صبري بن سعدون حمادة (1905-1976)، سياسي لبناني من بلدة
الهرمل، وهو أول شيعي يتسلم رئاسة المجلس النيابي في
لبنان عام 1943، قبل شهرين من اعتقال رئيس الجمهورية آنذاك
بشارة الخوري ورئيس الوزراء
رياض الصلح، بعد إقرار مجلس النواب عدة إصلاحات دستورية. لجأ حمادة في إثر ذلك إلى بلدة
بشامون الجبلية، حيث شكل حكومة مواجهة مع وزير الدفاع
مجيد أرسلان، ونائب رئيس الوزراء
حبيب أبو شهلا، وعند إطلاق سراح رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة في 22 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1943، عاد إلى
بيروت واستأنف عمله في المجلس النيابي.
سمّي حمادة وزيرًا للداخلية عام 1946، ثم عاد إلى رئاسة المجلس النيابي. وفي ولايته الجديدة، عُدِّل الدستور للسماح لبشارة الخوري بولاية رئاسية ثانية عام 1948، فظل حمادة في منصبه حتى عام 1951.
عمل حمادة مع المعارضة على إسقاط حكم الرئيس
كميل شمعون (حكم بين عامَي 1952-1958) عام 1958، ليعود إلى رئاسة السلطة التشريعية في عهد الرئيس
فؤاد شهاب (حكم بين عامَي 1958-1964) ثم في عهد الرئيس
شارل حلو (حكم بين عامَي 1964-1970). كانت آخر مشاركة لحمادة في وزارة
صائب سلام عام 1972، يوم تعيينه وزيرًا للأشغال العامة حتى عام 1973.
انتُخب حمادة رئيسًا لمجلس النواب 21 مرة، وامتدت أوقات حكمه إلى ما يقارب 18 عامًا، ما جعلها ثاني أطول رئاسة تشريعية في لبنان بعد
نبيه بري، رئيس مجلس النواب منذ عام 1992.
نشأته وتعليمه
ولد صبري حمادة في بلدة الهرمل، ودرس في مدارسها وفي مدرسة المطرانية في بعلبك[1]. نُفيت أسرته إلى مدينة
جانقري التركية عام 1915 بسبب معارضة والده لجمعية الاتحاد والترقي في
إسطنبول، ولم تعد إلى
سورية إلا بعد انهيار الحكم العثماني فيها عام 1918[2]. انتقل والده إلى
دمشق في عهد الملك
فيصل الأول عام 1920، فدرس حمادة في
مكتب عنبر خلف
الجامع الأموي، وبعد عودة العائلة إلى لبنان، أكمل تعليمه في مدرسة عينطورة، ثم في مدرسة الفرير في
جونية، فتخرج فيها عام 1925[3].
رئيسًا للمجلس النيابي
رغم صغر سنه، انتُخب حمادة عضوًا في المجلس التمثيلي عام 1925، وعُدِّل تاريخ ميلاده إلى عام 1899 بدلًا من عام 1905، وانضم إلى الكتلة الدستورية التي كان يقودها بشارة الخوري. وفي تشرين الثاني/ نوڤمبر 1938، اختاره
عبد الله اليافي وزيرًا للزراعة والأشغال العامة في حكومته (1 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1938 - 22 كانون الثاني/ يناير 1939)[4]، ثم أعيد انتخابه نائبًا عام 1943، وأصبح رئيسًا لمجلس النواب في 21 أيلول/ سبتمبر من العام نفسه، ووقتئذٍ ساند بشارة الخوري في انتخابه رئيسًا للجمهورية. تزامن انتخابه مع وضع الخوري ورياض الصلح الميثاقَ الوطني الذي وعد بالحفاظ على وجه لبنان العربي إرضاءً للمسلمين، مع ضمان منح السنة رئاسةَ الوزراء، والشيعة رئاسةَ المجلس النيابي، مقابل بقاء رئاسة الجمهورية في يد المسيحيين الموارنة. لكن رئيس الحكومة، صائب سلام، أَكَّد في مذكراته أن اختيار حمادة لرئاسة المجلس النيابي عام 1943 كان لأنه أقدم النواب، لا لأنه شيعي، وأن انتخابه جاء قبل الإعلان عن الميثاق الوطني وتشكيل
حكومة رياض الصلح (24 أيلول/ سبتمبر 1943 - 3 تموز/ يوليو 1944)[5].
أزمة عام 1943
في 8 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1943، حضر الصلح إلى مجلس النواب، وألقى خطابًا طرح فيه سلسلة من الإصلاحات الدستورية، بالتشاور والتنسيق مع حمادة والخوري. شملت التعديلات الموادَ 1، و5، و11، و52، و102، وإلغاء المواد الانتدابية من الدستور (90، 91، 92، 93، 94)، وجعل اللغة العربية اللغة الرسمية الوحيدة للدولة (المادة 15)، وإسقاط
العلم الفرنسي من
العلم اللبناني. وقد وافق المجلس على ذلك، وصادق عليه رئيس الجمهورية، فاعتُقِل مع رياض الصلح وعدد من الوزراء فجر يوم 11 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1943[6].
