الموجز
حصن رأس الخيمة هو حصن تاريخي وأحد أشهر المعالم الأثرية لإمارة رأس الخيمة في الإمارات العربية المتحدة.
احتل الحصن مكانة مركزية في الهجوم البريطاني على رأس الخيمة (1819)، واتخذته الأسرة الحاكمة في رأس الخيمة مقرًا لها في بعض الفترات، وانتقل من مقر لمديرية شرطة الإمارة حتى أصبح في الوقت الحالي متحف رأس الخيمة الوطني.
معمار الحصن وخصائصه
يقع الحصن (ويُسمى أيضًا قلعة) في الجزء الجنوبي من البلدة القديمة لرأس الخيمة، وسط لسان رملي في مدخل البلدة. بُني الحصن مرتين، في المرة الأولى، في خريطة رسمها الاحتلال البريطاني سنة 1819، رُسم الحصن ومعه ثلاثة أبراج دائرية في الركن الشمالي الشرقي، والشمالي الغربي، والجنوبي الغربي، بينما رُسم برجان مستطيلان في الجانب الجنوبي الشرقي[1].
أما الحصن في شكله الحالي، فيتشكل بناؤه من ساحة كبيرة مستطيلة ذات طابقين مكونة من 56 غرفة بمحاذاة السور الخارجي، وحديقة مبنية من الحجارة والجص المحلي، وهو يخلو من النقوش والزخارف. كانت أمام الحصن شجرة رولة كبيرة يتجمع حولها الأهالي للحديث وتُقام عندها رقصات شعبية في المناسبات المختلفة. أُثِّثت إحدى الغرف في هيئة غرفة نوم تقليدية، في حين تعرض البقية أزياء وحليًا وأسلحة، وتُخصص غرفة القواسم لعرض تاريخ رأس الخيمة والأسرة الحاكمة بها.
وألحقت بالحصن عدة بنايات على الجانب الجنوبي تسبق الحصن زمنيًا[2]، وأهم هذه البنايات برج رقم 33أ، ويُسمى أيضًا مربعة، وهو البرج الرئيس بها، وهو برج مربع، مبني من حجارة جيرية مدورة على سطح قاعدة سمكها متران ونصف من الحجارة والملاط ذات شكل غير مستوٍ أو متناسق. للبرج ثلاثة طوابق ومنصة مراقبة مغطاة مبنية بمحاذاة الدرابزين الجنوبي الشرقي. الطابق الثاني مسوَّر بدرابزين يتصل بزواياه منصات صغيرة. يوجد باب البرج على الجانب الشمالي ويرتفع مترين ونصف متر عن سطح الطابق الأرضي، وله قائمان بارزان بشكل ملحوظ من الخارج. ويحتوي الطابقين الأول والثاني على مزاغل {{مزاغل: فتحات ضيقة}}، وفتحات عمودية لإطلاق الرصاص بالطابق الثاني، ونقطة إطلاق مغطاة بالطابق الثاني فوق الباب، ومنفذ مدفع ونافذتان بالطابق الأول.
رُمّم البرج ودُعِّمت طوابقه بعواميد خشبية منشورة مع زيادة حائط داخلي بالطابق الأرضي لدعم عمودين بالطابق الأول. في ركن الجانب الشمالي الشرقي، يقع برج 33ب، معين الشكل، مبني من قطع جيرية كبيرة، وله ثلاثة طوابق. بُني في فترة متأخرة حول عمود مركزي كبير يرتكز فوقه جدار يمثل الجدار الخارجي الخلفي للبرج فوق الطابق الأرضي. يوجد به عدة مزاغل وفتحات إطلاق عمودية بالطابقين الأول والثاني، وثلاث نقاط إطلاق مغطاة بالطابق الثاني، ومنصة صغيرة فوق الطابق الثاني يمكن من خلالها الوصول بسهولة لحائط الدرابزين. ويمكن الوصول مباشرة للطابقين الأرضي والأول للبرج من داخل الحصن[3]. وبمقارنة رسمة 1819 برسمة أحدث للإمارة، رجّح عالم الآثار جون هانسمان (John F. Hansman) أن الحصن الحديث يقع في موضع الحصن القديم نفسه[4].
