تسجيل الدخول

شمس الدين جكرمش

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

الاسم

شمس الدين جكرمش

الدور العام

أتابك الموصل

فترة الحكم​

495-500هـ/ 1101-1106م

الدولة

الدولة السلجوقية

المجال الجغرافي

الموصل، الجزيرة الفراتية، شمال العراق، بلاد الشام

تاريخ الوفاة

500هـ/ 1106م

أهم إنجازاته

الانتصار في معركة حران عام 497هـ/ 1104، وأسر قادة الصليبيين


الموجز

شمس الدين جكرمش (ت. 500هـ/ 1106م)، أمير سلجوقي بارز وأتابك الموصل بين عامَي 495هـ/ 1101م و500هـ/ 1106م، يُعد من أهم القادة العسكريين المسلمين الذين واجهوا التوسع الصليبي في المشرق الإسلامي. برز دوره القيادي عقب وفاة أتابك الموصل كربوغا (489-495هـ/ 1096-1102م)، إذ تولى مقاليد الحكم في الموصل في فترة اتسمت بالصراعات الداخلية بين السلاطين السلاجقة، ولا سيما بين بركياروق بن ملكشاه (487-498هـ/ 1094-1104م) وأخيه السلطان محمد بن ملكشاه (498-511هـ/ 1105-1118م). اقترن اسم جكرمش بالانتصار في معركة حران (497هـ/ 1104م)، التي نجح فيها بالتحالف مع سقمان بن أرتق (ت. 498هـ/ 1104م) في هزيمة القوات الصليبية وأسر قادتها، وعلى رأسهم بلدوين البورغي (Baldwin de Bourcq، كونت الرها بين عامي 1100-1118، ثم ملك مملكة بيت المقدس بين عامي 1118-1131) وجوسلين الكورتيناي (Joscelin of Courtenay)، حاكم الرها فيما بعد المعروف باسم جوسلين الأول حاكم الرها (Joscelin I of Edessa، حكم بين عامَي 1119-1131). عُرف جكرمش بحسن سياسته لأهل الموصل واهتمامه بتحصيناتها العمرانية. انتهت حياته بمؤامرة سياسية أدت إلى مقتله على يد جاولي سقاوو (ت. 510هـ/ 1116م) عام 500هـ/ 1106م، ليترك إرثًا عسكريًا مهد لظهور الدولة الزنكية لاحقًا.

خلفية تاريخية

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

بدأت السيطرة الفعلية لحكام السلاجقة على الموصل عام 489هـ/ 1095م[1]، إذ كان قوام الدين كربوغا (كربوقا) أول من تولى حكم الموصل، وذلك في عهد السلطان السلجوقي بركياروق بن ملكشاه[2]، واتسمت هذه المدة بالصراعات السياسية الأسرية بين السلاطين السلاجقة أنفسهم من جهة، والخلافة العباسية وحكام الدويلات من جهة أخرى. وكان ضعف الإمارة العقيلية (380-489هـ/ 990-1095م) بالموصل أحدَ أسباب سيطرة السلاجقة على الموصل.

عمله السياسي وحكم الموصل

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

كان كربوغا أول أمراء السلاجقة الذين تولوا حكم الموصل بعد نهاية حكم الإمارة العقيلية، وذلك بعد استيلائه عليها عام 489هـ/ 1095م، ثم لم يلبث أن تُوفي كربوغا في ذي القعدة عام 495هـ/ 1101م، ليتولى الحكم بعده جكرمش، الذي كان قبل ذلك حاكمًا على جزيرة ابن عمر، فلما بلغته وفاة كربوغا سار إلى نصيبين واستولى عليها. وفي هذه الأثناء، كان أهالي الموصل قد كتبوا إلى موسى التركماني وهو بحصن كيفا لكي يأتي وينوب عن كربوغا، فوصل إلى الموصل، ولما سمع به سنقرجه ظن أنه جاء إليه ليكون في خدمته، وجرى بينهما حوار وخلاف انتهى بتسلّم موسى التركماني الموصل. وعندما سمع جكرمش بمغادرة موسى حصن كيفا، اتجه نحو نصيبين واستولى عليها[3].

