تسجيل الدخول

العدالة



الموجز

العدالة مفهومٌ مركزي في القانون والعلوم الاجتماعية وفلسفة الأخلاق، وهو مقصدٌ تؤكد عليه الشرائع الدينية والنظم الوضعية على السواء. غير أنّ تحديد مفهوم العدالة ومعاييرها تحديدًا جامعًا مانعًا يظل محل بحث وجدل، إذ توجد في هذا الصدد رؤيتان رئيستان: إحداهما تنظر إلى العدالة بوصفها المثل الأعلى المطلق، والأخرى تراها مفهومًا نسبيًا يتبدّل بتبدّل المجتمعات والتقاليد التاريخية. ويُستعمل مفهوم العدالة، من جهة، للدلالة على التناسب بين الاستحقاق وما يناله الشخص فعلًا؛ ومن جهة ثانية بوصفه قيمة معيارية لتقويم مشروعية القواعد القانونية. ففي الاتجاهات الموضوعية والاجتماعية يُشترط اتساق القانون مع مثلٍ عليا أو مع قيم المجتمع، على حين تفصل الوضعية القانونية بين القانون والأخلاق فتجعل العدالة معيارًا لنقد القانون لا شرطًا لطاعته أو كونه قانونًا ملزمًا.

وتؤسِّس الفلسفة اليونانية، ولا سيّما عند أرسطو، لبنية تحليلية ما زالت مؤثرة في الفكر القانوني، إذ تميّز بين العدل العام بوصفه فضيلةً اجتماعية مرتبطة بالامتثال للقانون، والعدل الخاص الذي ينقسم إلى عدالة توزيعية تقوم على المساواة التناسبية في توزيع المنافع والأعباء، وعدالة تصحيحية تُعنى بجبر الضرر وإزالة الاختلال في علاقات الأفراد الثنائية. وإلى جانب ذلك، يبرز العدل الإجرائي باعتباره شرط اكتمال العدالة، من حيث ضمانات إصدار الأحكام القضائية بموجب محاكمة عادلة، مثل حق الدفاع وقرينة البراءة.

تتوزع المناقشات الحديثة للعدالة بين نظرية العدالة بوصفها إنصافًا عند جون رولز {{جون رولز: (John Rawls، 1921-2002)، فيلسوفٌ سياسي أميركي أعاد إحياء فلسفة العدالة في القرن العشرين عبر نظريته "العدالة بوصفها إنصافًا".}}، ونظرية الاستحقاق عند روبرت نوزيك {{روبرت نوزيك: (Robert Nozick، 1938–2002) فيلسوفٌ سياسي أميركي من أبرز ممثلي الليبرتارية (libertarianism) في القرن العشرين، عمل أستاذًا للفلسفة في جامعة هارفرد.}} التي تنتقد التوزيع المركزي للموارد بواسطة الدولة، واتجاهات تعيد بناء معيار المساواة، فتنقله من تكافؤ الفرص إلى مساواة القدرات، كما عند أمارتيا سِن {{أمارتيا سِن: (Amartya Sen، 1933- ) اقتصادي وفيلسوف هندي نال جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1998، وعرف بأعماله في اقتصاد الرفاه ودراساته عن حلول لمواجهة المجاعة ونقص الغذاء.}}، أو تتبنى تعددية "دوائر العدالة"، كما عند مايكل والتسر {{مايكل والتسر: (Michael Walzer، 1935- ) فيلسوف أخلاق أميركي اشتهر بكتابه الحروب العادلة وغير العادلة (1977) وكتابه دوائر العدالة (1983).}}.

وفي التراث الإسلامي تبرز مركزية العدل في تقويم السلطة والقضاء، وأصّل الفقهاء بعض مكونات العدالة التوزيعية والتصحيحية والإجرائية، وإن لم يستعملوا هذه المصطلحات.

مفهومها

يتوخى القانون، من بين وظائف أخرى، تحقيق العدالة وإقامة العدل. وفي الشرائع الدينية دعوة إلى العدل أيضًا، على غرار ما في القرآن الكريم ﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ (النساء: 58). وأكدت النظم القانونية الحديثة قيمة العدالة، إذ يجعل كثير من القوانين الوطنية مبادئ العدالة مصدرًا احتياطيًا {{المصادر الاحتياطية للقانون: هي مصادر يسترشد بها القاضي عند غياب نص تشريعي يطبق على النزاع المعروض، وتشمل قواعد العدالة كما في المادة 1(2) من القانون المدني المصري والمادة 2 من القانون المدني الأردني.}} من مصادر القانون، سواء في القانون الوطني[1] أم في القانون الدولي[2]. غير أن تحديد مفهوم العدالة تحديدًا دقيقًا ليس أمرًا يسيرًا[3]. فمفهوم العدالة متعدد الأبعاد يتجلى في القضاء والفلسفة والسياسية.

فالعدالة القضائية تعنى بالفصل في الخصومات، وتعد مفهومًا إجرائيًا مؤسسيًا. أما في الفلسفة اليونانية، فإنّها ارتبطت بالفضيلة[4]. وللعدالة عند بعض الفلاسفة "مفهوم مطلق لا يتغير باختلاف الزمان أو المكان"[5]، على حين يرى بعضهم الآخر أن "للعدالة مفهومًا نسبيًا يختلف من مجتمع إلى آخر"[6]، فما كان يعتبر عادلًا أو ظالمًا عند قدماء المصريين لم يكن مطابقًا لعدالة الرومان[7]، وبينما ارتبطت العدالة بعدم المساواة بين فئات مختلفة (مثل الأحرار والعبيد) عند الإغريق، أصبحت المساواة من أهم مكونات العدالة في الفكر الحديث[8].

ميّز أرسطو (ت 322 ق. م) في كتابه علم الأخلاق إلى نيقوماخوس بين العدل العام والعدل الخاص[9]، وجعل العدل الخاص شاملًا للعدالة التصحيحية أو التبادلية، والعدالة التوزيعية، مع تأكيد دور القضاء في تطبيق مبادئ العدالة. أما العدل العام فهو عند أرسطو العدل بوصفه فضيلة تجاه الآخر أو الجماعة ويعتمد على الامتثال للقانون بوصفه تنظيمًا للفضائل[10].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

بعد أرسطو، تطورت فكرة العدالة وانتقلت من الأخلاق إلى القانون والمؤسسات. ففي القانون الروماني، انتقلت العدالة، جزئيًا، من كونها فضيلةً تجاه الآخر إلى كونها مبدأً قانونيًا-قضائيًا يقوم على إرادة ثابتة لإعطاء كل إنسانٍ حقَّه. وفي العصور الوسطى، نضجت فكرة القانون الطبيعي عند توما الأكويني (St. Thomas Aquinas، 1225-1274)، وعدّ العدالة مثلًا أعلى مستمدًا من قانون إلهي أبدي[11]. وفي مطلع العصر الحديث أعاد منظّرو القانون الطبيعي، مثل غروشيوس (Hugo Grotius، 1583-1645)، بناء العدالة من خلال التمييز بين "القانون الطبيعي" و"القانون الوضعي أو الإرادي،" المبني على تقسيم أرسطو للقانون.

ومع ظهور فكرة القانون الطبيعي العقلاني، انتقلت العدالة من عدّها مبدأً للإنصاف القضائي إلى كونها معيارًا لتقييم السياسات العامة، وفقًا لمقاربات طوّرها فلاسفة منذ القرن السابع عشر إلى مقاربات حديثة حول ما يعد حقًا أو عدلًا. هنا، يصبح القانون أداة لتنفيذ مقتضيات العدالة وفقًا للمقاربة التي تتبناها السياسة العامة بخصوص المساواة والعدالة التوزيعية.

