تسجيل الدخول

حصار كوت العمارة

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

اسم الحدث

حصار كوت العمارة

طبيعة الحدث

حصار ومعركة عسكرية كبرى

النزاع الأم

الحرب العالمية الأولى (حملة بلاد الرافدين)

التاريخ

7 كانون الأول/ ديسمبر 1915-29 نيسان/ أبريل 1916 (147 يومًا)

الموقع

كوت العمارة، ولاية بغداد، الدولة العثمانية (محافظة واسط، العراق حاليًا)

الأطراف المتحاربة

الدولة العثمانية (بدعم استشاري ألماني) ضد الإمبراطورية البريطانية (بريطانيا وحكومة الهند البريطانية)

القادة العثمانيون

خليل باشا (خليل كوت)، العقيد نور الدين بك (لاحقًا باشا)، المشير كولمار فون در غولتس

القادة البريطانيون

اللواء تشارلز تاونسند (قائد الحامية المحاصرة)، الجنرال السير جون نيكسون، الفريق فينتون أيلمر، اللواء جورج غورينج

القوات المشاركة

الحامية البريطانية: نحو 13,300 مقاتل ومساعد غير مقاتل.

قوة الإغاثة البريطانية: نحو 30,000 جندي.

الجيش السادس العثماني: قرابة 11,000 جندي عند بدء الحصار، تعززت إلى قرابة 30,000 جندي لصد محاولات فك الحصار.

الخسائر والضحايا

الجانب البريطاني: استسلام 13,309 عسكريين (توفي معظمهم في الأسر لاحقًا)، 1,746 قتيلًا ومتوفيًا بالمرض داخل الحامية، وما يزيد على 23,000 إصابة (بين قتيل وجريح ومفقود) في صفوف قوات الإغاثة.

الجانب العثماني: نحو 10,000 بين قتيل وجريح في الحصار ومعارك صد الإغاثة.

النتيجة

انتصار عثماني حاسم واستسلام كامل غير مشروط للقوات البريطانية.


الموجز

حصار كوت العمارة (7 كانون الأول/ ديسمبر 1915-29 نيسان/ أبريل 1916) حصار عسكري ضربته القوات العثمانية على القوات البريطانية بقيادة اللواء تشارلز تاونسند في بلدة الكوت جنوب شرقي بغداد، إبان حملة بلاد الرافدين خلال الحرب العالمية الأولى، وانتهى باستسلام الحامية البريطانية المحاصرة بالكامل، مسجلًا إحدى كبرى الهزائم العسكرية التي منيت بها بريطانيا في تلك الحرب.

بدأت جذور هذا الحدث في سياق التنافس البريطاني–العثماني على بلاد الرافدين، التي كانت تضم ولايات البصرة وبغداد والموصل. بعد دخول الدولة العثمانية الحرب إلى جانب دول المركز في تشرين الثاني/ نوفمبر 1914، سارعت بريطانيا إلى تأمين مصالحها الاستراتيجية، وعلى رأسها حماية طرق الهند والسيطرة على منابع النفط في البصرة. في 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 1914، نزلت القوات البريطانية في شبه جزيرة الفاو، وتمكنت بحلول 24 تشرين الثاني/ نوفمبر من السيطرة على البصرة، مما شكّل بداية حملة عسكرية توسعية نحو الشمال

في نيسان/ أبريل 1915، تولى الجنرال السير جون نيكسون قيادة القوات البريطانية في العراق، وبدأ تنفيذ خطة تهدف إلى التقدم نحو بغداد. حققت القوات البريطانية نجاحات أولية، منها صد الهجوم العثماني في معركة الشعيبة (12–14 نيسان/ أبريل 1915) بقيادة سليمان العسكري باشا، الذي انتحر بعد الهزيمة. ثم تقدمت القوات البريطانية بقيادة اللواء تشارلز تاونسند نحو العمارة، التي احتُلت في 31 أيار/ مايو 1915، ثم الناصرية في 25 تموز/ يوليو 1915 بعد معارك عنيفة.

في 23 آب/ أغسطس 1915، وافقت القيادة البريطانية على التقدم نحو الكوت، التي سقطت بيد البريطانيين في 28 أيلول/ سبتمبر 1915 بعد معركة صعبة، إلا أن هذا التقدم أضعف خطوط الإمداد البريطانية، في حين بدأ العثمانيون إعادة تنظيم قواتهم تحت قيادة العقيد نور الدين بك، ومع وصول تعزيزات أخرى، بدأ ميزان القوى يميل تدريجيًا إلى صالحهم.

في 22–26 تشرين الثاني/ نوفمبر 1915، وقعت معركة المدائن (جنوب بغداد)، حيث واجهت القوات البريطانية مقاومة قوية من القوات العثمانية بقيادة المشير الألماني كولمار ڤون در غولتس. تكبد الطرفان خسائر كبيرة، لكن البريطانيين اضطُروا إلى الانسحاب جنوبًا نتيجة نقص الإمدادات وتزايد الضغط العسكري.

خلال الانسحاب، دارت معارك العزيزية وأم الطبول في أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1915، حيث تعرضت القوات البريطانية لمطاردة عثمانية مستمرة. في 2 كانون الأول/ ديسمبر 1915، اتخذ تاونسند قرارًا حاسمًا بالتمركز في مدينة الكوت بدلًا من مواصلة الانسحاب نحو البصرة، معتقدًا أن بإمكانه الصمود حتى وصول قوات الإغاثة. كان هذا القرار نقطة التحول التي أدت إلى الحصار.

