الموجز
جوزيف دو ميستر
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أليكسي دو توكفيل، لوحة زيتية لتيودور شاسيريو؛ محفوظة في متحف قصر فرساي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
الفردانية (Individualism) مذهب يُعبّر عن موقف فلسفي، وسياسي، وأخلاقوي، وأنطولوجي، يجعل من الفرد مقياسًا أولًا للتقويم والفهم. ويتباين هذا المفهوم عن التفرّد بوصفه صفةً شخصيةً تُعلي من حقوق الأفراد ومسؤولياتهم، وتُقدّم تفسيرات للظواهر السوسيولوجية عن طريق دراسة أفعال الفرد، مع نزاع مستمر مع
الجماعاتية {{الجماعاتية (Collectivism): مفهوم أخلاقي وسياسي وسوسيولوجي يُؤكد على أهمية العلاقات والقِيَم التشاركية للمجتمع، وأولويتها في بناء الهُوية وتشييدها، في مقابل فردانية تُعطي الأولوية للحقوق الفردية.}} لا يقبل الاختزال في مجرد ثنائية صفرية.
تاريخيًا، بدأت الإرهاصات الدلالية الحديثة لمفهوم الفردانية، مع انتقادات كلٍّ من
جوزيف دو ميستر {{جوزيف دو ميستر (Joseph de Maistre، 1753-1821): سياسي ومُفكّر فرنسي، يُعَد من المُفكّرين الأوائل الذين استعملوا مفهوم الفردانية في إطار الانتقادات الموجّهة إلى تفكُّك الوشائج الاجتماعية.}} وتوصيفات
ألكسيس دو توكفيل {{ألكسيس دو توكفيل (Alexis de Tocqueville، 1805-1859): مفكر سياسي ومؤرخ فرنسي، عُرِف بكتابه الأساسي الديمقراطية في أميركا، حيث عمل فيه على تحليل مخاطر الفردانية على الديمقراطية.}} للعزلة الديمقراطية، لتمنحها فيما بعدُ الفلسفة الليبرالية مع
جون ستيوارت مل {{جون ستيوارت مل (John Stuart Mill، 1806-1873): اقتصادي وفيلسوف بريطاني، يُعَد من أهم مُمثّلي الفلسفة النفعية والليبرالية الكلاسيكية.}} دلالةً إيجابية تُعبِّر عن الحرية الفردية، وتضع حدودًا لتدخّل الدولة. ثم توسّع المفهوم لاحقًا ليشمل ميادين متنوّعة كالثقافة وعلم النفس، حيث تتجلّى تمظهرات إمكانية التعايُش بين النزعتَيْن الفردية والجماعية.
وتتنوّع الفردانية وتتشعّب إلى أنواع عدة، منها: الفردانية الفلسفية، والفردانية السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والنفسية، وغيرها. ويتقاطع مفهوم الفردانية مع مفاهيم مثل الفردانية المضادة، التي تعمل على إبراز دَوْر المؤسسات الاجتماعية واللُّغة في تشكيل الهُوية. فضلًا عن تداخل الفردانية في الآن عينه وتبايُنها مع مفاهيم أخرى كالفردنة الاجتماعية، والفردانية النسوية، والفوضوية الفردانية، والأنانية الأخلاقية. ووُجّهت لمذهب الفردانية انتقادات حادّة من طرف أنصار الماركسية، علاوة على تيارات ثقافية وأُخرى محافظة. في حين أن الفلسفة الغربية المعاصرة أعادت صياغة مفهوم الفردانية بالاستعانة بمفاهيم فلسفية معاصرة، مثّلتها كُلٌّ من فلسفة العدالة عند
جون رولز {{جون رولز (John Rawls، 1921-2002): فيلسوف سياسي أميركي معاصر، اشتُهر بنظريته في العدالة، إذ جعل من الحرية والمساواة المبدأ الأخلاقي الراسخ للنظام الليبرالي.}}، والهُوية الحوارية عند تايلور (Taylor)، والحرية كمحكومية ومسؤولية عند
جان بول سارتر {{جان بول سارتر (Jean-Paul Sartre، 1905-1980): كاتب روائي وفيلسوف وجودي فرنسي، يُعَد من أهم رُوّاد النزعة الوجودية الحديثة. ومن أشهر أعماله
الوجود والعدم.}}، والنقد النرجسي الاستهلاكي عند
جيل ليبوفتسكي {{جيل ليبوفتسكي (Gilles Lipovetsky، 1944-): سوسيولوجي ومُفكّر فرنسي معاصر، عُرف بتحليلاته الفلسفية لمفهوم الفردانية ما بعد الحداثية.}}، والفردانية في صورتها الصارمة في الولايات المتحدة. أما عربيًا، فقد تبلورت مشروعات عربية حديثة، مثّلها كثير من المُفكّرين العرب المعاصرين، أمثال:
سلامة موسى {{سلامة موسى: (1887-1958) مفكّر مصري يُعَد من أبرز رُوّاد النهضة العربية في الأزمنة الحديثة. آمن بالفردانية والحداثة كمبادئ لتطوّر المجتمعات العربية وتقدمها.}}، وطه حسين {{طه حسين (1889-1973): أديب ومفكّر مصري، اشتُهر بلقب عميد الأدب العربي، وقد دعا في كتاباته إلى حريّة التفكير وإعمال العقل بوصفهما من أساسات قيام النهضة العربية.}}، وعبد الله العروي {{عبد الله العروي (1933-): مؤرخ ومفكّر مغربي معاصر، عُرف بدعوته لقِيَم العقلانية والحداثة}}، وحسن حنفي {{حسن حنفي (1935-2021): مفكّر مصري معاصر، اشتُهر بأعماله الفكرية التي دعا فيها إلى تجديد الفكر العربي الإسلامي، من خلال مشروعه بشأن التراث والتجديد.}}، الذين حاولوا تناوُل الفردانية كصيغة تعمل على الموازنة بين الحريّة الفردية والمصلحة العامة.
تعريفها
غلاف قاموس كامبريدج للفلسفة
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ترجع أُصول مصطلح الفَرْدَانيّة (Individualism) إلى اللفظ اللاتيني Individuus، الذي يعني حرفيًا "غير قابل للانقسام" (Indivisible)؛ والذي يُمثّل صفةً تُستَهلّ بأداة النفي in-، المستقاة من الفعل اللاتيني dividere، ومعناه يقسّم[1]. وتستعين جُلّ التعريفات بالنواة الدلالية (Semantic Core) لهذا المصطلح، التي تُعبّر عن وجود كيان واحد مُتفرّد ومُتميّز عن الجماعة[2]. وينبغي هنا الإشارة إلى ضرورة التفرقة بين الفردانية والفرد أو التفرد (Individuality)، الذي يتعلّق بالسمة الشخصية الذاتية التي تصف الفرد وتُميّزه عن غيره من الأفراد الآخرين، من منطلق أن له هُوية فردية خاصة به، فهي توصيف للخصوصية الذاتية للفرد فقط[3]. وقد ورد تعريف للفردانية في
قاموس كامبريدج للفلسفة (The Cambridge Dictionary of Philosophy)، على أنها "موقف أخلاقي وسياسي وأنطولوجي وفلسفي يضع للفرد الاعتبار الأول. وهي في منحاها المعياري تُبرهن على أحقية وأولوية الفرد وضمان حقوقه ومسؤولياته. أما في منحاها المنهجي، فتعمل الفردانية على إيجاد تفسير للظواهر السوسيولوجية، من خلال ما ينجرّ عن أفعال الفرد ومُبتغياته. وفي منحاها الأنطولوجي، تعتقد أن الواقع السوسيولوجي ينبني في جوهره على أفراد مميّزين، وليس على كليّات تمتاز بالاستقلالية"[4].
