خطاب الوضع (ويُسمى أيضًا خطاب الوضع والإخبار، أو خطاب الإخبار بلا عطف على الوضع) مصطلح مستعمل في علم أصول الفقه، استقر تعريفه في الجملة على أنه خطاب الشارع المتعلق بجعل الشيء سببًا لحكم شرعي، أو شرطًا له، أو مانعًا منه. إذ تتعلق الأحكام الشرعية بأفعال الإنسان على صور مختلفة، فمنها ما يطلب منه فعل شيء أو تركه، ومنها ما يربط الحكم بأمر آخر بعلاقة ما، فيجعل أمرًا سببًا لحكم، أو شرطًا له، أو مانعًا منه، أو يحكم على الفعل بالصحة أو الفساد، كدخول وقت الصلاة، أو تحقق شرط من شروطها، أو وجود ما يمنع الحكم، ونحو ذلك. أما الأول المتعلق مباشرة بأفعال الإنسان، فهو ما اصطُلح عليه باسم "خطاب التكليف"[1]. وأما الثاني فيُسمى "خطاب الوضع".
ولم تُعرف عبارة "خطاب الوضع" مصطلحًا أصوليًا عند علماء الأصول في القرنين: الثاني والثالث الهجريين، على أن المفاهيم المندرجة فيه كانت متداولة قبل ذلك، فمثلًا قد استعمل الإمام الشافعي (ت. 204هـ/ 819م) السبب[2] والشرط[3] والمانع[4]، فضلًا عمّن بعده، غير أنهم لم يؤطّروها في اصطلاح، ولم يصرحوا بتقسيم الخطاب الشرعي إلى خطاب تكليف وخطاب وضع، كما فعل المتأخرون[5].
ويبدو بحسب المصادر المتاحة أن أول ورود لـمصطلح "خطاب الوضع"، كما سجّله معجم الدوحة التاريخي، ظهر عند ابن الدهّان (ت. 592هـ/ 1196م)[6]، إذ يقول: "الوجوب يُتلقّى من خطاب الإِيجاب لكونه تكليفًا، والشروط والأسباب تُتلقّى من خطاب الوضع"[7]، من دون أن يعرّفه تعريفًا جامعًا مانعًا على طريقة الأصوليين. وفي كلام ابن الدهّان، يبدو ما يشي بتقسيم الخطاب إلى تكليف ووضع، أول مرة. ثم انتشر المصطلح بين الأصوليين في القرن السابع الهجري، فقد ذكره مثلًا ابن قدامة المقدسي (ت. 620هـ/ 1223م)، وسيف الدين الآمدي (ت. 631هـ/ 1233م)، وسماه كلاهما "خطاب الوضع والإخبار"[8]. وسماه ابن التلمساني (ت. 644هـ/ 1247م) "خطاب الإخبار"[9]. وبقي مستعملًا في القرن الثامن، فقد ذكره ابن تيمية (ت. 728هـ/ 1328م) في بعض فتاواه[10]، وعضد الدين الإيجي (ت. 756هـ/ 1356م)[11]، وتاج الدين السبكي (ت. 771هـ/ 1370م)[12]، وبدر الدين الزركشيّ (ت. 794هـ/ 1392م)[13]، وغيرهم.
ويُرجّح أن أول تعريف له هو ما ذكره القرافي (ت. 684هـ/ 1285م)، إذ عرّفه بذكر أقسامه، فقال إنه: "خطاب نصب الأسباب [...] ونصب الشروط [...] ونصب الموانع [...] ونصب التقادير الشرعية"[14]. وعرّفه نجم الدين الطوفي (ت. 716هـ/ 1316م) بأنه "ما استُفيد بواسطة نصب الشارع عَلَمًا معرّفًا لحكمه، لتعذر معرفة خطابه في كل حال"[15]. وعرّفه العالم الاثنا عشري ابن المطهر الحلّي (ت. 726هـ/ 1325م) بأنه "الحكم على الوصف بكونه سببًا أو شرطًا أو مانعًا"[16]، وعرّفه السبكي بقوله: "وهو ورود بكون الشيء سببًا ومانعًا وشرطًا"[17]، وأضاف في جمع الجوامع وصفين إضافيين هما: الصحة والفساد[18].
