الموجز
المعجم الشعري المقصود به ليس جملة ما استعمل الشعراء في عموم المدونات الشعرية من كلام – باعتبار ذلك مدونة نوعية أصغر تمثل قسمًا من الطاقة المستخدمة من اللغة- وإنما هو ما يلفت الانتباه، إما بتواتره وإما بتفرده، ضمن هذا الكلام الشعري. وتتجسم الدراسة المعجمية في جمع عينات ممثَّلة من كلا الصنفين وتنظيمها في أطر أو حقول معجمية ثم وسمها واستنطاقها عن دلالاتها الخاصة وعن إسهامها –مع غيرها من مواد التنغيم والتركيب والتخييل- في إنتاج دلالات الشعر العامة. وتُفيد دراسة المواد المعجمية المستخدمة في الشعر العربي، منذ أقدم تجلّياته، بأن النزعات المهيمنة على لغة هذا الشعر تتمثّل أساسًا في غلبة السمة البدوية المتأثرة ببيئة الصحراء وحياة الظعن، وبكارة الاستعمال ودلالة الألفاظ على معانٍ سابقة على زمن التجريد واتساع
المجاز. كذلك تمثلت هذه النزعات في تواتر
غريب اللغة وارتباطه بأنواع من الشعر وبموضوعات ومعانٍ شعرية بعينها وبثقافة الشاعر واختياره الفني، وفي اشتراك الشعراء في رصيد من القوالب التعبيرية والصيغ الجاهزة وتنويعهم على أصولها.
مفهوم المعجم الشعري ومناهج دراسته
لئن كانت مسألة "المعجم الشعري" يمكن أن تُطرح في خصوص كلّ شعر –أيًا كان العصر الذي قيل فيه وأيًا كان قائلوه- لكونها مسألة ضرورية لتعيين أحد مقومات الشعر المهمة، وهو لغته ومادة خطابه الأولى، فإنه من المنطقي أن تكون أولوية طرحها لقديم الشعر لأنه أصل لكل ما يأتي بعده ويستجدّ. ومن ثم، فإن المدونة المقصودة بهذه المقالة في المقام الأول هي مدونة
الشعر العربي القديم أصلًا وما كان لها من استمرار وما تولّد منها عبر عصور الشعر اللاحقة.
وقد أشار الباحثون في لغة الشعر ورصيده المعجمي من أمثال جويل غارد-تامين ( Joëlle Gardes-Tamine) وجون مولينو (Jean Molino)[1] إلى وجود إمكانيتَيْن لدراسة هذا المظهر من مظاهر إنشائية الشعر: أولاهما النظر في ما يسمّى "الكلمات-المفاتيح" (Les mots-Clés)، وهي أكثر الألفاظ والعبارات اطّرادًا وتواترًا واحتلالًا لمساحة المدونة الشعرية المدروسة. والثانية هي الاهتمام، على العكس من ذلك، بغير المتواتر أي بما هو خاص ونوعي ضمن عناصر المعجم الشعري يلفت الانتباه بندرته ونشازه وفرادة استخدامه ودوره في تخصيص الدلالة.
وبناء على هذه الفكرة واستنادًا إلى ما يلفت الانتباه سواء بكثرته وعموميته أو بقلّته وخصوصيته من ملامح الشعر العربي القديم، يُهتَم بالمحاور الدلالية التالية:
المعجم البدوي والصحراوي في القصيدة القديمة
هذه أوضح ظواهر المعجم وأكثرها تواترًا وهيمنة على مساحة النصّ الشعري العربي، وتبريرها ليس بالأمر العسير لأنه عائد إلى خصائص البيئة الطبيعية التي شكّلت الإطار العام لهذا الشعر وخلفيته العامة البعيدة، وأبرزها صعوبة تضاريسها وحرارة طقسها نهارًا وبرودته ليلًا وهيمنة الجفاف والجدب عليها وضروب الحيوان والنبات والشجر الموجودة بها، مثلما هو عائد إلى نمط الحياة وأنشطة الإنسان وأشياء العيش في عالم البداوة القديم ونوع الروابط والأدوار الاجتماعية، فالمكان يطغى على أوصافه الفراغ والوحشة والرتابة ويختص بتغوّل السراب وشدة الحر نهارًا، على ما يظهر في مثل قول الشاعر المخضرم سُوَيد بن أبي كاهل اليَشْكُري (ت. قبل 50هـ) يصف المكان القفر:
كَمْ قَطَعْنا دونَ سَلْمى مَهْمَهًا | نازحَ الغَوْرِ إِذا الآلُ لَمَعْ |
في حَرورٍ يُنْضَجُ اللَّحْمُ بِها | يَأْخُذُ السَّائرَ فِيها كَالصَّقَعْ[2] |
يختص بالوحشة ليلًا، على ما في مثل قول المرقّش الأكبر (ت. 570م):
وَدَوِيَّةٍ غَبْراءَ قَدْ طالَ عَهْدُهَا | تَهالَكَ فيها الوِرْدُ والمَرْءُ ناعِسُ |
تَرَكْتُ بها لَيْلًا طَويلًا وَمَنْزِلًا | وَمَوْقِدَ نارٍ لَمْ تَرُمْهُ القَوابِسُ |
وَتَسْمَعُ تَزْقاءً مِنَ البُومِ حَوْلَنا | كَما ضُرِبَتْ بَعْدَ الهُدوءِ النَّواقِسُ[3] |
وتعيش به قطعان الأبقار والحُمُر الوحشية وأسراب النعام والقطا وسائر حيوان الصحراء في مأمن من إزعاج الإنس:
وَلَمْ تَسَمَّعْ بِهِ صَوتًا فَيُفْزِعَها | أَوابِدُ الرُّبْدِ والعِينُ المَطافيلُ |
كَأَنَّ أَطْفالَ خِيطانِ النَّعامِ بِهِ | بَهْمٌ مُخالِطُهُ الحُفَّانُ والحُولُ[4] |
كذلك تنبعث وحشة المكان من الأطلال والدِّمن والمنازل الخالية بعد الأنيس التي تسجّل ما كان يسود حياة البدو من ظعن وترحّل بسبب مواسم الجفاف والجدب ويحملهم على الفراق والتشتّت العاطفي والحزن، وهو قول بشامة بن الغدير (ت. نحو 580م):