وصلت القوات العثمانية بقيادة العقيد نور الدين بك إلى الكوت في 5 كانون الأول/ ديسمبر 1915، وبدأ الحصار رسميًا في 7 كانون الأول/ ديسمبر. تميز موقع الكوت بخصائص دفاعية طبيعية؛ إذ تقع ضمن منعطف لنهر دجلة يحيط بها من ثلاث جهات، ما جعلها موقعًا مناسبًا للدفاع، لكنه في الوقت نفسه صعّب عمليات الإمداد والانسحاب.

اعتمد العثمانيون استراتيجية الحصار والاستنزاف بدل الهجوم المباشر، فطوقوا المدينة وقصفوها واستخدموا القناصة، في حين واجهت الحامية البريطانية نقصًا متزايدًا في الغذاء والدواء. في المقابل، حاولت بريطانيا فك الحصار عبر إرسال قوة إغاثة بقيادة الفريق فينتون أيلمر في كانون الثاني/ يناير 1916.

خاضت قوات الإغاثة سلسلة من المعارك، أبرزها معركة الشيخ سعد (7–12 كانون الثاني/ يناير 1916)، ومعركة الوادي (13–16 كانون الثاني/ يناير)، ومعركة الحنا (18–21 كانون الثاني/ يناير). وعلى الرغم من تحقيق بعض النجاحات الجزئية، فإنها فشلت في كسر الدفاعات العثمانية، وتكبدت خسائر كبيرة.

في آذار/ مارس 1916، جرت محاولة جديدة عبر معركة الدُجَيْلة (8–9 آذار/ مارس)، لكنها فشلت أيضًا بسبب سوء التنسيق وفقدان عنصر المفاجأة، حيث بلغت الخسائر نحو 3,474 جنديًا بين قتيل وجريح ومفقود.

في هذه الأثناء، تدهورت الأوضاع داخل الكوت تدهورًا حادًا، إذ انتشرت الأمراض، مثل: التيفوس والدوسنتاريا والإسقربوط، وبدأ الجنود يعانون المجاعة، مما اضطر القيادة إلى تقليص الحصص الغذائية واللجوء إلى ذبح الخيول للأكل.

في 10 آذار/ مارس 1916، عرض القائد العثماني خليل باشا على تاونسند الاستسلام، مشيرًا إلى فشل محاولات الإنقاذ ونقص الإمدادات داخل المدينة، لكن تاونسند رفض العرض في ذلك الوقت.

في نيسان/ أبريل 1916، وصلت تعزيزات بريطانية جديدة بقيادة الجنرال ستانلي مود، وخاضت قوات الإغاثة معارك الفلاحية والسنيات وبيت عيسى (بين 5 و22 نيسان/ أبريل)، لكنها فشلت مرة أخرى في اختراق الخطوط العثمانية. بلغت خسائر قوات الإغاثة أكثر من 23,000 جندي، من دون تحقيق هدفها.

حاول البريطانيون إيصال الإمدادات إلى الكوت بوسائل مختلفة، منها: السفن المدرعة والإسقاط الجوي، لكنها فشلت بسبب ضعف التكنولوجيا والظروف الجوية.

في 27–28 نيسان/ أبريل 1916، جرت مفاوضات بين تاونسند وخليل باشا، عرض خلالها البريطانيون تسليم المدينة مقابل السماح لهم بالانسحاب، بل عرضوا دفع مليوني جنيه إسترليني، لكن العثمانيين رفضوا وأصروا على الاستسلام غير المشروط.

وفي 29 نيسان/ أبريل 1916، استسلمت الحامية البريطانية بعد حصار دام خمسة أشهر. شكل هذا الانتصار أحد أهم الانتصارات العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وعُرف باسم "عيد الكوت". أما على الجانب البريطاني، فقد بلغ عدد الأسرى نحو 13,309 جنديًا، بينهم 277 ضابطًا بريطانيًا و204 ضباط هنود، إضافة إلى آلاف الجنود. كذلك بلغ عدد القتلى خلال الحصار 1,025، وتُوفي 721 بسبب المرض.

على الصعيد السياسي، أدى سقوط الكوت إلى صدمة كبيرة في بريطانيا، وأثار انتقادات واسعة للحكومة والقيادة العسكرية، كذلك أثر في هيبة الإمبراطورية البريطانية في الشرق الأوسط والهند. أما عسكريًا، فقد كشف الحصار عن أخطاء استراتيجية جسيمة، مثل: ضعف الإمداد، وسوء التقدير، والتمسك بمواقع غير قابلة للدفاع.

وعلى الرغم من هذا الانتصار العثماني، فإنه لم يتحول إلى تفوق دائم، إذ أعادت بريطانيا تنظيم قواتها، وتمكنت في 23 شباط/ فبراير 1917 من استعادة الكوت بقيادة الجنرال ستانلي مود، ثم احتلال بغداد في 11 آذار/ مارس 1917.