وعلى صعيد آخر، أصبحت العدالة معيارًا لتحديد مدى مشروعية القواعد القانونية. ففي المدارس الموضوعية والاجتماعية في فلسفة القانون ينبغي، من أجل أن تكون القاعدة السلوكية جديرة بالاحترام بوصفها قاعدة قانونية ملزمة، أن تتفق القاعدة القانونية مع مثل عليا، على غرار فكرة القانون الطبيعي {{القانون الطبيعي: اتجاهٌ في فلسفة القانون يرى أن للـقانون معيارًا أسمى من الإرادة البشرية والتشريع، يتمثل في مبادئ عقلية أو أخلاقية تُستمد من الوحي الإلهي أو العقل، وتُستخدم لتقويم القوانين الوضعية وجدارتها بالطاعة أو بكونها قانونًا.}}[12]، أو مع قيم المجتمع وتقاليده، كما في مدارس القانون التاريخية والاجتماعية[13]. أما في فلسفة القانون الوضعية {{الفلسفة القانونية الوضعية: اتجاه فلسفي يفصل بين القانون والأخلاق، ويبنى -بوصف القاعدة السلوكية قانونًا- على معايير شكلية مؤسسية تتركز حول صدور القانون عن سلطة مختصة وفقًا لإجراءات دستورية.}} فإن العدالة يمكن أن تكون أساسًا لنقد القانون وإصلاحه، لكنها ليست شرطًا ضروريًا لاكتساب القاعدة صفة القانون الملزم[14]، إلّا إذا اشترط القانون الوضعي ذلك بموجب نص دستوري مثلًا. وذهب اتجاه في الفلسفة القانونية الوضعية إلى عدّ القانون تجسيدًا للعدالة، بحيث يكون القانون ذاته هو معيار العدالة، أي إن القاعدة القانونية هي عادلة في ذاتها فور وضعها[15]، وتتحقق العدالة عمليًا بسيادة القانون.

العدالة عند أرسطو

رأى أرسطو "أن العدالة هي قمة الفضائل، أو الفضيلة الجامعة التي تشمل كل الفضائل الأخرى"[16]. وبينما قسّم أرسطو العدالة إلى عدالة تصحيحية تقوم على مساواة حسابية بين الأطراف وعدالة توزيعية ترتكز على حصول كل فرد على ما يناسبه، فإنه أكد دور القضاء في إرساء العدالة من خلال عدالة إجرائية.

العدالة القضائية /الإجرائية

تختص العدالة القضائية أو الإجرائية بكيفية تسيير الخصومة القضائية وإصدار الأحكام، إذ يرى أرسطو أن القاضي يمثل العدالة الحية بتدخله لإعادة المساواة الحسابية بين الطرفين عبر التعويض أو العقوبة[17]. ويؤكد أرسطو دور القاضي بوصفه وسيطًا لتحقيق العدالة في مواجهة عدم كمال التشريع، إذ يرى أن النص القانوني عام بالضرورة ولا يناسب بعض الجزئيات، فيعدّل "القاضي العدل" عوج القانون حين يخطئ بسبب الصيغة العامة أو الألفاظ التي استعملها[18].

أمّا القوانين الوطنية والمواثيق الدولية فقد أكّدت على مبدأ أن مفهوم العدالة لا يكتمل دون العدل الإجرائي، لأن العدالة ليست في الأحكام القضائية فحسب بل في الطريقة التي تصدر بها. وتُجسّد الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان هذا المعنى في المادة 6 التي تنص على حق كل شخص في محاكمة عادلة وعلنية خلال مدة معقولة أمام محكمة مستقلة ومحايدة منشأة بموجب القانون، مع ضمانات حق الدفاع {{حق الدفاع: من مقومات المحاكمة العادلة ويعني إعطاء كل طرف في دعوى قضائية، بعد إفهامه الادعاءات المقدمة ضده، فرصة كاملة لعرض قضيته وحججه ومناقشة حجج خصمه وأدلته وفرصة دحضها، مع الاستعانة بمحام عند الحاجة إليه.}}، وقرينة البراءة {{قرينة البراءة: افتراض قانوني مفاده أن الأصل في الإنسان البراءة حتى تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي. ومن ثم، لا يلزم المتهم بإثبات براءته من الجرم المنسوب إليه، بل يقع على الادعاء العام إثبات نسبة الجرم إليه.}} في المسائل الجزائية[19].

العدالة التوزيعية

تخص العدالة التوزيعية توزيع المنافع والأعباء بين الأفراد وفقًا لمبدأ التناسب[20]، وتقدم العدالة التوزيعية معيارًا لفهم شرعية قواعد الضرائب والتأمينات الاجتماعية وتوزيع الخدمات العامة، إذ تعتمد قرارات السياسة العامة الخاصة بفرض الضرائب وتنظيم الملكية العقارية على موقف معين من عدالة التوزيع. فإذا كانت العدالة التصحيحية تتم بتدخل القاضي بمناسبة خلل شاب علاقة بين أفراد، فإن العدالة التوزيعية تظهر في القانون الذي يضعه المشرع.

بيْد أن العدالة التوزيعية لا تقوم على المساواة الحسابية، وإنما ترتبط بمفهوم المساواة التناسبية التي ينظر فيها إلى حاجات الأفراد ومقدرتهم[21]. ومثاله، لتولي الوظائف العامة توضع لكل وظيفة شروط معينة لا تتوفر في كل الأفراد. ومن ثم، لا يتساوون مساواة مطلقة في فرصة الحصول على الوظيفة، لكن الأفراد الذين تتوفر فيهم الشروط ينبغي لهم أن يتمتعوا بتكافؤ الفرص. أي إن عدم تساوي الأفراد بإزاء الشروط الموضوعية لا يتنافى مع العدالة التوزيعية ما دام الأفراد يتلقون معاملة متساوية عند تماثل ظروفهم[22]. ولئن كانت العدالة التوزيعية لا تقتضي المساواة الحسابية المطلقة بين الأفراد، فإنها لا تبرر التعسف في المغايرة بينهم؛ "فالفروق بين الأفراد داخل المجتمع يجب أن تكون معقولة على أساس من الاعتدال"[23]، من خلال شروط ومعايير موضوعية، مثل اختلاف مقدار الضريبة المفروضة على الأفراد تبعًا للدخل الذي يحصل عليه الفرد.

وهكذا، يقع الظلم حين يُخرق التناسب بأن يحصل أفراد متساوون على أشياء غير متساوية، أو أن يحصل أفراد غير متساويين على أشياء متساوية. وتأسيسًا على ذلك، يقرّ أرسطو بضرورة تطبيق العدالة التوزيعية "على أساس الاستحقاق القائم على الأهلية"[24]، غير أنه لا يحدد معيار الأهلية، ما يجعله محلّ خلاف سياسي، إذ يرى الديمقراطيون أن الأهلية ترتبط بحرية المواطن، على حين يربطها الأوليغارشيون بالثروة أو النسب، والأرستقراطيون بالامتياز، أما أرسطو فيتمسك بمبدأ التناسب بوصفه قاعدة صورية حاكمة[25]. فإذا كانت العدالة تقوم على إعطاء كل ذي حق حقه، فإن العدالة التوزيعية تنشد تحديد ماذا يستحق كل شخص وكيف يثبت استحقاقه[26].

