تسجيل الدخول

سي عزيز ابن الحداد

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

​​

​​​​​​الاسم الكامل

سي عزيز ابن الحداد

الاسم المعروف به

سي عزيز

تاريخ الميلاد

1842

مكان الميلاد

صدّوق، بجاية، الجزائر

تاريخ الوفاة

21 آب/ أغسطس 1895 (53 عامًا) 

مكان الوفاة

باريس، فرنسا

الدور العامّ

قائد ثوري

القضية المرتبطة

مقاومة الاستعمار الفرنسي للجزائر

الحركة

ثورة 1871، مقاومة المقراني




الموجز​

​سي عزيز بن محمد أمزيان الحداد (1842-1895) قائدٌ ثوريٌّ جزائري، وهو أحد قادة ثورة 1871 التي اندلعت في شرق الجزائر ووسطها ضد الاحتلال الفرنسي، والتي تُعرف كذلك بـثورة المقراني والشيخ الحداد

ينتمي سي عزيز إلى أُسرة دينية بارزة ارتبطت بالزاوية الرحمانية، وكان والده الشيخ محمد أمزيان الحداد أحد أبرز قياداتها الروحية. تلقّى تعليمًا دينيًا تقليديًا في الزوايا، وتولّى لمدة قصيرة منصب قايد {{القايد: يُنطَق ڨَايَدْ بالدارجة الجزائرية وبالأمازيغية، وهو منصب إداري وسياسي ارتبط بفترة الحكم العثماني ثم الاحتلال الفرنسي. ورغم تغيّر دوره بين الفترتَيْن، فإنه ظلَّ مرتبطًا بإدارة سُكّان القبيلة أو مجموعة دواوير، عبر جمع الضرائب وضبط الأمن.}} بمنطقتَي عمّوشة {{عموشة: هي حاليًا دائرة إدارية تابعة لولاية سطيف الواقعة بدورها شمال شرق الجزائر، وتضمّ ثلاث بلديات هي: عموشة، وتيزي نْبَشّار، ووادي البارد.}} وتاقيطونت {{تاقيطونت: تَعني بالأمازيغية الخيمة الصغيرة، وتقع ضمن سلسلة جبال البابور. تتبع حاليًا بلدية بوسلام بولاية سطيف، وتحدّها شمالًا ولاية بجاية.}}، غير أنّ علاقته بالإدارة الاستعمارية سرعان ما توتّرت فاستقال، ما عزَّز انخراطه اللاحق في العمل المقاوم.

شكَّل التحاقه وعائلته بثورة 1871 حدثًا مفصليًا أعطاها زخمًا شعبيًا كبيرًا في منطقة القبائل، وقد أشرف على قيادة عددٍ من الفرق المُقاتِلة، وحاول تأمين التموين والتسليح رغم ضعف الإمكانات مقارنة بقوة الجيش الفرنسي، بعد سلسلة من الهزائم في جبال البابور {{جبال البابور: سلسلة جبلية تقع شمال شرق الجزائر، تمتدّ بين ولايات سطيف وبجاية، وتتميّز بارتفاعاتها الشاهقة وغاباتها الكثيفة، وبتنوّع نباتي وحيواني غني. تتبع سلسلة الأطلس التلّي، وقد احتضنت مقاومة الاحتلال الفرنسي في القرن التاسع عشر، وخلال ثورة التحرير (1965-1962).}} وعمّوشة خلال أيار/ مايو وحزيران/ يونيو 1871. ونتيجة التعاون المتزايد لبعض القبائل مع الفرنسيين، تراجعت قدرته على مواصلة القتال، فاستسلم مع والده وأخيه، فقدّمتهم سلطات الاحتلال لمحكمة الجنايات بقسنطينة، وصدر الحكم بنفيه إلى كاليدونيا الجديدة {{كاليدونيا الجديدة: إقليم فرنسي ما وراء البحار، يقع في جنوب غرب المحيط الهادئ. تبعد 1200 كيلومتر عن الساحل الشرقي لأستراليا، وتتألّف من جزيرة رئيسة وجُزُر صغيرة.}} مع الأشغال الشاقّة، في حين أن والده تُوفّي بعد مدة قصيرة من السجن.

تميّزت سنوات المنفى بالقسوة والشوق إلى الوطن، وظلّ سي عزيز يكتب مُطالِبًا بالعفو والسماح له بالعودة. وفي عام 1881، فرَّ من الجزيرة ووصل إلى الحجاز حيث أقام بمكّة لسنوات، ثم صدر بحقه عفو عام 1895، مكّنه من الإقامة بفرنسا دون الجزائر، غير أنّ الأمل في العودة لم يتحقق، إذ تُوفّي بباريس ونُقل جثمانه لاحقًا فدُفن بقسنطينة قرب والده.