دَرَسَتْ وَقَدْ بَقِيَتْ على حِجَجٍ | بَعْدَ الأَنِيسِ عَفَوْنَها سَبْعِ |
إِلَّا بقايا خَيْمَةٍ دَرَسَتْ | دارَتْ قَواعِدُها على الرَّبْعِ |
فَوَقَفْتُ في دارِ الجَميعِ وَقَدْ | جالَتْ شُؤونُ الرَّأْسِ بالدَّمْعِ[5] |
أثر البيئة في الصورة الشعرية
ثم إن أثر البيئة الصحراوية وشبه الصحراوية -بتضاريسها ومناخها ونباتها وحيوانها- يتجاوز المعجم الشعري إلى الجهاز البلاغي فيظهر على صعيد
التمثيل {{التمثيل: والمقصود به مختلف أشكال تجسيد الأشياء والظواهر والذوات والعواطف والمواقف، بغاية تحويل المجرّدات إلى محسوسات، وهو من أهم مقومات الخطاب الشعري ومن أبرز آلياته، ومن خواصه أن مواد الصورة فيه حية متجددة مهما كان قِدمها وهو ما يبرر استمرار مراجع التخييل الجاهلي حتى عند شعراء الحداثة من أمثال مظفّر النوّاب أو أحمد مطر.}} ونظام
الصورة الشعرية، ويُقصَد بهذا أن الشعراء يستقون من بيئتهم نعوتهم وتشبيهاتهم واستعاراتهم، ومن ذلك تشبيه إبريق الخمر بالظّبي:
كَأَنَّ إِبْرِيقَهُمْ ظَبْيٌ عَلى شَرَفٍ | مُفَدَّمَ بِسَبَا الكَتَّانِ مَرْثُومُ |
وتشبيه السيوف بأذناب البقر الوحشية:
تَراها كَأْذنَابِ الحَسِيلِ صَوَادِرًا | وَقَدْ نَهَلَتْ مِنَ الدِّمَاء وَعَلّتِ[6] |
والرماح بحبال البئر:
كَأنَّها بِأَكُفِّ القَوْمِ إِذْ لَحِقُوا | مَوَاتِحُ البِئْرِ أَوْ أَشْطَانُ مَطْلُوبِ[7] |
أو بالثعابين: قال الشّاعر في تشبيه الرمح بالثعبان:
أَصَمُّ إِذا ما هُزَّ مارَتْ سَرَاتُهُ | كَمَا مَارَ ثُعْبَانُ الرِّمَالِ المُوائِلُ[8] |
وتشبيه المصائب بالسهام والهارب بالنعامة والموت بالضبع وردف المرأة بكثيب الرمل. ومن ذلك أيضًا، استعارة بعض عناصر البيئة، ولا سيما العناصر الأساسية أو الضرورية ذات الحضور الأكيد في الحياة الصحراوية، مثل "الماء" الذي يُوَظّف في كل الأغراض تقريبًا: في الوصف (وصف السحاب والمطر خاصة)، والفخر (كثرة الجود)، وفي الرثاء (الاستسقاء للقبور)، بل وفي الغزل أيضًا (تشبيه الرُّضاب بالخمر مصفّقة بماء السحاب) إلى غير ذلك.
قدامة اللغة وبكارة الاستعمال
الألفاظ ذات الدلالات القديمة
المقصود بهذا هو أن الشعراء القدامى قد سبقوا سائر مَنْ عُرِف بعدهم في أطوار الشعر اللاحقة إلى استخدام كثير من الألفاظ بمعانيها الأولى الأصلية المحسوسة التي كانت لها قبل أن يدركها التجريد، وأجْرَوْا كثيرًا من الكلمات في دلالاتها التي هي بمنزلة النواة المعنوية الأصلية المذكِّرة بالحاجة التعبيرية الأولى والأسبق تاريخيًا، وهي ظاهرة يشترك فيها شعر كتب الاختيارات مثل
المفضّليات وطبقات فحول الشعراء والجمهرة مع شعر القبائل كهُذَيل، وإن كانت في
ديوان الهُذَليّين أوضح وأكثر تواترًا نسبيًا لكون هذا الشعر أكثر بداوة فمحافظة على الأوضاع اللغوية العتيقة. ومن أمثلتها الدالة قول ساعدة بن جؤيَّة (مخضرم) في مقام رثاء:
وَعَاودَني دِيني فَبِتُّ كَأَنَّما | خِلالَ ضُلوعِ الصَّدرِ شِرْعٌ مُمَدَّدُ[9] |
|
إذ استعمل كلمة "ديني" بمعنى حالي وعادتي التي كانت تعتادني، وقوله يصف شيخًا هرمًا:
إِنْ تَأْتِهِ في نَهارِ الصَّيفِ لا تَرَهُ | إِلَّا يُجَمِّعُ ما يَصْلَى مِنَ الجُحَمِ[10] |
إذ استخدم "الجُحَمْ" وهي جمع جُحْمَة بمعنى حرّ النّار.
وقول
أبي ذؤيب الهذلي يصف الطريق:
بِهِ رُجُماتٌ بَيْنَهُنَّ مَخارِمٌ | نُهُوجٌ كَلَبَّاتِ الهِجانِ تَفيحُ[11] | |
إذ استخدم "رُجُمات" وهي جمع رُجمة للحجارة المتراكمة و"نُهوج" جمع " نهج" بمعنى واضحة.
وقوله عن الطيف:
عَصاني الفُؤادُ فَأَسْلَمْتُهُ | وَلَمْ أَكُ مِمَّا عَناهُ ضَريحَا[12] |
إذ استعمل كلمة "ضريح" بمعنى "بعيد" (والضريح هو القبر البعيد).
وقوله الآخر في وصف ثور الوحش:
يَرْمي بِعَيْنيْهِ الغُيوبَ وَطَرْفُهُ | مُغْضٍ يُصَدِّقُ طَرْفُهُ ما يَسْمَعُ[13] |
إذ استخدم كلمة "الغيوب" جمعا لغيب وهو الموضع الذي لا يُرى ما وراءه أو ما في قرارته.
وقول أسامة بن الحارث الهذلي (مخضرم) يفخر:
وَما أَنا والسَّيْرَ في مَتْلَفٍ | يُعَبَّرُ بالذَّكَرِ الضَّابِطِ[14] |
إذ استخدم كلمة "الضابط" بمعنى الجمل العظيم.
ومما يوضّح هذه الظاهرة من سائر الشعر قول لبيد بن ربيعة (ت. نحو 35هـ) في المعلّقة، عن الشمس:
حَتَّى إِذا أَلْقَتْ يدًا في كافِرٍ | وَأَجَنَّ عَوْراتِ الثُّغورِ ظَلامُها |
إذ استخدم كلمة "كافر" لوصف الليل بمعنى مظلم مُخفٍ و"عورات" بمعنى مآتي الخطر.