عندئذٍ اتجه موسى التركماني إلى الجزيرة الفراتية، وما إن وصل عسكره إليها حتى انقلبوا عليه وانضموا إلى جكرمش، ما اضطره إلى العودة إلى الموصل، ولم يلبث جكرمش أن تبعه، ففرض حصارًا طويلًا على المدينة. وأمام هذا الوضع، استنجد موسى التركماني بالأمير سقمان بن أرتق، الذي كان يقيم في ديار بكر، ووعده بمنحه حصن كيفا و10 آلاف دينار مقابل نجدته، فاستجاب سقمان للدعوة وسار بجيشه نحو الموصل، فما إن علم جكرمش بتقدمه حتى رفع الحصار وانسحب عن المدينة. وخرج موسى لاستقبال سقمان في قرية تُسمى كراثا، فهجم عليه عدة أشخاص فقتلوه، فانهزم أصحاب موسى، ورجع سقمان إلى حصن كيفا[4]، فاستغل جكرمش مقتل موسى، وتوجه إلى الموصل فحاصرها، ثم تسلمها صلحًا عام 495هـ/ 1101م، وأحسن السيرة فيها، واستولى على الخابور، فقال عنه ابن الأثير (ت. 630هـ/ 1232م): "وملك العرب والأكراد فأطاعوه"[5]. وبالرغم مما وصلت إليه الموصل من تدهور في أثناء السيطرة السلجوقية، نفّذ جكرمش بعض الإصلاحات العمرانية، منها عمارة سور الموصل، إذ ذكر ابن الأثير في هذا الصدد: "وكان قد شيد سور الموصل، وقواه وبنى عليها فصيلًا، وحفر خندقها، وحصنها غاية ما يقدر عليه"[6].

وفي عام 498هـ/ 1104م، أراد بركياروق بن ملكشاه السيطرة على الموصل بعدما استقر الأمر بينه وبين أخيه السلطان محمد على أن يأخذ الموصل والبلاد الجزرية، فسار إلى الموصل ليتسلم البلاد من جكرمش، فرفض الأخير، فجرى قتال بينهما وقف فيه أهالي الموصل إلى جانب جكرمش، فذكر ابن الأثير ما نصه: "وقاتل أهل البلد أشد قتال، وقتلوا خلقًا كثيرًا لمحبتهم لجكرمش لحسن سيرته فيهم"[7].

عمله العسكري ومقاومة الصليبيين

 معركة حران

كان المسلمون في منطقة حران يعانون الفرقة نتيجة الحرب الأهلية بين السلاطين السلاجقة أنفسهم، وبخاصة بين السلطان السلجوقي بركياروق وأخيه محمد، وقد امتدت هذه الحرب من عام 492هـ/ 1098م إلى عام 497هـ/ 1104م؛ ففي عام 492هـ/ 1098م خُطب للسلطان محمد ببغداد لكونه السلطان السلجوقي، ولُقب بغياث الدين والدنيا[8]، وفي عام 493هـ/ 1099م دخل السلطان بركياروق بن ملكشاه بغداد وأُعيدت إليه الخطبة بدلًا من أخيه محمد، فبعث إلى الخليفة العباسي بهدية ثمينة. ثم ما لبث أن دب الخلاف من جديد في العام نفسه بين الأخوين، فانهزم بركياروق وأُعيدت الخطبة إلى أخيه محمد ببغداد. وفي جمادى الآخرة عام 494هـ/ 1100م، تجدد القتال بين الأخوين، وانتهت المواجهة بهزيمة السلطان محمد، ولم يلبث السلطان بركياروق بعد ذلك أن أصيب بمرض، فاستغل محمد هذا الظرف لتعزيز موقفه، إذ شكا إليه الخليفة العباسي المستظهر بالله (487-512هـ/ 1094-1118م) سوء سياسة أخيه، فاستجاب الخليفة له، وخُطب باسمه على منابر بغداد، فلم يكن من بركياروق إلا أن رحل إلى واسط[9].

وفي عام 495هـ/ 1101م تقاتل السلطان بركياروق والسلطان محمد، وجرت بينهما حروب انهزم فيها محمد، وتجددت الحروب بين الأخوين عام 496هـ/ 1102م. ولم يلبث هؤلاء السلاطين أن تذكروا أنه يجب أن يضعوا خلافاتهم جانبًا ويوحدوا كلمتهم بعد أن وجّه الصليبيون أنظارهم إلى بلاد الشام، لذلك بدؤوا بالتشاور لعقد الصلح، فأرسل السلطان بركياروق رسولين إلى أخيه لتقرير قواعد الصلح، فاستجاب أخوه، واستقر الأمر بينهما في ربيع الثاني عام 497هـ/ 1104م. لذا، لم يكن لديهما سوى وقت ضيق للاتفاق على وضع الخطط ضد الصليبيين[10].