مولده ونسبه

لا يُعرَف تاريخٌ مُحدّدٌ لمولد عزيز بن محمد أمزيان بن علي بن محمد الحداد، ويُرجَّح أنه وُلد نحو عام 1842، اعتمادًا على عريضة الاتّهام التي وُجّهت إليه من محكمة الجنايات بقسنطينة، في أثناء محاكمته عام 1873. وقد جاء فيها أنه يبلغ من العمر واحدًا وثلاثين عامًا، وله أربعة أولاد[1]، وكان قايدًا سابقًا لـعَمُّوشة وتاقيطونت. أمّا مكان ولادته، فهو قرية اِحَدّادَنْ بـصدّوق{{صدّوق: بلدية تقع بولاية بجاية في منطقة القبائل شمال الجزائر، تمتاز بتضاريس جبلية وطبيعة خضراء، وتضمّ عدة قرى ناشطة في الفلاحة والحرف التقليدية. تُعرَف بتراثها الأمازيغي وثقافتها العريقة، وسُكّانها يتحدثون الأمازيغية المتغيرة القبائلية إلى جانب العربية.}} بـبجاية.

وسي عزيز هو ابن الزعيم الروحي لثورة 1871، الشيخ محمد أمزيان الحداد​ (1789-1873). وينتسب إلى عائلة عريقة استقرَّت في المنطقة منذ عدة قرون، وفي ذلك قال: "مسقط رأسنا الأصلي وبلادنا [في] قرية صدّوق الفوقانية، سكنّاها ابنًا عن أب منذ حوالي أربعمئة عام، وأصلنا وقبيلتنا وآباؤنا معروفون جيدًا"[2]. وقد أورد سي عزيز هذا الكلام ردًّا على بعض المُشكّكين في نَسَب آل الحداد وعراقته من أبناء العائلات الكبرى، التي كانت عائلة الحداد على خلاف معها، ومنهم محمد السعيد بن علي الشريف (ت. 1897)، الذي كان يتباهى بأنه ينحدر من سلالة الأدارسة، في حين أنّ آل الحداد بحسبه لا أصل لهم، وهم ليسوا سوى حدّادين، إشارة إلى حِرفة الحِدادة التي كانوا يحترفونها أبًا عن جد[3].

وقد عَدَّ سي عزيز الحِدادة مهنة شريفة لا يتحرّج أن تُعرَف بها عائلته، فرأى أنه لا عيب في الحَسَب في أن ينحدر الإنسان من جدٍّ جزّار أو خمّاس {{الخمّاس: هو فلاحٌ يعمل في أراضي غيره مقابل جزء من المحصول، غالبًا الخُمْس، لذلك سُمّي خمّاسًا. ينتشر هذا النظام في الزراعة التقليدية في الجزائر وتونس والمغرب.}} أو حدّاد أو حمّال، إنما العيب في أن يجهل الإنسان أصله[4].

يرجع الخلاف بين عائلة الحداد وعائلة ابن علي الشريف إلى تنافسهما على الزعامة السياسية للمنطقة، وقد بلغ الأمر حدَّ الطعن في الأنساب. وقد ظلّت عائلة الحداد لمدة طويلة تتمتّع بمكانة روحية كبيرة في منطقة القبائل بشكل خاص، وفي كثير من جهات الوطن بصورة عامة، بوصفها الـمُشرِفة على الزاوية الرحمانية في صدّوق التي تنتسب إليها الزوايا الرحمانية كلها المنتشرة في مختلف أنحاء الجزائر.

على الرغم من المكانة الدينية المرموقة التي حظيت بها عائلة الحداد، فإنها لم تكن من الناحية الاقتصادية من العائلات الإقطاعية الكبرى ذات الأملاك الواسعة، بل اعتمدت أساسًا على الهبات التي كان يُقدّمها أتباعها، وعلى الأوقاف الموقوفة لزاويتهم وشيخها[5]. وقد أتاح هذا الوضع الاجتماعي المريح لسي عزيز أن ينشأ في بيئة محفِّزة، سمحت ببروز قدراته وفتحت أمامه آفاق تحقيق طموحاته منذ وقت مبكر.