لوحة المتجوّل فوق بحر الضباب، كاسبار ديفيد فريدريش، نحو 1818
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وبصورة عامّة، فالفردانية هي موقف إيتيقي سياسي أيديولوجي سوسيولوجي يُعلي من قيمة الفرد. ويُنافح أنصار النزعة الفردانية عن ضرورة استقلال الذات البشرية واعتمادها على نفسها، ويمنحون الفرد الأولوية على مصالح الجماعاتية (Communitarianism)، ويرفضون في المقابل من ذلك أي تدخّل في مصالحهم الخاصة من طرف المجتمع الذي ينتمي إليه الفرد، أو من طرف المؤسسات الحكومية. كذلك، ينطلق مناصرو الفردانية من مسلَّمة مفادها أن الفرد هو الكيان الأهم في "معركة التحرر". وترتبط الفردانية بالمناحي الفنية وبعض النماذج الثقافية، مثل الحياة البوهيمية (bohème) التي تدعو إلى حياة فردية منفلتة من قيود العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية وأنماط العيش المألوفة. كما ترتبط الفردانية أيضًا بالمواقف الفلسفية واعتناق قِيَمٍ إيتيقية تحمل نزوعًا إنسانويًا[5].
أبرز إشكالياتها
إنّ المتأمّل في مفهوم الفردانية في سياق العلوم الاجتماعية والسيكولوجية، يجد أنها تحمل دلالة ثقافية تتموضع في إطار مناهض للجماعاتية (Communitarianism). إلا أن هذا الطرح الثنائي يُثير تساؤلات عميقة، ففي عُرف الدراسات التقليدية تُطرح الفردانية بوصفها مفهومًا يمنح الأولوية لأهداف الفرد على حساب أهداف الجماعة، ويرفع من استقلالية الفرد ويُؤكد هُويته الخالصة، في مقابل تصوّر جماعاتي يُعطي قيمةً عُليا للانتماء الجماعي والالتزامات المتبادلة (Reciprocal obligations). إلا أنه، إذا وُضعت هذه القضية ضمن قاعدة نقدية وتجريبية، يتبيّن أن التعارض بين الفردانية والجماعاتية لا يُمكن النظر إليه بالمطلق، وأن كلتيهما يُمكن أن تتعايشا ضمن مجتمع واحد ، بل يُمكن أيضًا أن يتعايش الفردي والجماعي داخل الفرد في حدّ ذاته. كذلك فإن كثيرًا من الدراسات الكلاسيكية خلطت بين الهيكل المفهومي للفردانية وآثارها على السلوك البشري، فوضعت افتراضًا مفاده أن الفردانية ينجرّ عنها ضرورةً نوعٌ من التنافس، وأنها تُضعِف من قوة التعاون البيني. ولكن، ثمة كثير من البيانات التي تؤكد على أن المجتمعات الجماعاتية قد يغلب عليها التنافس بصورة كبيرة، وأن الفردانية قد تفتح مجالات للتعاون تقوم على الاختيار المُتّسم بالحريّة والمصالح المتبادلة. يُضاف إلى ذلك أيضًا، أن المقاييس الكلاسيكية للفردانية والجماعاتية يشوبها كثير من الإشكاليات المتعلّقة بالصدق البنيوي، الذي هو بمنزلة التصوّر الذي يقع على الصدق، ويكون فيه التركيز على البُنى العلائقية وليس على ماهيات الأمور الفردية والتماسك الداخلي، ما يُحتّم إعادة توضيب منهجية بمنأى عن البرادايمات القطبية المبسّطة (Simplistic polar paradigms)، التي تعني البرادايمات التفسيرية الثنائية التي تتّصف بالجمود، إذ تعرض الظواهر وفق خيارَيْن متباينَيْن ومتعارضَيْن (أبيض أو أسود). ويُعتمد هذا التعبير بطريقة نقدية بغية التحذير من أي ثُنائيات زائفة تُقدّم صورةً مُشوّهة عن الفهم، وبناءً عليه، تصير النزعة الفردانية مفهومًا يحمل في طيَّاته أبعادًا كثيرة، ويحتاج إلى ضبطٍ في علاقاته وفق أُطر ثقافية واقتصادية وسياسية مُعيّنة ومضبوطة، قبل إصدار أحكام معيارية عنه[6].
وعلى مستوى مفهوم الفردانية، فقد ظلت إمكانية تعريفه تُثير إشكالات كبيرة بخصوص ماهية المجال الذي يُمكن إدراجه فيه، وهل يُمكن النظر إليه كمذهب فلسفي أم ثقافي أم نمط حياة فردي، مع تداخله مع الحرية الشخصية واستقلالية الفرد وأنانيته[7]. وإذا ما تم تناول الفردانية من زاوية إيتيقية، فإن ذلك تنتُج عنه تساؤلات عدة، على رأسها الإشكالية التي تتعلق بأولوية الفرد، وهل هذه الأولوية الممنوحة له ستهدم قِيَم التضامن والرعاية الصحية والمسؤولية السوسيولوجية واحترام الغير[8]. أما على المستوى السياسي، فتتجلّى حالة من التوتّر والصراع بين حماية الحريّات الفردية وضمان استقرار مصالح الجماعة، في ظل الانتقادات التي طالت الفردانية الليبرالية من منطلق أنها تقدح في قوة الروابط الاجتماعية، مقابل الدفاع عنها بوصفها من أساسات الديمقراطية وحقوق الإنسان[9]. أما إذا نُظر إلى الفردانية من زاوية سوسيولوجية ثقافية، فيتبيّن أن الفردانية مُتّهمة بدعم النزعة الاستهلاكية وترسيخها، وتفكيك العلاقات الكلاسيكية، مع الجدل المتربّص بها بخصوص حتمية انتشارها في المجتمعات راهنًا[10]. أما من الناحية الاقتصادية، فيُنظر إلى الفردانية بوصفها مُحفّزًا للتنافس والابتكار، إلا أنها تؤدي إلى توسيع الفوارق الاجتماعية. وعلى المستويَيْن الأنطولوجي والمنهجي، يتبيّن أن الدارسين ينقسمون إلى قسمَيْن: الأول يرى فيها قاعدةً للوجود الاجتماعي يُمكن نعتُها بالفردانية الأنطولوجية، التي تؤمن بوجود فرداني مستقل عن البنى الجماعية؛ والآخر يُفسّر الظواهر بالاعتماد على أفعال الفرد والمقاربات البنائية التي تُثبت أسبقية الأنساق السوسيولوجية وأولويتها في تشكيل الفرد، وهذا الضرب من الفردانية يُمكن نعته بالفردانية المنهجية.
أصولها وتطوّرها
صفحة العنوان من كتاب "الديمقراطية في أميركا"، من تأليف أليكسي دو توكفيل، وترجمة هنري ريف، نيويورك 1838
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
يرجع الاستعمال الأول لمصطلح الفردانية إلى اللسان الفرنسي، وذلك في بدايات القرن التاسع عشر. ويُعَدّ جوزيف دو ميستر أول من استعمل مصطلح Individualisme، إلا أن اللفظ لم يورده مباشرةً في كُتبه، إنما أُخذ من إحدى المقابلات التي دارت بينه وبين الصحفي الفرنسي
جان باتيست لافو {{جان باتيست لافو (Jean-Baptiste Laveau): صحفي فرنسي كان له دور في كتابة الحوار مع المفكر جوزيف دو ميستر، الذي تحدّث فيه عن أول استعمالٍ لمفهوم الفردانية في الفكر الفرنسي الحديث.}} عام 1820، والتي حرّر لها هذا الأخير تفريغًا، ثُم أُلحقت فيما بعد بسلسلة أعمال دو ميستر الكاملة. وقد استحضر دو ميستر هذا اللفظ في سياق حديثه عن التفتُّت والتشرذم اللذيْن طالا العقائد الدينية، ومنها
البروتستانتية السياسية {{البروتستانتية السياسية (Political Protestantism): تيار سياسي وديني تمخّض عن الإصلاحات البروتستانتية، ويُركّز على حرية الضمير الفردي ومسؤولية الفرد أمام الإله، بغية تبرير القيدية المسلّطة على الكنيسة.}} التي دُفعت إلى أقصى درجات الفردية في صورتها المطلقة، وأن هذا التفتُّت سيكون بمنزلة عقوبة لفرنسا وأوروبا[11]. إلّا أن المصطلح اشتُهر تداوله مع ألكسيس دو توكفيل، الذي استعمله في كتابه
الديمقراطية في أميركاDe la démocratie en Amérique وهو الكتاب الذي صدر في جزأيْن بين عامَي 1835-1840، والذي شرَّح فيه نزعة الانعزال الاجتماعي للأفراد جرّاء الديمقراطيات الحديثة (Modern Democracies)، إذ "أصبح الشعب لمَّا يعرف مصالحه الفردية الحقيقية، فإنه سرعان ما يُدرك أن عليه أن يقوم بأداء ما عليه من واجبات نحو الدولة، حتى يستطيع أن يفيد من مزايا وجودها، فـاتحاد المواطنين طواعيةً واختيارًا، يحلّ إذًا محلّ سلطة الإشراف الفردية، وتُصبح الجماعة بمأمنٍ من الظلم ومن التهتُّك والاستهتار"[12].
