصر على اختيارات الأفراد الواعية وغير الواعية، والإرادي أو اللاإرادي، بل أصبحت تتداخل مع أنظمة تقنية تعمل على تنظيم تدفق المعلومات وتصفية المحتوى المعروض للمستخدمين، ما أدى إلى ظهور مفهوم الفقاعات التصفوية التي تشير إلى حالة يتعرض فيها الأفراد لمحتوًى يتوافق مع ميولهم واتجاهاتهم باستمرار، نتيجة تدخل الخوارزميات في انتقاء المعلومات، ومفهوم غرف الصدى (Echo Chambers)، حيث يُعاد إنتاج الآراء نفسها داخل جماعات رقمية مغلقة، وهو ما يعزز القناعات القائمة ويحد من التفاعل مع الاختلاف. وبطريقة أوضح، تعرض الخوارزميات الرقمية المعتمدة في منصات، مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك، المحتوى بناء على سجل تفاعلات المستخدمين واهتماماتهم السابقة، ما يؤدي إلى تعزيز نمط التعرض الانتقائي بشكل آلي، فتُعزَّز قناعاتهم باستمرار، وتقلل من فرص التعرض لوجهات نظر مختلفة[36].
تكشف هذه الظواهر أن الانتقائية ما عادت مجرد سلوك فردي، بل أصبحت عملية مشتركة بين المستخدم والنظام التقني، ما دفع بعض الباحثين إلى الحديث عن الانتقائية الخوارزمية (Algorithmic Selectivity) بوصفها امتدادًا للنظرية في الوقت الحالي. ففي هذا الإطار، لا يقتصر دور الفرد على اختيار المحتوى فحسب، بل تشارك الخوارزميات في توجيه هذا الاختيار من خلال ترتيب المعلومات وتحديد أولويات ظهورها.
وبالرغم من الانتقادات والتطوّرات التي طرأت، تظل أطروحات كلابر وفيستنجر ذات صلة وإلهام، غير أن تطويرها في السياق الرقمي يمثل أحد أبرز التحديات البحثية التي تواجه دراسات الاتصال حاليًا[37].
وفي ظل انتشار المعلومات المضللة والأخبار الزائفة (Fake News)، يظهر التأثير الانتقائي بشكل أوضح، إذ يميل الأفراد في البيئات الرقمية المستقطبة، إلى تصديق المحتوى الذي يتوافق مع معتقداتهم السابقة ومشاركته، حتى في ظل ضعف مصداقيته. ويعزز التحيز التأكيدي (Confirmation Bias) هذه الظاهرة، ما يجعل محاولات تصحيح المعلومات تواجَه بالمقاومة، وتكون أقل فاعلية مما ينبغي، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى تعزيز المعتقدات الخطأ بدل تعديلها، وهو ما يُعرف بتأثير الارتداد (Backfire Effect)[38].
ومع هذا كله، تشير بعض الدراسات الحديثة إلى أن البيئة الرقمية لا تعزز الانتقائية الدفاعية فحسب، إنما قد تتيح أيضًا أنماطًا من الانتقائية الاستكشافية، إذ يسعى بعض المستخدمين إلى التعرض لوجهات نظر مختلفة بدافع الفضول المعرفي أو الرغبة في الفهم. ويعكس ذلك تعقيد العلاقة بين الأفراد والمحتوى الرقمي، وعدم اختزالها في نمط واحد من السلوك الانتقائي. فلم تلغِ البيئة الرقمية افتراضات نظرية التأثير الانتقائي، بل أعادت تشكيلها وتوسيعها، وذلك من خلال إدخال فاعل جديد يتمثل في الخوارزميات، ما يجعل فهم التأثير الإعلامي المعاصر يرتبط بتحليل التفاعل بين العوامل التقنية والنفسية والاجتماعية في آن واحد.
المراجع
Cooper, Joel. Cognitive Dissonance: 50 Years of a Classic Theory. Los Angeles, Calif & London: SAGE Publications, 2007.
Eagly, Alice Hendrickson & Shelly Chaiken. The Psychology of Attitudes. Fort Worth, TX: Harcourt Brace Jovanovich, 1993.
Festinger, Leon. A Theory of Cognitive Dissonance. Stanford, CA: Stanford University Press, 1957.
Griffin, Em, Andrew Ledbetter & Glenn Sparks. A First Look at Communication Theory. 10th ed. New York: McGraw-Hill, 2019.
Harmon-Jones, Eddie (ed.). Cognitive Dissonance: Reexamining a Pivotal Theory in Psychology. 2nd ed. Washington, DC: American Psychological Association, 2019.
Hastorf, Albert H. & Hadley Cantril. “They Saw a Game: A Case Study.” The Journal of Abnormal and Social Psychology. vol. 49, no. 1 (1954). pp. 129–134.
Hovland, Carl I., Irving L. Janis & Harold H. Kelley. Communication and Persuasion: Psychological Studies of Opinion Change. New Haven, CT: Yale University Press, 1953.
Hwang, Yoori. “Selective Exposure and Selective Perception of Anti-Tobacco Campaign Messages: The Impacts of Campaign Exposure on Selective Perception.” Health Communication. vol. 25, no. 2 (2010). pp. 182-190.