ثقافته وشخصيته

يُرجَّح أن سي عزيز لم يتلقَّ سوى تعليم ديني تقليدي، أُسوة بأبناء العائلات الريفية في الزوايا أو الكتاتيب القرآنية، إذ لم تُشر المصادر التاريخية إلى التحاقه بالمدارس الرسمية الفرنسية أو إلى إتقانه اللغة الفرنسية. ومن خلال الاطّلاع على الرسائل والمذكّرات التي كتب معظمها في سجنه بقسنطينة، يتبيّن أن أسلوبه يتّسم بالإطناب، وكثرة توظيف النصوص الدينية، إلى جانب استخدام الألفاظ العامّية، وحتى الشعر الشعبي.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


أما فيما يتعلق بشخصيته، فقد كان يتمتّع بذكاء حادٍّ وروحٍ مرنة وشخصية قوية وخيال خصب. كذلك عُرف وهو لا يزال في سن مبكرة بتصرفاته الحكيمة، وبقدرته الفائقة على الإقناع ولفت الانتباه في أثناء مخاطبته لغيره[6]. دفعت هذه الصفات والده محمد أمزيان الحداد، حين تقدّم به العمر، إلى الاعتماد عليه في تصريف الأعمال الإدارية والسياسية للزاوية الرحمانية، مُفضِّلًا إياه على أخيه الأصغر محنّد (مُحمّد)[7]، الذي عُرف بتقشّفه وصرامته واندفاعه وحماسه الديني[8].

​​​موقفه من الاستعمار

كانت الصلات بين عائلة الحداد والسلطات الفرنسية محدودة جدًّا، فبينما كانت العائلات الأرستقراطية في منطقة القبائل وفي بقية أنحاء الجزائر تتقرّب من الإدارة الاستعمارية، وتربط الصلات معها، حفاظًا على امتيازاتها المُكتسَبة وسعيًا لتنميتها، كان الشيخ الحداد يتحاشى فعل ذلك، ولا يتورّع عن إظهار مقته الشديد لمثل هذا السلوك المراوغ والانتهازي وفقًا له، بحكم تكوينه الديني المحافظ[9].

لم يشمل زُهْدُ آل الحداد في المناصب الإدارية والسياسية سي عزيز، إذ تقلّد لمدة وجيزة جدًّا، في أوائل عام 1869، منصب قايد على دواوير عموشة وتاقيطونت، غير أنه سرعان ما استقال منه بعد أن بادرت إدارة الاحتلال إلى تعيين غريمه محمد السعيد بن علي الشريف (ت. 1897) باشاغا {{باشاغا: منصب إداري مرتبط بالسلطة المحلية وتنظيم القبائل، وهو منصب ذو أصل عثماني، ويعني رئيس القادة (جمع قايد)، وهو أعلى سلطة محلية على مستوى اتحاد قبائل ومنطقة محددة.}} على دُوّار شلاطة ببجاية. وقد أصدر الجنرال ماك ماهون (Patrice de MacMahon، 1808-1893) هذا القرار في 24 كانون الأول/ ديسمبر 1869[10]، فكان لذلك أثرٌ بالغٌ في فتح مرحلة جديدة من العلاقات بين الشيخ عزيز بن الحداد والسلطات الفرنسية من جهة، وبينه وبين المتعاونين معها من الجزائريين في المنطقة من جهة أخرى، وفي مقدّمتهم ابن علي الشريف، الذي تعود خصومته مع عائلة آل الحداد إلى أيام ثورة بوبغلة، حين استهدف أملاكهم عام 1851 لمشاركتهم في تلك الثورة[11].

عزّزَ ابن علي الشريف روابطه بالإدارة الاستعمارية في منطقة بجاية، بهدف إزاحة سي عزيز عن موقعه ونفوذه المحلي، وقد لجأ في سبيل ذلك إلى مراسلات متكرّرة مع المسؤولين الفرنسيين، تضمّنت شكاوى وتحريضًا ضد خصمه. أدّت هذه الممارسات إلى توتر متزايد في العلاقة بين الجانبَيْن، ولا سيما بعد أن اطّلعَ سي عزيز على رسالة وَجَّهها ابن علي الشريف عام 1871 إلى حاكم السلطات العسكرية لبجاية، يطلب فيها عزله أو الحدّ من نفوذه. تبعًا لذلك، وردَ ردٌّ إداريٌّ من سطيف يأمر سي عزيز بالتوقف عن إثارة الاضطرابات والتواصل مع المسؤولين في بجاية لتزويدهم بالمعلومات الأمنية، أي أداء مهمّات مُخبرٍ لصالح السلطة الاستعمارية[12].