 

التنافس البريطاني– العثماني على بلاد الرافدين في سياق الحرب العالمية الأولى

تحولت بلاد ما بين النهرين (كان هذا الاسم يُستخدم لدى البريطانيين للدلالة على الولايات العثمانية الثلاث: البصرة جنوبًا، وبغداد وسطًا، والموصل شمالًا) إلى ساحة قتال بعد يوم واحد فقط من بدء القتال رسميًا بين الإمبراطورية البريطانية والدولة العثمانية. كان البريطانيون ينظرون إلى الدولة العثمانية بوصفها الحلقة الأضعف في سلسلة دول المركز، وقد بنوا استراتيجيتهم على هذا التصور؛ إذ كانوا يتوقعون أن يؤدي توجيه ضربة سريعة إلى الدولة العثمانية في هذه المنطقة إلى تحقيق تغيير حاسم لصالح بريطانيا وبقية دول الوفاق.[1]

كذلك كان النشاط الألماني الاقتصادي والعسكري المتنامي في المنطقة يُعد تهديدًا مباشرًا للمصالح البريطانية، خاصة في ظل المشروع الألماني–العثماني لمد سكة حديد برلين–بغداد. كذلك كان الجيش العثماني يتلقى المشورة من الألمان، بل كان بين قياداته ضباط ألمان مثل كولمار ڤون در غولتس (Colmar von der Goltz، 1843-1916). ولهذا كان ضروريًا، من وجهة النظر البريطانية، الحيلولة دون سيطرة العثمانيين وحلفائهم الألمان على هذه المنطقة[2].

في صباح 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 1914، انطلق أسطول بريطاني نحو شبه جزيرة الفاو عند مدخل شط العرب على رأس الخليج العربي، وكان الهدف هو الحصن ومحطة التلغراف. ثم بحلول 24 تشرين الثاني/ نوفمبر، كانت البصرة قد أُمنت، وتمركز فيها لواءان تحت قيادة الفريق السير آرثر باريت (Sir Arthur Barrett، 1857-1926). وقد اكتسبت ولاية البصرة أهمية استراتيجية كبرى لدى بريطانيا، ارتبطت بتأمين حقول النفط المحلية[3].

شكلت السيطرة على النفط المرحلة الأولى من حملة البريطانيين على بلاد ما بين النهرين، ثم تلتها مرحلة التقدم نحو بغداد، تخللتها معركة الكوت التي حاصر فيها العثمانيون فرقة من الجيش البريطاني بقيادة اللواء تشارلز تاونسند (Charles Townshend، 1861-1924) حتى استسلامها[4].

تُعد معركة الكوت أهم الانتصارات التي حققها العثمانيون في سياق نهاية الحرب العالمية الأولى (1914–1918) ومن كبرى الكوارث العسكرية البريطانية في العصر الحديث، فقد انتهت حملة بدأت تحركًا محدودًا إلى هزيمة شاملة لم تكن حتمية، بل جاءت نتيجة توسع غير محسوب في الأهداف العسكرية، وسوء تقدير لطبيعة الأرض والخصم وخطوط الإمداد[5].

حملة بلاد الرافدين

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

في نيسان/ أبريل 1915، تولى الجنرال السير جون نيكسون (Sir John Nixon، 1857-1921)، قيادة الجيش البريطاني في العراق الذي تكوّن من ثلاثة تشكيلات: الفرقة السادسة بقيادة اللواء تشارلز تاونسند، والفرقة الثانية عشرة بقيادة اللواء جورج غورينج (Sir George Gorringe، 1868-1945)، ولواء الفرسان السادس بقيادة اللواء السير تشارلز ميليس (Sir Charles Melliss، 1862-1936)، وهذه الأسماء ستصبح لاحقًا فاعلة في أحداث الكوت، سواء داخل المدينة المحاصرة أو في محاولات إنقاذها[6].

في منتصف الشهر نفسه؛ أي نيسان/ أبريل 1915، تعرض البريطانيون لهجوم قوات عثمانية في منطقة الشعيبة قرب البصرة بقيادة سليمان العسكري باشا (1884–1915)، وقامت معركة خلال الفترة من 12 إلى 14 نيسان/ أبريل 1915، تمكن فيها البريطانيون من رد الهجوم ووضع حد للتهديد العثماني للبصرة ولمنشآت النفط فيها. انتحر بعدها سليمان العسكري، على الأرجح تحت وطأة هذه الهزيمة وانقلاب بعض حلفائه العرب عليه.[7]

حاول العثمانيون بعدها التصدي للبريطانيين مرة أخرى في منطقة الأهواز بقيادة محمد فاضل باشا الداغستاني (1853–1916)، لكن البريطانيين بقيادة اللواء غورينج استطاعوا التصدي للجيوش العثمانية مجددًا وأجبروها على الانسحاب باتجاه العمارة[8].

قرر البريطانيون حينئذ الاستيلاء على مدينة العمارة حتى يصبح الموقف البريطاني في بلاد ما بين النهرين أكثر أمنًا. ولم تعترض الحكومة في الهند على الاقتراح، كذلك دعمت لندن التقدم، بشرط ضمان وجود حامية كافية في العمارة تحول دون تعرضها لهجوم عثماني ناجح قادم من بغداد. تقدم البريطانيون بعدها بقيادة اللواء تاونسند نحو العمارة، وكان كل من نيكسون وبيرسي كوكس (Sir Percy Cox، 1864-1937) يرافقان العملية وشنوا هجومًا في 31 أيار/ مايو 1915[9].