أما الموصل فكانت في هذه الأثناء تحت السيطرة السلجوقية، فقد شهدت في هذه المدة وفاة حاكمها كربوغا، وهو ما أدى إلى نشوب حرب أهلية، فقد فشل سقمان الأرتقي أمير ماردين في الاحتفاظ بالحكم، وهو ما أوقعه في حالة حرب مع الأتابك الجديد جكرمش الذي عينه السلطان محمد السلجوقي. أما حران، فقد كانت بيد مملوك من مماليك ملكشاه اسمه قراجة (ت. 497هـ/ 1103م)، فأناب عنه في حكمها محمد الأصبهاني، وهو الذي تخلص من قراجة بوساطة الأهالي الذين ظلمهم الأخير. ثم تخلص الأصبهاني من أصحاب قراجة فيما بعد عدا غلام واحد يسمى جاولي، الذي اتفق مع أحد خدم الأصبهاني فقتله وهو سكران[11].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وكانت حران تعاني اضطرابًا اقتصاديًا نتيجة سيطرة الصليبيين على أجزاء واسعة من الجزيرة الفراتية. وفي عام 497هـ/ 1103م، أُطلق سراح بوهيمند الأول (Bohemond I، 1054-1111، أمير أنطاكية بين عامَي 1098-1100، ثم بين عامَي 1103-1104)، بعد دفع فدية كبيرة جُمعت بمساعي ملك مملكة بيت المقدس بلدوين الأول (Baldwin I، حكم بين عامَي 1100-1118) الذي رأى أن تانكرد (Tancred، وصي على أنطاكية بين عامَي 1100-1103، ثم بين عامَي 1104-1112) أصبح بالغ النفوذ. وبعد عودة بوهيمند إلى حكم أنطاكية، بقي تانكرد فيها، ولم يستغل الفرصة لاستعادة إقطاعه السابق في طبرية، بسبب ما كان بينه وبين بلدوين الأول من تنافس سياسي. وفي الوقت نفسه، اتفق بوهيمند وتانكرد، بدعم من حاكم الرها بلدوين البورغي وأبرز أتباعه جوسلين الأول (صاحب تل باشر غربي الفرات)، على توجيه حملة إلى حران. وفي عام 497هـ/ 1104م، وُضعت خطة للهجوم على حران المحصنة الواقعة جنوب شرق الرها، نظرًا إلى أهميتها الاستراتيجية بوصفها البوابة المؤدية إلى الموصل. وجاء اختيار حران أيضًا في وقت كان فيه جكرمش، الذي تولى حكم الموصل عقب وفاة كربوغا عام 495هـ/ 1101م، منشغلًا بصراعاته مع الحكام المسلمين المجاورين، الأمر الذي شجع الصليبيين على الإقدام على هذه الحملة[12].

وكان احتلال حران يعني الفصلَ بين المراكز السلجوقية الثلاثة في الأناضول والعراق والشام، وبخاصة فصل حلب ودمشق عن مسلمي وسط آسيا[13]. وبينما كان الصليبيون يحشدون طاقاتهم ويوحدون صفوفهم من أجل الاستيلاء على مزيد من المواقع في المنطقة، كان الموصل وشمال الجزيرة يشهدان كذلك محاولة لتوحيد القوى الإسلامية بغية الوقوف في وجه العدوان الصليبي[14]، إذ أنهى جكرمش صاحب الموصل وسقمان بن أرتق صاحب ماردين خلافاتهما، وتمكنا من جمع قوة ومن التقدم نحو الرها في ربيع 497هـ/ 1104م. وأمام هذا التهديد، طلب بلدوين البورغي، صاحب الرها آنذاك، النجدة من بوهيمند الأول وتانكرد، فاستجابا لندائه، وانضما إليه وإلى جوسلين الأول، صاحب تل باشر. وبعد اجتماع القادة الأربعة، اتفقوا على توجيه هجوم إلى حران، بهدف اعتراض القوات الإسلامية قبل وصولها إلى الرها[15]. وكان سقمان على رأس جيش كبير تألف من الأتراك والأكراد والعرب. وبعد أن أبقى بلدوين البورغي حامية صغيرة في الرها، وكان بصحبته بندكت (Benedict، كان في المنصب بين عامَي 1100-1104) رئيس أساقفة الرها[16]، انطلق بمن معه من الفرسان والرجال والأرمن إلى حران، وانضم إليه بالقرب منها جوسلين، كذلك انضم إليه جيش أنطاكية بقيادة بوهيمند وتانكرد وبمن اصطحبهم من الأرمن[17]، والبطريرك برنارد (Bernard، كان في المنصب بين عامَي 1100-1135) بطريرك أنطاكية اللاتيني، ودايمبرت (Daimbert، كان في المنصب بين عامَي 1099-1102) البطريرك السابق لبيت المقدس، وبهذا بلغ عدد جيش الصليبيين 3 آلاف فارس، وغيرهم من المشاة والرجال. ويذكر المؤرّخ الإنكليزي ستيفن رنسيمان: "إن هذا الجيش يمثل القوة الضارية الكاملة عند الفرنج بشمال الشام، عدا حاميات الحصون"[18].