اعتمدت السلطات الفرنسية على ابن علي الشريف وعائلته لإضعاف عائلة الحداد التي كانت تتمتّع بنفوذ ديني وسياسي مؤثر في المنطقة، وتُشكّل مصدر قلق للإدارة الاستعمارية. كذلك عَمِلت على الحدّ من طموحات سي عزيز نحو شغل المكانة العائلية والدينية والسياسية لوالده، مستغلةً الخلافات التاريخية بين العائلتَيْن لتأجيج التوتر وتعميق الانقسام الداخلي بما يخدم مصالحها الاستعمارية.

دوره في ثورة 1871

تباينت الروايات بشأن موقف سي عزيز من الدعوة التي وَجَّهها الشيخ محمد المقراني (1815-1871) إلى عائلة الحداد للانضمام إلى جانبه في الثورة التي أعلنها عام 1871 على الاحتلال الفرنسي، فوِفق رواية أولى، عارض سي عزيز الالتحاق بالثورة، ونصح -رفقة أخيه محنّد- والدهما برفض دعوة المقراني، عادًّا المشاركة في ذلك مغامرة غير محسوبة. كذلك نُقل عنه تشكيكه في امتلاك المقراني للسلاح والمال والقوة الكافية لإلحاق الهزيمة بالفرنسيّين. في المقابل، تشير المصادر إلى أن المقراني أكد حصوله على دعم من السلطان العثماني عبر مبعوثه في طرابلس الليبية، بما في ذلك وعدٌ بإرسال الجنود والسلاح عبر تونس[13]. في حين أن رواية أخرى تُفيد بأن الشيخ الحداد لم يكن يميل في البداية إلى الانخراط في الثورة، إلى أن استطاع ابنه سي عزيز إقناعه بدعمها والمشاركة فيها.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

​​​يُشكّك الباحث يحيى بوعزيز[14] في صحة كلٍّ من الروايتَيْن السابقتَيْن، ويذكر أن اجتماعًا انعقد بتاريخ 18 نيسان/ أبريل 1871 بدعوة من الشيخ الحداد، حضره مُقدِّمُو {{المقدّم: مُمثّل شيخ الطريقة في منطقة مُعيّنة، يتولّى الإشراف الروحي والإداري على المُريدين، وتنظيم الحلقات والذكر، ونشر تعاليم الطريقة، وحلّ النزاعات بينهم. يتمتّع بثقة الشيخ، ويُعَدّ حلقة وصل بين الزاوية وأتباعها.}} الطريقة الرحمانية للتشاور بشأن الموقف المناسب من دعوة الشيخ المقراني إلى الثورة. وخلال هذا الاجتماع، أُعلنت خلافة سي عزيز وأخيه محند لوالدهما في قيادة الطريقة، وتسلّمهما راية الجهاد.


شكّل انضمام سي عزيز ووالده وأخيه، إلى جانب عدد كبير من أتباع الطريقة الرحمانية، دعمًا روحيًا وعسكريًا مهمًّا للثورة التي كانت في حاجة ماسة إلى تعزيز قواها. وقُبيل الشروع في العمليات العسكرية، ركّزَ سي عزيز بالتنسيق مع شقيقه محنّد على ثلاثة محاور أساسية: التعبئة العامة، وتنظيم المقاتلين، وإنشاء جهاز الاستخبارات.

التعبئة العامة

حشدَ سي عزيز تأييدًا شعبيًا واسعًا للثورة، عبر استراتيجية دعائية محكمة تضمّنت عدة محاور: أولًا، سعى لإقناع زعماء القبائل والعائلات الكبرى بأن فرنسا أضحت قوة عسكرية ضعيفة بعد هزيمتها في حربها ضد بروسيا (1870-1871)، وأنها تحت تأثير اليهود[15]، في حين أن المقراني والحداد يُمثّلان قيادة وطنية ودينية جديرة بالثقة؛ ثانيًا، جنّد مُقدّمي الزاوية الرحمانية وأتباعها لنشر الدعاية بين السُّكّان، والحثّ على الانخراط في الثورة والتعاون الإيجابي مع قادتها؛ ثالثًا، أصدر الأوامر بإشعال النيران في النقاط المرتفعة لنشر خبر الثورة وصداها بسرعة في المناطق المجاورة[16]؛ رابعًا، وجّه رسائلَ تهديد وتحذير لثني القبائل والشخصيات المُعادية عن مقاومة الثورة، ولا سيما خصمه ابن علي الشريف، باشاغا شلاطة، ومحمد أمزيان بن الموهوب شيخ زاوية العْراش؛ أخيرًا، طبّقَ عقوبات مالية وغرامات على المتردّدين والمُتقاعسين[17].