صفحة العنوان من الطبعة الأولى لكتاب "عن الحرية" (1859)، من تأليف جون ستيوارت مِل
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أما في اللسان الإنكليزي، فقد استُعمل مصطلح Individualism لأول مرة في نهاية الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، لكن استعماله آنذاك كان يحمل دلالة تحقيرية من طرف الاشتراكيين الطوباويين (Utopian Socialists)، مثلما عبّر أتباع رائد الاشتراكية الطوباوية
روبرت أوين {{روبرت أوين: (Robert Owen، 1771-1858) مفكر إسكتلندي، يُعَد من أبرز رُوّاد الاشتراكية الطوباوية.}}، الذين نقموا على النظام الصناعي الحداثي (Modern Industrial System) لِما فيه من تشجيع على روح اللامسؤولية الاجتماعية، ودعوةٍ إلى المنافسة المدمّرة، ونزوع إلى الفردانية المتطرفة. وقد قارنوا ذلك بما كان عليه الوضع في المجتمعات ما قبل الصناعية، التي تميّزت بضمير جماعي قوي، ودعوا إلى ضرورة رعاية الفقراء والمساكين وتقديم الدعم والتضامن للعُمّال[13].
بدأ استعمال مصطلح الفردانية يأخذ دلالة إيجابية في إنكلترا، وذلك مع أعمال
جيمس إليشاما سميث (James Elishama Smith، 1801-1857)، وهو مفكّر ديني من أنصار
حركة كنيسة بني إسرائيل المسيحية {{حركة كنيسة بني إسرائيل المسيحية (Christian Israelite Church): زمرة دينية بريطانية دمجت بين مسيحية إنجيلية وتأويلات إسرائيلية، وركّزت على العمل الفردي والخلاص الذاتي.}}، وكان من أتباع الاشتراكية الطوباوية مع روبرت أوين، لكنه سرعان ما خرج عنها وسلك طريقه ناقدًا ومُفنّدًا لفكرة الملكية الجماعية، ودافع بقوة عن الفردانية بوصفها التمثّل الأسمى للعالمية التي تسمح بتطوّر العبقرية الفردية وازدهارها. كذلك رأى أن الفردانية نزعة ضرورية يتمكّن من خلالها الأفراد من امتلاك الثروة وبلوغ السعادة[14].
جون بول سارتر
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
بعد ذلك، انتقل استعمال المفهوم في فترة الخمسينيات من القرن التاسع عشر، مع الفيلسوف وعالم الاقتصاد البريطاني جون ستيوارت مل، الذي عبّر عن فلسفته الليبرالية مُركّزًا على الحرية الفردية بوصفها أساس تقدّم الإنسان والمجتمع، وأن للأفراد الحقوق الكاملة في تقرير ما يتعلق بأمورهم الخاصة، ما دام أنهم لا يُلحقون الضرر بالأشخاص الآخرين. وقد بسط مل هذا المفهوم في كتابه
On Liberty (عن الحرية) (1859)، حيث عَدّ النزعة الفردانية بمنزلة الضمانة التي يتمكّن الفرد من خلالها تطوير قدراته والتمتّع بحريته الفكرية، وأنَّ تدخّل الدولة في حياة الأفراد لا بد أن يظل مقتصرًا على حماية حقوقهم ومنع حصول ضرر لهم، لأنه في حالة توسُّع سلطان الدولة فسيكون هذا تهديدًا وخيمًا للفرد، وسيقتل فيه روح الإبداع والحرية والمسؤولية، لأنه إذا "خضع للتقييد فإنه سرعان ما تتبلّد نفسه، وتموت خواطره ]...[ وأي نظام يرمي إلى محو الشخصية هو نظام استبدادي مهما تكن صفته"[15].
وفي القرن العشرين، بدأت الفردانية تتطوّر شيئًا فشيئًا، ثم ظهرت بوصفها تيارًا فلسفيًا واجتماعيًا وسياسيًا له تأثيره وامتداداته، ولا سيما في سياق
الفلسفة الليبرالية {{الفلسفة الليبرالية: تصوّر فلسفي أخلاقي وسياسي يعتقد بحرية الأفراد وحقوقهم الطبيعية.}} التي جعلت من قِيَم الفردانية الأساس المتين في دفاعها عن الحريّة المدنية وحقوق الإنسان، ووضعت الفرد في قمّة المجتمع، واعتبرت حريته واستقلاليته قضية مركزية، إذ ينبغي حماية هذه الحريات من أي تطاول تعسُّفي من السلطة مهما كان نوعها، سياسية كانت أم اجتماعية. ثم امتدّ مفهوم الفردانية إلى مجال علم النفس الثقافي وعلم الاجتماع، وأصبح يفسَّر من زاوية ثقافية، مع إعادة النظر في المفهوم الذي لم يعُد يُعبّر عن العزلة والتفرّدية، في مقابل الجماعاتية التي لم يعُد يُنظّر لها بوصفها تعبيرًا عن التضامن المُطلق والضمير الجماعي المتحكّم من دون حدود أو حواجز، خصوصًا وأن الأبحاث التجريبية الحديثة أثبتت أن الأفراد الذين يعيشون في بيئات تُنعَت بأنها فردانية، قد يُظهرون تعاوُنًا كبيرًا جماعاتيًا، إذا كانت الأهداف والمبتغيات المرجوّة مصوغةً بطريقة تُحفّز على السلوك التشاركي بين الأفراد؛ وأن الجماعاتية يُمكنها أن تشهد منافسات قوية بين أفرادها، خصوصًا في ارتباط المنزلة الاجتماعية بالندرة أو السيطرة[16].
تقسيماتها وتفرّعاتها
لا يُمكن إجمال أنواع الفردانية وتقسيماتها جميعًا، ولا يُمكن كذلك الإجماع والاتّفاق على تقسيمات بعينها، لأن الفردانية تتضمّن أبعادًا متنوّعة حسب السياق الفلسفي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي ترد فيه، ولهذا لا يُمكن ادّعاء حصرها. كذلك فإن الموسوعات العالمية المعروفة اعتمدت تقسيمات أخرى، على حسب السياق الذي يُحبَّذ فيه استحضار هذه التقسيمات. وبناءً عليه، يمكن تقسيم الفردانية وتفرّعاتها الموضوعاتية وفق سياقاتها الفلسفية والاجتماعية، مع التأكيد على أن هذه التقسيمات هي في الأساس شكلية فقط، فثمة تداخل كبير بينها. فيما يأتي بعض هذه التقسيمات.
الفردانية الفلسفية
تقوم الفردانية الفلسفية (Philosophical Individualism) على اعتبارٍ مفاده أن أولوية الفرد هي الجوهر الذي ينبني عليه الوجود والمعرفة والأخلاق، وترتبط في جوهرها كذلك بالرؤى والتمثّلات التي تُعبّر عنها الفلسفة الليبرالية في طريقة تناوُلها لقضايا الحرية وحقوق الإنسان. كذلك أكّدت الليبرالية على الحرية الشخصية للأفراد واحترام خصوصياتهم وحقوقهم، وأن كل ما يدافع عن الحرية فهو ينبثق من المذهب الفردي، الذي يُدافع عن كرامة الكائن البشري من أن يطالها أي قهر سياسي أو احتقار اجتماعي تحت أي مبرّر كان[17]. وينقسم هذا النوع من الفردانية إلى شكلَيْن: فردانية أنطولوجية (Ontological individualism) تُقرّ بمسألة أن الكيانات الاجتماعية مستنبطة من الأفراد؛ وفردانية أخلاقية (Moral Individualism) ترفع من قيمة الفرد وتجعله معيار ذاته ومعيار القيم، مع حقّه الفردي في تقرير مصيره الأخلاقي، والرفض القاطع لأي إلزامات قِيَمية جمعية عليه[18].