ومن هذا القبيل قول
الشَّنْفَرى الأزدي (ت. 575م) يصف الليلة التي غزا فيها بني سلامان، قاتلي أبيه:
وَليْلَةِ نَحْسٍ يَصْطَلي القَوْسَ رَبُّها | وَأَقْطُعَهُ اللَّاتي بِها يَتَنَبَّلُ[15] |
وهو كلام تدلّ فيه كلمة "نحس" على الظلام الحالك، وهو أصل دلالتها.
وكذلك قول أبي زُبيْد الطائي (مخضرم) يرثي أخاه الجُلاح:
غَيْرَ أَنَّ الجُلاحَ هدَّ جناحي | يَوْمَ فارَقْتُهُ بِأَعْلَى الصَّعيدِ |
في ضَرَيحٍ عَلَيْهِ عِبْءٌ ثَقِيلٌ | مِنْ تُرابٍ وَجَنْدَلٍ مَنْضودِ[16] |
إذ استعمل لفظ "العبء" بمعنى الكُدس الثقيل من التراب والحجر يوضع فوق القبر: وهذا أصل معنى العبء على ما يبدو[17].
وكل هذه أمثلة من استخدامات دالّة على مظهر حاسم من مظاهر شعرية القصيدة القديمة، يتمثّل في بكارة اللغة وإجراء الشعراء لها ضمن مسالك قول غضّة غريرة نسِيَتْها ذاكرة الشعر بعد ذلك وغابت عنها ملامحها الأولى.
ويبدو أبو ذؤيب، ضمن شعراء هُذَيل، بل وضمن الشعر القديم كلّه، أكثر الشعراء بكارة شعر وخصوصية معجم، بل ويبدو أبرز ممثل للخصوصية الهُذَلية في هذا الجانب أصلًا، فقد علّق المحقّقون وشرّاح الشعر على قوله في رثاء أبنائه:
سَبَقوا هَوَيَّ وَأَعْنَقوا لِهواهُمُ | فُتُخُرِّموا وَلِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ
|
بقولهم "هَوَيَّ أي هوايَ، وهذه لغة هذيل في كلّ اسم مقصور مضاف إلى ياء المتكلّم فيقولون فَتيَّ وعصَيَّ أي فتايَ وعصايَ"، كذلك علّقوا على قوله في رثاء بعض أصحابه:
بَدَرْتَ إلى أُولاهُمُ فَسَبَقْتَهُمْ | وَشايَحْتَ قَبْلَ اليَوْمِ إِنَّكَ شِيحُ |
وشايحتَ: حمَلتَ، والمشايحة في كلام هذيل: الجدّ والحمل وفي كلام النّاس المحاذرة والشفق[18].
وقد اشتهر قول
سيبويه عن مكانة قبيلة هذيل في توطيد الأساس اللغوي للعربية، على ما في هذا القول من مبالغة: " لوْلا هذيْل لضاع نصف اللغة".
التحول الدلالي في الألفاظ الدينية
وتلفت الانتباه في المعجم الشعري القديم، بشكل خاص، ألفاظ كثيرة لم تكن لها في
العصر الجاهلي علاقة بالدِّين ثم أصبحت في الإسلام وبعده وثيقة الصلة به، شديدة الأهمية فيه، واكتسب كثير منها دلالة اصطلاحية جديدة، من بينها ما سبقت الإشارة إليه، ويُقصَد بألفاظ "الدين" و"الجحيم" و"الغيب" و"الكفر"، ومن بينها ألفاظ أخرى كثيرة مثل "الشريعة" وأصلها السبيل الذي يُفتح إلى الماء والفُرضة في النهر ومورد الشاربة التي يشرعها الناس للشرب أو للاستسقاء وورد الحيوان، وشرطها أن يكون الماء فيها عِدًّا لا انقطاع له وأن يكون ماؤها ظاهرًا متاحًا. و"التشريع" سقي الحيوان من الشريعة. وقد وُجد هذا المعنى القديم في قول ربيعة بن مقروم يصف رحلة حمار الوحش بأُتُنه نحو مورد الماء:
فَأَوْرَدها مَعَ ضَوْءِ الصَّباحِ | شَرائِعَ تَطْحَرُ عَنْها الجَميمَا[19] |
ثمّ وُجد اللفظ نفسه في صيغة الإفراد (الشريعة) بمعناه القديم هذا في شعر الأخطل[20] في
العصر الأموي، ووُجد أيضًا في شعر بشار في
العصر العباسي[21].
ومن المعجم نفسه لفظ "الهدى"، وقد كان يعني الطريق الجادّة التي إذا حاد عنها السائر ضلَّ، وهو قول الشاعر الجاهلي يزيد بن الخذّاق:
وَلَقْدْ أَضاءَ لَكَ الطَّريقُ وَأَنْهَجَتْ | سُبُلُ المَكارِمِ، والهُدى تُعْدِي[22]
|
وأصل "الهادي" الرجل البصير بمسالك الصّحراء الذي يتقدّم القوافل يهديها السُّبُل، وهو قول الخنساء:وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ | كَأَنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ[23] |
وأصل "السجود" أن يطأطئ البعير رأسه وينحني ويظهر الخضوع أوان الركوب[24].
وأصل "الإثم" أن تُبطئ الناقة في السَّير فهي "آثمة"[25]، وأصل "الصلاة" الدعاء، وهو قول
الأعشى:
عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضي | نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجَعا[26] |
|
وأصل "الخلود" طول الإقامة ودوام البقاء في المكان، و"الخوالد" الجبال والصخور والأثافي في مواضعها لطول بقائها بعد زوال الناس، وهو المعنى الباقي في قول لبيد بن أبي ربيعة:فَوَقَفْتُ أَسْأَلُها، وَكَيْفَ سُؤالُنا | صُمًّا خَوالِدَ ما يَبينُ كلامُها[27] | |
ظاهرة الغريب: "المفضّليات" أنموذجًا
المقصود بـ "الغريب"[28] المفردات غير المألوفة التي في فهمها صعوبة وإشكال. و"الغريب" نوعان: نوع خرج عن المعاجم أو "فاتها" –كما يقول محقّقو الشعر وشرّاحه- لا يمكن فهمه إلا بالاستعانة بالتأويلات التي يجريها أهل الصناعة ويقترحونها في الهوامش، وأحيانًا يظل مبهمًا رغم وجودها. ونوع آخر يوجد في المعاجم ولكنه خرج من الاستعمال وتُرك وهُجر. وكلا النوعين في الواقع "غريب" لكن الفرق بينهما زمني، أي إن النوع الأول أقدم حتى إن مؤلفي المعاجم أنفسهم لم يعرفوه ولم يسجّلوه. والنوع الثاني على عكس هذا، فهما يلتقيان في الصعوبة ولكن يفترقان في كون صعوبة الثاني وقتية تزول بالنظر في المعاجم، في حين أن صعوبة الأول مزمنة أو باقية، بل هما درجتان في الغرابة.