حقق البريطانيون نجاحات في بداية المعركة، في حين كان العثمانيون ينسحبون ويتجنبون الالتحام المباشر بقوة تاونسند. وقد تمكن البريطانيون من احتلال العمارة، وأظهر تاونسند في هذه العملية جرأة ومبادرة ونجاحًا في خداع خصمه، مما رفع ثقة مرؤوسيه به وأقروا بأن العملية كانت مخططة جيدًا وحققت أهدافًا مهمة بخسائر محدودة نسبيًا (أربعة قتلى وأربعة وعشرون جريحًا)، ومكاسب تمثلت في أسر نحو 2,000 جندي عثماني، وغنموا اثنتي عشرة قطعة مدفعية ميدانية وخمسة مدافع بحرية، إضافة إلى عدة سفن[10] .

كان الهدف التالي هو مدينة الناصرية، لكن العثمانيين كانوا قد أقاموا مواقع دفاعية قوية على ضفتي نهر الفرات في أراضٍ مستنقعية وعرة تُعيق حركة القوات وتحدّ من قدرتها على المناورة، فأدى الهجوم الأول في 14 تموز/ يوليو 1915 إلى تعثر القوات البريطانية وتكبدها خسائر كبيرة، لكن بفضل التعزيزات استطاع البريطانيون شن هجوم ثانٍ والاستيلاء على مدينة الناصرية في 25 تموز/ يوليو 1915، وإن بخسائر فادحة[11].

بعد السيطرة على الناصرية، اقترح الجنرال نيكسون الاستيلاء على مدينة الكوت على نهر دجلة، لأن بقاء الكوت في يد العثمانيين قد يشكل تهديدًا لأية حامية بريطانية في الناصرية. وأيد السير بيرسي كوكس هذا التوجه، على الرغم من معارضة عدة قيادات أخرى حصلت الخطة على موافقة لندن في 23 آب/ أغسطس 1915، مما فتح الطريق أمام التقدم شمالًا، بل جعل بغداد هدفًا محتملًا في الأفق.[12]

حتى هذه المرحلة، كان التفوق البريطاني واضحًا، لكن الوضع بدأ يتغير تدريجيًا، فقد أعاد العثمانيون تنظيم قواتهم في بلاد ما بين النهرين، ووصلت تعزيزات، منها الفرقة 45 من بغداد، ثم الفرقتان: 51 و52 من جبهة القوقاز، كذلك أُنشئ الجيش العثماني السادس في نيسان/ أبريل 1915، وقد أُسندت قيادته إلى المشير الألماني كولمار ڤون در غولتس، إلا أن رحلته من القسطنطينية استغرقت وقتًا طويلًا، ولم يصل إلى بلاد الرافدين إلا بعد معركة المدائن في تشرين الثاني/ نوفمبر 1915، لذلك بقيت قيادة القوات العثمانية في العراق فعليًا بيد العقيد نور الدين سقاللي بك (الباشا فيما بعد) (Sakallı Nurettin Paşa، 1873-1932)، وهو قائد يمتلك خبرة عسكرية واسعة. وبدأ يتغير ميزان القوى تدريجيًا لصالح العثمانيين، وهو ما لم تدركه القيادة البريطانية بالكامل في الوقت المناسب[13].

معركة الكوت

في أوائل أيلول/ سبتمبر 1915، تمركزت الفرقة السادسة بقيادة تشارلز تاونسند في منطقة علي الغربي، في حين أصبحت الفرقة الثانية عشرة بقيادة جورج غورينج مسؤولة عن خطوط الاتصال والإمداد بين العمارة والكوت. وبحلول 25 أيلول/ سبتمبر، كانت قوات تاونسند قد وصلت إلى منطقة السنّيات، بعد أن تعززت بكتيبتين إضافيتين، ليبلغ قوامها نحو 11,000 بندقية، و28 مدفعًا، و40 رشاشًا، في مقابل قوة عثمانية تُقدر بنحو 6,000 جندي و38 مدفعًا[14].

وقعت المواجهة بين 26-28 أيلول/ سبتمبر 1915، وكانت المعركة صعبة على الطرفين والظروف قاسية، لكن القوات البريطانية انتصرت وتمكنت بعدها من الاستيلاء على مدينة الكوت في 28 أيلول/ سبتمبر 1915، في حين انسحب العثمانيون. ومع ذلك، لم يكن هذا الانتصار حاسمًا بالقدر الذي بدا عليه، إذ إن القوات البريطانية كانت قد تقدمت بعيدًا عن قواعدها، وأصبحت خطوط الإمداد طويلة وضعيفة، كذلك فإن الظروف البيئية القاسية استمرت في التأثير في الجنود والمعدات[15].

في المقابل، صدر الأمر في 9 أكتوبر/ تشرين الأول 1915 لخليل بك (الباشا فيما بعد) (Halil Kut Paşa، 1882–1957) في الجبهة الشرقية، بالتوجه إلى العراق، لأن القوات البريطانية كانت تهدد بالتقدم نحو بغداد من الجنوب وعلى الرغم من إصابته بالتهاب الزائدة الدودية في طريقه إلى العراق، فإنه تمكن وجيشه من الوصول إلى بغداد منتصف شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 1915، فوضع نفسه ورجاله تحت قيادة قائد جبهة العراق العقيد نور الدين بك[16]. وسيتولى خليل بك لاحقًا في نيسان/ أبريل 1916، قيادة المعركة في "كوت العمارة" والانتصار على البريطانيين ولهذا سيُعرف باسم "خليل كوت" نسبة إلى انتصاره في هذه المدينة.