تنظيم الثوّار

في هذا الصدد، جمّع سي عزيز الثوار وقسّمهم إلى مجموعتَيْن[18]:

  1. المجموعة الأولى: تتألّف من نحو خمسة آلاف مقاتل، ويقودها هو بنفسه إلى جانب بعض القادة الكبار، أمثال: ابن عبد القادر الوهراني، مُقدّم الزاوية الرحمانية في بني سليمان، والبشير بن علي بن عبد الله بن الأعلى.
  2. المجموعة الثانية: تضمّ قرابة أربعة آلاف مقاتل، ونصَّبَ على رأسها شقيقه محنّد، رفقة عدد معتبر من القادة، مثل: عمر أوبوجمعة، بوجمعة بن نعمان، والعريف حمّو.

الاستخبارات

أدرك سي عزيز مبكّرًا أهمية الاستخبارات في العمل العسكري، فخصّها بعناية كبيرة، من خلال اختيار أفضل مُعاونيه مِمَّن تتوفّر فيهم الكفاءة والقدرة على الاضطلاع بهذه المهمّة الاستراتيجية. وقد تركّز نشاط المُخبرين على مراقبة قوّات العدو وتحرّكاتها، وكذلك القبائل المتعاونة معها التي كانت تؤدي دَوْرها بالعمل نفسه لصالح الجيش الفرنسي[19].

واجه سي عزيز صعوبات جمّة في توفير الأسلحة والمؤونة للأعداد الكبيرة من المقاتلين الذين التحقوا بالثورة، وهو ما أثّر سلبًا في قدراتهم القتالية. ومع ذلك، أظهر شجاعةً استثنائيةً في المعارك التي خاضها ضد الجيش الفرنسي وأعوانه من الجزائريين، في مناطق جبال البابور، وجبل مَقْرس {{جبلمقرس: يقع ببلدية تيفرة بولاية بجاية شمال الجزائر.}}، وعين عباسة {{عينعباسة: بلدية تقع في ولاية سطيف شمال شرق الجزائر، تبعد 20 كيلومترًا شمال-غرب مدينة سطيف، وتشتهر بالنشاط الفلاحي، ولا سيما زراعة الحبوب وتربية المواشي.}}، والعلمة {{العلمة: مدينة جزائرية كُبرى تقع في ولاية سطيف شرق البلاد، وتُعدّ ثاني أكبر مدينة في الولاية بعد سطيف من حيث عدد السكان والنشاط الاقتصادي. تبعد 27 كيلومترًا شرق مدينة سطيف، وعلى محور الطريق الوطني رقم 5 الرابط بين الجزائر العاصمة وقسنطينة.}}، وتاقيطونت، وأولاد صالح، وواد البارد، وعمّوشة، وشعبة عيسى بناحية سطيف؛ فضلًا عن معاركه في ناحية الشمال القسنطيني، والمنطقة الشرقية لوادي الصومام، وكذا منطقة فرجيوة وغيرها[20].

في الحقيقة، لم يكن سلاحه الأساسي سوى حماسه الديني، والسمعة الروحية التي كانت تحظى بها عائلته. غير أن ذلك لم يكن كافيًا أمام اختلال ميزان القوة المادية لصالح الفرنسيين، وقد عجَّلَ هذا الوضع باستسلامه مع والده وشقيقه وعدد من القادة الكبار، بعد أن أدرك الجميع استحالة الاستمرار في مواجهة غير متكافِئة.

استسلامه ومحاكمته

بدأ سي عزيز يُفكِّر جِدّيًا في الاستسلام للفرنسيّين بعد إخفاقه العسكري في معارك جبال البابور وعمّوشة، خلال شهري أيار/ مايو وحزيران/ يونيو 1871. وقد أدت استماتة القبائل والعائلات الكُبرى التي اختارت التعاون مع الجيش الفرنسي، إلى عجزه عن إمداد مُقاتليه بالمؤونة والسلاح الكافيَيْن، فضلًا عن ضعف نجاعة الخطط الحربية التي وضعها، وقلة كفاءة بعض قادته العسكريين.