وينظر إلى العدالة التوزيعية من منظور سياسي لارتباطها بالبنية المؤسسية والاقتصادية في الدولة، إذ تضع مؤسسات الدولة معايير توزيع الخيرات[27]. وفي هذا الإطار، لا تعد العدالة التوزيعية متصلة بالمفهوم الكلاسيكي للعدالة التوزيعية عند أرسطو، لا سيما أن المقاربات الحديثة تفترض المساواة بين الأفراد بصيغ مختلفة[28].

العدالة التصحيحية

تقوم العدالة التصحيحية على التعويض وجبر الضرر في إطار علاقات الأفراد التعاقدية وغير التعاقدية[29]. فالعدالة التصحيحية تختص بعلاقة ثنائية يختل التوازن بين طرفيها بعد وقوع خطأ من أحدهما، مثل السرقة والغشّ أو الإخلال بعقد. فتهدف العدالة التصحيحية إلى إلغاء أثر الخطأ بردّ الشيء إلى صاحبه أو التعويض بما يعيد المضرور إلى الوضع الذي كان سيكون عليه لو لم يقع الخطأ. لذلك توصف العدالة التصحيحية بأنها تقوم على المساواة الحسابية لإزالة الضرر أو الغبن دون أثر لاختلاف الأفراد من حيث مراكزهم الاجتماعية والاقتصادية، مثل المكانة الاجتماعية والغنى والفقر؛ لأن العبرة هي للمقابل الحسابي للشيء الذي تبودل[30]. "وتسمى العدالة هنا تبادلية لأن عملها يقع بمناسبة تبادل الأشياء والخدمات بين الأفراد داخل المجتمع. كما تسمى أيضًا تصحيحية، لأن مهمتها الأساسية تصحيح الاختلال في الذمم المالية الناتج عن انتقال الأموال من ذمة إلى أخرى أو عن عمل غير مشروع"[31]. ومن المبادئ القانونية التي تجسد العدالة التصحيحية مبدأ عدم جواز استفادة فرد من خطئه، ومبدأ أن الضرر يزال.

يرى باحثون كثيرون أن العدالة التصحيحية أساس لنظريات قانونية مهمة، مثل القوة الملزمة للعقد {{القوة الملزمة للعقد: مبدأ قانوني في القانون الخاص يعني أن العقد الصحيح يصبح شريعة المتعاقدين وملزمًا لهما ولا يستطيع أحدهما التحلل منه بإرادته المنفردة، إلّا في الحالات التي يحددها القانون، لضمان استقرار المعاملات والثقة في التعامل.}} بمضمونها والعمل غير المشروع والإثراء بلا سبب {{الإثراء بلا سبب: مصدر من مصادر الالتزام ينشأ حين يثري طرف على حساب طرف آخر دون مسوغ قانوني، مثل العقد، فيصبح الطرف المثري مدينًا للطرف المفتقر.}}[32]. وبما أن العقد يقوم على تراضي طرفين، يرى أرسطو أنه لا يتصور أن يرضى المتعاقد بالظلم لنفسه بإرادته. ومن ثمّ، يعبر العقد عن العدالة التبادلية بين أطرافه، ويتخذ أرسطو من افتراض أن العقد يطابق العدل أساسًا أخلاقيًا للقوة الملزمة للعقد[33].

تعد العدالة التصحيحية أو التبادلية مكملة للعدالة التوزيعية، لأن العدالة التصحيحية "هي التي تحافظ على التوزيع الذي تم طبقًا لقواعد العدالة التوزيعية"[34]، إذ تتدخل لتصحيح الخلل في الأوضاع التي ترتبت على تحقق العدالة التوزيعية.

العدل العام (العدالة الاجتماعية)

ينظر العدل العام إلى الفرد بوصفه عضوًا في جماعة ويمتثل لقانونها وما يفرضه عليه من واجبات لأن ذلك فضيلة، على غرار فلسفة أرسطو. ويستعمل في الأدبيات المعاصرة مفهوم العدالة الاجتماعية، التي تنظر إلى الأفراد بوصفهم "أجزاء من المجموع، من حيث ما يجب على هؤلاء الأفراد نحو الجماعة، تحقيقًا للصالح العام"[35]. ومن ثم، لا يركز مفهوم العدالة الاجتماعية على ما يحصل عليه الفرد، كما في العدالة التوزيعية، وإنما إلى ما يعود على المجموع من نفع يستفيد منه الفرد بوصفه جزءًا من المجموع. يبرر مفهوم العدالة الاجتماعية فرض الخدمة العسكرية الإجبارية والضرائب، إذ لولا الصالح العام للجماعة التي ينتمي إليها الفرد، لما كان من العدل تحميله مثل تلك الواجبات[36].

من المبادئ القانونية التي تجسد العدالة الاجتماعية المسؤولية الجزائية التي يترتب عليها فرض عقوبة على السارق، مثلًا، حتى وإن أعاد المال المسروق إلى صاحبه؛ لأن إعادة المال المسروق إلى صاحبه تحقق العدالة التصحيحية أو التبادلية بين أفراد، أما العدالة الاجتماعية فتستتبع معاقبة السارق لأنه أخل بالأمن العام[37]. ويُعبر عن هذا في الإجراءات الجزائية بالحق العام، ومن هنا، يسمى المدعي العام والنيابة العامة بصفة العموم بوصفهما نائبين عن المجتمع.

ومن مقتضيات العدالة الاجتماعية، تقييد سلطة الحاكم بما يضمن ممارسة السلطة العامة لتحقيق الصالح العام. وبالمقابل، ينبغي للأفراد من منظور اجتماعي إطاعة أوامر السلطة مراعاةً للصالح العام[38]. وقد أوضح أرسطو أفكاره حول العدل العام والعدل الخاص في كتابه السياسة، الذي قدم فيه تصورًا ينضوي ضمن المبدأ المعروف اليوم بحكم القانون أو سيادة القانون[39]. فالعدالة السياسية عند أرسطو لا تقوم إلّا بين "أحرار متساويين نسبيًا" يعيشون حياة مشتركة ويُحكمون بالقانون[40].

العدالة بوصفها فكرة اجتماعية سياسية

انتقلت العدالة في الفكر الفلسفي من فضيلة خلقية تقوّم الأفعال والأفراد، إلى معيار لتقويم السياسات وتحديد مشروعية القوانين بناء على صيغ متعددة. فقد انتقل مفهوم أرسطو للعدالة بوصفها فضيلة تجاه الآخر تتطلب حصول كل فرد على ما يستحقه أو يناسبه إلى القانون الروماني الذي أكد أن العدالة هي إرادة ثابتة لإعطاء كل ذي حق حقه[41]. ولئن كان هذا البعد القانوني-القضائي للعدالة يبرز شكلها، فإن مضمونها يتوقف على تحديد ما الذي يعدّ حقًا. من هنا، ظهر البحث في الجانب الموضوعي للعدالة لدى فلاسفة لاهوتيين، مثل القديس أغسطين (St. Augustine، 354-430)، الذي جعل العدالة مثلًا أعلى يستمد من قانون إلهي، هو معيار لمشروعية القانون الوضعي، فيكون القانون المخالف لذلك المعيار جائرًا لا يستحق اسم القانون[42]. وطوّر توما الأكويني فكرة القانون الطبيعي من خلال التفرقة بين القانون الإلهي الأبدي المتحكم في الكون، والقانون الطبيعي الذي هو مشاركة العقل البشري في القانون الأبدي أو ما يدركه العقل البشري من القانون الأبدي، فيكون معيارًا لتقويم القانون الوضعي[43]. ثم بلور هوغو غروشيوس (Hugo Grotius، 1583-1645) عقلانية القانون الطبيعي أو علمنته، بيْد أنه حافظ على فكرة وجود معيار أخلاقي سابق لتقويم القانون.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وفي سياق بروز نظرية السيادة ومركزية الدولة، نضجت الفلسفة القانونية الوضعية التي تربط العدالة بالقانون الذي تصدره السلطة دون الاستناد إلى مُثل أو معايير سابقة. مثلًا، يرى توماس هوبز (Thomas Hobbes، 1588-1679) أن العدالة ترتبط باحترام العهود، ولا ضمانة لذلك دون وجود سلطة ذات سيادة تملك الإكراه وتحفظ الأمن والاستقرار؛ وهكذا، فإن العدالة تتجسد داخل الدولة وليست فضيلة سابقة عليها[44].