وعندما التقت حشود الصليبيين، عقدوا اجتماعًا عبروا فيه عن رغبتهم في الاستفادة من هذا التجمع للاستيلاء على المناطق الشرقية والجنوبية من الرها وانتزاعها من أيدي المسلمين، وكانوا يقصدون مدن نصيبين وميافارقين وآمد والموصل، غير أن اختلافهم في تقسيم تلك المدن التي لم يكن قد استُولي عليها حال دون تحقيق أهدافهم[19]. وأخيرًا، احتشد جيش الصليبيين أمام حران في حين بقي الأمراء المسلمون على مسافة إلى الشمال الشرقي منهم يزحفون إلى الرها[20]. وقضت خطة الصليبيين بأن يتخذ جيش الرها الصليبي موقفه إلى اليسار ليشتبك مع الجيش الإسلامي، في حين يختفي جيش أنطاكية وراء تل منخفض على مسافة نحو 1.5 كيلومتر إلى اليمين، ويتأهب للتدخل في اللحظة الحاسمة[21].

وقد اتخذ المسلمون خططًا مماثلة، إذ هاجم جانب من جيشهم ميسرة جيش الصليبيين، ثم استدار ولجأ إلى الفرار، ما جعل الجيش الصليبي يظن أنه انتصر، فأسرع لمطاردة الجيش الإسلامي، فانقطع الاتصال برفاقهم في الميمنة، فاجتازوا النهر، فوقعوا على الفور في كمين نصبه لهم الجيش الأساسي للمسلمين، فأجهز المسلمون على عدد كبير منهم، وعاد من تبقى منهم. وعندما تهيأ بوهيمند للاشتباك مع القوة الإسلامية التي لم يكن يواجهها في البداية سوى فصيل صغير، فوجئ بأعداد كبيرة من جنود الرها المنهزمين ينسحبون في فوضى، محاولين عبور النهر للنجاة بأنفسهم، في حين كانت جماعات جديدة من الأتراك تواصل مطاردتهم. وإذ أدرك بوهيمند أن الموقف قد أصبح ميؤوسًا منه، آثر الانسحاب، ولم يتمكن إلا من إنقاذ عدد قليل من مقاتلي الرها. وبينما كانت فلول الصليبيين تمر بمحاذاة أسوار قلعة حران، خرجت حاميتها وهاجمتهم، فاشتد القتال، وتمكن الصليبيون في خضم الاضطراب من قتل عدد من المسلمين الذين كانوا يلاحقونهم. ومع ذلك، انسحب جيش أنطاكية من ميدان المعركة من دون أن يتكبد خسائر جسيمة، في حين مُني جيش الرها بعدة خسائر، ولم ينجُ من القتل أو الأسر إلا عدد قليل من أفراده[22].

أسفرت موقعة حران عن نتائج كان لها أثر في موازين القوى شمالي بلاد الشام، إذ أُسر كلٌّ من بلدوين البورغي وجوسلين الأول، وهو ما عُدَّ أبرز مكاسب المسلمين في المعركة، وتولى تانكرد الوصاية على إمارة الرها بعد وقوع حاكمها في الأسر. وقد أضعفت الهزيمة وما تكبدته القوات الصليبية من خسائر بشرية القدرةَ العسكرية للإمارة، وجعلتها أكثر عرضة للهجمات الإسلامية. وانعكس ذلك على إمارة أنطاكية، التي تراجعت قوتها العسكرية بفقدان عدد كبير من مقاتليها. ولذلك اتسمت السنوات التالية، ولا سيما خلال إدارة ريتشارد السالرنوي (Richard of Salerno، حكم بين عامَي 1104-1108)، بضعف إمارة الرها وانكشاف حدودها الشمالية أمام الهجمات الإسلامية[23].