Iyengar, Shanto & Kyu S. Hahn. “Red Media, Blue Media: Evidence of Ideological Selectivity in Media Use.” Journal of Communication. vol. 59, no. 1 (2009). pp. 19–39.
Katz, Elihu & Paul F. Lazarsfeld. Personal Influence: The Part Played by People in the Flow of Mass Communications. Glencoe, IL: Free Press, 1955.
Klapper, Joseph T. The Effects of Mass Communication. New York: Free Press, 1960.
Lazarsfeld, Paul F., Bernard Berelson & Hazel Gaudet. The People's Choice: How the Voter Makes Up His Mind in a Presidential Campaign. New York: Duell, Sloan and Pearce, 1944.
Stroud, Natalie Jomini. “Media Use and Political Predispositions: Revisiting the Concept of Selective Exposure.” Political Behavior. vol. 30, no. 3 (2008). pp. 341–366.
Vaidis, David C. & Alexandre Bran. “Respectable Challenges to Respectable Theory: Cognitive Dissonance Theory Requires Conceptualization Clarification and Operational Tools.” Frontiers in Psychology. vol. 10 (2019). article no. 1189.
[1] Leon Festinger, A Theory of Cognitive Dissonance (Stanford, CA: Stanford University Press, 1957), p. 3.
[2] Ibid., pp. 18–19.
[3] Joel Cooper, Cognitive Dissonance: 50 Years of a Classic Theory (Los Angeles, Calif & London: SAGE Publications, 2007), p. 10.
[4] Paul F. Lazarsfeld, Bernard Berelson & Hazel Gaudet, The People's Choice: How the Voter Makes Up His Mind in a Presidential Campaign (New York: Duell, Sloan and Pearce, 1944).
[5] Em Griffin, Andrew Ledbetter & Glenn Sparks, A First Look at Communication Theory, 10th ed. (New York: McGraw-Hill, 2019), pp. 210–212.
[6] Elihu Katz & Paul F. Lazarsfeld, Personal Influence: The Part Played by People in the Flow of Mass Communications (Glencoe, IL: Free Press, 1955), p. 32.
[7] Carl I. Hovland, Irving L. Janis & Harold H. Kelley, Communication and Persuasion: Psychological Studies of Opinion Change (New Haven, CT: Yale University Press, 1953), p. 20.
[8] Joseph T. Klapper, The Effects of Mass Communication (New York: Free Press, 1960), p. 5.
[9] Ibid., p. 8.
[10] Ibid., p. 15.
[11] Ibid., pp. 20–21.
[12] Ibid., pp. 19–25.
يشير كلابر أساسًا إلى ثلاث عمليات انتقائية: التعرض، والإدراك، والتذكر، وقد أضاف باحثون لاحقون الفعل الانتقائي بوصفه مرحلة رابعة مكملة للنموذج.
[13] Festinger, p. 30.
[14] Shanto Iyengar & Kyu S. Hahn, “Red Media, Blue Media: Evidence of Ideological Selectivity in Media Use,” Journal of Communication, vol. 59, no. 1 (2009), pp. 19–39.
[15] Natalie Jomini Stroud, “Media Use and Political Predispositions: Revisiting the Concept of Selective Exposure,” Political Behavior, vol. 30, no. 3 (2008), pp. 341–366.
[16] Yoori Hwang, “Selective Exposure and Selective Perception of Anti-Tobacco Campaign Messages: The Impacts of Campaign Exposure on Selective Perception,” Health Communication, vol. 25, no. 2 (2010), pp. 182-190.
[17] David C. Vaidis & Alexandre Bran, “Respectable Challenges to Respectable Theory: Cognitive Dissonance Theory Requires Conceptualization Clarification and Operational Tools,” Frontiers in Psychology, vol. 10 (2019), article no. 1189, p. 3.
[18] Alice Hendrickson Eagly & Shelly Chaiken, The Psychology of Attitudes (Fort Worth, TX: Harcourt Brace Jovanovich, 1993), p. 315.
[19] Albert H. Hastorf & Hadley Cantril, “They Saw a Game: A Case Study,” The Journal of Abnormal and Social Psychology, vol. 49, no. 1 (1954), pp. 129–134.
[20] Griffin, Ledbetter & Sparks, p. 218.
[21] Klapper, pp. 19–21.
[22] Ibid., p. 22.
[23] Ibid., p. 23.
[24] Ibid., p. 15.
[25] Ibid., p. 20.
[26] Ibid., p. 21.
[27] Griffin, Ledbetter & Sparks, p. 215.
[28] Festinger, p. 40.
[29] Griffin, Ledbetter & Sparks, p. 220.
[30] Cooper, p. 87.
[31] Eddie Harmon-Jones (ed.), Cognitive Dissonance: Reexamining a Pivotal Theory in Psychology, 2nd ed. (Washington, DC: American Psychological Association, 2019), p. 38.
[32] Griffin, Ledbetter & Sparks, p. 225.
[33] Cooper, p. 90.
[34] Harmon-Jones (ed.), p. 42.
[35] Griffin, Ledbetter & Sparks, pp. 350–355.
[36] Vaidis & Bran, p. 5.
[37] Ibid., p. 9.
[38] Ibid., p. 7.