الفردانية السياسية
تنبني الفردانية السياسية(Political Individualism) على مقوّمات أساسية، على رأسها ضمان الحريات المدنية والسياسية للأفراد وحمايتها، ومواجهة أي تدخل من طرف الدولة في حياة الفرد إلا في حدود مُعيّنة وضرورية فقط. وقد تمظهر هذا اللون من الفردانية في الفردانية الليبرالية، والفردانية التحرُّرية التي تناضل بغية إحقاق سيادة الفرد على ذاته وممتلكاته.[19]
الفردانية الاقتصادية
تتعلّق الفردانية الاقتصادية (Economic Individualism) بالملكية الفردية والسوق الحُرّة، بوصفهما من مقوّمات الابتكار والتقدّم. إلا أن هذه الفردانية لحقتها انتقادات عدة، لأنها تدعو إلى تعميق الفوارق الاجتماعية والحثّ على النزعة الاستهلاكية.[20]
الفردانية الاجتماعية والثقافية
تتجلّى الفردانية الاجتماعية والثقافية (Social and Cultural Individualism) في أساليب المَعيش والقِيَم، إذ تُصوَّر الهُوية الفردية بوصفها مشروعًا ذاتيًا يقوم على حرية الاختيار ويتأسّس عليها، بعيدًا عن القوالب الاجتماعية والعادات والتقاليد الكلاسيكية. ومن تمظهراتها: الفردانية الأسلوبية، وبعض التمظهرات الثقافية التي يُحتمل أن تُعبّر عن الفردانية الاجتماعية، مثل الحياة البوهيمية.[21]
الفردانية النفسية
جاءت الفردانية النفسية(Psychological Individualism) في سياق علم النفس الثقافي، من منطلق أن الفردانيةَ بُعدٌ شخصي. وهي تُركّز بدرجة كبيرة على الاستقلالية وإحقاق طموحات الذات، مع إمكانية تفاعُل هذه الفردانية مع القِيَم الجمعوية بدل أن تكون مجرد نقيضٍ لها[22].
تتقاطع الفردانية مع نسيجٍ واسع من المفاهيم التي يجب تمييزها عنها، وذلك لمقاربة فهمٍ دقيق حولها. ومن بين هذه المفاهيم مفهوم
الفردانية المضادة (Anti-individualism)، الذي يدحض فكرة اكتفاء الذات بنفسها، مؤكدًا أن المعنى والهُوية يتألّفان عن طريق العلاقات واللغة والمؤسسات الاجتماعية[23]. أما مفهوم الفردنة (individualisation/ Individualisierung)، فيُعبّر عن سيرورات سوسيولوجية تعمل على الإطاحة بالهُويات القَبَلية، وتمنح الفرد القدرة والإمكانات التي تدفعه نحو إعادة هيكلة ذاته، عن طريق الاختيار والمساقات الشخصية على تنوُّعها: القيمية، والأسرية، والوظيفية[24]. في حين أن مفهوم الفوضوية الفردانية (anarcho-individualism) يُعبّر عن حدٍّ جذريّ يُعلي من سيادة الأفراد، ويأخذ حيطته وحذره من كُلّ سلطة تمارس القسر مهما كان نوعه[25]. في المقابل من ذلك، يرتبط مفهوم
الفردانية النسوية (individualist feminism) بقضية تحرير المرأة، ومنحها الإمكانات والقدرات بوصفها فاعلًا اقتصاديًا وقانونيًا يتمتّع بالاستقلالية، ضمن سياق المُساواة في الحقوق[26].
أما مفهوم نزعة السعادة (Hedonism)، فهو يتركّز أساسًا وبصورة معيارية على تقليل الألم وتحصيل اللذة المُمكنة كبغية نهائية للفعل. إلا أن هذه النزعة لا تساوي في فحواها مفهوم الفردانية، لأنها قد تُصاغ بطريقة فردية أو جماعية[27]. ويطرحُ مفهومُ الليبرتارية (libertarianism) برادايمًا سياسيًا يمنح الأولوية والأحقية لحرية الأفراد وحقوقهم الملكية، ويُقزّم نوعًا ما من دور الدولة، إلا أنه يتباين مع الفردانية الأخلاقية، التي قد تتقبّل في جوهرها تأدية أدوار أقوى بكثير من الأدوار التي تُقدّمها المؤسسات العامة[28]. أما فيما يتعلق بمفهوم الأنانية الأخلاقية (ethical egoism)، فهو مفهوم يتجه نحو التشديد على مسألة الفعل الأخلاقي، عادًّا إياه يخدم مصلحة الفاعل عينه. وبناءً عليه، يُمكن عَدّ هذا المفهوم بمنزلة أطروحة معيارية ضيّقة المجال، تتباين عن الفردانية الليبرالية التي يُمكن لها أن تجمع حقوق الفرد مع الواجبات المدنية خدمةً للمصلحة العامة[29]. وبذلك، يُستنتَج أن مفهوم الفردانية لا يُمكن اختزاله في عقيدة واحدة، بل هو ميدان تتجاوز فيه التمثّلات والتصوّرات عن الحرية والمسؤولية والذات الفردية، وتتجاوز كذلك التصور الراديكالي المُجابِه للمؤسساتية، نحو المقاربات التي تتداخل وتتشابك بين حقوق الفرد والعلاقات الاجتماعية.
أهم الانتقادات
مايكل جوزيف ساندل
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وَجَّه أنصار الماركسية والنُّقّاد المحافظون انتقادات شديدة للفردانية، بوصفها نزعةً تُهمل البنى الاجتماعية ودورها الفاعل في ضبط سلوك الأفراد ورسم معالمه الحقيقية. كذلك، نظر الماركسيون إليها بوصفها جعلت مسؤوليات الإصلاح الاجتماعي تتّجه نحو الفرد، وهي بذلك تُغفل عواملَ كالتمييز النظامي أو حتى السياسات الاقتصادية. وقد أكّد الباحث
أليكس مادفا {{أليكس مادفا (Alex Madva): مفكر أميركي معاصر، اشتُهر بانتقاداته الحادة للفردانية في صورتها المفرطة، وعُرف بأبحاثه في علم الاجتماع التطبيقي وفلسفة علم النفس.}} في مقالهA Plea for Anti-Anti-Individualism: How Oversimple Psychology Misleads Social Policy (مرافعة ضد مناهضة الفردانية: كيف يُضلّل علم النفس التبسيطي المفرط السياسات الاجتماعية) (2016)، أن المشكلات الاجتماعية الراديكالية لا تنجرّ دومًا عن أنانية الأفراد، وإنما عن عوامل مؤسّسية عميقة. ورأى أن التركيز على الفردانية سيخدم مسألة التهرّب من الإصلاح البنيوي، وبناءً عليه فإن التغييرات التي تطول الفرد هي جزء من نجاح الإصلاحات البنيوية، والأصوب هو إعادة التفكير في الفرد بطريقة مغايرة، عبر التفكير في الاجتماعي أيضًا[30]. كذلك، قدَّم الفيلسوف السياسي
مايكل جوزيف ساندل {{مايكل جوزيف ساندل (Michael Joseph Sandel، 1953-): فيلسوف سياسي أميركي، اشتُهر بانتقاداته للنزعة النفعية، ودفاعه عن العدالة بوصفها قضية أخلاقية ترتبط بالمواطنة والخير العام.}} نقدًا لليبرالية المعاصرة، موضحًا أن تصوّرها لما ينعتُه بـ"الذات غير المُثقلة بالروابط" (Unencumbered Self)، يذهل عن الجذور الثقافية والتاريخية والاجتماعية التي يكون لها الدور الفاعل في تشكيل هُوية الفرد، وهو ما يجعل هذا التصوّر وفق منظوره اختزاليًا، ويعزل الفرد عن إطاره المجتمعي الواسع[31].