فتوجّهَ برسالة إلى الجنرال أورفيس ليون لالمان (Orphis Léon Lallement، 1817-1893)، أعلمه فيها باستعداده للاستسلام رفقة والده وأخيه محند، طالبًا العفو وحُسن المعاملة. وممّا جاء فيها: "وصلنا إلى يَدِكم ووثّقنا أيدينا، إن فعلتم خيرًا كثّر الله خيركم، وإن فعلتم شرًّا كثّر الله خيركم"[21]. تلا ذلك استسلام بقية القادة الذين أعلنوا تحمّلهم الجماعي لمسؤولية الأحداث، واستعدادهم لمواجهة الإجراءات المترتّبة على ذلك، مع طلبهم تبرِئة السُّكّان الذين كانوا يُنفّذون أوامرهم. وقد أُعجب الجنرال لالمان بشجاعتهم، فاعترف لهم بصفة أسرى الحرب[22].

قُدِّم الجميع إلى المحاكمة أمام محكمة الجنايات بقسنطينة في أوائل عام 1973. وقد ورد في محضر الاتِّهام المُوجَّه إلى سي عزيز أنه متّهم بارتكاب الجرائم الآتية: تحريض السّكّان على التمرّد ضد السلطات الفرنسية؛ ودفعهم إلى حرق الممتلكات العامة والخاصة وتخريبها؛ علاوة على محاربته لأعوان فرنسا وحُلفائها في منطقة القبائل منفردًا وبالاشتراك مع غيره. اختُتِم المحضر بتحميله المسؤولية كاملة عن هذه الأفعال، التي تُعَدّ في نظر القانون الفرنسي جرائمَ خطرةً تستوجب أشدّ العقوبات. الأمر نفسه طُبّق على والده الشيخ الحداد وأخيه الشيخ محند[23].

وفي 17 نيسان/ أبريل 1873، صدرت الأحكام بحق أفراد عائلة الحداد الثلاثة، وجاءت كما يأتي:

1- الحكم بالسجن الانفرادي خمس سنوات على الشيخ محمد أمزيان الحداد. وقد تُوفّي بعد ذلك بأيام قليلة، وتحديدًا في 29 نيسان/ أبريل 1873 بسجن قسنطينة، عن عمر يناهز 82 عامًا.

2- الحكم بالنفي خارج الوطن إلى كاليدونيا الجديدة مع الأشغال الشاقّة، لكلٍّ من سي عزيز وأخيه محند، علاوة على أبرز قادة الثورة.

لم تكتفِ سلطات الاحتلال بهذه الأحكام القاسية، بل سارعت إلى استصدار قرار وقّعه الحاكم العامّ للجزائر آنذاك لويس هنري دو قيدون (Louis Henri de Gueydon، 1809-1886)[24]، يقضي بمصادرة الأملاك المنقولة وغير المنقولة جميعها لعائلة الحداد. وقد قُدّرت الأراضي المُصادَرة بأكثر من 502 هكتار[25]. ولم يقتصر هذا القرار على عائلة الحداد وحدها، بل شمل أيضًا العائلات والقبائل كلها التي شاركت في ثورة 1871.

منفاه وفراره

وُضع سي عزيز، رفقة نحو خمسين جزائريًا من المشاركين في ثورة 1871، في موقع اعتقال يُسمّى مُعسكر العرب (Camps des Arabes)، الواقع في حوض التوندا في وسط جزيرة كاليدونيا الجديدة. وقد وصفهم أحد رفاقهم المعتقلين في قصيدة نظمها آنذاك بأنهم كانوا يعيشون حياة هادئة، وكانوا فخورين بما بذلوه من أجل وطنهم، يقضون معظم أوقاتهم في الأعمال الزراعية التي وفّرت لهم موردًا بسيطًا يسدّ جزءًا من حاجاتهم اليومية، ويحرصون على أداء شعائرهم الدينية بخشوع، رغم شعور الغربة القاسي الذي لازمهم[26].​

استمرَّ سي عزيز في مراسلة أفراد عائلته وأصدقاء والده في الجزائر، مُعبّرًا عن شوقه وحنينه إليهم. ومع امتداد سنوات النفي، توجَّه في رسائله إلى مُمثّلي السلطات الفرنسية المدنية والعسكرية، يلتمس العفو والرحمة له ولأبنائه الصغار. وممّا جاء في إحدى رسائله: "لا تروموا أن يذبل شبابي من ضيق السجون، ولا تروموا أن تفصلوني عن عائلتي وأطفالي الصغار، لأن هذا ليس إلا لليدِ القديرة التي يُطلَب منها العفو، وهي الله العلي القدير الذي يعرف ماذا سيحصل"[27].