كان لدى تاونسند شكوك بشأن جدوى التقدم شمالًا وكان يدرك أن قواته محدودة، وأن أي تقدم إضافي قد يضعها في موقف خطر، خاصة إذا واجهت مقاومة عثمانية أقوى أو إذا تعثرت خطوط الإمداد، كذلك كانت القيادة العليا، سواء في الهند أو في لندن، لا تزال مترددة، لكن الضغوط السياسية والرغبة في تحقيق نصر كبير، خاصة في ظل الإخفاقات في جبهات أخرى مثل غاليبولي، دفعت نحو الاستمرار في التقدم وفي 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1915، بدأ الجنرال تشارلز تاونسند وقواته الهجوم[17].

معركة المدائن

تقدمت القوات البريطانية شمالًا نحو المدائن، الواقعة على مسافة تقارب 25 ميلًا جنوب بغداد، حيث تمركزت قوات عثمانية كبيرة تحت قيادة المشير الألماني ڤون در غولتس باشا[18]. دارت المعركة في الفترة ما بين 22 و26 تشرين الثاني/ نوفمبر 1915، وكانت من أعنف المعارك في الحملة، فقد تكبد الطرفان خسائر كبيرة، لكن القوات العثمانية صمدت وثبتت، فأدرك تاونسند أن موقفه أصبح غير قابل للاستمرار، خاصة مع نقص الإمدادات وتزايد الضغط من القوات العثمانية. وقد أصبح من الواضح أن الاستمرار في التقدم نحو بغداد لم يعد ممكنًا، فبدأت القوات البريطانية حينها في الانسحاب جنوبًا نحو الكوت[19].

معارك العزيزية وأم الطبول

اضطُر تاونسند إلى التوقف في العزيزية يومي 28 و29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1915، حيث سعى إلى نقل أكبر عدد ممكن من الجرحى، وكذلك إرسال الإمدادات عبر النهر إلى الخلف. في المقابل، أمضى نور الدين بك يوم 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 1915 في إعادة تنظيم جيشه استعدادًا للمطاردة، ثم دفعه في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر باتجاه العزيزية[20]. طارد العثمانيون الجيش البريطاني ونشب القتال في عدة مواقع، كذلك حاول العثمانيون الالتفاف على تاونسند وجنوده وتطويقهم، وقد اضطُر تاونسند إلى إخلاء قواته من ثلاثة مواقع متتالية لتجنب خطر التطويق. وقد نجح مرتين في تنفيذ الانسحاب بشكل جيد، غير أنه تعرض لضربة قوية عند أم الطبول[21]. وفي الوقت الذي كانت فيه هذه المعارك تدور، توصلت كل من وزارة الحرب البريطانية ومكتب الهند إلى قناعة مفادها أن العثمانيين قد حققوا تفوقًا محليًا حاسمًا في بلاد الرافدين، وأن هذا التفوق مرشح للتزايد خلال الأشهر المقبلة. وبناءً على ذلك، تقرر إرسال تعزيزات كبيرة إلى الجبهة[22].

كان على تاونسند اتخاذ قرار حاسم، إما مواصلة الانسحاب جنوبًا نحو العمارة، وإما التمركز في الكوت والدفاع عنها. في 2 كانون الأول/ ديسمبر 1915، اتخذ تاونسند قراره بالتمركز في الكوت؛ إذ كانت تتوافر فيها مؤن وذخائر تكفي لعدة أشهر، كذلك فإن الفرقة يمكنها الانتقال إلى وضع دفاعي، والتفرغ لمعالجة جرحاها. وإضافة إلى ذلك، كان من المنتظر أن تصل فرق إغاثة في الوقت المناسب لفك الحصار. وكان هذا القرار نقطة التحول الأساسية في الحملة، إذ أدى إلى حصار القوات البريطانية داخل الكوت، ومن ثم استسلامها غير المشروط في 29 نيسان/ أبريل 1916[23].

الانسحاب إلى الكوت

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

كلمة "كوت" مأخوذة من الهندية بمعنى "قلعة"، وهي مدينة صغيرة تقع بين بغداد والعمارة على ضفة نهر دجلة، ويُحتمل أنها هي التي أوردها ياقوت الحموي تحت اسم "المذار"[24]. دخلت المنطقة تحت الحكم العثماني في عهد السلطان سليمان القانوني (حكم 926–974هـ/ 1520–1566م)، ثم خرجت لمدة وجيزة عندما استولى الشاه عباس الأول (حكم 995–1038هـ/ 1587–1629م) على بغداد، لكنها عادت إلى الدولة العثمانية بعد أن استعادها السلطان مراد الرابع (حكم 1032–1049هـ/ 1623–1640م)، وكانت مركز قضاء تابعًا لولاية بغداد[25].

تقع الكوت في موقع مميز داخل انعطافة كبيرة للنهر تكوّن شبه جزيرة طبيعية، بحيث يحيط الماء بالمدينة من ثلاث جهات، في حين يرتبط جانبها الرابع بالبر عبر شريط ضيق من الأرض. وقد منح هذا الموقع الكوت امتيازًا دفاعيًا واضحًا؛ إذ كان النهر يشكل عائقًا طبيعيًا أمام أية قوة مهاجمة، وكان الوصول إليها محدود الاتجاهات، كذلك كانت نقطة مهمة على خط الاتصالات بين البصرة وبغداد، مما منحها أهمية استراتيجية[26].