وفي مجال علم النفس الثقافي (Cultural Psychology)، وُجّهت انتقادات للاستعمال الثنائي المُبسّط (الفردانية في مقابل الجماعاتية) لسببَيْن: الأول، كون هذه الثنائية تغفل عن جانب التعقيد والتنوّع الذي يتمظهر في النمط الواحد؛ والآخر، أن هذه الثنائية يُمكنها أن ترسّخ الصور النمطية الثقافية بطريقة ضبابية ومُختلّة. وقد تبنّى هذه الرؤية فورونوف وسنجر في مقالهما "أسطورة الفردانية-الجماعية: مراجعة نقدية" (2002)، حيث حذّرا من هذا المنحى حيث التفسير المُبسّط للتباينات الثقافية، مؤكدَيْن على ضرورة توسيع الرؤية لتشمل أبعادًا ثقافية أخرى أكثر قدرة على استيعاب تعقيدات الوقائع الإنسانية[32].
كذلك، وجّه الفيلسوف الوضعي
أوغست كونت {{أوغست كونت (Auguste Comte، 1798-1857): سوسيولوجي وفيلسوف فرنسي، يُعَد المؤسس الحقيقي للفلسفة الوضعية.}} انتقاداته للفردانية، أو لِما ينعته بروح الفردانية (l'esprit d'individualisme) التي امتدّت على منحًى واسع بين جميع الطبقات، وفرضت أنانيتها، واختزلت كل شيء في الفردية، فكانت من ثم النتيجة المركزية لهذا الضرب من التفكير هي جعل السلوك البشري لا يخضع لأي مبدأ أخلاقي، وإنما يُتحكَّم فيه من خلال الرأي الشخصي. وبذلك، دعت الضرورة إلى إعادة تنظيم أخلاقوي، عن طريق إعادة تأسيس مذهب اجتماعي له القدرة على مقاومة مفاعيل زعزعة الاستقرار المتمخّض عن الفردانية[33].
راهنيتها في الفلسفة الغربية
يحضر مفهوم الفردانية في سياق الفلسفة الغربية المعاصرة بوصفه أحد مرتكزات فهم فلسفة الحداثة وما بعدها أيضًا، فهو يتقاطع مع مجالات السياسة والمجتمع والأخلاق وقضايا النظرية النقدية. وقد استعادت الفلسفة الليبرالية السياسية -مع جون رولز مثلًا- مفهوم الفردانية في معرض حديثها عن العدالة التوزيعية، والسعي لضمان حقوق الإنسان الأساسية، التي توفّر حماية قوية تُمنح في إثرها الاستقلالية للفرد داخل ديمقراطية تعدُّدية[34]. في المقابل من ذلك، ثمة حضور للفردانية لدى
تشارلز تايلور (Charles Taylor، 1931-)، لكن في سياقٍ نقديٍّ لمفهوم الفرد المعزول، مؤكدًا أن الهوية الفردية ينبغي لها أن تتبلور داخل أُطر سوسيولوجية وثقافية مشتركة، وبناءً عليه، تكون الهُوية خصّيصة للجماعات الاجتماعية[35].
سيمون دو بوفوار
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أما في سياق النزعات الوجودية المعاصرة، خصوصًا عند
جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار {{سيمون دو بوفوار (Simone de Beauvoir، 1908-1986): فيلسوفة وجودية فرنسية معاصرة، تُعَد من أهم رُوّاد الفلسفة النسوية.}}، فقد سلكت الفردانية منحًى وجوديًا تجاوزَ السياقَ الأخلاقي والسياسي الكلاسيكي، إذ أصبحت الفردانية تُعبِّر عن جوهر الوجود البشري في حد ذاته، فالفرد وفق منظور سارتر محكوم عليه بالحرية، إذ لا يقتدر على الفرار من اتخاذ القرارات بكل حرية، ويتحمّل في مقابل ذلك ما ينجرّ عنها من تبعات، وهو ما يجعل من الحرية والمسؤولية اللّتَيْن يتحملهما الفرد شرطَيْن أساسيَّيْن لتشييد المعنى. يقول سارتر في كتابه المركزي
الوجود والعدم: بحث في الأنطولوجيا الظاهراتية (1943): "الإنسان، بما هو محكوم عليه بأن يكون حُرًّا، فإنه يحمل على كاهله ثِقل العالم برمته، فهو مسؤول عن هذا العالم ومسؤول عن نفسه باعتباره نمطًا من أنماط الوجود"[36]. كذلك أكّدت دو بوفوار في كتابها
الجنس الآخر (1949)، على أن فرض الفرد لذاته وبدرجة خاصة ذات المرأة، لا يكون إلا في حالة وعي هذا الفرد بحريّته الكاملة وممارسته لها، في مُجابَهةٍ منه لشتى القيود الثقافية والمجتمعية. وقالت "لا يُولد المرء امرأة، إنه يصبح كذلك"[37].
أما في فلسفة ما بعد الحداثة، فقد اتّخذ الفيلسوف
ميشال فوكو {{ميشال فوكو (Michel Foucault، 1926-1984): فيلسوف فرنسي معاصر، اشتُهر بأبحاثه ودراساته عن العلاقة بين المعرفة والسلطة. من أهم أعماله:
نظام الخطاب، وتاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي}} موقفًا متحفظا من مصطلح الفردانية، داعيًا بذلك إلى ضرورة الحذر من استعماله بوصفه مفهومًا تفسيريًا كليًّا، والنزوع نحو استعماله بطريقة واسعة بغية فهم الظواهر المختلفة من ناحية طبيعتها وجذورها، فهو يعتقد أن مصطلح الفردانية لا يُمكن استعماله بفاعلية إلا إذا اقتُدر على تدقيق معانيه والتمييز بين تمظهراته المتباينة، لأنه لا يُمكن فهمه كوحدة متجانسة. وبناءً عليه، فالفردانية تتخذ ثلاثة تمظهرات أساسية: يتمثّل التمظهر الأول في إعطاء الفرد قيمةً عُليا تتّسم بالإطلاق، وينظر إليه بوصفه كائنًا يتمتّع بالاستقلالية والحرية في اتخاذ القرارات بمنأى عن أي قيود برّانية؛ والثاني يتعالق بتعزيز الحياة الخاصة للكائن الفرد، وسُبل حماية خصوصياته من أي تدخُّلات تطاله من الدولة أو الجماعة؛ أما التمظهر الثالث، فيتمثّل في جعل الذات البشرية موضوعًا للمعرفة، وهو المسار الذي يعمل فيه الفرد على دراسة ذاته ومحاولة فهمها، مع إخضاعها لألوان متباينة من التحليل والضبط، سواء عن طريق العلوم الإنسانية أم عن طريق الممارسات التأملية الفكرية. وبهذا، يتبيّن أن فوكو لا يتمثّل الفردانية ككتلة صمّاء، إنما ينظر إليها بوصفها ميدانًا تتقاطع فيه ضروب متنوعة ومختلفة من القِيَم والممارسات، التي تُنتِج الفردَ وتُبلور وعيَه بذاته وتبني علاقته بالآخرين[38].
أما الفيلسوف
جيل ليبوفتسكي، فقد تناول الفردانية في صورتها التي حتّمها وضع المجتمعات المعاصرة، وأنها دخلت في طور جديد نعته بـ"الفردانية ما بعد الحداثية" أو "الفردانية النرجسية"، وهو تمظهرٌ مختلفٌ تمامًا عن الفردانية في صورتها التقليدية، التي تعلّقت بقِيَم الحداثة السياسية والقانونية والحقوقية. وقد بسط ليبوفتسكي مقاربته في كتابه
L’Ère du vide: Essais sur l’individualisme contemporain(عصر الفراغ: الفردانية المعاصرة) (1983)، حيث وصف التحوُّل الحاصل من الفردانية الملتزمة بمبادئ الأخلاق والسياسة إلى الفردانية المعاصرة التي ترتكز على إحقاق الذات، والمتع الشخصية، والمُناداة بالحرية الفردية المطلقة، مع نكوصٍ كبيرٍ للقِيَم الجماعاتية. هذا الضرب من الفردانية وفقَ منظوره، لا يحمل في طيّاته أي أيديولوجيات، ويمتاز بالتكيُّف السريع مع قِيَم العولمة والنزعة الاستهلاكية، إلا أنه يحمل مخاطرَ جسيمة متعلّقة بالانعزال عن العالم، وفقدان روح التضامن بين الأفراد، وتراجُع الاهتمام بالفضاء العمومي[39].