ثم إن مسألة الغريب مسألة مركّبة يبدو بعض جوانبها اضطراريًا تفرضه على الشاعر عوامل نشأته وثقافته ومقتضيات عمل الشعر في بيئته، وبعض جوانبها اختياري يتعمّده الشاعر ويشكّل جزءًا من خطة خطابه الشعري، والمثال على هذا ما لاحظه متقبّلو شعر بشار من كثرة الكلام الغريب في قصيدته المطوّلة التي مدح بها سَلم بن قتيبة والي البصرة في أواسط القرن الثاني للهجرة:
بَكِّرا صاحِبيَّ قَبْلَ الهَجيرِ | إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكيرِ[29]
|
فقد عمد إلى الإكثار منه عمدا "فسأله خَلف بن أبي عمرو بن العلاء وخَلف الأحمر عن ذلك فقال لهما: «نعم، بلغني أنّ سَلَمًا يتباصر بالغريب فأحببتُ أن أورد عليه ما لا يعرفه»"[30].والغريب يرتبط أيضًا بالنوع الشعري، بحيث يوجد في الأراجيز أكثر مما يوجد في القصائد، وسبب ذلك أن
الرَّجز -من حيث هو نوع شعري- أقدم في الزمن وأكثر اتصالًا بالبداوة من
القصيد {{كلٌّ من الرَّجز والقصيد نوع من أنواع الشعر. على أن جلّ مؤرّخي الأدب والعلماء بالشعر -من أمثال بن وهب الكاتب وابن رشيق القيرواني- يذهبون إلى أن الرَّجز سابق على القصيد تاريخيًا. أما سائر الأنواع فمنها الموشّح والمسمّط والزّجل والدّوبيت والكان كان، غير أن أبرز هذه الأنواع وأكثرها تمثيلًا للشعر واختصارًا له هو القصيد.}}، ثم أصبح خلال العصرين الأموي والعباسي مقترنًا بالتحدي التعبيري، أي ببرهنة الشاعر على تمكّنه من الشعر وامتلاكه شروط صناعته.
فإذا اعتمد الناظر في الشعر من زاوية الغريب مدونة
المفضّليات –لكونها ذات قيمة تمثيلية عالية نتيجة أسبقيتها التاريخية واتساع قاعدة الاختيار فيها- لاحظ أن الغريب سمة أولى ظاهرة في المستوى السطحي اللغوي من مدونة
المفضّليات، وأنها سمة تبدو مقصودة مرغوبًا فيها، وتتمثّل في مظهرين من الصعوبة: مظهر دلالي ومظهر صوتي-دلالي:
الصعوبة الدلالية
هي أن توجد أبيات أو مقاطع تستعصي على الفهم إلا بعد قضاء وقت في البحث عن معاني مفرداتها، وربط ما يتّفق منها بعضه ببعض حتى يخرج القارئ بالمعنى النهائي. وأمثلة هذا كثيرة في
المفضّليات ومنها هذان البيتان لمزرّد بن ضرار الذبياني (ت. 10هـ) في وصف ناقته وتشبيهها بالنعامة وذكر إبل أخرى:
تُراعي بِذي الغُلَّانِ صَعْلًا كَأَنَّهُ | بِذِي الطَّلْحِ جاني عُلَّفٍ غَيْرُ عاضِدِ |
تُدَقِّقُ أَوْراكٌ لَهُنَّ عِرَضْنَةٌ | على ماءِ يَمْؤُودٍ عَصَا كَلِّ ذائِدِ[31] |
وبيتا
تأبّط شرًا في وصف تلبّد شعر أحد الرعاة وفي وصف نعله هو:
كَالحِقْفِ حَدَّأَهُ النَّامُونَ قُلْتُ لَهُ | ذُو ثُلَّتَيْنِ وَذُو بَهْمٍ وَأَرْبَاقِ |
بِشَرْثَنَةٍ خَلَقٍ يُوقَى البَنانُ بها | شَدَدْتُ فِيها سَريعًا بَعْدَ إِطْراقِ[32] |
أو بيتا ربيعة بن مقروم في وصف حمار الوحش:
جُلَالٌ مَائِرُ الضَّبْعَيْنِ يَخْدِي | عَلَى يَسَراتِ مَلْزُوزٍ سُرَاعُ |
فَآضَ مُحَمْلَجًا كالكَرِّ لَمَّتْ | تَفَاوُتَهُ شَآمِيَةٌ صَنَاعُ[33] |
الصعوبة الصوتية-الدلالية
أن توجد كلمات أو أبيات تجتمع فيها حروف أو أصوات تتسم بالتنافر ويولّد تجاورها ثقلًا وجفاء، ما يجعل وقعها خشنًا على السمع والنطق بها صعبًا على جهاز التصويت، وأغلبها ناتج عن كثرة الحروف الحلقية واجتماع الصعوبة النطقية والغموض الدلالي، وأمثلة هذا كثيرة أيضًا، ومنها هذا البيت لسُوَيد بن أبي كاهل اليَشْكُري في التعريض ببعض المنافقين:
مُقْعِيًا يَرْدِي صَفَاةً لَمْ تُرَمْ | في ذُرَى أَعْيَطَ وَعْرِ المُطَّلَعْ
[34] |
أو بيتا مزرد بن ضرار في هجاء بعض شخص يُدعى ابن ثوْب:
وَعَاعَى ابْنَ ثَوْبٍ فِي الرِّعَاء بِصُيَّةٍ | حيَالٍ وَأُخْرَى لَمْ تَرَ الْفَحْلَ وَالِدِ |
وَشَالَتْ زِمَجَّي خَيْفَقٍ مَشْجَتْ بِهِ | خِذَاقًا وَقَدْ دَلَّهْنَهُ بِالنَّوَاهِدِ[35] |
ونتيجة اجتماع مظهري الصعوبة (الدلالي والصّوتي) ترتفع درجة "الغرابة" في العبارة، فتكون اللغة "غريبة" "شديدة" معًا. ولعل الصعوبة تعود إلى قِدم اللغة المستعملة، لأن جل استعمالاتها ترجع إلى مرحلة تاريخية تطوّرت عنها العربية في القرون اللاحقة، والدليل على ذلك أن العرب احتاجوا في ما بعد إلى شرح هذه الأشعار في كتب خصصوها لذلك (وقد شُرحت
المفضّليات شروحًا عديدة[36])، أو أنها ربما تعود إلى أن صعوبة القصيدة ومتانتها قد تكون حينذاك من مقاييس جودتها. وربما عاد السبب في ذلك إلى
المفضّل الضبّي وإلى ظروف تأليف
المفضليات وغاية صاحبها منها، أي إنه قد يكون تعمّد اختيار الشعر ذي اللغة الصعبة المتبدّية لكونه سيعلّمه للمهدي، واستجاب لمشغله "التعليمي"، وأراد لتلميذه ضربًا من "التبدّي" اللغوي حتى ينهل من منابع اللغة البدوية فيكسب سلامة العبارة ودقتها وفصاحتها.