ومع توقع الحصار، شرعت القوات البريطانية في إنشاء خطوط دفاعية حول المدينة، مع التركيز على الجهة البرية المفتوحة، حيث كان يُتوقع أن يأتي الهجوم الرئيس منها. أما الجهات الأخرى، فقد كانت محمية نسبيًا بالنهر[27].

حصار الكوت

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وصلت الطليعة العثمانية بقيادة نور الدين بك إلى الكوت في 5 كانون الأول/ ديسمبر 1915، وبدأت قواته بالتمركز حول المدينة. وبحلول 7 كانون الأول/ ديسمبر، أصبحت الكوت مطوقة كل التطويق. وبعد عام من التراجع أمام الجيش البريطاني الهندي في بلاد الرافدين، بدأ ميزان الحرب يميل إلى صالح العثمانيين.[28]

عمل العثمانيون على تعزيز مواقعهم، وأظهروا قدرة على التنظيم والصبر؛ إذ لم يسعوا إلى هجوم شامل في البداية، بل خططوا لحصار طويل واستنزاف تدريجي، وهو ما كان أكثر فعالية في ظل الظروف القائمة[29]. بدأ العثمانيون في استخدام القناصة بشكل مكثف، حيث تمركزوا في مواقع متقدمة واستهدفوا الجنود البريطانيين والهنود داخل المدينة. كذلك بدأ العثمانيون في قصف المدينة، مستهدفين المواقع الدفاعية ومراكز التجمع داخل الكوت. وعلى الرغم من أن القصف لم يكن مكثفًا في البداية، فإنه شكل تهديدًا مستمرًا، وأدى إلى سقوط خسائر وإلحاق أضرار بالبنية المحدودة للمدينة[30].

وفي فترة عيد الميلاد بين 23 و25 كانون الأول/ ديسمبر، شن العثمانيون هجومًا كبيرًا على مواقع الدفاع البريطانية، في محاولة لاختراق الخطوط وإنهاء الحصار بسرعة، ولكن الحامية استطاعت الصمود أمام الهجمات[31]. وفي كانون الثاني/ يناير 1916، تقدمت قوة الإغاثة بقيادة الفريق فينتون أيلمر (Fenton Aylmer، 1862-1935) صعودًا على نهر دجلة لفك الحصار عن الكوت[32]، لكن تبين أن الطريق إلى الكوت سيكون سلسلة من المعارك المكلفة ضد مواضع عثمانية أُحسن اختيارها على طول النهر، إذ كان العثمانيون قد أحكموا تنظيم دفاعهم على خط دجلة، واستفادوا من الأرض والمياه والخصائص الطبيعية إلى أقصى حد[33].

معارك الشيخ سعد والوادي والحنا

كانت قوات الإغاثة تمثل الأمل الرئيس للعساكر البريطانية للخروج من الأزمة وكانت تتحرك من البصرة شمالًا على طول نهر دجلة بهدف الوصول إلى الكوت وفك الحصار، لكن التقدم كان أبطأ مما كان متوقعًا، إذ كانت خطوط الاتصال البريطانية طويلة وهشة، كذلك كانت الفيضانات وارتفاع منسوب المياه حول الكوت تؤثر في حركة القوات، وتزيد من صعوبة العمليات، خاصة لدى القوات المهاجمة التي كانت تعتمد على التقدم عبر أراضٍ مفتوحة ومكشوفة.[34]

كان العثمانيون يعترضون الجنود البريطانيين على طول طريق الإغاثة وتدور بينهم معارك قاسية، منها معركة الشيخ سعد بين 7 و12 كانون الثاني/ يناير، ثم معركة وادي كلال (معركة الوادي) بين 13 و16 كانون الثاني/ يناير، وعلى الرغم من انتصار البريطانيين في هذه المعارك، فإن الثمن كان مرتفعًا وقُدر بنحو 1,613 إصابة، في الوقت نفسه ظلت القوة العثمانية قادرة على سد طريق الإغاثة[35].

حاول البريطانيون بعدها محاولة أخرى، فتحركت قوة الإغاثة استعدادًا للهجوم واندلعت بين 18 و21 كانون الثاني/ يناير معركة حنا (عُرفت في المصادر التركية باسم معركة الفلاحية Felahiye Muharebesi)، لكن الحنا، كشفت أكثر من الشيخ سعد والوادي، حدود أسلوب الإغاثة كله وتحولت المعركة إلى فشل باهظ الكلفة، وأكدت أن الطريق إلى الكوت ما يزال مغلقًا. في الوقت نفسه، كان الوضع في الكوت قد تأزم بشدة بسبب نقص الغذاء والدواء وقسوة الشتاء وانتشار الأمراض[36].

كذلك مع دخول القوات البريطانية إلى الكوت، كان السكان المدنيون -ويُقدر عددهم بستة آلاف- قد ظلوا داخلها، مما خلق وضعًا معقدًا في أثناء الحصار ، إذ كان على القوات المحاصَرة أن تتعامل مع احتياجاتهم الغذائية والمعيشية، مما زاد الضغط على الموارد المحدودة.[37]

في تلك الأثناء وفي 19 كانون الثاني/ يناير، تولى الجنرال السير بيرسي ليك (Sir Percy Lake، 1855-1940) القيادة في بلاد ما بين النهرين خلفًا لنيكسون، الذي طلب إعفاءه بسبب اعتلال صحته. وفي الوقت نفسه على وجه التقريب، استُبدل القائد العثماني نور الدين بك بخليل بك، وكلاهما سيحوز مراتب الباشوية في مرحلة لاحقة من الحرب العالمية الأولى، من دون أن يُغير العثمانيون جوهر خطتهم، وهي إبقاء الحامية محاصرة وتجويعها[38] .