أما عند إيمانويل كانط (Immanuel Kant، 1724-1804) فقد ارتبطت العدالة بفكرة الحق بوصفه شرط إمكان اجتماع حريات الأفراد جميعًا وفقًا لقانون كلي للحرية[45]. أما في الفلسفة النفعية عند جيريمي بنتام (Jeremy Bentham، 1832–1748) فإن العدالة ترتبط بتعظيم السعادة لأكبر عدد من الناس، بحيث يكون الفعل أو القانون عادلًا إذا كان يزيد السعادة لأكبر عدد من الناس. ووفقًا لهذا المفهوم، فإن الحقوق تبرر نفعيًا، ومن ثم، قد تخضع لقيود إذا كان ذلك يزيد المنفعة العامة[46]. من هنا، تعرضت النفعية لانتقادات من فلاسفة آخرين، مثل رونالد دوركين (Ronald Dworkin، 1931-2013)، الذي جعل الحرية والحقوق الفردية مقدمة، ولا ينبغي الانتقاص منها لتحقيق الرفاه العام[47].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ومن أهم المقاربات الحديثة للعدالة التي وجهت انتقادات للفلسفة النفعية، وإن كانت مثلها لا تنظر إلى العدالة نظرة ميتافيزيقية، مقاربة جون رولز القائمة على "الليبرالية المساواتية"[48]، فيرى رولز أن العدالة نظرية سياسية وليست ميتافيزيقية، وأن للعدالة هدفا عمليا هو توفير أساسٍ لاتفاقٍ عام يكفل التعاون بين مواطنين أحرار ومتساوين في مجتمع ديمقراطي تكون فيه للحريات الأساسية أولوية فلا يختزل في حسابات نفعية[49].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

فالمجتمع العادل يجب أن يحمي الحريات الأساسية بالتساوي لجميع أفراده، ومنها حرية الفكر وحرية التعبير. وبما أن الأفراد متساوون في هذه الحريات الأساسية، فستنشأ تعددية في الآراء والقيم، بحيث يعتنق الناس قناعات أو عقائد مختلفة، دينية أو غير دينية، ومع ذلك تكون جميعها "معقولة". في مثل هذا الوضع، يتطلب الاستقرار احترام الآخرين والتسامح مع القناعات والعقائد المتعارضة. ومن هنا، تغدو مشكلة الليبرالية السياسية هي في كيفية الوصول إلى مجتمع مستقر وعادل، مواطنوه أحرار ومتساوون، لكنهم منقسمون بسبب عقائد دينية وفلسفية وأخلاقية متعارضة. يجيب رولز بأن السبيل إلى ذلك هو "تصور سياسي مشترك للعدالة" يكون محايدًا تجاه العقائد المتعددة. ويبني رولز التصور المشترك للعدالة على "وضع أصلي" يفترضه لأفراد أحرار متساويين محجوبين عن معرفة مراكزهم وخصائصهم بحجاب الجهل، ويختارون مبادئ العدالة في هذه الحالة.

يجعل رولز "حق كل شخص" في حريات أساسية متساوية وكافية ضمن نظام من الحريات، بوصفها عنصرًا تأسيسيًا للعدالة السياسية[50]. وترتيبًا على ذلك، تصبح العدالة فضيلة توصف بها المؤسسات الاجتماعية والسياسية وليس الأفراد، بحيث توزع الخيرات ضمن نسق من القوانين والإجراءات في المجتمع بوصفه كيانًا سياسيًا فاعلًا[51]. يتسق هذا مع تصور رولز للمجتمع بوصفه نظام تعاون اجتماعي منصف بين مواطنين أحرار ومتساويين[52]؛ ومن ثم، فإن العدالة عند رولز هي تصور سياسي موجَّه إلى تنظيم البنية الأساسية للمجتمع المتمثلة بالمؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الكبرى في إطار ديمقراطية دستورية[53].

أثرت نظرية العدالة عند رولز في الفكر الفلسفي، إذ انطلق فلاسفة آخرون من انتقادها لتقديم مقاربات مغايرة للعدالة التوزيعية. من أبرز هؤلاء روبرت نوزيك الذي يطرح في كتابه الفوضى والدولة واليوتوبيا (1974)، مذهبًا ليبرتاريًا يعترض على تصوير العدالة وكأنها نمط توزيعي تديره الدولة إدارة مركزية للوصول إلى وضع نهائي يمثل توزيعًا مقررًا سلفًا. ويرى نوزيك أن ما يناله الأفراد في مجتمع حر ينشأ تاريخيًا من أفعالهم الرضائية، ولا سيما العقود التبادلية، لا من توزيع تُديره سلطة عامة؛ وعلى فرْض أن ثمّ نمطًا توزيعيًا مفروضًا، فإنه سيختل من خلال المبادلات الحرة بين الأفراد[54]. ومن ثم، فإن العدالة مرتبطة بالحرية الفردية، ولا يكون تدخل الدولة مبررًا إلّا في الحد الأدنى الذي يتطلبه تجنب الفوضى[55]. ويقترح نوزيك لتقويم عدالة الحيازة نظرية الاستحقاق القائمة على مبدأ العدالة في الاكتساب{{تملّك مال مباح لم يكن مملوكًا.}}، ومبدأ العدالة في الانتقال{{نقل الملكية بعقدٍ رضائي كالبيع والهبة أو بعوضٍ كالأجر.}}، ومبدأ تصحيح آثار الظلم عند انتهاك المبدأين السابقين. وبذلك تكون الحيازة عادلة عند نوزيك، إذا كان الشخص مستحقًا لما في حيازته وفقًا لهذه المبادئ التي ترتبط بما قام به الأفراد الأحرار، وليس بموجب نمط توزيع ولا وضع نهائي تتوخاه سياسة عامة تفرضها الدولة[56].

المساواة

أقام أرسطو فكرته عن العدالة على أساس المساواة، بوصفها شكل العدالة وجوهرَها[57]. غير أنه قدم مفهومين للمساواة تبعًا لتصنيف العدالة إلى تصحيحية وتوزيعية. فالمساواة في العدالة التصحيحية هي مساواة حسابية، على حين أنها مساواة تناسبية في العدالة التوزيعية تكون بين الأفراد ذوي الظروف المتماثلة[58].

يرى عزمي بشارة أن المساواة ارتبطت بتاريخ مفهوم العدالة نفسه، إذ تعد المساواة مكوِّنًا يتبدّل بتبدّل "الوحدة المرجعية" التي تُعرَّف داخلها العدالة، مثل القبيلة أو الطبقة أو الدولة[59]. ومن ثم، لم تكن العدالة قبل الحداثة تعني تساوي الناس في الحقوق والواجبات غالبًا، بل تعني توزيع حصص ومنافع وأعباء وفقًا للمكانة، مع نوع من المساواة "داخل الفئة نفسها"، مثل مساواة الأحرار مع الأحرار (داخل فئة الأحرار)، ومساواة العبيد مع العبيد (داخل فئة العبيد)، لا مساواة الأحرار بالعبيد. ثم تحوَّل معنى المساواة في الحداثة من خلال ربط العدالة بالمواطنة عبر مفهوم الحقوق؛ ففكرة الحقوق المرتبطة بالمواطنة (ومن ثم مساواة المواطنين أمام القانون) هي من مكوِّنات مفهوم العدالة الحديث، وهو ما لم يكن ممكنًا، برأي بشارة، أن يخطر في بال التصورات اليونانية القديمة بالمعنى الذي نفهمه اليوم[60].