يُلاحَظ اتفاق القائلين بخطاب الوضع على شموله السبب والشرط والمانع، واختلافهم فيما عداها، فزاد القرافي -مثلًا- التقاديرَ الشرعية[19]، وزاد السبكي وغيره الصحة والفساد[20]. ونقل الإيجي عمّن يضيف الرخصة والعزيمة[21].
ويتميز خطاب الوضع بأنه لا يتضمن اقتضاء فعل ولا تركًا ولا تخييرًا، فزوال الشمس، كما يرى كثير من الأصوليين، جعله الشارع سببًا لوجوب صلاة الظهر، وليس زوالها داخلًا في خطاب التكليف[22]. كذلك يتميز خطاب الوضع بأنه قد يتعلق بفعل غير المكلَّف، ولذلك يجب الضمان (أي التعويض) فيما أتلفه الصبي والبهيمة[23]، مع أنهما غير مكلَّفين. ويمتاز أيضًا بأن الحكم فيه قد يثبت بغير كسب المكلَّف وبغير اختياره، فالدية تجب على أقرباء القاتل في قتل الخطأ[24]، مع أنهم لم يتسببوا هم في ذلك.
أما عن سبب تسمية المصطلح بهذا الاسم، فيعلل الزركشي ذلك: "لأنه شيء وضعه الله في شرائعه لإضافة الحكم إليه، تُعرف به الأحكام، تيسيرًا لنا، فإن الأحكام غيب"[25].
المراجع
الآمدي، سيف الدين أبو الحسن علي بن محمد. الإحكام في أصول الأحكام. علق عليه عبد الرزاق عفيفي. وصححه عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان وعلي الحمد الصالحي. ج 1. ط 2. بيروت/ دمشق: المكتب الإسلامي، 1982.
ابن التلمساني، عبد الله بن محمد علي شرف الدين أبو محمد الفهري المصري. شرح المعالم في أصول الفقه. تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض. ج 2. بيروت: عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع، 1999.
ابن تيمية، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم. الفتاوى الكبرى لابن تيمية. تحقيق وتعليق وتقديم محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا. ج 3. بيروت: دار الكتب العلمية، 1987.
ابن الدهان، أبو شجاع فخر الدين محمد بن علي. تقويم النظر في مسائل خلافية ذائعة، ونبذ مذهبية نافعة. تحقيق صالح بن ناصر بن صالح الخزيم. ج 4. الرياض: مكتبة الرشد، 2001.
ابن قدامة المقدسي، موفق الدين عبد الله بن أحمد. روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل. ج 1. ط 2. بيروت: مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع، 2002.
الإيجي، عضد الدين عبد الرحمن. شرح مختصر المنتهى الأصولي. تحقيق محمد حسن إسماعيل. ج 2. بيروت: دار الكتب العلمية، 2004.
الحلي، جمال الدين أبو منصور الحسن بن يوسف. تهذيب الوصول إلى علم الأصول. تحقيق السيد محمد حسين الكشميري. لندن: مؤسسة الإمام علي، 2001.
الزركشي، بدر الدين محمد بن عبد الله. البحر المحيط في أصول الفقه. ج 1. القاهرة: دار الكتبي، 1994.
_________. تشنيف المسامع بجمع الجوامع. تحقيق سيد عبد العزيز وعبد الله ربيع. ج 1. القاهرة: مكتبة قرطبة للبحث العلمي وإحياء التراث، 1998.
الزنجاني، أبو المناقب شهاب الدين محمود بن أحمد. تخريج الفروع على الأصول. تحقيق محمد أديب صالح. ط 2. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1978.
السبكي، تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن تقي الدين. رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب. تحقيق علي محمد معوض وعادل أحمد عبد الموجود. ج 2. بيروت: عالم الكتب، 1999.
الشافعي، أبو عبد الله محمد بن إدريس. الرسالة. تحقيق أحمد محمد شاكر. القاهرة: مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1938.
________. الأمّ. ج 3. ط 2. بيروت: دار الفكر، 1983.
الصرصري، نجم الدين سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي. شرح مختصر الروضة. تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي. ج 1. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1987.
العراقي، ولي الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم. الغيث الهامع شرح جمع الجوامع. تحقيق محمد تامر حجازي. بيروت: دار الكتب العلمية، 2004.
العطار، حسن بن محمد بن محمود. حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع. ج 1. بيروت: دار الكتب العلمية، [د. ت.].