جكرمش والصليبيون عقب موقعة حران

حصلت في عهد جكرمش بعض المناوشات مع القوى الصليبية في بلاد الشام، فسيطرت هذه القوى على أجزاء واسعة من البلاد بسبب انشغال السلاجقة بالصراعات بينهم، وقد وضح ابن الأثير هذا الأمر بقوله: "لما استطال الفرنج [...] بما ملكوه من بلاد الإسلام، واتفق لهم اشتغال عساكر الإسلام وملوكه، بقتال بعضهم بعضًا، تفرقت حينئذٍ بالمسلمين الآراء، واختلفت الأهواء، وتمزقت الأموال"[24]. وقد اتفق كل من جكرمش ومعين الدين سقمان على التوجه نحو حران بسبب حصار الفرنج إياها بعد مقتل حاكمها محمد الأصبهاني عام 497هـ/ 1104م، فتوجه كل منهما لملاقاة الفرنج عند نهر البليخ، فهزموهم واستولوا على غنائم منهم، وكانت الحصة الكبرى من هذه الغنائم لجماعة سقمان، لكنّ أصحاب جكرمش رأوا أن يأخذوا أحد أهم أسرى فرسان الفرنج وأمرائهم، وهو بلدوين البورغي الذي أُسِرَ في معركة حران. وبعدئذٍ تسلم جكرمش حران، واستُخلف عليها، ثم عاد إلى الرها فحاصرها مدة 15 يومًا، وعاد إلى الموصل ومعه الأسير الصليبي، ففاداه بـ 35 ألف دينار، و160 أسيرًا من المسلمين[25].

‫الإمارات والقلاع الصليبية‬

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وفي عام 498هـ/ 1104م، حاصر السلطان محمد الموصلَ، فلما سمع جكرمش بذلك جدد سور المدينة، ولما وصل السلطان محمد إليها ضرب عليها الحصار، وأرسل إلى جكرمش طالبًا إليه أن يسلمه الموصل والجزيرة، وأن تكون الخطبة له في الجوامع، فرفض جكرمش. عندئذٍ بدأ القتال بين الطرفين، وكان جكرمش مستعدًا للقتال بسبب الإجراءات التي اتخذها في مواجهة الحصار ثم القتال، إذ تزوّد بما يلزمه من المؤن، وكان الأهالي يساندونه في قتاله ضد السلطان محمد: "وقاتل أهل البلد أشد قتال، وقتلوا خلقًا كثيرًا لمحبتهم لجكرمش لحسن سيرته فيهم"[26]. ودام القتال عدة أشهر، ولكنّ السلطان بركياروق تُوفِّي في أثناء هذا الحصار، فأحضر جكرمش أهل البلد واستشارهم في أمر إنهاء القتال وتسليم المدينة، فقالوا له: "افعل ما تراه صحيحًا ونحن معك"، ومن ثَمَّ استشار أمراءه، فانتهى الأمر إلى تسليم المدينة للسلطان محمد، وبقي جكرمش حاكمًا عليها[27].

 حصار الرُّها

بعد سيطرة قوات جكرمش على حران، رجع كل من بوهيمند وتانكرد إلى الرها، وبذلا جهودهما في الدفاع عنها تحسبًا لأي هجوم يشنه جكرمش. وأبدى سكان الرها من الأرمن تقديرهم لهذين الأميرين، والتمسوا من تانكرد أن يقبل الوصاية على المدينة ريثما يُطلق سراح بلدوين البورغي من الأسر، فأقام تانكرد بالرها، ورجع بوهيمند إلى أنطاكية ليتمكن من مواجهة الخطر الذي أحاط بإمارته. وكان جكرمش قد سار إلى حران، فاستولى عليها وأناب عنه فيها أحد أتباعه، ثم واصل تقدمه شمالًا نحو الرها، فتوقف في طريقه مهاجمًا بعض القلاع الصليبية في شبختان شرقي الرها، فأتاح تأخره هذا لتانكرد فرصة إعداد المدينة للدفاع والاستعداد للمعركة[28].