حفريات
أجرى هانسمان، بين تشرين الثاني/ نوڨمبر 1977 وكانون الثاني/ يناير 1978، حفريات في البلدة القديمة حيث يوجد الحصن. نتج عن الحفر اكتشاف خندقين داخل ساحة الحصن: خندق رقم 9 في الشمال الشرقي وخندق 10 في الجنوب الغربي، وخندقين آخرين خارج أسواره: خندق 12 في الجنوب الشرقي وخندق 11 في الشمال الشرقي. في ترسبات يتراوح عمقها بين متر ومترين، اكتُشفت شظايا يرجع أغلبها إلى منشأ فارسي وإلى تاريخ شظايا مكتشفة في مناطق أخرى ترجع للمنشأ نفسه في القرن الثامن عشر. وفي خندق 11، اكتُشف متر من أنقاض البناء. رجّح هانسمان أنها أنقاض الحصن القديم الذي هدمه الإنكليز في حملة 1819. وُجد بين هذه الأنقاض ثلاث كتل حديدية، اقترح هانسمان أنها مخلفات قذائف أو مقذوفات، وجسم معدني صغير متطاول الشكل، واقترح كونه قذيفة[5].
محطات من تاريخ الحصن
الوجود الفارسي (1737-1749)
أظهرت بعض الحفريات وعمليات التنقيب آثارًا فارسية، يُرجّح معها استخدام هذه المنطقة كمعسكر للجند الفارسي الذي وُجد في جلفار في الفترة ما بين 1737-1749[6]. ومن هنا، شاع الاعتقاد أن أصل الحصن يرجع إلى الوجود الفارسي تلك الفترة[7]. لكن في ظل غياب شواهد تاريخية على وجود مبنى في هذا المكان في تلك الفترة، لا يمكن الجزم بوجود معسكر فارسي دائم في المنطقة[8].
الحصن القديم (1809-1819)
لم يرِد ذكر للحصن في الحملة البريطانية الأولى على رأس الخيمة (13 تشرين الثاني/ نوفمبر 1809) التي ورد فيها ذكر حصون أخرى[9]، وعليه لا يمكن القول بظهور الحصن إلّا بعد هذه النقطة الزمنية. بحلول عام 1813، كانت حملة عسكرية ثانية تحت التخطيط وسنحت لها الفرصة في عام 1819 عندما ساد هدوء سياسي في الهند، إذ وصلت إخباريات بتحصين رأس الخيمة بشكل ملحوظ عن المرة السابقة. تكوّنت الحملة الثانية من نحو ثلاثة آلاف جندي من الفوجين الخامس والستين والرابع والسبعين بقيادة اللواء وليام غرانت كير (William Grant Keir، 1771-1852)، وانضم إليه إمام مسقط في 800 من جنده بالإضافة إلى 3 آلاف وصلوا برًا متأخرين، ونزلت القوات يوم 2 كانون الأول/ ديسمبر 1819. لاحظت القوات البريطانية أن أسوارًا قديمة كانت حول برزخ نزلوا عليه في الحملة الأولى هُدّمت وأُعيد استخدامها لبناء حصن في مكانها. كان الحصن يومئذ كذلك رباعيًا، على بعد 350 خطوة (نحو 270 مترًا) من المدينة ومثّل حائط مقاومة صلبًا لم يشهد الاحتلال مثله في منطقة الخليج. خرج أهل رأس الخيمة وشكّلوا مقاومة باسلة حتى اضطرهم ضغط النيران إلى العودة إلى أسوار الحصن، وثبّت الاحتلال مرابض المدفعية الخاصة به على بعد 300 ياردة من الحصن. في اليوم السادس من الشهر نفسه، استطاع بعض جند المقاومة بقيادة إبراهيم بن رحمة القاسمي الاستيلاء على مربض مدافع هاون جهة اليمين إلا أنهم سريعًا ما أُلجئوا إلى العودة. وكانت محاولة شبيهة جهة اليسار إلا أنها لم تنجح.
تضررت أسوار الحصن تحت نيران المدافع الثقيلة ما أدى إلى سقوط المدينة وتسلل القوات إليه في اليوم التاسع من الشهر نفسه ليكتشفوا عملية إخلاء تدريجية من أهل المدينة، كان آخرهم جندي بقي في الحصن ليشكل غطاءً ناريًا حتى قام بالإخلاء هو أيضًا. ونُسف الحصن يوم 13 من الشهر نفسه مع باقي التحصينات والسفن، وعُقدت اتفاقيات بعد استسلام سلطان بن صقر القاسمي (1781–1866) وغيره من شيوخ رأس الخيمة[10].
الحصن الجديد (1823-1964)
في كانون الثاني/ يناير 1823، شرع سلطان بن صقر في رفع قواعد الحصن المهدم، ليبني برجًا مربعًا بارتفاع 30 قدمًا، سرعان ما هدم من الاحتلال الإنكليزي[11]. في وقت ما غير معروف، قبل هدم هذا البرج أو بعده، زار رحالة بريطاني رأس الخيمة ووصف عام 1828 ما رآه بأنه "برج مربع، غير ذي قوة ملحوظة، أُقيم على الرابية المكونة من خراب الحصن القوي المدمَّر بعد الحصار في 1819"[12]. بُني الحصن بشكله الحالي في فترات تالية متعاقبة وبتصميمات مختلفة، ورُمّم في النصف الثاني من القرن العشرين. ليصبح سكن الأسرة القاسمية الحاكمة ومقر الشيخ صقر بن محمد القاسمي (1918-2010) حتى عام 1964[13].