يوم 26 كانون الثاني/ يناير 1916، وجد اللواء تشارلز تاونسند نفسه مضطرًا إلى إلقاء بيان على جنوده يوضح لهم فيه الأوضاع، هذا نصه:

"إن قوة الإغاثة بقيادة الجنرال أيلمر لم تنجح في محاولاتها لإزاحة القوات التركية المتحصنة على الضفة اليسرى للنهر، على مسافة نحو أربعة عشر ميلًا أسفل موقع "معركة السنّ"، حيث هزمنا الأتراك في أيلول/ سبتمبر، عندما كانت قوتهم أكبر مما هي عليه الآن. وقد تكبدت قوة الإغاثة خسائر جسيمة، وواجهت ظروفًا جوية سيئة للغاية. وهي الآن متحصنة على مقربة من المواقع التركية. وتوجد تعزيزات أخرى في طريقها صعودًا عبر النهر، وأنا واثق تمامًا بأن الحصار سيُفك عنا خلال النصف الأول من شهر شباط/ فبراير.

أرغب أن يعرف جميع الجنود من مختلف الرتب سبب قراري بالدفاع عن الكوت في أثناء انسحابنا من المدائن، فقد كان ذلك لأنه، ما دمنا نحتفظ بالكوت، فإن الأتراك لا يستطيعون تمرير سفنهم وصنادلهم ومخازنهم وذخائرهم عبر هذا الموقع، ومن ثم لا يمكنهم التقدم جنوبًا لمهاجمة العمارة، فنُعيق بذلك كامل التقدم العثماني. أيضًا فإن ذلك يمنحنا الوقت لوصول تعزيزاتنا من البصرة عبر النهر، لاستعادة التفوق لقواتنا، كما يمنح الوقت حلفاءَنا الروسَ، الذين يجتاحون الآن بلاد فارس للتقدم نحو بغداد. وقد تلقيت قبل أيام رسالة شخصية من الجنرال نيكولاي باراتوڤ (General Nikolai Nikolaevich Baratov، 1865-1932)، قائد القوة الاستكشافية الروسية في فارس، يعبر فيها عن إعجابه بما أنجزتموه، أنتم رجال الفرقة السادسة والقوات الملحقة بها، خلال الشهرين الماضيين، ويطلعني على تقدمه هو على الطريق من كرمان شاه نحو بغداد.

ومن خلال تمسكنا بالكوت، فإنني أحافظ على الأراضي التي كسبناها خلال العام الماضي ودفعنا دماءنا ثمنًا لها، ابتداء من انتصاركم المجيد في الشعيبة، وبذلك نحافظ على الحملة بوصفها حملة مجيدة، بدلًا من أن نسمح للكوارث بأن تتوالى حتى العمارة وربما إلى ما بعدها.

لدينا مؤن كافية لمدة أربعة وثمانين يومًا، دون احتساب نحو 3,000 حيوان يمكن استخدامها كغذاء. وعندما دافعت عن شيترال (مدينة في باكستان) (Chitral) قبل نحو عشرين عامًا، عشنا بشكل جيد على الدقيق ولحم الخيل، ولكنني أكرر أنني واثق تمامًا بأنه سيتم فك الحصار عنا خلال النصف الأول من شهر شباط/ فبراير.

إن واجبنا تجاه إمبراطوريتنا، وتجاه ملكنا العزيز ووطننا، واضح وبسيط، أن نصمد هنا ونوقف التقدم العثماني كما نفعل الآن، وبمساعدتكم جميعًا، قلبًا وقالبًا معي، سنجعل من هذا الدفاع حدثًا مجيدًا يُذكر في التاريخ. إن الجميع في إنكلترا والهند يراقبوننا الآن، وهم فخورون بالشجاعة والتفاني الرائعين اللذين أبديتموهما.

إنني مطمئنٌ كل الاطمئنان إلى النتيجة؛ فالتركي، على الرغم من استبساله في الدفاع وراء الخنادق، ضعيف في شن الهجمات. وقد جرّب ذلك مرّة واحدة، فتكبّد في ليلة واحدة فحسب خسائر بلغت قرابة ألفي رجل عند محاولته اقتحام الحصن. كما تكبد خسائر فادحة بنيران بنادق الجنرال أيلمر ومدفعيته، ولا شك لدي أنه قد تكبد ما يكفي.

أود أن أقول لكم الآن إنه عندما أُمرت بالتقدم نحو المدائن، طلبت رسميًا قوة فيلق، أو على الأقل فرقتين، لإنجاز المهمة بنجاح. وبعد أن أوضحت الخطر الجسيم في تنفيذ ذلك بفرقة واحدة فقط، كنت قد أديت واجبي. وأنتم تعلمون النتيجة، وتعلمون إن كنت على حق أم لا، وسيُخلد اسمكم في التاريخ بوصفكم أبطال المدائن، فقد أثبتم أنكم أبطال في تلك المعركة. وربما لم يكن من حقي أن أطلعكم على ما سبق، لكنني أشعر أن من واجبي أن أتحدث إليكم بصراحة ووضوح، وأن أضعكم في موضع ثقتي. والله يعلم كم تأثرت بخسائرنا الفادحة، وبمعاناة جرحانا الشجعان، وسأظل أذكر ذلك ما حييت. ويمكنني أن أقول بحق إنه لا يوجد قائد، حسب علمي، حظي بولاء وطاعة كما حظيت بهما وأنا أقود هذه الفرقة السادسة.