هربرت كلارك هوفر
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
كذلك، ظهرت في القرن العشرين في الولايات المتحدة الأميركية صيغة جديدة من الفردانية، سُمّيت
الفردانية الصارمة (rugged individualism)، التي يقرنها كثير من الدارسين بخطاب الرئيس الأميركي
هربرت كلارك هوفر {{هربرت كلارك هوفر: (Herbert Clark Hoover، 1874-1964) رئيس الولايات المتحدة الأميركية الحادي والثلاثون.}}، الذي ألقاه في أواخر عشرينيات القرن العشرين، والذي نادى فيه بضرورة الاحتكام إلى المبادرات الفردية، وتحجيم سلطة الدولة وتدخّلاتها في الأمور الاجتماعية والاقتصادية، مؤكدًا أن قوة أميركا تصدر من حُريّة أفرادها وقدرتهم على تقرير مصيرهم بأنفسهم، وتحمُّلهم المسؤولية الكاملة عمّا ينجرّ من أفعالهم. لقد كان هذا النوع من الفردانية تعبيرًا عن الإيمان بقدرة الفرد على إحقاق التطوّر والرفاهية، عن طريق العمل الدؤوب وروح المنافسة الحُرّة، وهو ما عبَّر عن ظهور فلسفة ليبيرالية تنأى بنفسها عن برامج الرعاية الحكومية المقدّمة.[40]
حضورها في الفكر العربي
كان للفكر العربي المعاصر حظّه من تبنّي أفكار الفردانية ومبادئها، خصوصًا عن طريق الترجمات إلى اللسان العربي التي تبنّت الفلسفة الليبرالية، فضلًا عن كتابات بعض المُفكّرين العرب كطه حسين، وأحمد لطفي السيد، وسلامة موسى، وغيرهم، فقد ناقشوا مفاهيمَ أساسية كالحرية الفردية، والاستقلالية الفكرية للفرد، وضرورة تحرير الإرادة الشخصية، من منطلق أنها من أبرز شروط النهضة العربية في سبيل مجابهة الجمود العقلي الفلسفي. لكنَّ الملاحظ أن تبنّي هؤلاء المفكّرين للفردانية كان يغلُب عليه الطابع الانتقائي، فقد عمدوا إلى تبنّي صيغة متوازنة تجمع بين قِيَم الفرد الحُرّة، في مقابل الالتزام بمصلحة المجموع.
غلاف كتاب حرية الفكر وأبطالها في التاريخ
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وبالعودة إلى كتاب
سلامة موسى الذي حمل عنوان
حرية الفكر وأبطالها في التاريخ (1927)، يتبيّن أنه يدعو إلى حرية التفكير الفردي، بعيدًا عن أي قيود تفرضها سلطة خارجية جماعاتية، إذ يقول: "المفكّر ما دام يُفكّر فقط يكون تفكيرًا حرًّا، لا يمكن [لأحد] أن يدخل إلى ذهنه ويعوقه عن التفكير في أيَّة ناحية يريد. ولكن الواقع أن التفكير لا يكون حُرًّا طليقًا حتى نستطيع البوح والإفضاء به إلى غيرنا، لأن الفكرة طاقة؛ أي قوة من قِوى الذهن لا تزال منحبسة، شأنها شأنُ جميع القوى المنحبسة، تُعذّب الذهن حتى تنصرف بالعمل"[41]. كذلك دعا طه حسين إلى تبنّي نزعة فردانية، في سبيل تعزيز روح الديمقراطية وترسيخ قِيَم عُليا في عملية التعليم والتعلّم، إذ يقول: "يجب على الديمقراطية أن تضع في أيدي الفرد من الوسائل ما يُمكّنه من أن يعرف نفسه، وبيئته الطبيعية والوطنية والإنسانية، وأن يتزيّد من هذه المعرفة، وأن يُلائم بين حاجته وطاقته وما يحيط به من البيئات والظروف"[42].
تناول بعض المفكّرين العرب المعاصرين مفهومَ الفردانية أيضًا، على الرغم من أنهم لم يستعملوا اللفظ حرفيًا، لكنّ أفكارهم عبَّرت بعمق عن مضامين الفردانية. ومن أبرز هؤلاء عبد الله العروي، الذي تناولها في سياق مناقشته لمفهوم الليبرالية في كتابه المركزي
مفهوم الحرية، حيث عَدَّ أن أساس الفلسفة الليبرالية يقوم على وضع الحرية الفردية بوصفها محورًا للوجود البشري برمّته، فهي المبتدأ والمُنتهى، وهي كذلك الدافعية والغاية النهائية، والنتيجة المتمخّضة عن الفعل البشري، فالمجتمع -وفق منظور العروي- لا يُمكنه القيام من دون أن يمنح أفراده قِيَم الحرية، التي تُعَد الشرط الجوهري المُسبَق لأي نظام اجتماعي ينضخ بالحياة. أكَّد العروي كذلك أن قِيَم الفرد والإعلاء من شأنه لا يعني السقوط في الأنانية المفرطة، إنما تعزيز وعي الفرد بقِيَمه الفردية واستقلاليته، مع إدراكه العميق للمسؤولية التي ينبغي أن يتحمّلها كتبعات لأفعاله. وبهذا، تُصبح قِيَم الفرد عنصرًا مركزيًا لبناء صرح الحياة الجماعية، ويتحقّق من خلالها التوازن بين حرية الفرد وإسهاماته الفاعلة فيما يُحقّق الصالح العام[43].
ناقش أيضًا المفكّر العربي
حسن حنفي قِيَم الفردانية في سياق انتقاداته لواقع الفكر العربي المعاصر، إذ عمد إلى ربط مشروع النهضة العربية الحقيقية بالقدرة على تمكين حرية الفرد وتعزيزها، وإحقاق ديمقراطية الحُكم، منتقدًا الأطروحات جميعها التي تدعو إلى الاكتفاء بالمطالب السياسية فقط من دون البحث في جذور الاستبداد وأصوله الكامنة في التراث الثقافي، وفي الهيكلية الذهنية للمجتمع، فَقِيَمُ الفرد -وفق منظور حنفي- ليست ضربًا من الأنانية، إنما هي منح الفرد القدرة على الوعي بحقوقه الأساسية وممارساته لحريته الشخصية وفق سياق مسؤول، وتحرير إرادته من أي قيود تاريخية أو فلسفية تعمل على إعادة إنتاج التسلطية، حتى في ظل أنظمة سياسية تدّعي النزوع نحو الديمقراطية. وبذلك، تُصبح النهضة العربية مشروعًا مزدوجَ المنحى: الأول يتمّ على مستوى الإصلاح السياسي المُرسِّخ لحُكم الشعب؛ والآخر يتمّ على مستوى الإصلاح الثقافي الذي يستَأصل من داخل وعي الجماعة كُلَّ ما يقف سدًّا منيعًا ضد قدرة الفرد الحُرة على الإسهام في تشييد مجتمع ديمقراطي[44].