وأخيرًا، وصل جكرمش أمام الرها في عام 498هـ، الموافق حزيران/ يونيو 1104م، وأدرك تانكرد أنه يحتاج إلى مساعدة خارجية، فأرسل يستنجد ببوهيمند ويحثه على سرعة الوصول، فاستجاب الأخير لنداء ابن أخته تانكرد على الرغم من الأخطار التي كانت تواجهها أنطاكية آنذاك، بسبب تهديد المسلمين لها من ناحية حلب، وقرر الخروج فجأة لمهاجمة قوات جكرمش قبل أن تصل قوات بوهيمند إلى الرها والجزيرة، ففاجأ المعسكر الإسلامي بالهجوم قبل طلوع النهار بسبب غفلة المسلمين واستغراقهم في النوم، فجرى اشتباك قصير، اضطر جكرمش في إثره إلى الانسحاب نحو الموصل تاركًا للفرنج معسكره بكل ما كان لديه من عُدد حربية.

نتائج أتابكيته وتداعياتها

أسهم جكرمش خلال حقبته في بلورة فكرة المقاومة الإسلامية المنظَّمة ضد الوجود الصليبي، إذ أدرك أن تجاوز الخلافات بين القوى الإسلامية المحلية هو عامل مهم لصدّ الغزو، وهو ما تجسّد في تحالفه مع سقمان بن أرتق، الذي تُوج بالانتصار في معركة حران (البليخ)، التي أوقفت الطموح الصليبي للتمدّد شرقًا نحو الموصل. كذلك أسهم جكرمش في تحويل الموصل من مدينة مليئة بالاضطرابات الداخلية إلى قاعدة عسكرية فاعلة أضعفت إمارة الرها، ولا سيما بعد أسره بلدوين البورغي وجوسلين الأول، وهو الأمر الذي زعزع معنويات الفرنجة، وقلّص نفوذهم في شمال بلاد الشام والجزيرة، وأعاد الثقة بإمكان هزيمتهم في ميادين القتال المفتوحة.

مهدت جهود جكرمش في مقاومته الغزو الصليبي لقيام الدولة الزنكية في الموصل عام 521هـ/ 1127م، التي واصلت تصديها للوجود الصليبي، ممثلة بمؤسسها عماد الدين زنكي (ت. 541هـ/ 1146م) الذي استرجع الرها عام 539هـ/ 1144م.

وفاته

على الرغم مما حققه جكرمش ولا سيما انتصاره في موقعة حران، اتسمت السنوات الأخيرة من حكمه باستمرار الصراعات مع القوى المجاورة، خاصة في سنجار وبعض مدن الجزيرة الفراتية، الأمر الذي أضعف مركزه السياسي والعسكري. ولم يلبث أن دخل في مواجهة مع السلطان محمد بن ملكشاه، الذي سعى إلى إعادة بسط سلطته المباشرة على الموصل وإخضاع أمرائها لسلطانه. وفي مستهل عام 500هـ/ 1106م، وتحديدًا في شهر محرم، أقطع السلطانُ محمد الأميرَ جاولي سقاوو الذي كان يقيم آنذاك في بلاد فارس، الموصلَ وسائر الأعمال التي كانت خاضعة لجكرمش. وبعد أن استقر السلطان في حكمه، استدعى جاولي وكلفه بتولي الموصل، وأرسل مودود بن التونتكين، المعروف بشرف الدين (ت. 507هـ/ 1113م)، لمساندته في تنفيذ هذه المهمة. وقد فرضت قوات السلطان حصارًا على جكرمش استمر نحو 8 أشهر، حتى وجد نفسه مضطرًا إلى مغادرة الموصل ومواجهة جاولي عسكريًا.

والتقى الطرفان في قرية باكلبا، الواقعة بالقرب من إربل، حيث دارت معركة انتهت بهزيمة جكرمش وأسره، في حين واصل جاولي حصاره للموصل تمهيدًا للاستيلاء عليها. وبعد مدة أُخرجت جثّة جكرمش من محبسه، وقد ناهز الستين من عمره، دون أن توضح المصادر على وجه التأكيد ملابسات وفاته، وإن كانت تربطها بأسره على يد جاولي. وأعقب ذلك دخول جاولي الموصل واستيلاؤه عليها، منهيًا بذلك حكم جكرمش[29].

