شكري العسلي (1868-1916) أديب وسياسي وصحفي سوري، يُعَد من رموز النهضة الفكرية القومية في المشرق العربي أواخر العهد العثماني، ورائدًا من رُوّاد الفكر الإصلاحي الحديث في سورية.
وُلِد في دمشق، وتلقّى تعليمه في مدارسها، ثم عمل في الإدارة العثمانية، وتدرَّج حتى أصبح قائمقام الناصرة، وانتُخب نائبًا عن دمشق في مجلس المبعوثان سنة 1911. اشتُهر بكتاباته الإصلاحية ومقالاته السياسية التي دعا فيها إلى الحرية والدستور والمساواة بين القوميات، وانتقد سياسة التتريك والظلم الإداري. وأسَّس صحيفة القبس، وجعلها منبرًا للفكر الوطني، ودافع عن القضايا العربية، ولا سيما قضية فلسطين. اتهمته السلطات العثمانية بالانتماء إلى الجمعيات القومية السرّية، فحُكم عليه بالإعدام، ونُفِّذ الحكم في 6 أيار/ مايو 1916 في ساحة المرجة بدمشق.
ولادته ونشأته
ولد شكري بن علي بن محمد بن عبد الكريم بن طالب العسلي في دمشق نحو عام 1868 لأسرة متوسطة الحال، ودرس في المدرسة البطريركية والمدرسة البستانية ومدرسة الكلية الأميركية، ثمّ في مدرسة عينطورة في جبل لبنان. ثمّ توجَّه إلى إسطنبول لدراسة الحقوق في المكتب الملكي، وأنهى دراسته عام 1902. وقد كان من المجموعة التي شكَّلت الحلقة الصُّغرى التي جمعت الجيل الشاب من المواظبين على حضور لقاءات المُصلح الدمشقي الشيخ طاهر الجزائري[1].
في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، كان التيّار الإصلاحي في دمشق قد تمكَّن من تكريس نفسه، ومن بين نشاطاته، التي كان على رأسها كلٌّ من الشيخ طاهر الجزائري والشيخ جمال الدين القاسمي، العناية بالتعليم وافتتاح المدارس. وضمن هذا التوجُّه، اعتنى هؤلاء بالشباب المتعلمين تعليمًا غير تقليديّ، فكان هذا الجيلُ من المثقفين الشباب، الجيلَ الذي سيمارس الصحافة والسياسة، متأثرًا بالمدرسة الإصلاحية الدمشقية، التي خرَّجت رُوّاده، ومن بينهم: شكري العسلي، ومحمد كرد علي، وعبد الوهاب الإنكليزي (1878-1916)، وعبد الرحمن الشهبندر،ومصطفى الشهابي، وسليم الجزائري، وغيرهم. وقد نشأ تيّار العروبة على أيدي هذا الجيل، الذي كان يخوض معركة سياسية للمطالبة بحقوق العرب في السلطنة العثمانية.
أعماله
بعد تخرُّجه في المكتب الملكي بإسطنبول، عاد العسلي إلى دمشق، حيث عمل "بالمعيّة"، أي تحت التدريب، مع ناظم باشا والي سورية الشهير. وخلال هذه المدّة، عمل وكيل قائمقام في الطفيلة والسّلط ودوما. وكان قبل أن يُباشر مهماته هذه، قد بدأ انخراطه في الكتابة للصحافة، فتعاون مع أوّل جريدة عربيّة في الولايات العربية، وهي ثمرات الفنون، وأصبح وكيلها في دمشق عام 1903[2]، مستمرًا في الكتابة للصحافة لغاية عام 1914. وعندما كان في الطفيلة، عمل فيها على "إنشاء مكاتب [مدارس] ابتدائية، وإزالة بعض العوائد المُستهجَنة"[3]، وكان هذا ضمن أولويات عمله في المناطق التي عمل فيها. وبعد أن أنهى مُدّة تدريبه الإداري، أراد العمل في المحاماة، لكنه عُيِّن عام 1906 قائمقام قاش، التابعة لمدينة قونية في الأناضول، حيث ظل لمدة سنتين. استلم بعد ذلك قائمقامية المرقب وصهيون، ثمّ أصبح وكيلًا لمتصرّف اللاذقية. وفي عام 1910، عُيِّن قائمقام مدينة الناصرة في فلسطين، وهناك كانت مواجهته الأولى مع الاستيطان الصهيوني.