ظلّت سيرورة الجدل بشأن حضور الفردانية في الفكر العربي المعاصر مرتبطةً بعلاقة العرب بمفهوم الحداثة وأُسسها المادية والتقنية والعلمية، وما يتعلّق بها من تغيُّرات في البنية الاجتماعية والقِيَمية. والمُلاحظ في سياق المقارنات بين التجارب الآسيوية مثل تجربة اليابان والصين، والتجارب العربية، وجود اختلافات في مناحي القدرة على التكيُّف مع متطلبات الحداثة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الخصوصيات الثقافية العربية. ولعلّ من أسباب هذا القصور العربي ما يتعلّق بالجوانب الفكرية والسياسية والتاريخية، بما في ذلك البنية الكلاسيكية والمركزية الأوروبية في إنتاج مفاهيم الحداثة والفردانية. كذلك ثمة جدل أكاديمي عربي مُتعلّق بمدى وجود هذه الفردية عربيًا، وعِللِ هشاشتها أو غيابها تمامًا، وما إذا كان من المهمّ أخذها كمفهوم جاهز وإطار معياري من التجربة الأوروبية تحديدًا. وإذا ما سلك الفكر العربي هذا الطريق، فإن ذلك سيقتضي منه تفكيك الأحكام السابقة، والاستعانة بقراءة اجتماعية وتاريخية تربط المعرفة النظرية لدى العرب بالشروط السوسيولوجية والسياسية الفعلية، وبمنأى عن النقول الحرفية للنماذج الغربية الجاهزة، أو انتهاج سبيل الانغلاق على الخصوصيات المحلية، بغية بلورة تمثلٍ نقديٍّ للفردانية يبدأ من متطلبات الواقع العربي، ويضمن تفاعلًا بنّاءً مع قيم الديمقراطية والإنسانوية الكونية[45].
المراجع
العربية
برهومة، موسى. "حوار مع حسن حنفي: "اليسار الإسلامي" يجمع شرعية التراث وشرعية الثورة".
مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث. 19/7/2020. في:
https://acr.ps/hBxRYax
حسين، طه.
مستقبل الثقافة في مصر. وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2014.
دو توكفيل، ألكسيس.
الديمقراطية في أميركا. ترجمة أمين مرسي قنديل. ط 4. القاهرة: عالم الكتب، 2004.
العبيدي، عبد الحميد. "قراءة نقدية في الأسس الأيديولوجية للفردانية وراهنيتها في المجتمعات العربية".
عمران. مج 8، العدد 32 (ربيع 2020). ص 123-138.
العروي، عبد الله.
مفهوم الحرية. ط 5. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012.
كابريرا، ميغيل.
مفهوم المجتمع في العلوم الاجتماعية: قراءة جينيالوجية. ترجمة حسن احجيج. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023.
الكحلاني، حسن.
الفردانية في الفكر الفلسفي المعاصر. القاهرة: مكتبة مدبولي، 2004.
الكشو، منير. "نظرية جون رولز في العدالة التوزيعية ونقادها".
تبيُّن. مج 9، العدد 36 (ربيع 2021). ص 49-72.
ليبوفتسكي، جيل.
عصر الفراغ: الفردانية المعاصرة وتحوّلات ما بعد الحداثة. ترجمة حافظ إدوخراز. بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات، 2018.
مل، جون ستيوارت.
حول الحرية. ترجمة وتقديم أحمد عبد العزيز. القاهرة: وكالة الصحافة العربية، 2021.
موسى، سلامة.
حرية الفكر وأبطالها في التاريخ. وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2015.
الأجنبية
Audi, Robert (ed.).
The Cambridge Dictionary of Philosophy. 3rd ed. New York: Cambridge University Press, 2015.
Beck, Ulrich & Elisabeth Beck-Gernsheim.
Individualization: Institutionalized Individualism and Its Social and Political Consequences. Patrick Camiller (trans.). London: SAGE, 2002.
Burge, Tyler. “Postscript to ‘Individualism and the Mental’.” in: Tyler Burge (ed.).
Foundations of Mind:Philosophical Essays. Oxford: Clarendon Press, 2007. p. 155.
Chirkov, Valery et al. "Differentiating Autonomy from Individualism and Independence: A Self-Determination Theory Perspective on Internalization of Cultural Orientations and Well-Being."
Journal of Personality and Social Psychology. vol. 84, no. 1 (2003). pp. 97-110.
Collins, Matthew. “Consumerism: Definition, Economic Impact, Pros & Cons.”
Investopedia. 15/05/2011. at:
https://acr.ps/hBxRYDQ
Culpeper, Jonathan & Jane Demmen. “Nineteenth-Century English Politeness: Negative Politeness, Conventional Indirect Requests and the Rise of the Individual Self.”
Journal of Historical Pragmatics. vol. 12, no. 1-2 (2011). pp. 49-80.
de Beauvoir, Simone.
Le Deuxième Sexe, vol. II: L’Expérience vécue. Paris: Gallimard, 1949.
de Maistre, Joseph.
Joseph de Maistre: Illuminisme et Franc-maçonnerie - Actes du colloque de Chambéry, 4 et 5 mai 1979. Paris: Les Belles Lettres, 1980.
Craig, Edward (ed.).
Routledge Encyclopedia of Philosophy. London: Routledge, 1998.
Foucault, Michel.
Histoire de la sexualité. Paris: Gallimard, 1984.
Gudykunst, William et al. “The Influence of Cultural Individualism-Collectivism, Self-Construals, and Individual Values on Communication Styles across Cultures.”
Human Communication Research. vol. 22, issue 4 (1996). pp. 510-543.
Holowchak, Andrew. "Liberal Individualism, Autonomy, and the Great Divide."
Philosophy in the Contemporary World. vol. 13, issue 1 (2006). pp. 20-27.
Keba, Andrej. "Charles Taylor and the Possibility of Individualism about Identity."
Politička misao. vol. 47, no. 1 (2010). pp. 13-30.
Lukes, Steven. “Individualism.”
Encyclopedia Britannica. 5/7/2025. at:
https://acr.ps/hBxRYjh
Mack, Eric. “Rights, Morality, and Egoism in Individualist Anarchism.” in: Gary Chartier & Chad Van Schoelandt (eds.).
The Routledge Handbook of Anarchy and Anarchist Thought. New York: Routledge, 2020. pp. 1-2.
Madva, Alex. "A Plea for Anti-Anti-Individualism: How Oversimple Psychology Misleads Social Policy."
Ergo. vol. 3, no. 27 (2016). pp. 701-728.
McCombs, Mark. "The Moral Philosophy of Individualism: Its History and Relationship with Collectivism."
Draftings In. vol. 6, no. 2 (1991). pp. 28-36.
McElroy, Wendy. “Gender Feminism and Ifeminism: Wherein They Differ.”
Etica & Politica. vol. 5, no. 2 (2003). pp. 1-12.
Oyserman, Daphna, H. M. Coon & M. Kemmelmeier. “Rethinking Individualism and Collectivism: Evaluation of Theoretical Assumptions and Meta-Analyses.”
Psychological Bulletin. vol. 128, no. 1 (2002). pp. 3-72.
Realo, Anu et al. “Three Components of Individualism.”
European Journal of Personality. vol. 16, issue 3 (2002). pp. 163-184.
Sabin, James. "Individualism, Solidarity, and U.S. Health Care."
Virtual Mentor. vol. 14, no. 5 (2012). pp. 415-418.
Sandel, Michael.
Liberalism and the Limits of Justice. Cambridge, UK: Cambridge University Press, 1982.
Sartre, Jean-Paul.
L’Être et le Néant: essai d'ontologiephénoménologique.Paris: Gallimard, 1943.
Shin, Jinkyo et al. "Economic Individualism and Job Engagement: Examining the Roles of Work."
Sustainability. vol. 14, no. 2 (2022). p. 591.
Soares, Conceição. "The Philosophy of Individualism: A Critical Perspective."
International Journal of Philosophy and Social Values. vol. 1, issue 1 (2018). pp. 11-34.
"The Utopian Socialists: Robert Owen and Saint-Simon."
The History Guide. at:
https://acr.ps/hBxRXUl
Voronov, Maxim & Jefferson Singer. "The Myth of Individualism-Collectivism: A Critical Review."
The Journal of Social Psychology. vol. 142, issue 4 (2002). pp. 461-480.
Williams, Raymond.
Keywords: A Vocabulary of Culture and Society. New York: Oxford University Press, 1985.
Zahavi, Dan. “Individuality and Community: The Limits of Social Constructivism.”
Ethos. vol. 50, issue 4 (2022). pp. 392-409.
[1] Raymond Williams,
Keywords: A Vocabulary of Culture and Society (New York: Oxford University Press, 1985), p. 161.