القرافي، أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس. الفروق: أنوار البروق في أنواء الفروق. ج 1. بيروت: عالم الكتب، [د. ت.].
"معنى كلمة خطاب". معجم الدوحة التاريخي للغة العربية. في: https://acr.ps/hBy6ESP
[1] يُنظر مثلًا: أبو المناقب شهاب الدين محمود بن أحمد الزنجاني، تخريج الفروع على الأصول، تحقيق محمد أديب صالح، ط 2 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1978)، ص 127.
[2] أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، الأمّ، ج 3، ط 2 (بيروت: دار الفكر، 1983)، ص 241.
[3] المرجع نفسه، ص 174.
[4] أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، الرسالة، تحقيق أحمد محمد شاكر (القاهرة: مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1938)، ص 136.
[5] يُنظر مثلًا: موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ج 1، ط 2 (بيروت: مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع، 2002)، ص 607.
[6] يُنظر: "معنى كلمة خطاب"، معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، شوهد في 21/10/2026، في: https://acr.ps/hBy6ESP
[7] يُنظر: أبو شجاع فخر الدين محمد بن علي بن الدهان، تقويم النظر في مسائل خلافية ذائعة، ونبذ مذهبية نافعة، تحقيق صالح بن ناصر بن صالح الخزيم، ج 4 (الرياض: مكتبة الرشد، 2001)، ص 261.
[8] ابن قدامة المقدسي، ج 1، ص 175؛ قارن بـ: سيف الدين أبو الحسن علي بن محمد الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، علق عليه عبد الرزاق عفيفي، وصححه عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان وعلي الحمد الصالحي، ج 1، ط 2 (بيروت/ دمشق: المكتب الإسلامي، 1982)، ص 152.
[9] عبد الله بن محمد علي شرف الدين أبو محمد الفهري المصري بن التلمساني، شرح المعالم في أصول الفقه، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، ج 2 (بيروت: عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع، 1999)، ص 310.
[10] تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، الفتاوى الكبرى لابن تيمية، تحقيق وتعليق وتقديم محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا، ج 3 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1987)، ص 289.
[11] يُنظر: عضد الدين عبد الرحمن الإيجي، شرح مختصر المنتهى الأصولي، تحقيق محمد حسن إسماعيل، ج 2 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2004)، ص 231.
[12] تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي، رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، تحقيق علي محمد معوض وعادل أحمد عبد الموجود، ج 2 (بيروت: عالم الكتب، 1999)، ص 11.
[13] بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، تشنيف المسامع بجمع الجوامع، تحقيق سيد عبد العزيز وعبد الله ربيع، ج 1 (القاهرة: مكتبة قرطبة للبحث العلمي وإحياء التراث، 1998)، ص 162.
[14] يُنظر: أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، الفروق: أنوار البروق في أنواء الفروق، ج 1 (بيروت: عالم الكتب، [د. ت.])، ص 161.
[15] يُنظر: نجم الدين سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الصرصري، شرح مختصر الروضة، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، ج 1 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1987)، ص 411.
[16] جمال الدين أبو منصور الحسن بن يوسف الحلي، تهذيب الوصول إلى علم الأصول، تحقيق السيد محمد حسين الكشميري (لندن: مؤسسة الإمام علي، 2001)، ص 50.
[17] يُنظر: السبكي، ج 2، ص 11.
[18] ولي الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي، الغيث الهامع شرح جمع الجوامع، تحقيق محمد تامر حجازي (بيروت: دار الكتب العلمية، 2004)، ص 39.
[19] يُنظر: القرافي، ج 1، ص 161.
[20] يُنظر: حسن بن محمد بن محمود العطار، حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع، ج 1 (بيروت: دار الكتب العلمية، [د. ت.])، ص 117-120.
[21] يُنظر: الإيجي، ج 2، ص 231.
[22] يُنظر: محمد بن علي بن حسين، تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية، حاشية في: القرافي، ص 184.
[23] يُنظر: بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، البحر المحيط في أصول الفقه، ج 1 (القاهرة: دار الكتبي، 1994)، ص 171.
[24] المرجع نفسه.
[25] يُنظر: الزركشي، تشنيف المسامع بجمع الجوامع، ج 1، ص 162.