وبوفاة جكرمش عام 500هـ/ 1106م، انتهت مرحلة من تاريخ إمارة الموصل، إذ كان آخر أعماله العسكرية انتصاره في موقعة حران، التي مثلت أبرز إنجازاته في مواجهة الصليبيين، غير أن ذلك لم يَحُل دون سقوطه لاحقًا في خضم الصراعات الداخلية بين أمراء السلاجقة، وهي الصراعات التي أسهمت في تغيير موازين القوى في شمال العراق والجزيرة الفراتية، ومهدت لانتقال حكم الموصل إلى جاولي سقاوو[30].

 المراجع

ابن الأثير الجزري. التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية بالموصل. تحقيق عبد القادر أحمد طليمات. القاهرة: دار الكتب الحديثة؛ بغداد: مكتبة المثنى، 1963.

________. الكامل في التاريخ. تحقيق عمر عبد السلام تدمري. بيروت: دار الكتاب العربي، 1997.

الجميلي، رشيد عبد الله. إمارة الموصل في العصر السلجوقي. بغداد: جامعة بغداد، 1980.

الجنزوري، علية عبد السميع. إمارة الرها الصليبية. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1975.

رنسيمان، ستيفن. تاريخ الحروب الصليبية. ط 2. ترجمة السيد الباز العريني. بيروت: دار الثقافة، 1981.

الرويضي، محمود محمد. إمارة الرها الصليبية 490-546هـ/ 1097-1151م. عمّان: مطبعة البهجة، 2002.

ستيتون، كينيث (محرر). تاريخ الحروب الصليبية: فصول مختارة. الأردن: دار الشروق، 2004.

ماير، هانز إبرهارد. تاريخ الحروب الصليبية. ترجمة عماد الدين غانم. ليبيا: منشورات مجمع الفاتح للجامعات، 1990.

[1] ابن الأثير الجزري، التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية بالموصل، تحقيق عبد القادر أحمد طليمات (القاهرة: دار الكتب الحديثة؛ بغداد: مكتبة المثنى، 1963)، ص 103-104؛ رشيد عبد الله الجميلي، إمارة الموصل في العصر السلجوقي (بغداد: جامعة بغداد، 1980)، ص 98.

[2] الجميلي، ص 99.

[3] ابن الأثير الجزري، الكامل في التاريخ، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، مج 8 (بيروت: دار الكتاب العربي، 1997)، ص 472.

[4] المرجع نفسه.

[5] المرجع نفسه، ص 473.

[6] المرجع نفسه، ص 302.

[7] المرجع نفسه، ص 224.

[8] علية عبد السميع الجنزوري، إمارة الرها الصليبية (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1975)، ص 93.

[9] المرجع نفسه.

10 المرجع نفسه، ص 94.

[11] المرجع نفسه، ص 94-95، 109.

[12] هانز إبرهارد ماير، تاريخ الحروب الصليبية، ترجمة عماد الدين غانم (ليبيا: منشورات مجمع الفاتح للجامعات، 1990)، ص 108.

[13] المرجع نفسه.

[14] الجميلي، ص 229.

[15] هارولد فينك، "تأسيس الإمارات اللاتينية 1099-1118"، في: كينيث ستيتون (محرر)، تاريخ الحروب الصليبية: فصول مختارة، ج 1 (الأردن: دار الشروق، 2004)، ص 79.

[16] ستيفن رنسيمان، تاريخ الحروب الصليبية، ترجمة السيد الباز العريني، ج 2، ط 2 (بيروت: دار الثقافة، 1981)، ص 72.

[17] محمود محمد الرويضي، إمارة الرها الصليبية 490-546هـ/ 1097-1151م (عمّان: مطبعة البهجة، 2002)، ص 314.

[18] رنسيمان، ص 72.

[19] الرويضي، ص 314.

[20] رنسيمان، ص 72.

[21] المرجع نفسه، ص 73.

[22] المرجع نفسه.

[23] المرجع نفسه، ص 80، 83.

[24] ابن الأثير الجزري، الكامل في التاريخ، ص 496.

[25] المرجع نفسه، ص 497.

[26] المرجع نفسه، ص 504.

[27] المرجع نفسه، ص 505.

[28] الجميلي، ص 235.

[29] المرجع نفسه، ص 535-537.

[30] المرجع نفسه.

المحتويات

الهوامش