وبعد أن فقدَ الأمل في إعادة النظر في وضعه، قرّر تدبير فراره من الجزيرة، فتواصل مع أحد الحُرّاس وقدّمَ له رشوة قدرها ألفا فرنك فرنسي، مَكّنته من ركوب سفينة بريطانية ناقلة للزيت كانت مُتّجهة نحو مدينة سيدني الأسترالية، وذلك في أيار/ مايو 1881. أما شقيقه محنّد فرفض خوض هذه المغامرة الصعبة، واختار البقاء في كاليدونيا الجديدة حيث تُرجَّح وفاته فيها.

من أستراليا، شدَّ سي عزيز الرحال نحو جدّة في الحجاز في منتصف حزيران/ يونيو 1881، فأقام بها مدة قصيرة، قبل أن ينتقل إلى عدن في اليمن على متن سفينة تركية. ثم واصل سفره إلى مكة المكرمة حيث استقرَّ نهائيًا، وهناك اشترى جارية حبشية تُدعى خانم بنت عبد الله، عمرها أربعون عامًا، كانت تمتهن الرضاعة والتوليد، فأعتقها وتزوّجها بحضور جمعٍ من الشهود، وقد حرّرَ وثيقة العتق بيده، وأنجبت له بنتًا سمّاها خديجة، وولدًا سمّاه محمد الصادق[28].

يُرجَّح أن اختيار سي عزيز الإقامة في مكّة المكرمة كان مرتبطًا بمكانتها الروحية في نفوس المسلمين، وبما يُتيحه موسم الحج من فرصة للقاء الحجاج الجزائريين، فيسألهم عن أخبار الوطن والأصدقاء، ويُرسل معهم الرسائل إلى الأهل[29]. ورغم هذا، لم يفقد سي عزيز الأمل في صدور عفوٍ عنه يُمكّنه من العودة أخيرًا إلى الجزائر.

العفو عنه ووفاته

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

يذكر يحيى بوعزيز -استنادًا إلى رواية أحد أحفاد الشيخ سي عزيز- أن السلطات الفرنسية أصدرت العفو عنه بعد مساعٍ اضطلع بها في مدينة جدة، فقد تمكَّن من استرجاع قطع أثرية كانت قد سُلبت من بعثة أثرية فرنسية، جاءت رفقة بعثة بريطانية لاستكشاف المنطقة. ويبدو أن الاحترام الذي كان يتمتّع به لدى أشراف مكة وزُعماء القبائل، قد مكَّنه من أداء هذا الدَّوْر. وقد أشار القنصل الفرنسي هناك إلى جهوده في تقريرٍ رفعه إلى حكومته، فكان ذلك عامِلًا مُعجّلًا لصدور العفو عنه عام 1895.


غير أن العفو لم يشمل العودة إلى الجزائر، إذ قُيّد تنقّله بالإقامة في فرنسا دون مستعمراتها، فاختار الإقامة في باريس، على أمل أن يسهم وجوده هناك في إقناع السلطات لاحقًا بالسماح له بالعودة إلى وطنه. لكنَّ القدر لم يُمهله طويلًا، فتُوفّي في 21 آب/ أغسطس 1895، عن عمر ناهز 53 عامًا، في منزل صديقه أوجان مورو {{أوجان مورو (Eugène Mourot، 1848-1909): هو اشتراكيٌّ فرنسيٌّ شارك في أحداث كمونة باريس 1871، فنُفي في إثرها إلى كاليدونيا الجديدة. وهناك، تعرّف إلى سي عزيز، وصار مناهضًا للاستعمار.}} الكائن في 45، شارع مينيلي مونتون (Rue de Ménilmontant) في الدائرة العشرين بالعاصمة الفرنسية باريس[30].


حرص ابنُ سي صالح على العودة بجثمان والده إلى أرض الوطن، فنُقل على متن باخرة فرنسية مُتّجهة إلى ميناء مدينة الجزائر. غير أن السلطات الاستعمارية، وبعد ملاحظتها توافد حشود كبيرة لاستقبال الجثمان، أمرت بتحويل السفينة نحو ميناء سكيكدة شرق البلاد. ومن هناك، نُقل برًّا إلى مدينة قسنطينة، حيث وُورِي الثرى إلى جانب قبر والده[31].

​​المراجع

العربية

أوصديق، الطاهر. ثورة 1871. ترجمة جباح مسعود. الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 1989.