صور المساواة

عدّد شاييم بيرلمان‬ {{شاييم بيرلمان: (Chaim Perleman، 1912-1984) فيلسوف بلجيكي من أصل بولندي اشتهر بتطويره نظرية للخطاب والاستدلال القانونيين عرفت بالبلاغة الجديدة أو الخطاب الجديد في كتابه (Traité de l’argumentation: La nouvelle rhétorique) الصادر عام 1958.}} صورًا للمساواة تشمل[61]: المساواة الحسابية المطلقة بحيث يقف الأفراد على قدم المساواة في توزيع الخيرات وتحمل الالتزامات دون مراعاة لفروق السن والكفاءة وغيرها؛ والمساواة حسب الجدارة، بحيث يكون توزيع الخيرات والأعباء طبقًا لمعيار يناسب الصفات الشخصية للأفراد، ما يجعل تحقيق هذه المساواة صعبًا لتوقفه على معيار شخصي بحت؛ والمساواة على أساس "كل بحسب عمله"، فمن يعمل ليس كمن لا يعمل، فيكون معيار التوزيع ماديًا وقابلًا للتطبيق؛ والمساواة على أساس التوزيع وفقًا للحاجة، وساد هذا المفهوم للمساوة في النظم الاشتراكية؛ والعدالة طبقًا للقانون، وهنا، تكون المساواة شكلية بمعنى أن الفرد يحصل على ما يحدده القانون، فتتجسد العدالة في التطبيق الحرفي للقواعد القانونية العامة المجردة. وخلاصة تصور بيرلمان هي أن العدالة والمساوة قانونيتان-شكليتان، بحيث تكون المساواة داخل الفئة الواحدة التي يحددها القانون وفقًا لمعايير عامة ومجردة، ويكون السؤال الجوهري هو تحديد معايير الفئة الواحدة وفق أحد المعايير المذكورة (المساواة الحسابية والتناسبية والجدارة والعمل أو الحاجة).

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


بعبارة أخرى، فإن العدالة الشكلية تعني "المساواة في المعاملة وفقًا للتصنيف الذي أعده القانون بموجب قواعد عامة ومجردة تطبق بدون محاباة"[62]، ولكنها لا تحدد كيفية وجوب أو عدم وجوب تصنيف الناس أو معاملتهم[63].

المساواة في الفرص والموارد

تقوم المساواة برأي بعض الفلاسفة، مثل جون رولز، على تكافؤ الفرص في توزيع الخيرات بين الأفراد، بحيث لا يكون عدم المساواة مبررًا إلّا بشروط استثنائية تراعي الأقل حظًا في التمتع بالخيرات، مثل الوظائف والدخل، وعلى أساس عدم تدخل الدولة في المسائل الأيدولوجية وفي تصورات الناس للخير.

يبني رولز تصوره السياسي للشخص على أن المواطنين أحرار ومتساوون لامتلاكهم، بالحد الأدنى، ملكتين أخلاقيتين: الإحساس بالعدالة والقدرة على صياغة تصور للخير[64]. وابتكر رولز وضعًا افتراضيًا لا تاريخيًا سمّاه الوضعية الأصيلة، حيث يجتمع أفراد "أحرار ومتساوون أخلاقيًا" لاختيار مبادئ العدالة التي ستؤطر البنية الأساسية للمجتمع الديمقراطي، وتدار عملية الاختيار تحت "حجاب الجهل"[65] الذي يحجب عن الأطراف معلوماتهم الخاصة، مثل طبقتهم الاجتماعية وأوضاعهم الاقتصادية ومواهبهم وتصوراتهم الفلسفية والدينية عن "الخير"، بما يمنع القرارات المتحيّزة ويشيع التسامح للتوصل إلى اتفاق منصف على مبادئ عامة[66]. بعبارة أخرى، فإن رولز افترض حالة تستبعد تحيزات الأفراد المبنية على فروقهم الفردية، لأنه رأى أن تلك الفروق ليست أساسًا أخلاقيًا لتحديد نصيب كل فرد من الخيرات الأساسية[67]. يتضح من ذلك، أن رولز وظف فكرة العقد الاجتماعي {{العقد الاجتماعي: فكرةٌ في الفلسفة السياسية تفترض أن قيام الدولة وشرعيتها يُفسَّران بوصفهما نتيجة اتفاقٍ افتراضي بين الأفراد على الخروج من "حالة الطبيعة" إلى مجتمعٍ منظم، مع اختلاف صياغة الفلاسفة لهذه الفكرة.}} التي تبناها فلاسفة، مثل توماس هوبز وجون لوك (John Locke، 1632-1704)، وجان جاك روسو (Jean-Jacques Rousseau، 1712– 1778)، الذين اشتركوا في تصور أن الأفراد متساوون في الحالة الطبيعية، بيْد أن رولز يصوغ العقد الاجتماعي ليتضمن الاتفاق بين الأفراد الأحرار على مبادئ للعدالة[68].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

تكفل مبادئ العدالة، وفقًا لما يرى رولز، الخيرات الأساسية التي هي أشياء يُفترض أن كل عاقل يرغب فيها بصرف النظر عن تصوره للحياة الصالحة، مثل الحرية والفرص والدخل والثروة واحترام الذات[69]. وتنظم مؤسسات المجتمع التوزيع العادل لهذه الخيرات عبر الدستور والنظام السياسي والقضاء والمؤسسات التعليمية والنظام الاقتصادي وغيرها[70].

بعبارة أخرى، تغدو العدالة في تصور رولز عدالة تعاقدية تعبر عمّا يرتضيه الأفراد الأحرار المتساوون والمتجردون من التحيز[71]، الذين يختارون مبادئ العدالة التي تحكم توزيع الخيرات في المجتمع.

بموجب تصور رولز، فإن الأفراد الأحرار المتساويين سيختارون مبادئ العدالة بصورة عقلانية بحيث يسعى كل واحد إلى اختيار مبادئ تضمن له أفضل فرصة لتحقيق تصوره عن الحياة الجيدة، إذ سيفترض الفرد بدائل وسيعمل على تجنب أسوئها، لأنه لا يعرف مركزه وقدراته في المجتمع بسبب حجاب الجهل في الوضع الأصيل أو الحالة الطبيعية، وسيخشى أن يتعرض للبديل الأسوأ[72]. استنادًا إلى ذلك، يفترض رولز أن الأفراد في الوضع الأصيل أو الحالة الطبيعية سيختارون مبدأين للعدالة: الأول هو مبدأ الحريات الأساسية المتساوية؛ والآخر هو مبدأ تنظيم اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية بحيث يخضع عدم المساواة التوزيعية لشرطين، هما تكافؤ الفرص في إتاحة الوظائف والمراكز للجميع، وأنْ تُحقق اللامساواة أكبر فائدة ممكنة لأفراد "المواقع الدنيا"، أو الأقل حظًا، وفقًا لموضوع المساواة، مثل الدخل[73]. من هنا، يعبر رولز عن نظريته بأنها العدالة بوصفها إنصافًا (Justice as Fairness).