أصدر المندوب الفرنسي
جان هللو (Jean Helleu) أمرًا بتعطيل المجلس، لكن حمادة تمكن من دخوله مع عدد من النواب، منهم صائب سلام من بيروت، وسعدي المنلا من
طرابلس، وهنري فرعون من
زحلة، وأصدروا بيانًا مشتركًا استنكروا فيه اعتقال رئيس الجمهورية، ووضعوا تصميم علم لبنان الجديد، وفي وسطه الأرزة الخضراء بدلًا من العلم الفرنسي[7]. رسم سعدي المنلا العلم بأدوات بدائية، ووقع عليه الحاضرون، ثم تابعوا اجتماعاتهم في منزل صائب سلام في منطقة
المسيطبة، وأعلنوا تولّي حبيب أبو شهلا رئاسة الجمهورية مؤقتًا، بصفته نائبًا لرئيس الحكومة[8]. كان ذلك تحديًا لقرار الفرنسيين بتنصيب الرئيس الأسبق
إميل إده خلفًا للخوري، ما اعتبره المجتمعون مخالفًا للدستور، وعارضوه بشدة[9].
سعت
فرنسا إلى اعتقالهم، فلجأ حمادة إلى بلدة بشامون الجبلية مع أبو شهلا ووزير الدفاع الأمير
مجيد أرسلان، معلنين قيام حكومة مواجهة ضد سلطة الانتداب[10]. حمل حمادة السلاح في بشامون، وكان مستعدًا للدخول في مواجهة عسكرية مع الفرنسيين، حتى تدخَّل الوزير المفوض البريطاني
إدوارد سبيرز، فأُطلق سراح الخوري والصلح مع بقية الوزراء في 22 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1943[11]. وقد عُدّ هذا اليوم عيدًا وطنيًا سُمّي بـ "عيد الاستقلال"، تُعطَّل فيه الجهات الحكومية كافة، مع المدارس والجامعات.
في عهد بشارة الخوري
جُددت لحمادة في عهد بشارة الخوري رئاسةُ المجلس النيابي عام 1944، لكنه خسر الانتخابات أمام حبيب أبو شهلا في تشرين الأول/ أكتوبر 1946، فأصبح الأخير رئيسًا للسلطة التشريعية[12]، فعوضه رياض الصلح عن خسارته هذه بتعيينه في كانون الأول/ ديسمبر 1946 وزيرًا للداخلية ونائبًا لرئيس الوزراء[13]، ثم عاد إلى رئاسة المجلس مجددًا عام 1947، ودَعَم تعديل الدستور للسماح لبشارة الخوري بولاية رئاسية ثانية، ما أدى إلى إطلاق حركة معارضة نيابية وشعبية، أدت إلى استقالة الخوري في أيلول/ سبتمبر 1952[14]. لم يكن حمادة مع انتخاب كميل شمعون لخلافته، لكون الأخير محسوبًا على الغرب، وقد أيد وصول
حميد فرنجية للرئاسة الأولى، خلفًا لبشارة الخوري[15]، ما أدى إلى استبعاده عن أي منصب طيلة حكم شمعون الذي استمر من عام 1952 حتى أيلول/ سبتمبر 1958.
في عهد كميل شمعون
صبري حمادة مع الرئيس جمال عبد الناصر في دمشق عام 1958
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
شارك حمادة في الثورة التي انطلقت في لبنان في عامَي 1957-1958، اعتراضًا على سعي شمعون لتجديد ولايته، وعلى سياسته المعارضة للرئيس المصري آنذاك
جمال عبد الناصر، إذ ترأس حمادة المظاهرات الشعبية بنفسه، فصدرت في 30 أيار/ مايو 1957 مذكرة اعتقال بحقه بتهمة التحريض على قلب نظام الحكم في لبنان[16]، فهرب إلى سورية، ليمنحه رئيس الجمهورية آنذاك
شكري القوتلي لجوءًا سياسيًا[17]. وكان أحد مؤسسي جبهة الاتحاد الوطني المعارضة لشمعون، التي ضمت صائب سلام ورشيد كرامي وكمال جنبلاط وغيرهم من السياسيين اللبنانيين[18].
العودة إلى رئاسة البرلمان
بعد انتهاء عهد شمعون وإبطال مذكرة التوقيف الصادرة بحقه، عاد حمادة إلى بيروت، وجُدد انتخابه في رئاسة مجلس النواب في تشرين الأول/ أكتوبر 1959. كان ذلك في مطلع عهد الرئيس فؤاد شهاب، الذي سعى مع بشارة الخوري إلى استنهاض الكتلة الدستورية وتحويلها إلى حزب، فأوكلت المهمة لحمادة، وبات رئيسًا للحزب بعد وفاة الخوري مطلع عام 1964. بقي حمادة في سدة المجلس النيابي حتى أيار/ مايو 1964، أي معظم رئاسة فؤاد شهاب، ليُعاد انتخابه مرة أخيرة في عهد الرئيس شارل حلو من عام 1968 حتى 20 تشرين الأول/ أكتوبر 1970[19].