على أن "الغرابة" قد كانت على ما يبدو واحدًا من مقاييس استجادة الشعر عند المفضل الضبّي، وهي ناتجة عن ميْله إلى النادر من أشعار القدامى مما لا يعرفه إلا الراسخون في العلم بالشعر القديم مثله، فقد قال عنه
أبو هلال العسكري: "وكان المفضل يختار من الشعر ما يقلّ تداول الرواة له ويكثر الغريب فيه"[37]، وإن كان أبو هلال يُخطّئ هذا الاختيار ويستهجنه لأسباب بلاغية.
ولئن كانت ظاهرة "صعوبة اللغة" أمرًا نسبيًا وإحساسًا ذاتيًا، فإن الملاحظ أن كثيرًا من ألفاظ شعر
المفضّليات خرج عن الاستعمال ولم تتضمّنه المعاجم، وقد تعرّض لهذه الصعوبة محققا
المفضّليات وشارحاها وضبطا قائمة في ما سمّياه "فهرس الحروف التي لم تُذكر في المعاجم[38]".
علاقة الغرابة بالغرض ونفسية الشاعر
إن صعوبة اللغة أو سهولتها، وشدتها أو ليونتها، مرتبطتان –على ما يبدو- بأمرين هما: نوع الغرض، وحال الشاعر النفسية، فأما في ما يخص علاقة اللغة بالغرض فالملاحظ أن لغة الفخر، ولا سيما بالحماسة والحرب ووصف مظاهر البطش بالخصم، ولغة الوصف وخاصة وصف قوة الحيوان واندفاعه وصلابته، أو جفاء المكان وقساوة الطبيعة، تنزع إلى الصلابة، والشدة، والصعوبة، والقِدم. وإنما يكثر هذا المعجم في وصف قرائن الناقة بالخصوص (ثور الوحش وحمار الوحش والظّليم أو ذكر النعام)، مما ربما دل على أن هذه الموصوفات أقدم من الناقة وجودًا في الشعر، وهو ما جعل أوصافها تحتفظ بأساليب عتيقة تداولها الشعراء في نطاق سُنن القول الجماعية واحترام النماذج المتحدّرة من ماضي سابق على تأنيس الإبل والخيل، مرتبط إما بجهود ومحاولات لتأنيس حيوانات أخرى وإما بطقوس بائدة ذات صلة بنشاط الصيد. في حين تنزع لغة التأمل والرثاء والوصايا الشعرية والعتاب إلى السهولة واللين ومن ذلك قول الشاعر:
بانَتْ صَدُوفُ فَقَلْبُهُ مَخْطُوفُ | وَنَأْتْ بِجَانِبِهَا عَلَيْكَ صَدُوفُ |
وَاسْتَبْدَلَتْ غَيْرِي وَفَارَقَ أَهْلُهَا | إِنَّ الغَنِيَّ على الفَقيرِ عَنِيفُ[39] |
ومن شأن هذا الكلام أن يُفضي إلى أن وجود عناصر استقرار تتكرّر في مستوى المدلولات -أي الأغراض- يوازيه وجود أشكال أو سجلات لغوية تكاد تكون قارّة هي الأخرى في مستوى الدوال، فلعله بالإمكان القول بأن لكل غرض "معجمًا" أو سجلًا لغويًا يكاد يختص به ويتمحّض له. ومن هنا، يمكن أن يُقال تجوّزًا إن للفخر "لغة" وللمدح "لغة" وللوصف "لغة" إلى غير ذلك.
وأما في ما يخص علاقة اللغة بنفسية الشاعر، فيبدو أنه كلما كان الشاعر في حال من الثورة النفسية والحميّة والهيجان العاطفي والغضب كان الشعر صلبًا صعبًا، وكلما كان في حال من الأسى والانكسار النفسي والتأمل الهادئ -ولا سيما عند المصائب- لانَ الشعر وسهُل، فقال متمّم بن نويرة (ت. نحو 30هـ) في رثاء أخيه مالك:
وَعِشْنَا بِخَيْرٍ في الحَياة وَقَبْلَنا | أَصابَ المَنايَا رَهْطَ كِسْرى وَتُبَّعَا |
فَلمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمالِكًا | لِطُولِ اجْتِماعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا[40] |
النادر والدخيل والمختَرَع
الألفاظ النادرة
وفي الشعر استعمالات معجمية تَسِم النصوص وسمًا نوعيًا، وتلفت الانتباه إلى خصوصية ما تضيفه إلى الخطاب الشعري من دلالات طريفة وناشزة نشازًا إبداعيًا، وهي من مظاهر إغناء الشعر للغة وتوسيع الشعراء لدوائر التعبير فيها بواسطة استعمالات نادرة عُرف بها شعراء معيّنون. ومن هذا القبيل من الاستعمالات، قول الشَّنْفرى الأَزْدي من لاميّته الشهيرة التي سبق أن أُشير إليها بخصوص استخدامه لفظ "النَّحْس" للدلالة على السواد الشامل والظلام الحالك في قوله:
وَلَيْلَةِ نَحْسٍ يَصْطلي القَوْسَ ربُّها | وَأَقْطُعَهُ اللَّاتي بِها يَتَنَبَّلُ |
من هذا القبيل أيضًا، قوله يذكر ما أحدثته غارته في بني سلامان من أضرار:
فَأَيَّمْتُ نِسْوانًا وَأَيْتَمْتُ وِلْدَةً | وَعُدْتُ كَما أَبْدَأْتُ وَاللَّيْلُ ألْيَلُ[41] |
إذ نَعت الليل بنعت فريد في الشعر العربي دال على اكتمال الصفة في الموصوف (اللّيْلُ أليلُ)، وهذا استخدام لا يُعرف إلا للشَّنْفرى.