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

على سبيل المثال، يرى رولز أن الأفراد في الحالة الطبيعية لن يختاروا أن تكون القدرات أساسًا لتوزيع الخيرات مع تكافؤ الفرص، لأن ذلك سيؤدي إلى أن يحصل ذوو القدرات على حصة أكبر من الخيرات، مثل المال والوظائف، على حين يظل الأقل حظًا في وضع سيء. كذلك، فإنهم لن يختاروا المساواة الصارمة التي تتجاهل القدرات والاستحقاق. بالمقابل، يفترض رولز أن الأفراد في الوضع الأصلي سيختارون نظامًا توزيعيًا يسمح بحصول ذوي القدرات على حوافز وخيرات بشرط أن يعود ذلك بالنفع على الأفراد الأقل حظًا، مثلًا من خلال ضرائب تخصص لدعم الأقل حظًا[74].

يلاحظ أن رولز جعل مبدأ الحريات الأساسية المتساوية مقدمًا على مبدأ تقييد اللامساواة التوزيعية، لأنه يفترض أن الأفراد في الوضع الأصلي سيخشون أن تخضع الحريات للمقايضة لتحسين العدالة التوزيعية للأقل حظًا. ومن ثم، فإن الفرد العاقل في الوضع الأصلي لن يختار المجازفة بحريته لأنه قد يكون من فئة الأقل حظًا[75].

واجهت نظرية رولز انتقادات، ولا سيما من أحد الاتجاهات الليبرتارية {{الليبرتارية: (Libertarianism) اتجاه سياسي/أخلاقي يجعل الحرية الفردية محور العدالة، ويربط شرعية التملك والتصرف بمبادئ تاريخية في الاكتساب والتداول والتعويض، مع اختلافات داخلية بين أنصار هذا الاتجاه.}}، الذي يختزل الليبرالية في الحرية الاقتصادية، أي اقتصاد السوق الحر، والذي يرفض، كما عند نوزيك، فكرة أن العدالة تقتضي نمطًا أو صيغة محددة مسبقًا لتوزيع الخيرات بحيث ينبغي للدولة أن تتدخل لضمان تطابق التوزيع مع ذلك النمط، لأن ذلك يعد مساسًا بالحرية الشخصية وحقوق الملكية[76]. كذلك، فإن نوزيك يرى أن حجاب الجهل الذي افترضه رولز غير واقعي، وأنه ينطوي على تحيز، لأنه يستبعد بالضرورة إمكان أن يتفق الأفراد على الاستحقاق أساسًا للعدالة[77].

بيْد أن رولز يوضح في كتابه الليبرالية السياسية (Political Liberalism) (1993) أنه يقدم "العدالة بوصفها إنصافًا" ضمن تصور سياسي عملي يؤسس بنية مؤسسية في الديمقراطيات الدستورية التعددية، دون تدخل في كل مبادلة فردية، بحيث تكون تلك البنية المؤسسية أحد مكونات الاستقرار والشرعية، وأساسًا لاختيار مبادئ العدالة دون إنكار اختلاف الأفراد في قناعاتهم وأديانهم، وذلك من خلال ما يسميه رولز الإجماع المتداخل أو الوفاق التراكبي (overlapping consensus)، الذي يقع حين يوافق الأفراد من خلفيات ثقافية ودينية متعددة على مبادئ عدالة مشتركة، وإن كان لكلٍ أسبابه المختلفة للموافقة. وعليه، يكون أساس هذه المبادئ هو اعتراف الأفراد بعدالتها لا استنادها إلى مصدر فوق إرادتهم، مثل القانون الإلهي[78].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

المساواة في القدرات

ركز أمارتيا سِن على إمكان الحصول على الخيرات لا على فرصة الوصول إليها فحسب. وانطلق سِن من انتقاده لرولز في تركيزه على توزيع الخيرات الأساسية، على حين أن ذلك برأي سِن، غير كافٍ، وإنما لا بد من استغلال الموارد استغلالًا صحيحًا من الأفراد القادرين على الوصول إليها[79].

تمثٍّل تصوّرات سِن تحولًا في مفهوم العدالة من خلال الانتقال من مساواة "الموارد" أو "المنفعة" إلى التركيز على مساواة القدرات الأساسية (Basic Capabilities) [80]، أي ما يستطيع الإنسان فعلًا أن يكونه وأن يفعله. ويؤكد سِن، في كتابه المساواة في ماذا؟ (Equality of What?) أن الأشخاص قد يملكون موارد متساوية لكنهم يختلفون في تحويلها إلى فرص فعلية للحياة الكريمة بسبب الإعاقة أو المرض أو الفقر البنيوي أو اختلاف الاحتياجات. ومن ثمّ، يصبح العدل، بمعنى العدالة التوزيعية سؤالًا عن بناء شروط واقعية للقدرة على الفعل لا توزيع أشياء قابلة للعد فحسب.

فمقاربة العدالة الاجتماعية لا تكتفي، في نظر سِنّ، بالتساوي في الفرص أو حتى بتوزيع "الخيرات الأولية"، مثل الحقوق والحريات والدخل والشروط الاجتماعية اللازمة لكرامة الفرد واحترام الذات، كما عند رولز، بل تحتاج إلى التساوي في القدرات وإلى أخذ حرية الاختيار بجدية بوصفها جزءًا من المعيار. بعبارة أخرى، لا ينتج "تكافؤ الفرص" أثره إذا لم تكن إمكانات استغلال الفرص متساوية، كذلك لا معنى لفرصٍ "متساوية" بلا حق الاختيار[81].

معايير المساواة حسب "دوائر العدالة"

قدم مايكل والتسر نظرية المساواة المركبة ودوائر العدالة، إذ يرى أن توزيع الخيرات الاجتماعية لا يكون متماثلًا، بالضرورة، في كل المجالات. على سبيل المثال، يعدّ المال قوة شرائية في المجال الاقتصادي، لكنه يحظر استعماله في المجال السياسي للتأثير في اختيارات الناخبين. وعليه، يقترح والتسر أن العدالة لا تُختزل في معيار واحد، مثل التوزيع بالتساوي أو على أساس الجدارة، فالمجتمع يتكون من دوائر للعدالة، مثل الاقتصاد والسياسة والتعليم وغيرها، ولكل دائرة خير اجتماعي خاص، مثل المال في دائرة الاقتصاد؛ وبحيث لا تهيمن خيرات اجتماعية في دائرة على دوائر العدل الأخرى، فلا يهيمن المال، مثلًا، على دائرة السياسة، إذ أن الظلم ينشأ من هيمنة مجال على آخر[82].

العدالة في الفكر الإسلامي

لم يتصد العلماء المسلمون المتقدمون لبلورة نظرية عامة في مفهوم العدل ومعاييره، لكن بعض المقاربات يمكن أن تعبر عن العدالة التوزيعية التناسبية. مثلًا، ذكر أبو يوسف (113هـ-182هـ) في كتابه الخراج أن العدل ينمي الأموال والظلم يخرب الأموال والبلاد[83]. وأوضح أن من مظاهر العدل عدم إرهاق العمال ومراعاة قدرة المكلفين بدفع الخراج {{الخَراج: في الفقه الإسلامي، هو مالٌ مُقدَّر (ضريبة، بالمصطلح الحديث) على الأرض التي فُتحت عنوةً وأصبحت رقبتها (ملكيتها)، لبيت المال (خزينة الدولة)، وتركت بيد أهلها، ويُفرض الخراج مقابل احتفاظ أهلها بحق الانتفاع بها وزراعتها.}}، بحيث يجعل الإمام "على كل أرض من الخراج ما يحتمل ويطيق أهلها"[84].