مديرية شرطة رأس الخيمة (1975-1984)
بحلول عام 1975، كان الحصن قد تحول إلى مقر المديرية العامة لشرطة رأس الخيمة[14]، ثم تحول إلى سجن حتى عام 1984[15].
متحف رأس الخيمة الوطني (1987 حتى الآن)
في 19 تشرين الثاني/ نوڨمبر 1987، قرر الشيخ صقر بن محمد القاسمي، حاكم رأس الخيمة، تحويل الحصن إلى متحف رأس الخيمة الوطني، وصار واحدًا من أبرز متاحف الإمارات لما يحتويه من أثريات اكتُشفت ترجع إلى فترة العبيد (4300-3500 ق. م.) وإلى فترة التاريخ الإسلامي من أسلحة وتروس وقطع نقدية وأدوات منزلية. كذلك أُودعت بالمتحف أصداف وأحافير ومتحجرات مكتشفة ترجع إلى فترات زمنية قديمة[16].
المراجع
العربية
حنظل، فالح. المفصل في تاريخ الامارات العربية المتحدة. أبو ظبي: مؤسسة دار الفكر للطباعة والنشر، 1983.
الخرخور، أحمد حسن. الأبراج: تراث وتاريخ/ Towers - Heritage and history. رأس الخيمة: جمعية ابن ماجد للفنون الشعبية والتجديف، 1992.
راشد، علي محمد. الحصون والقلاع في دولة الامارات العربية المتحدة. دبي: وزارة الإعلام والثقافة، 1992.
الزعابي، أحمد سعيد. رأس الخيمة آثار وأطلال. الإمارات: وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، 2013.
طه، منير يوسف. البحث عن جلفار/ The quest for Julfar. بيروت: مؤسسة الرحاب الحديثة للطباعة والنشر والتوزيع: 2005-2006.
القاسمي، سلطان بن محمد. القواسم والعدوان البريطاني (1797-1820م). الشارقة: منشورات القاسمي، 2012.
________. تحت راية الاحتلال. الشارقة: منشورات القاسمي، 2023.
الأجنبية
Al-Qāsimī, Sulṭān ibn Muḥammad. The Myth of Arab Piracy in the Gulf. 2nd ed. Abingdon: Routledge, 1988 [1986].
Belgrave, Charles. The pirate coast. Beirut: Librairie du liban, 1972 [1960].
Broughton, E.C. (ed.). Memoirs of the 65th Regiment. 1st Battn. The York & Lancaster Regt. 1756 to 1913. London: William Clowes & Sons, 1914.
Deakin, Michael. Ras al-Khaimah: Flame in the desert. London: Namara Publications/ Quartet Books, 1976.
Hansman, John. Julfār, an Arabian port: Its Settlement and Far Eastern Ceramic Trade from the 14th to the 18th Centuries. in: Prize Publication Fund 22. London: The Royal Asiatic Society of Great Britian and Ireland, 1985.
Kay, Shirley. Portrait of Ras al-Khaimah. 2nd ed. Dubai/ Abu Dhabi/ London: Motivate publishing, 2004 [1990].
Kennet, Derek. The Towers of Ras al-Khaimah. Oxford: BAR International Series 601, 1995.
Tomkinson, Michael. The United Arab Emirates/ الإمارات العربية المتحدة. London/ Hammamet: Michael Tomkinson Publishing, 1975.
قراءات إضافية
العربية
تاريخ الإمارات العربية المتحدة: مختارات من أهم الوثائق البريطانية 1797-1965م. تحقيق محمد مرسي عبد الله. ج 1. دمشق: نور حوران، 2023. ص 71-94.
دراز، إسماعيل صبري محمد وزكي أصلان ومحمد جمال راشد. "مشاركة الرواة والحرفيين في صون واستدامة التلوث غير المادي بمتحف رأس الخيمة الوطني". حولية اتحاد الآثاريين العرب. العدد 26 (2023). ص 476-509.
السويدي، خالد. الإمارات المتصالحة في رسائل ملا حسين: قراءة حديثة بالوثائق والمخطوطات. دمشق: نور حوران، 2023.
العابد، صالح محمد. دور القواسم في الخليج العربي: 1747-1820م. بغداد: مطبعة العاني، 1976. ص 295-320.