ومن هذا القبيل أيضًا، قول المرّار بن منقذ العدوي (ت. نحو 110هـ) متغزّلًا واصفًا كمال الحُسن في امرأة حسناء:
وَهْيَ بَدَّاءُ إِذا ما أَقبَلَتْ | ضَخْمَةُ الجِسْمِ رَدَاحٌ هَيدَكُرْ[42] |
|
الدخيل المعجميإذ يدلّ لفظ "الهيدكر" (وكذلك الهيدكور) على الفتاة الشابة الضخمة الحسنة الدلِّ في الشباب، وهذا من نادر الوصف الذي لا يُعرف له مثيل عند غير هذا الشاعر، فهو من النادر العجيب.
أما
الدخيل المعجمي، فقد احتدَّ ظهوره في الشعر العربي مع انتقال
الخلافة من الأمويين إلى العباسيين وازدهار الحياة في مدن العراق –الكوفة والبصرة ثمّ
بغداد-، واختلاط العرب بالعجم اختلاط تمازج نتج عنه استيعاب العربية لمواد لغوية كثيرة من لغات أخرى، أبرزها الفارسية والرومية، واحتواؤها لها ضمن نظامها الخاص واستخدامها إياها لإغناء إمكانات التعبير ولا سيما عن "الآيين" الفارسي (طراز العيش وأسلوب التعامل)، الذي تأثر به العرب، وفي تسمية الكثير من المرافق والملابس والأطعمة والأشربة والأدوات والأواني ومناسبات الاحتفال والأعياد وغير ذلك.
ومن أمثلة الدخيل في الشعر قول أبي نواس –وهو عنده كثير، ولا سيما في غزله وخمريّاته ولهوه-:
مَزَجْتُ دِيني بِدِينِ الرُّومِ فَامْتَزَجا | كَالمَاءِ يُمْزَجُ بالصِّرْفِ الرَّساطونِ[43]
|
و"الرّساطون" هي الخمرة، معرّبة عن اليونانية.ومن ذلك قوله الآخر:
اسْقِني يا ابْنَ أُذَيْنِ مِنْ شَرابِ الزَّرَجونِ |
بِيَدَيْ ساقٍ عَلَيْهِ حُلَّةٌ مِنْ ياسَمينِ |
وَعَلى الأُذْنَيْنِ مِنْهُ وَرْدَتا آذَرَيونِ[44] |
وقد استخدم كلمة "الزرجون" وهي لفظة فارسية تعني الشراب الذهبي، واستخدم لفظ "آذريون" وهو لفظ فارسي يعني نوعًا من الورد أصفر.
الألفاظ المخترعة
وأما المخترَع، فهو أن يأتي الشاعر بكلمة أو كلمات لا عهد للناس بها رغبة منه في التبديع وإحداث المفاجأة الفنية. والمثال على هذا الصنف من الشعراء بشار بن برد في ما اختلقَه من غزل زَعم أن حماره قاله في أتان كان يعشقها (أي الحمار)، وهو قوله:
وَلَها خَدٌّ أَسيلٌ مِثْلُ خَدِّ الشَّيْفَرانِ[45] |
وقد أتى فيه بكلمة لا وجود لها في اللغة قبله وهي "الشّيْفران": قال بعض الأخباريّين وهو محمّد بن الحجّاج في ما رواه
أبو الفرج الأصفهاني في
الأغاني: "فقلت له: ما الشيفران يا أبا معاذ؟ قال: ما يُدريني؟ هذا من غريب الحمار فإذا لقيته فاسأله"[46].
المشترك الصيغي
وثمة سمة بارزة في القصيدة القديمة ذات علاقة بالمعجم توسعتْ في تحليلها الدراسات الحديثة التي دارت على فكرة "النَّظْم الشفوي" للشعر الجاهلي[47]، وهي قيام هذا الشعر على المشترك الصيغي المتمثّل في وجود رصيد مُشاع من الألفاظ والعبارات على هيئة "صيغ" (formulas)، استصفاها الذوق الجماعي، وكرّستها السنّة التعبيرية العامة، ورسّختها الذاكرة البدوية المستندة إلى ثقافة المشافهة والحفظ والرواية، حتى أصبحت ملكًا مشتركًا يستدعيه الشعراء وينوّعون عليه.
على أن المبدأ الشفوي الذي أوجد هذا الرصيد المشترك هو مبدأ ارتباط المعرفة والثقافة بالتذكّر، ما يقتضي وجود وسائل تدعم جهد الذاكرة منها ما يصاحب الخطاب كالعصا (وإن كان للعصا دور إيقاعي أو تذكيري-إيقاعي)، ومنها ما يلزم المطالع خاصّة كذكر المخاطَب (لأنه يعسر في نطاق الإنشاد الشفوي أن يتحدّث الإنسان إلى نفسه طويلًا بلا انقطاع)، ومنها ما يوجد في نسيج النص، وهو أوضح وأهم، ويختلف حجمه ومداه من اللفظ إلى العبارة إلى الشطر إلى ما أكثر من الشطر وأقل من البيت عادة.