بوعزيز، يحيى. ثورات الجزائر في القرنين التاسع عشر والعشرين. قسنطينة: دار البعث، 1980.

________. "عودة إلى نهاية الشيخ عزيز ابن الحداد في المنفى". مجلة الثقافة. العدد 96 (1986). ص 117-124.

________. وصايا الشيخ الحداد ومذكرات ابنه سي عزيز. الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 1989.

صاري، جيلالي. "مصير ثوار 1871 في معتقلهم كاليدونيا الجديدة". مجلة الثقافة. العدد 94 (1986). ص 119.

الأجنبية

Bidault, F. L. La vérité sur L’Algérie. Bougie/ Bejaia : Editions Bizon, 1871.

Julien, Charles André. Histoire de L’Algérie Contemporaine. Paris: Puf, 1964.

"Les kabyles en 1871, une histoire ‘’Commune’’." Ahavparis. at: https://acr.ps/hBy6EnK

Louis, Rinn. Deux documents indigènes sur L’insurrection de 1871. Alger: Librairie Adolphe Jourdan, 1891.

[1] يحيى بوعزيز، وصايا الشيخ الحداد ومذكرات ابنه سي عزيز (الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 1989)، ص 43.

[2] المرجع نفسه، ص 140.

[3] يحيى بوعزيز، ثورات الجزائر في القرنين التاسع عشر والعشرين (قسنطينة: دار البعث، 1980)، ص 205؛

  1. L. Bidault, La vérité sur L’Algérie (Bougie/ Bejaia : Editions Bizon, 1871), pp 50-58.

[4] بوعزيز، وصايا الشيخ الحداد، ص 145.

[5] المرجع نفسه، ص 39.

[6] الطاهر أوصديق، ثورة 1871، ترجمة جباح مسعود (الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 1989)، ص 17.

[7] مُحَنْدْ (Muhend): هو التكييف الصوتي لاسم مُحمّد في منطقة القبائل الناطقة بالأمازيغية.

[8] المرجع نفسه.

[9] Charles André Julien, Histoire de L’Algérie Contemporaine, vol. 1 (Paris: Puf, 1964), p. 482.

[10] أوصديق، ص 18.

[11] بوعزيز، ثورات الجزائر، ص 205-206.

[12] بوعزيز، وصايا الشيخ الحداد، ص17؛

Rinn Louis, Deux documents indigènes sur L’insurrection de 1871 (Alger: Librairie Adolphe Jourdan, 1891), pp. 21-27.

[13] بوعزيز، وصايا الشيخ الحداد.

[14] المرجع نفسه، ص 25.

[15] يُذكر أنّ مرسوم كريميو الذي منحَ المواطنة الفرنسية الكاملة ليهود الجزائر، كان قد صدر قبل ذلك بعام واحد، أي عام 1870.

[16] بوعزيز، ثورات الجزائر، ص 213.

[17] بوعزيز، وصايا الشيخ الحداد، ص 25.

[18]المرجع نفسه.

[19][19]المرجع نفسه، ص 26.

[20​]المرجع نفسه، ص 34.

[21] المرجع نفسه، ص 75.

[22] أوصديق، ص 131.

[23] بوعزيز، وصايا الشيخ الحداد.

[24]المرجع نفسه، ص 49.

[25​]المرجع نفسه، ص 190.

[26] جيلالي صاري، "مصير ثوار 1871 في معتقلهم كاليدونيا الجديدة"، مجلة الثقافة، العدد 94 (1986)، ص 119.

[27] بوعزيز، وصايا الشيخ الحداد، ص 159.

[28] التحقت خديجة ومحمد الصادق بالجزائر بعد وفاة والدهما سي عزيز (1895)، فعاشت خديجة حتى وفاتها في أوائل السبعينيات من القرن العشرين عند أخيها عبد المالك، أما محمد الصادق فعمل موظفًا في قسنطينة إلى غاية اندلاع الثورة التحريرية (1954). يُنظر: بوعزيز، وصايا الشيخ الحداد.

[29] يحيى بوعزيز، "عودة إلى نهاية الشيخ عزيز ابن الحداد في المنفى"، مجلة الثقافة، العدد 96 (1986)، ص 128.

[30] بوعزيز، وصايا الشيخ الحداد، ص 175-176؛

"Les kabyles en 1871, une histoire ‘’Commune’’," Ahavparis, accessed on 17/3/2026, at: https://acr.ps/hBy6EnK

[31] بو عزيز، وصايا الشيخ الحداد، ص 49.


المحتويات

الهوامش