عبيدلي، أحمد. "الحملة العسكرية على رأس الخيمة 1819 - 1820". مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية. مج 8، العدد 31 (1982). ص 163-184.
العقاد، صلاح. الاستعمار في الخليج الفارسي. الألف كتاب 121. [القاهرة]: مكتبة الأنجلو المصرية، 1956. ص 67-85.
العيدروس، محمد حسن. دولة الإمارات العربية المتحدة: من الاستعمار إلى الاستقلال. الكويت: ذات السلاسل للطباعة والنشر والتوزيع، 1989. ص 57-103.
كنت، دريك. أبراج رأس الخيمة. ترجمة حنان سالم عبد الله فدعق الهاشمي. دبي: مداد للنشر والتوزيع، 2018. ص 198-205.
مويس بارتليت، هـ. الساحل المتصالح تحت نيران المدافع: الحملات البريطانية في الخليج العربي والمعاهدات بين بريطانيا ومشيخات عُمان المتصالحة (القواسم وبني بن علي). ترجمة مجموعة مترجمين - بريطانيا. الحازمية/ لندن: الدار العربية للموسوعات، 2021. ص 111-129.
الأجنبية
Howley, Donald. The Trucial States. London: George Allen & Unwin, 1970. p. 112-113.
Kelly, J.B. Britain and the Persian Gulf 1795-1880. Oxford: Clarendon Press, 1968. p. 139-166.
Lorimer, J.H. Gazetteer of the Persian Gulf: 'Omān, and Central Arabia. vol. 1. Part 1. Calcutta: Superintendent Government Printing, 1915. p. 664-667.
[1] John Hansman, Julfār, an Arabian port: Its Settlement and Far Eastern Ceramic Trade from the 14th to the 18th Centuries, in: Prize Publication Fund 22 (London, The Royal Asiatic Society of Great Britian and Ireland, 1985), p. 18; Derek Kennet, The Towers of Ras al-Khaimah (Oxford: BAR International Series 601, 1995), p. 98.
[2] Kennet, p. 98; Shirley Kay, Portrait of Ras al-Khaimah, 2nd ed. (Dubai/ Abu Dhabi/ London: Motivate publishing, 2004 [1990]), pp. 12, 61;
علي محمد راشد، الحصون والقلاع في دولة الامارات العربية المتحدة (دبي: وزارة الإعلام والثقافة، 1992)، ص 90، 150، 154.
[3] Kennet, pp. 98-103.
[4] Hansman, p. 16.
[5] Hansman, pp. 17-19, 118.
[6] Hansman, p. 17; Kay, p. 12.
[7] راشد، 89؛ أحمد سعيد الزعابي، رأس الخيمة آثار وأطلال (الإمارات: وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، 2013)، ص 67.
[8] لوجود آثار أخرى ذات منشأ وتواريخ مختلفة، يُنظر: منير يوسف طه، البحث عن جلفار/ The quest for Julfar (بيروت: مؤسسة الرحاب الحديثة للطباعة والنشر والتوزيع، 2005-2006)، ص 25؛
Hansman, p. vii.
[9] E.C Broughton (ed.), Memoirs of the 65th Regiment. 1st Battn. The York & Lancaster Regt. 1756 to 1913 (London: William Clowes & Sons, 1914), pp. 12-13; Charles Belgrave, The pirate coast (Beirut: Librairie du liban, 1972), pp. 33-34.
[10] Broughton, p. 24-28; Belgrave, pp. 135-143; Michael Tomkinson, The United Arab Emirates/ الإمارات العربية المتحدة (London/ Hammamet: Michael Tomkinson Publishing, 1975), p. 166-167; Sulṭān ibn Muḥammad Al-Qāsimī, The Myth of Arab Piracy in the Gulf, 2nd ed. (Abingdon: Routledge, 1988), pp. 84-150;
فالح حنظل، المفصل في تاريخ الامارات العربية المتحدة (أبو ظبي: مؤسسة دار الفكر للطباعة والنشر، 1983)، ص 354-363؛ خالد السويدي، الإمارات المتصالحة في رسائل ملا حسين: قراءة حديثة بالوثائق والمخطوطات (دمشق: نور حوران، 2023)، ص 50، 53، 67-70.
[11] سلطان بن محمد القاسمي، تحت راية الاحتلال (الشارقة: منشورات القاسمي، 2023)، ص 22-23.
[12] Deakin, p. 41.
[13] Kay, p. 12.
[14] Tomkinson, p. 169.
[15] Tomkinson, p. 169; Kay, p. 12;
راشد، ص 89.
[16] Kay, p. 12;
راشد، ص 150-152؛ الزعابي، ص 67-76.