كذلك، عُني الفقهاء بإبراز العدالة التصحيحية، وإن لم يستعملوا هذا المصطلح، بمعنى إيتاء كل ذي حق حقه، مثل قول ابن فرحون {{برهانُ الدين إبراهيم بن علي بن محمد اليعمري ابن فَرْحون: (ت 799هـ/ 1397م) فقيهٌ مالكيٌّ من أصل مغربي ولد في المدينة المنوّرة ونشأ فيها، ولم يُتفق على سنة مولده فقيل 730هـ أو 760هـ. عُني بالفقه والقضاء والتراجم، ونسبته إلى يعمر بن مالك، من عدنان.}} إن من معاني حكم القاضي "وضع الحق في أهله ومنع من ليس له بأهل"[85]. ونظر الفقهاء إلى العدل بأنه يتضمن الحق، فجاء في تفسير قوله تعالى "فاحكم بين الناس بالحق" (سورة ص: 26) أي بالعدل[86].

كذلك تتضمن كتب الفقه مكونات ما يعرف اليوم بالعدالة الإجرائية، مثل المساواة الإجرائية بين الخصوم[87]، وإعذار الخصوم (التبليغ والإمهال)، وإعطائهم فرصة لتقديم حججهم وأدلتهم[88]. وعبر الماوردي {{أبو الحسن علي بن محمد البصري البغدادي، الشهير بالماوردي: (364هـ/ 974م-450هـ/ 1058م) من فقهاء الشافعية، نشأ في البصرة واشتهر قاضيًا في بغداد.}} عن المساواة الإجرائية بقوله عن معاملة القاضي للخصوم أنه "تلزمه التسوية بين جميعهم وإن تفاضلوا"[89].

ويرتبط العدل في التصور الإسلامي بمفهوم القسط بوصفه غاية كبرى للرسالات السماوية وإنزال الكتاب ووضع الميزان، وبوظيفة الحكم والقضاء في منع الظلم. وفي هذا السياق، يستند ابن تيمية إلى آية ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ (النساء: 58) ليقرر أن أداء الأمانات والحكم بالعدل هما "جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة"[90]. ما يدل على أن العدالة هي المعيار لتقويم السلطة لا فضيلة أخلاقية فحسب.

وعبّر ابن قيم الجوزية عن مركزية العدالة في الشريعة الإسلامية بقوله عن الشريعة "هي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها [...] فالشريعة عدل الله بين عباده"[91]، ومع أن العدل قيمة عليا في التصور المثالي الإسلامي، فإن تعريفه أو تقديم معيار قيمي للعدل لا يبدو محددًا أو متفقًا عليه في خطاب العلماء المسلمين. ذلك أن بعضهم يربط العدل بتطبيق الشريعة، على حين يرى آخرون، مثل ابن تيمية، أن العدل قد يقع من حاكم غير مسلم، ما يدل ضمنيًا أن العدل لا ينحصر، برأي ابن تيمية، في تطبيق الشريعة[92].

المراجع

العربية

ابن تيمية ، أحمد بن عبد الحليم الحراني. السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية. الرياض: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، 1418هـ/ 1997م.

"اتفاقية حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية". مجلس أوروبا والمحكمة المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان. في: https://acr.ps/hBy6Etj

ابن فرحون، إبراهيم بن علي بن محمد. تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام. ج 1. القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية، 1986.

ابن قيم الجوزية، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الدمشقي. إعلام الموقعين عن رب العالمين. مج 3. الرياض: دار عطاءات العلم/ بيروت: دار ابن حزم، 2019.

أرسطوطاليس. علم الأخلاق إلى نيقوماخوس. ج 2. نقله من الفرنسية أحمد لطفي السيد. القاهرة: دار الكتب المصرية، 1924.

الأنصاري، أبو يوسف القاضي يعقوب بن إبراهيم. الخراج. تحقيق طه عبد الرؤوف سعد وسعد حسن محمد. القاهرة: المكتبة الأزهرية للتراث، 1999.

بدوي. عبد الرحمن. فلسفة القانون والسياسة. سلسلة امانويل كنْت 3. الكويت: وكالة المطبوعات، 1979.

بشارة، عزمي. "مداخلة بشأن العدالة: سؤال في السياق العربي المعاصر". تبيّن، العدد 5 (2013)، ص 7-26.

تناغو، سمير. النظرية العامة للقانون. القاهرة: منشأة المعارف، 1999.

حسن، أحمد إبراهيم. غاية القانون: دراسة في فلسفة القانون. الإسكندرية: دار المطبوعات الجامعية، 2000.

حسين، فايز محمد. فلسفة القانون. الإسكندرية: دار المطبوعات الجامعية، 2009).

حمية، خنجر. "أخذ الحقوق على محمل الجد: دوركين بين النفعية ورؤى الحقوق الطبيعية". الاستغراب. العدد 34 (2024)، ص 36-79.

رولز، جون. "العدالة إنصافا: نظرية سياسية وليست ميتافيزيقية". ترجمة: نوفل الحاج لطيف. تبين. مج 11، العدد 43 (2023)، ص 167-190.

زيدان، مؤيد. علم الاجتماع القانوني. دمشق: الجامعة الافتراضية السورية، 2018.

سليمان، حسين. "العدالة عند جون راولز: عرض ونقد". الاستغراب. العدد 34 (2024)، ص 182-195.

الشاوي، منذر. مدخل في فلسفة القانون. بغداد: الذاكرة للنشر والتوزيع، 2011.

علوان، محمد يوسف. القانون الدولي العام: النظرية العامة والمصادر. ط 4. عمان: دار وائل للنشر، 2021.

فرج، توفيق حسن. المدخل للعلوم القانونية: النظرية العامة للقانون. بيروت: الدار الجامعية للطباعة والنشر، 1993.

كرم، يوسف. تاريخ الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط. ويندسور: مؤسسة هنداوي، 2014.

الكشو، منير. "نظرية جون رولز في العدالة التوزيعية ونقادها". تبيّن. مج 9. العدد 36 (2021)، ص 49-72.

لويد، دينيس. فكرة القانون. تعريب سليم الصويص. سلسلة عالم المعرفة. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1981.

مافيتونيه، سيباستيانو. عالم أفضل: العدالة العالمية ما بين أسطورة الدولة (لفياثان) والمدينة الكونية – كتابات في الفلسفة السياسية. ترجمة جهاد الشعيبي وشيرين سلامة. عمّان، مركز الدراسات الإستراتيجية، الجامعة الأردنية، 2020.

مرقس، سليمان. فلسفة القانون: دراسة مقارنة. بيروت: صادر، 1999.

الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد. الحاوي الكبير لفقه الإمام الشافعي، ج 16: أدب القاضي. بيروت: دار الكتب العملية، 1999.

الأجنبية

Nozick, Robert. Anarchy, State, and Utopia. Oxford: Blackwell, 1974.

Nozick, Robert. “Distributive Justice.” Philosophy & Public Affairs. vol. 3, no. 1 (1973), pp. 45-126.

Rawls, John. A Theory of Justice. Revised Edition. Cambridge: The Belknap Harvard University Press, 1999.

Wacks, Raymond. Law: A Very Short Introduction. Oxford: Oxford University Press, 2008.

Wacks, Raymond. The Philosophy of Law: A Very Short Introduction. Oxford, Oxford University Press, 2006.

Walzer, Michael. Spheres of Justice: A Defense of Pluralism and Equality. United States: Basic Books, 1983.

[1] توفيق حسن فرج، المدخل للعلوم القانونية: النظرية العامة للقانون (بيروت: الدار الجامعية للطباعة والنشر، 1993)، ص 282.