في البرلمان العثماني
بعد وفاة محمد العجلاني، أحد نُوّاب دمشق في الأيام الأخيرة لسنة 1910، بدأت حملة انتخابية في المدينة لانتخاب بديل عنه، وكان العسلي أحد المُرشَّحين، وكان هذا ثاني ترشيح له، إذ خسر في انتخابات 1908، وقد نجح هذه المرة، بالرغم من المنافسة الشديدة من الأصدقاء والخصوم، وتوجَّه في آذار/ مارس 1911 إلى العاصمة لاستلام مهماته النيابية. يقول رشيد الخالدي إنّ وصوله إلى البرلمان قد "أنعش الكتلة البرلمانية العربية" فيه[4]. تركَّز نشاط العسلي في البرلمان على قضيتَيْن رئيستَيْن: مناهضة الاستعمار الصهيوني، والمطالبة بحقوق العرب الثقافية والإدارية ضمن السلطنة. وفي إحدى أولى الجلسات التي شارك فيها، قال: "إنّني قلَّبت برنامج الوزارة السنوي، فلم أجد إلا أربعة موظفين [عرب]، على حين أنّ الأمّة العربيّة تُشكّل نصف المملكة العثمانيّة"[5]. وضمن هذا التوجُّه، شارك في تشكيل الحزب العربي، الذي ضمَّ مجموعة من النُّواب العرب.
في عام 1912، خاض العسلي حملة انتخابية جديدة في مدينته دمشق، وكان وقتئذٍ مُعارضًا علنيًا لحزب الاتحاد والترقي، إذ كان مُرشَّحًا عن حزب الائتلاف والحرية المعارض، ورافق مندوبه إلى المنطقة، لطفي فكري، ضمن جولته الدعائية. وفي الأثناء، تعرَّض العسلي لمحاولة اغتيال في آذار/ مارس نجا منها. وفي النهاية، خسر الانتخابات، نتيجةَ ما عُرف من تلاعب الاتحاديين فيها[6].
أبرز القضايا التي عمل عليها
المواجهة مع الصهيونية
يُعَد العسلي من أوائل من اهتمَّوا بقضية الاستعمار الصهيوني من خارج فلسطين، وكان احتكاكه الأوّل بها خلال تولِّيه قائمقامية مدينة الناصرة في فلسطين سنة 1910، عبر الحادثة الشهيرة التي جرت في عهده، المعروفة بقضية أراضي قلعة الفولة التي باعها آل سرسق البيروتيون إلى أحد الصهاينة. ومع استلام العسلي منصبه، رفض التصديق على إتمام عملية البيع، وبدأ حملة صحافيّة يُعرّف من خلالها بالقضيّة وتفاصيلها. وعندما علم أنَّ مُسلّحين تابعين لمنظمة يهودية شبه عسكرية كانوا قادمين لاحتلال الأراضي، أرسل الجنود الذين بإمرته لطردهم. في النهاية، غادر العسلي منصبه من دون أن يُوقّع على إتمام بيع هذه الأراضي[7].
في البرلمان، انضمَّ العسلي إلى زميلَيْه روحي الخالديوسعيد الحسيني، وعمل معهما على طرح قضية الاستيطان الصهيوني في فلسطين، وتحميل الحكومة مسؤولية إهمالها. وفي إحدى الجلسات، فاجَأ النُّوّاب بعرضه عليهم طابعًا بريديًا صادرًا عن المنظمة الصهيونية في فلسطين[8].
الموقف من تحرير المرأة
كتب العسلي كثيرًا من المقالات للصحافة، تنوّعت موضوعاتها بين السياسة والإصلاح والاقتصاد وقضايا التعليم، وكانت قضية تحرير المرأة من القضايا التي طرحها، وكانت جديدة في زمنه، ففي عام 1903، عندما بدأ الكتابة للصحافة، كتب تحت عنوان "الزواج في دمشق" عن عادة تزويج القاصرات ووجوب إنهائها[9]. وفي عام 1904، أحدث مقاله "أخلاق وعادات المرأة في دمشق" تفاعُلًا وردودًا[10]. وفي مقاله "الفضيلات الدمشقيات" سنة 1909[11]، شجَّع على تعليم المرأة، ودعا في السنة نفسها في مقال عنوانه "المرأة والحرفة" إلى تشجيعها على العمل[12].
سنواته الأخيرة وإعدامه
في عام 1913، كان العسلي مُقيمًا في دمشق، وكان على اتصال مع زُملائه العروبيين في دمشق وبيروت والقاهرة، وذلك بهدف تنسيق الجهود ضمن ما عُرف بالمسألة العربية، ومطالبة الحكومة بالإصلاح في الولايات العربية، الأمر الذي نتج منه انعقاد المؤتمر العربي الأول في باريس، الذي لم يشترك فيه العسلي. في تلك الأثناء، كان ينشط في الكتابة للصحافة، وعندما أوقفت الحكومة جريدة المقتبس لصديقه محمد كرد علي، أصدر جريدة رديفة لها سمّاها القبس، في نهاية أيلول/ سبتمبر، واستمرَّ العمل فيها إلى بداية عام 1914. وبالتزامن مع عمله في القبس، اشترك مع عبد الوهاب الإنكليزي وفائز الغصين في افتتاح مكتب محاماة في دمشق[13]. واستمرَّت الأمور على هذا النحو إلى أن جرى الاتفاق بين العروبيين وحكومة الاتحاد والترقي في آب/ أغسطس، ونتج منه تعيين عدد من العرب في مناصب مختلفة في الدولة، فحصل العسلي على منصب مفتش الملكية في ولاية حلب[14].