نماذج من الصيغ المشتركة
ويُقتصر منه على أمثلة قليلة دالة، من بينها:
1. لِمَنِ الدِّيارُ بِقُنَّةِ الحِجْرِ
| أَقوَيْنَ مِنْ حِجَجٍ وَمِن شَهْرِ (زهير بن أبي سُلمى) |
2. لِمَنِ الدِّيارُ غَشِيتُها بِالْأَنْعُمِ | تَبْدو مَعارِفُها كَلَوْنِ الأَرْقُمِ (بشر بن أبي حازم) |
3. ولَاعَبَني على الأَنْماطِ لُعْسٌ
| عَلى أَفْواهِهِنَّ الزَّنْجَبِيلُ (أُحَيْحة بن الجُلاح) |
4. ولَاعَبَني على الأَنْماطِ لُعْسٌ
| عَلَيْهِنَّ المَجاسِدُ والحَريرُ (عمرو بن الأهتم)
|
5.حِسانُ الوُجوهِ طَيِّبٌ حُجُزاتُهمْ | يُحَيَّوْنَ بالرَّيْحانِ يَوْمَ السَّباسِبِ (النابغة) |
6.حِسانُ الوجوه طَيِّبٌ حُجُزاتُهمْ | كريمٌ نَثاهُمْ غَيْرُ لُفٍّ مَعازِلِ (أبو خراش) |
7.وُقُوفًا بِها صَحْبي عَلَيَّ مَطِيُّهُمْ | يَقولُونَ: لا تَهْلِكْ أَسًى وَتَجَمَّلِ (امرؤ القيس) |
8.وُقُوفًا بِها صَحْبي عَلَيَّ مَطِيُّهُمْ | يَقولُونَ: لا تَهْلِكْ أَسًى وَتَجَلَّدِ (طرفة بن العبد)
|
وإن مظاهر هذا "المشترك الصيغي" كثيرة في عموم الشعر القديم، يمكن أن يُضاف إلى ما ذُكر منها إشارات إلى ما يشترك فيه مطلعا معلّقة زهير وعنترة (معرفة الطلل وتحيّته)، وما تشترك فيه مفضّلية عبد يغوث الحارثي اليائيّة ويائيّة مالك بن الرّيب في
الجمهرة، وما تشترك فيه مجمهرة أميّة بن أبي الصّلت مع معلّقة عمرو بن كلثوم، وما تشترك فيه مفضّلية عبدة بن الطبيب اللامية مع لاميّة كعب بن زهير "بانت سعاد" وغير ذلك كثير جدًا[48]. نظرية النظم الشفوي وتطبيقها على الشعر القديموقد ألمّ بجوانب مفصّلة من هذه الظاهرة جيمس مونرو (James Monroe)، ومايكل زويتلر (Zwettler Michael)، وعبد المنعم خضر الزبيدي في اشتغالهم بالشعر الجاهلي في السبعينيات من القرن العشرين، انطلاقًا مما أفاده مونرو خاصة من نتائج نظرية ميلمان برّي (Milman Parry) وألبرت لورد (Albert Bates Lord) عن الشعر الشفوي[49]، ومما يمكن أن يفيد منه دارس الشعر العربي، مع الاحتراز الشديد مما فيه من آلية وتعميم وإسقاط. إن ما يمكن قبوله –بل وربما استحسانه- من هذه النظرية هو أن للشعر الجاهلي ماضيًا شفويًا يمكن أن يساعد حقًا –كما ارتأى زفيلتر- على إعادة النظر في مسائل معقّدة حفّت بدراسة هذا الشعر كالسرقات الشعرية {{بيّنت نظرية النَّظْم الشفوي أن نصوص الشعر العربي القديم يتولّد بعضها من بعض، وينشأ بعضها عن بعض بمنطق "اشتقاقي" يَنظم في نطاقه كلّ شاعر قصيدته في حوار بين النماذج المشتركة السابقة له من جهة وقدرته هو على التوليد، والإضافة من جهة ثانية، وهو ما يُبطل مبدأ السرقة أو يحدّ منه جدا.}} وأصالة الشعر الجاهلي، وأن يُفيد حقًا في إيضاح ملامح مهمة من إنشائية القصيدة القديمة، ويمكن أن يُفَسَّر به ما فيها من مظاهر توارد وتشابه واشتراك كثير متعدّد المظاهر شامل لجوانب المعجم والإيقاع والتمثيل والأغراض والمعاني جميعًا محدّد لكليات السنّة التعبيرية العامة. ولكن هذا لم يقيّد حرية الشاعر القديم ولم يحوله إلى مجرد مؤدٍّ أو "مغنٍّ" يكرّر غيره -على ما يزعم أصحاب هذه النظرية-، بل ترك له مجال الإضافة والتنويع والابتكار متّسعًا رحبًا بما تبدو به القصيدة مشادّة، بل مفاوضة بارعة لبقة بين مقتضيات السنّة ومتطلبات الإبداع، أي بين المواضعات العامة والرغبات الخاصة في التميز المعجب والنشاز الخلاق. المراجعالعربيةالأخطل.
الدّيوان. بيروت: دار الكتب العلميّة، 1986. الأصفهاني، أبو الفرج.
الأغاني. بيروت: دار الثقافة، 1983. الأعشى الكبير.
الدّيوان. بيروت: مكتبة الآداب، [د. ت.]. الأنباري، أبو بكر.
شرح القصائد السبع الطوالالجاهليّات. القاهرة: دار المعارف، 1980. بشار بن برد،
الدّيوان. تحقيق محمد الطاهر ابن عاشور. القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنّشر، 1950. بعلبكي، منير.
التراث المعجمي العربي من القرن الثاني حتّى القرن الثاني عشر للهجرة. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات، 2019. الخنساء.
الديوان. بيروت: دار الأندلس، [د. ت.].
ديوان الهذليّين. القاهرة: دار الكتب المصريّة، 1992. الزبيدي، عبد المنعم خضر.
مقدّمة لدراسة الشعر الجاهلي. بنغازي: منشورات جامعة قاريونس، 1980. السّيوطي، جلال الدّين.
المزهر في علوم اللغة وأنواعها. بيروت: المكتبة العصرية، 1998.
شعر أبي زبيد الطائي. تحقيق نوري حمودي القيسي. بغداد: مطبعة المعارف، 1967. الشنفرى الأزدي.
الدّيوان. ط 2. بيروت: دار الكتاب العربي، 1996. الضّبّي، المفضّل.
المفضليات. تحقيق أحمد محمّد شاكر وعبد السّلام هارون. ط 8. القاهرة: دار المعارف، 1942. العسكري، أبو هلال.
کتاب الصناعتين. القاهرة: عيسى البابي الحلبي، 1952. القرشي، أبو زيد.
جمهرة أشعار العرب. بيروت: دار الكتب العلمية، 1986. المنّاعي، مبروك.
في إنشائيّة الشّعر العربي. تونس/ الجزائر: دار محمّد علي/ دار بهاء الدّين، 2017. مونرو، جيمس.
النظم الشفوي في الشعر الجاهلي. ترجمة فضل بن عمّار العماري. الرياض: دار الأصالة، 1987. الهلالي، حميد بن ثور.
الدّيوان. بيروت: دار صادر، 1995. الأجنبيةGarde-Tamine, Joëlle. & Jean Molino.