[2] محمد يوسف علوان، القانون الدولي العام: النظرية العامة والمصادر، ط 4 (عمان: دار وائل للنشر، 2021)، ص 509.

[3] Raymond Wacks, Law: A Very Short Introduction (Oxford: Oxford University Press, 2008), p. 22.

[4] فرج، ص 143.

[5] أحمد إبراهيم حسن، غاية القانون: دراسة في فلسفة القانون (الإسكندرية: دار المطبوعات الجامعية، 2000)، ص 133-134.

[6] المرجع نفسه.

[7] المرجع نفسه.

[8] دينيس لويد، فكرة القانون، تعريب سليم الصويص، سلسلة عالم المعرفة (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1981)، ص 112.

[9] فرج، ص 146-147.

[10] أرسطوطاليس، علم الأخلاق إلى نيقوماخوس، ج 2، نقله من الفرنسية أحمد لطفي السيد (القاهرة: دار الكتب المصرية، 1924)، ص 67، 77، 84، 90.

[11] منذر الشاوي، مدخل في فلسفة القانون (بغداد: الذاكرة للنشر والتوزيع، 2011)، ص 47؛ فايز محمد حسين، فلسفة القانون (الإسكندرية: دار المطبوعات الجامعية، 2009)، ص 166-174.

[12] حسن، ص 111-112؛ لويد، ص 124-126.

[13] حسن، ص 83-91.

[14] المرجع نفسه، ص 108-111.

[15] لويد، ص 122.

[16] حسن، ص 146.

[17] أرسطو، ص 74.

[18] المرجع نفسه، ص 107-108.

[19] "اتفاقية حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية"، مجلس أوروبا والمحكمة المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان، ص 5-31، شوهد في 17/8/2026، في: https://acr.ps/hBy6Etj

[20] أرسطو، ص 68-71.

[21] فرج، ص 144.

[22] المرجع نفسه، ص 145.

[23] حسن، ص 149.

[24] عزمي بشارة، "مداخلة بشأن العدالة: سؤال في السياق العربي المعاصر"، تبيّن، العدد 5 (2013)، ص 7-26.

[25] المرجع نفسه.

[26] لويد، ص 115.

[27] سيباستيانو مافيتونيه، عالم أفضل: العدالة العالمية ما بين أسطورة الدولة (لفياثان) والمدينة الكونية – كتابات في الفلسفة السياسية، ترجمة جهاد الشعيبي وشيرين سلامة (عمّان، مركز الدراسات الإستراتيجية، الجامعة الأردنية، 2020)، ص 22-23.

[28] المرجع نفسه، ص 23.

[29] فرج، ص 144.

[30] حسن، ص 150.

[31] المرجع نفسه.

[32] سمير تناغو، النظرية العامة للقانون (القاهرة: منشأة المعارف، 1999)، ص 143-144.

[33] المرجع نفسه.

[34] حسن، ص 151-152.

[35] فرج، ص 145.

[36] فرج، ص 146.

[37] المرجع نفسه.

[38] المرجع نفسه.

[39] تناغو، ص 149-153.

[40] بشارة، ص 12.

[41] مؤيد زيدان، علم الاجتماع القانوني (دمشق: الجامعة الافتراضية السورية، 2018)، ص 143.

[42] المرجع نفسه، ص 152-154؛ يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط (ويندسور: مؤسسة هنداوي، 2014)، ص 50-51.

[43] كرم، ص 163-165؛ تناغو، ص 138.

[44] مافيتونيه، ص 123-124.

[45] عبد الرحمن بدوي، فلسفة القانون والسياسة، سلسلة امانويل كنْت 3 (الكويت: وكالة المطبوعات، 1979)، ص 2؛ سليمان مرقس، فلسفة القانون: دراسة مقارنة (بيروت: صادر، 1999)، ص 177.

[46] مافيتونيه، ص 25-27.

[47] خنجر حمية، "أخذ الحقوق على محمل الجد: دوركين بين النفعية ورؤى الحقوق الطبيعية"، الاستغراب، العدد 34 (2024)، ص 36-79.

[48] منير الكشو، "نظرية جون رولز في العدالة التوزيعية ونقادها"، تبيّن، مج 9، العدد 36 (2021)، ص 49-72.

[49] مافيتونيه، ص 27-28؛ حسن، ص 152-154.

[50] بشارة، ص 21-22.

[51] حسن، ص 155.

[52] جون رولز، "العدالة إنصافا: نظرية سياسية وليست ميتافيزيقية"، ترجمة: نوفل الحاج لطيف، تبين، مج 11، العدد 43 (2023)، ص 167-190.

[53] المرجع نفسه، ص 188.

[54] Robert Nozick, Anarchy, State, and Utopia (Oxford: Blackwell, 1974), pp. 151-153.

[55] مافيتونيه، ص 34.

[56] Nozick, Anarchy, State, and Utopia, pp. 153-167; Robert Nozick, “Distributive Justice,” Philosophy & Public Affairs, vol. 3, no. 1 (1973), pp. 45-126.

[57] حسن، ص 143.

[58] تناغو، ص 141؛

 Wacks, p. 22.

[59] بشارة، ص 9-10.

[60] المرجع نفسه.

[61] حسن، ص 137-142.

[62] لويد، ص 118-120.

[63] المرجع نفسه، ص 112.

[64] رولز، ص 181-183.

[65] John Rawls, A Theory of Justice, Revised Edition (Cambridge: The Belknap Harvard University Press, 1999), p. 11.

[66] حسين سليمان، "العدالة عند جون راولز: عرض ونقد"، الاستغراب، العدد 34 (2024)، ص 182-195.

[67] Raymond Wacks, The Philosophy of Law: A Very Short Introduction (Oxford, Oxford University Press, 2006), pp. 70-73.

[68] حسن، ص 153.

[69] Rawls, pp. 53-55.

[70] سليمان، ص 186.

[71] المرجع نفسه، ص 184.

[72]المرجع نفسه، ص 188.

[73] بشارة، ص 21-22.

[74] Wacks, The Philosophy of Law, pp. 72-73.

[75]Ibid, p. 72.

[76] مافيتونيه، ص 33-36.

[77] مافيتونيه، ص 36-37.

[78] رولز، ص 169-170، 177.

[79] مافيتونيه، ص 38-39.

[80] بشارة، ص 21.

[81] المرجع نفسه.

[82] يُنظر:
Michael Walzer, Spheres of Justice: A Defense of Pluralism and Equality (United States: Basic Books, 1983).

[83] أبو يوسف القاضي يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، الخراج، تحقيق طه عبد الرءوف سعد وسعد حسن محمد (القاهرة: المكتبة الأزهرية للتراث، 1999)، ص 99، 139.

[84] أبو يوسف، ص 98-99.

[85] إبراهيم بن علي بن محمد ابن فرحون، تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، ج 1 (القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية، 1986)، ص 12.

[86] أبو الحسن علي بن محمد الماوردي، الحاوي الكبير لفقه الإمام الشافعي، ج 16: أدب القاضي (بيروت: دار الكتب العملية، 1999)، ص 3.

[87] ابن فرحون، ص 46.

[88] ابن فرحون، ص 194-196.

[89] الماوردي، ص 274.

[90] أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية (الرياض: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، 1418هـ/ 1997م)، ص 6.

[91] أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الدمشقي (ابن قيم الجوزية)، إعلام الموقعين عن رب العالمين، مج 3 (الرياض: دار عطاءات العلم/ بيروت: دار ابن حزم، 2019)، ص 429.

[92] بشارة، ص 16-17.




المحتويات

الهوامش