في بداية الحرب العالمية الأولى، وبعد وصول جمال باشا (السفاح) إلى دمشق في الخامس من كانون الأول/ ديسمبر 1914، والرواية الشهيرة عن وقوع مجموعة من المستندات التي كانت في قنصلية فرنسا، أمر جمال باشا باعتقال العسلي من بين مجموعة أخرى من زُملائه، واتُّهِم بالتخابر مع فرنسا وتأليف جمعية سريّة، وصدر حكم الديوان العرفي عليه بالإعدام. وفي يوم السبت السادس من أيار/ مايو 1916، نُفّذ فيه الحكم في ساحة المرجة في دمشق، إلى جانب مجموعة من أصدقائه.
المراجع
العربية
آل الجندي، أدهم. شهداء الحرب العالمية الكبرى. دمشق: مطبعة العروبة، 1960.
الشلبي، سهيلا سليمان. شكري العسلي (1868-1916): من أجل الاستقلال العربي ومقاومة الصهيونية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010.
العسلي، شكري. "الزواج في دمشق". ثمرات الفنون. العدد 1458، 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 1903.
________. "أخلاق وعادات المرأة"، ثمرات الفنون، العدد 1464، 18 كانون الثاني/ يناير 1904.
________. "الفضيلات الدمشقيات". المقتبس. العدد 74، 16 آذار/ مارس، 1909.
________. "المرأة والحرفة". المقتبس. العدد 99، 24 نيسان/ أبريل، 1909.
________. "الطفيلة في 23 تموز". ثمرات الفنون. العدد 1493، 15 آب/ أغسطس 1904.
ف. ع. "التلميذة في دمشق، المرأة والرجل في دمشق". المنار. مج 7، 11 أيلول/ سبتمبر 1904.
القالش، حسان. سياسة علماء دمشق: أسئلة الإصلاح والهوية والعروبة (1516-1916). الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2024.
"أخبار محلية". لسان الحال. العدد 7456، 29/1/1914.
"نبأ العاصمة". المفيد. العدد 657، 4/4/1911.
"إدارة المحاماة". القبس. العدد 1301، 30/9/1913.
لسان الحال. العدد 6595، 28/3/1911.
الأجنبية
Khalidi, Rashid Ismail. British Policy Towards Syria and Palestine, 1906-1914. London: The Middle East Centre of St Antonys College Oxford, Ithaca Press, 1980.
________. Palestinian Identity: The Construction of Modern National Consciousness. New York: Columbia University Press, 2010.
[1] أدهم آل الجندي، شهداء الحرب العالمية الكبرى (دمشق: مطبعة العروبة، 1960)، ص 101؛ سهيلا سليمان الشلبي، شكري العسلي (1868-1916): من أجل الاستقلال العربي ومقاومة الصهيونية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010)، ص 27-28.
[2] شكري العسلي، "الزواج في دمشق"، ثمرات الفنون، العدد 1458 (30 تشرين الثاني/ نوفمبر 1903)، ص. 3، 4.
[3] شكري العسلي، "الطفيلة في 23 تموز"، ثمرات الفنون، العدد 1493 (15 آب/ أغسطس 1904)، ص. 6.
[4] Rashid Ismail Khalidi, British Policy Towards Syria and Palestine, 1906-1914 (London: The Middle East Centre of St Antonys College Oxford, Ithaca Press, 1980), pp. 223, 224.
[5] المراسل الخاص، "نبأ العاصمة"، المفيد، العدد 657 (4/4/1911)، ص. 2
[6] حسان القالش، سياسة علماء دمشق: أسئلة الإصلاح والهوية والعروبة (1516-1916) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2024)، ص 335.
[7] Rashid Khalidi, Palestinian Identity: The Construction of Modern National Consciousness (New York: Columbia University Press, 2010), pp. 107-108.
[8] مراسل الاستانة، محلية، لسان الحال، العدد 6595 (28 آذار/ مارس، 1911)، ص. 2
[9] شكري العسلي، "الزواج في دمشق"، ثمرات الفنون، العدد 1458 (30 تشرين الثاني/ نوفمبر 1903)، ص. 3، 4.
[10] شكري العسلي، "أخلاق وعادات المرأة، ثمرات الفنون"، العدد 1464 (18 كانون الثاني/ يناير 1904)، ص. 5،6.؛ ف. ع، "التلميذة في دمشق"، المنار، مج 7 (11 أيلول/ سبتمبر 1904)، ص. 511- 514.
[11] شكري العسلي، "الفضيلات الدمشقيات"، المقتبس، العدد 74 (دمشق: 16 آذار/ مارس، 1909)، ص. 2.
[12] شكري العسلي، "المرأة والحرفة"، المقتبس، العدد 99 (24 نيسان/ أبريل، 1909)، ص. 2.
[13] محرر القبس، "إدارة المحاماة"، القبس، العدد 1301، 30/9/1913، ص. 3.
[14] محرر اللسان، أخبار محلية، لسان الحال، العدد 7456، 29 كانون الثاني/ يناير، 1914.