وزيرًا في عهد سليمان فرنجية
لم يؤثر خروج حمادة من المجلس النيابي في زعامته في
البقاع، وتحديدًا بعد تحالفه مع الإمام
موسى الصدر الذي نشط في دعم الشيعة، وأطلق مشروعه السياسي "حركة المحرومين" التي تطورت إلى
حركة أمل عام 1974[20]. عُين حمادة وزيرًا للأشغال العامة في
حكومة صائب سلام (27 أيار/ مايو 1972 - 24 نيسان/ أبريل 1973)، وذلك بعد سنتين من وصول
سليمان فرنجية إلى رئاسة الجمهورية، وقبل 3 سنوات من اندلاع
الحرب الأهلية اللبنانية في نيسان/ أبريل 1975[21].
وفاته
توفي صبري حمادة في 21 كانون الثاني/ يناير 1976، وأُطلِق اسمه على شارع رئيس في الهرمل. تعرض قصره في منطقة
الغبيري لقصف إسرائيلي عام 1975، بعد أن تحصن فيه مسلحون من
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لقربه من
مطار بيروت[22].
المراجع
العربية
تويني، غسان.
كتاب الاستقلال بالصور والوثائق. بيروت: دار النهار، 1999.
الخوري، بشارة.
حقائق لبنانية. بيروت: الدار اللبنانية للنشر الجامعي، 1983.
سلام، صائب.
أحداث وذكريات. بيروت: مكتبة نوفل، 2022.
ضاهر، عدنان محسن ورياض غنام.
معجم حكام لبنان والرؤساء 1842-2012. بيروت: دار بلال، 2012.
طرابلسي، فواز.
تاريخ لبنان الحديث: من الإمارة إلى اتفاق الطائف. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2018.
قعقور، رنوة. "مقرّات الرئاسة وبيوت الرؤساء في لبنان: ما سياج الدار غير رجالها!".
أوراق ثقافية. 19/7/2019. في:
https://acr.ps/hBya0v6
ماجد، ماجد.
تاريخ الحكومات اللبنانية 1926-1996: التأليف - الثقة - الاستقالة. بيروت: دار مؤلفون، 1997.
ناصيف، نقولا.
جمهورية فؤاد شهاب. بيروت: دار النهار، 2011.
الأجنبية
Seale, Patrick. The Struggle for Arab Independence: Riad el-Solh and the Makers of the Modern Middle East. Cambridge: Cambridge University Press, 2010.
Spears, Edward. Fulfillment of a Mission: The Spears Mission to Syria and Lebanon 1941-1944. London: Archon Books, 1977.
[1] عدنان محسن ضاهر ورياض غنام،
معجم حكام لبنان والرؤساء 1842-2012 (بيروت: دار بلال، 2012)، ص 231.
[2] المرجع نفسه.
[3] المرجع نفسه.
[4] ماجد ماجد،
تاريخ الحكومات اللبنانية 1926-1996: التأليف - الثقة - الاستقالة (بيروت: دار مؤلفون، 1997)، ص 38.
[5] صائب سلام،
أحداث وذكريات، ج 1 (بيروت: مكتبة نوفل، 2022)، ص 137.
[6] بشارة الخوري،
حقائق لبنانية، ج 2 (بيروت: الدار اللبنانية للنشر الجامعي، 1983)، ص 33-52.
[7] المرجع نفسه، ص 151-152.
[8] المرجع نفسه، 153.
[9] غسان تويني،
كتاب الاستقلال بالصور والوثائق (بيروت: دار النهار، 1999)، ص 18.
[10] المرجع نفسه، ص 50.
[11] Edward Spears, Fulfillment of a Mission: The Spears Mission to Syria and Lebanon 1941-1944 (London: Archon Books, 1977), pp. 232, 266-268.
[12] ضاهر وغنام، ص 234.
[13] Patrick Seale,
The Struggle for Arab Independence: Riad el-Solh and the Makers of the Modern Middle East (Cambridge: Cambridge University Press, 2010), p. 604.
[14] سلام، ص 330-331.
[15] المرجع نفسه.
[16] نقولا ناصيف،
جمهورية فؤاد شهاب (بيروت: دار النهار، 2011)، ص 181.
[17] سلام، ص 312.
[18] ناصيف، ص 181.
[19] ضاهر وغنام، ص 234.
[20] فواز طرابلسي،
تاريخ لبنان الحديث: من الإمارة إلى اتفاق الطائف (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2018)، ص 314.
[21] ماجد، ص 196.
[22] رنوة قعقور، "مقرّات الرئاسة وبيوت الرؤساء في لبنان: ما سياج الدار غير رجالها!"،
أوراق ثقافية، 19/7/2019، شوهد في 6/7/2026، في:
https://acr.ps/hBya0v6