[2] Anu Realo et al., “Three Components of Individualism,”
European Journal of Personality, vol. 16, issue 3 (2002), p. 167.
[3] Dan Zahavi, “Individuality and Community: The Limits of Social Constructivism,”
Ethos, vol. 50, issue 4 (2022), p. 402.
[4] Robert Audi (ed.),
The Cambridge Dictionary of Philosophy, 3rd ed. (New York: Cambridge University Press, 2015), pp. 489-490.
[5] Steven Lukes, “Individualism,”
Encyclopedia Britannica, 5/7/2025, accessed on 11/1/2026, at:
https://acr.ps/hBxRYjh
[6] Daphna Oyserman, H. M. Coon & M. Kemmelmeier, “Rethinking Individualism and Collectivism: Evaluation of Theoretical Assumptions and Meta-Analyses,”
Psychological Bulletin, vol. 128, no. 1 (2002), pp. 3-5.
[7] Conceição Soares, "The Philosophy of Individualism: A Critical Perspective,"
International Journal of Philosophy and Social Values, vol. 1, issue 1 (2018), p. 11.
[8] James Sabin, "Individualism, Solidarity, and U.S. Health Care,"
Virtual Mentor, vol. 14, no. 5 (2012), p. 415.
[9] للاطلاع على نقاش الفيلسوف مايكل ساندل (Michael Sandel) للفردانية الليبرالية، يُنظر:
Michael Sandel,
Liberalism and the Limits of Justice (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 1982).
[10] Matthew Collins, “Consumerism: Definition, Economic Impact, Pros & Cons,”
Investopedia, 15/05/2011, accessed on 11/1/2026, at:
https://acr.ps/hBxRYDQ
[11] Joseph de Maistre,
Joseph de Maistre: Illuminisme et Franc-maçonnerie - Actes du colloque de Chambéry, 4 et 5 mai 1979 (Paris: Les Belles Lettres, 1980), p. 285.
[12] ألكسيس دي توكفيل،
الديمقراطية في أمريكا، ترجمة أمين مرسي قنديل، ج 1، ط 4 (القاهرة: عالم الكتب، 2004)، ص 21.
[13] “The Utopian Socialists: Robert Owen and Saint-Simon,”
The History Guide, accessed on 11/1/2026, at:
https://acr.ps/hBxRXUl
[14] Jonathan Culpeper & Jane Demmen, “Nineteenth-Century English Politeness: Negative Politeness, Conventional Indirect Requests and the Rise of the Individual Self,”
Journal of Historical Pragmatics, vol. 12, no. 1-2 (2011), pp. 55-56.
[15] جون ستيوارت مل،
حول الحرية، ترجمة وتقديم أحمد عبد العزيز (القاهرة: وكالة الصحافة العربية، 2021)، ص 114.
[16] للتعمق أكثر، يُنظر:
Oyserman, Coon & Kemmelmeier.
[17]حسن الكحلاني،
الفردانية في الفكر الفلسفي المعاصر (القاهرة: مكتبة مدبولي، 2004)، ص 24.
[18] Mark McCombs, "The Moral Philosophy of Individualism: Its History and Relationship with Collectivism,"
Draftings In, vol. 6, no. 2 (1991), p. 35.
[19] Andrew Holowchak, "Liberal Individualism, Autonomy, and the Great Divide,"
Philosophy in the Contemporary World, vol. 13, issue 1 (2006), p. 20.
[20] Jinkyo Shin et al., "Economic Individualism and Job Engagement: Examining the Roles of Work,"
Sustainability, vol. 14, no. 2 (2022), p. 591.
[21] William Gudykunst et al., “The Influence of Cultural Individualism-Collectivism, Self-Construals, and Individual Values on Communication Styles across Cultures,”
Human Communication Research, vol. 22, issue 4 (1996), p. 510.
[22] Valery Chirkov et al., "Differentiating Autonomy from Individualism and Independence: A Self-Determination Theory Perspective on Internalization of Cultural Orientations and Well-Being,"
Journal of Personality and Social Psychology, vol. 84, no. 1 (2003), p. 97.
[23] Tyler Burge, “Postscript to ‘Individualism and the Mental,’” in: Tyler Burge (ed.),
Foundations of Mind:Philosophical Essays, vol. 2 (Oxford: Clarendon Press, 2007), p. 155.
[24] Ulrich Beck & Elisabeth Beck-Gernsheim,
Individualization: Institutionalized Individualism and Its Social and Political Consequences, Patrick Camiller (trans.) (London: SAGE, 2002), p. xxii.
[25] Eric Mack, “Rights, Morality, and Egoism in Individualist Anarchism,” in: Gary Chartier & Chad Van Schoelandt (eds.),
The Routledge Handbook of Anarchy and Anarchist Thought (New York: Routledge, 2020), pp. 1-2.
[26] Wendy McElroy, “Gender Feminism and Ifeminism: Wherein They Differ,”
Etica & Politica, vol. 5, no. 2 (2003), pp. 1-2.
[27] Audi (ed.), p. 455.
[28] Jonathan Wolf, “Libertarianism,” in: Edward Craig (ed.),
Routledge Encyclopedia of Philosophy (London: Routledge, [n. d.]), accessed on 11/1/2026, at:
https://acr.ps/hBxRYeU
[29] Richard Kraut, “Egoism and Altruism,” in: Edward Craig (ed.),
Routledge Encyclopedia of Philosophy (London: Routledge, 1998), accessed on 11/1/2026, at:
https://acr.ps/hBxRYzt
[30] Alex Madva, "A Plea for Anti-Anti-Individualism: How Oversimple Psychology Misleads Social Policy,"
Ergo, vol. 3, no. 27 (2016), p. 701.
[31] Sandel, p. 13.
[32] Maxim Voronov & Jefferson Singer, "The Myth of Individualism-Collectivism: A Critical Review,"
The Journal of Social Psychology, vol. 142, issue 4 (2002), pp. 461-480.
[33] ميغيل كابريرا،
مفهوم المجتمع في العلوم الاجتماعية: قراءة جينيالوجية، ترجمة حسن احجيج (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023)، ص 48-49.
[34] منير الكشو، "نظرية جون رولز في العدالة التوزيعية ونقادها"،
تبيُّن، مج 9، العدد 36 (ربيع 2021)، ص 69-70.
[35] Andrej Keba, "Charles Taylor and the Possibility of Individualism about Identity,"
Politička misao, vol. 47, no. 1 (2010), p. 13.
[36] Jean-Paul Sartre,
L’Être et le Néant: essai d'ontologie phénoménologique )Paris: Gallimard, 1943(, p. 598.
[37] Simone de Beauvoir,
Le Deuxième Sexe, vol. II: L’Expérience vécue (Paris: Gallimard, 1949), p. 13.
[38] Michel Foucault,
Histoire de la sexualité, tome 3: Le souci de soi (Paris: Gallimard, 1984), p. 59.
[39] جيل ليبوفتسكي،
عصر الفراغ: الفردانية المعاصرة وتحوّلات ما بعد الحداثة، ترجمة حافظ إدوخراز (بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات، 2018)، ص 229-230.
[40] Herbert Hoover, “Principles and Ideals of the United States Government,”
Speech, New York, NY, 22/10/1928, Miller Center, University of Virginia, at:
https://acr.ps/hBxRXPY
[41] سلامة موسى،
حرية الفكر وأبطالها في التاريخ (وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2015)، ص 14.
[42]طه حسين،
مستقبل الثقافة في مصر (وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2014)، ص 73.
[43] عبد الله العروي،
مفهوم الحرية، ط 5 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012)، ص 39.
[44] موسى برهومة، "حوار مع حسن حنفي: "اليسار الإسلامي" يجمع شرعية التراث وشرعية الثورة"،
مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 19/7/2020، شوهد في 11/1/2026، في:
https://acr.ps/hBxRYax
[45] عبد الحميد العبيدي، "قراءة نقدية في الأسس الأيديولوجية للفردانية وراهنيتها في المجتمعات العربية"،
عمران، مج 8، العدد 32 (ربيع 2020)، ص 133-135.