Introduction à l’analyse linguistique de la poésie. Paris: Presses universitaires de France, 1982. Parry, Milman. “Studies in the Epic Technique of oral Verse-making. I: Homer and Homeric Style.”
Harvard Studies in Classical Philology, vol. 41 (1930). Pp. 73-147. Parry, Milman. “Studies in the Epic Technique of oral Verse-making. II: The Homeric Language as the Language of an Oral Poetry.”
Harvard Studies in Classical Philology, vol. 43 (1932). Pp. 1-50.
[1] يُراجع كتابهما: Joëlle Garde –Tamine & Jean Molino, Introduction à l’analyse linguistique de la poésie (Paris: Presses universitaires de France, 1982).
[2] المفضّل الضّبّي،
المفضليات، تحقيق أحمد محمّد شاكر وعبد السّلام هارون، ط 8 (القاهرة: دار المعارف، 1942)، ص 193.
[3] المرجع نفسه، ص 225.
[4] المرجع نفسه، ص 142.
[5] المرجع نفسه، ص 407.
[6] المرجع نفسه ص 111، 402.
[7] المرجع نفسه، ص 123.
[8] المرجع نفسه، ص 99.
[9] المرجع نفسه، ص 236.
[10] المرجع نفسه، ص 192؛ يُنظر بيت المتنخّل الهذلي.
[11] المرجع نفسه، ص 119.
[12] المرجع نفسه، ص 129.
[13] المرجع نفسه، ص 11.
[14] المرجع نفسه، ص 195.
[15] الشنفرى الأزدي،
الدّيوان، ط 2 (بيروت: دار الكتاب العربي، 1996)، ص 69.
[16]شعر أبي زبيد الطائي، تحقيق نوري حمودي القيسي (بغداد: مطبعة المعارف، 1967)، ص 43-44.
[17] ويُنظر أمثلة أخرى من الظاهرة ذاتها في:
ديوان الهذليّين، ج 1 (القاهرة: دار الكتب المصريّة، 1992)، ص 107، 141، 223، 227؛ وفي ج 2، ص 9، 14، 70، 73، 166، 210؛ أبو زيد القرشي،
جمهرة أشعار العرب (بيروت: دار الكتب العلمية، 1986)، قصيدة الحطيئة خاصّة.
[18] يُنظر:
ديوان الهذليين، ص 169.
[19] المرجع نفسه، ص 182.
[20] الأخطل،
الدّيوان (بيروت: دار الكتب العلميّة، 1986)، ص 301.
[21] بشار بن برد،
الدّيوان، تحقيق محمد الطاهر ابن عاشور، ج 2 (القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنّشر، 1950)، ص 260.
[22] الضبّي، ص 296؛ ويُنظر الاستعمال نفسه في: ابن برد، ج 1، ص 313.
[23] الخنساء،
الديوان (بيروت: دار الأندلس، [د. ت.])، ص 51.
[24] حميد بن ثور الهلالي،
الدّيوان (بيروت: دار صادر، 1995)، ص 51.
[25] الأعشى الكبير،
الدّيوان (بيروت: مكتبة الآداب، د.ت)، ص 97.
[26] المرجع نفسه، ص 101.
[27] أبو بكر الأنباري،
شرح القصائد السبع الطوالالجاهليّات (القاهرة: دار المعارف، 1980)، ص 180؛ ويُراجع للتّوسّع: مبروك المنّاعي،
في إنشائيّة الشّعر العربي (تونس/ الجزائر: دار محمد علي ودار بهاء الدّين، 2017)، فصل (أطلال الكلمات).
[28] ويُراجع: جلال الدّين السّيوطي،
المزهر في علوم اللغة وأنواعها، ج 1 (بيروت: المكتبة العصرية، 1998)، ص 233-239؛ منير بعلبكي،
التراث المعجمي العربي من القرن الثاني حتّى القرن الثاني عشر للهجرة (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات، 2019)، ص وما بعدها.
[29] ابن برد، ص 203-204.
[30] أبو الفرج الأصفهاني،
الأغاني، ج 3 (بيروت: دار الثقافة، 1983)، ص 184.
[31] مقدّمة المحقّقَيْن في: الضبّي، ص 76-77.
[32] المرجع نفسه، ص 29.
[33] المرجع نفسه، ص 188.
[34] المرجع نفسه، ص 199.
[35] المرجع نفسه، ص 78.
[36] المرجع نفسه، ص 6-7، (من مقدمة عبد السلام هارون وأحمد محمد شاکر).
[37] أبو هلال العسكري،
کتاب الصناعتين (القاهرة: عيسى البابي الحلبي، 1952)، ص 5.
[38] تُنظر هذه القائمة في: الضّبّي، ص 503.
[39] المرجع نفسه، ص 372.
[40] المرجع نفسه، ص 267.
[41] المرجع نفسه، ص 69.
[42] المرجع نفسه، ص 91.
[43] المرجع نفسه، ص 305.
[44] المرجع نفسه، ص 70.
[45] ابن برد، ج 4، ص 63.
[46] الأصفهاني، ج 3، ص 226.
[47] وأبرزها دراسات James Thomas Monroe وMichael Zwettler وعبد المنعم خضر الزبيدي.
[48] يُنظر مثلًا مواردة النابغة الجعدي في قصيدته في الجمهرة لمعلّقة لبيد، ومواردته في القصيدة نفسها ليائية عبد يغوث، وصلة نونية أبي الملثم في
ديوان الهُذَليّين بقافية تأبّط شرًا المفضّلية، ومواردة الخنساء لهما معًا أو لأخذهما، ومواردة أبي خراش في لاميّته لعينية أبي ذؤيب ومفضّلية متمّم بن نويرة العينية (مقطع الفخر) لمعلّقة طرفة، ويُقارن بين مطلعي زهير (أَمِنْ آلِ لَيْلَى عَرَفْتَ الطُّلُولا) وربيعة بن مقروم (أَمِنْ آلِ هِنْدٍ عَرَفْتَ الرُّسُوما).
[49] يُنظر: جيمس مونرو،
النظم الشفوي في الشعر الجاهلي، ترجمة فضل بن عمّار العماري (الرياض: دار الأصالة، 1987)؛ وعبد المنعم خضر الزبيدي،
مقدّمة لدراسة الشعر الجاهلي (بنغازي: منشورات جامعة قاريونس، 1980)، ويراجع: Milman Parry, “Studies in the Epic Technique of oral Verse-making,” Harvard Studies in Classical Philology, vol. 1& 2 (1930-1932).
|