قد تكون كلماتي طويلة، ولكني أتحدث من القلب مباشرة، وكما ترون فقد تخليت عن الأسلوب الرسمي.

سننجح، تذكروا كلامي. حافظوا على ذخائركم كما لو كانت ذهبًا.

اللواء تشارلز تاونسند

قائد الفرقة السادسة

الكوت، 26 يناير/ كانون الثاني 1916".[39]

معارك الدُجَيْلة وزمزير

انتهى شباط/ فبراير، ولم تصل فرقة الإنقاذ وفي 8 آذار/ مارس تقرر توجيه ضربة مباغتة إلى المواقع العثمانية في منطقة الدُجَيْلة (تعرف في المصادر التركية باسم Sâbis Muharebesi) تلتها لاحقًا معركة زمزير في 11 نيسان/ أبريل. وكانت هذه المعارك بقيادة الفريق السير فينتون أيلمر والجنرال بيرسي ليك، واللواء كيري (Sir Henry D'Urban Keary، 1857-1937) .[40]

وقد تطلب تنفيذ خطة معركة الدُجَيْلة تحركات ليلية دقيقة، حيث كان على القوات البريطانية–الهندية أن تتقدم في الظلام عبر مسافات طويلة، لتصل إلى مواقعها قبل بزوغ الفجر، ومن ثم تبدأ الهجوم بشكل مفاجئ. وكان نجاح هذه العملية يعتمد بشكل كبير على دقة التوقيت والتنسيق بين الوحدات المختلفة[41].

غير أن هذه التحركات واجهت منذ بدايتها صعوبات كبيرة، تمثلت في بطء تقدم بعض الوحدات، وضياع بعضها الآخر في الظلام، مما أدى إلى تأخير في تنفيذ الخطة الأصلية. وقد كان لهذا التأخير أثر بالغ، إذ أدى إلى فقدان عنصر المفاجأة الذي كانت الخطة تعتمد عليه بشكل أساسي. وفشلت المحاولة وبلغت الخسائر البريطانية والهندية في 8–9 آذار/ مارس 3,474، منهم 512 قتيلًا و2,465 جريحًا و497 مفقودًا[42].

بعد هذه المحاولة الفاشلة، كان على تاونسند أن يخاطب حاميته ويعيد تأطير الموقف، فأصدر بيانًا في 10 آذار/ مارس 1916 قرأ فيه برقيتين وردتا بالتاريخ نفسه من الجنرال أيلمر، كذلك ورد في بيانه اعتراف ضمني بأن معركة الدجيلة خارج أسوار الكوت لم تنجح[43]:

"كما فعلتُ في مناسبة سابقة، فإنني أضع الجنود من جميع الرتب مرة أخرى في موضع الثقة، وأعيد نقل البرقيتين التاليتين الواردتين من الجنرال أيلمر، اللتين سيتضح منهما أن قوة الإغاثة لم تتمكن مرة أخرى من فك الحصار عنا".

البرقية الأولى 8 آذار/ مارس 1916

"انتهت عملية اليوم بمحاولة شجاعة لكنها غير ناجحة لاقتحام معقل الدجيلة وقد اندفعت القوات في الهجوم ونفذت العملية بشجاعة كبيرة، غير أن العدو تمكن من حشد تعزيزات وصلت من الضفة اليسرى عند المكاصيص ومن شمران، ولم نتمكن من تحقيق اختراق. وإذا لم ينسحب العدو من موقعه الحالي على الضفة اليمنى –وهو أمر لا يبدو مرجحًا– فلن نتمكن من الثبات في مواقعنا الحالية بسبب نقص المياه. وإذا لم يُخلِ العدو موقع السنّ الليلة، فسوف نُضطر إلى الانسحاب إلى مواقعنا السابقة عند الوادي. وقد أخفقت قوة الإغاثة بقيادة الجنرال أيلمر في محاولاتها لإزاحة القوات التركية المتحصنة على الضفة اليسرى للنهر، على مسافة نحو أربعة عشر ميلًا أسفل موقع السنّ".

البرقية الثانية 8 آذار/ مارس 1916

"لم نتمكن اليوم من اختراق خطوط العدو للوصول إليكم، وقد نُضطر إلى الانسحاب إلى الوادي غدًا، لكننا نأمل شن هجوم آخر قريبًا، وفك الحصار عنكم في أقرب وقت. تُرجى موافاتنا بتحركات العدو، الذي تكبد في كل الأحوال خسائر فادحة، إذ إن هجماته المضادة المبلغ عنها قد صُدت مع تكبده خسائر كبيرة".

أعلم أنكم ستشعرون بخيبة أمل عميقة عند سماع هذا الخبر. لقد صمدتم ثلاثة أشهر من الحصار بطريقة استوجبت ثناء ملكنا العزيز وإعجاب أبناء وطننا في إنكلترا وإسكتلندا وإيرلندا والهند، وذلك بعد معارككم الباهرة في الكوت والمدائن ثم انسحابكم إلى الكوت، وهي أعمال عسكرية أصبحت الآن مشهورة. ومنذ الخامس من كانون الأول/ ديسمبر وأنتم تعيشون ثلاثة أشهر من عدم اليقين القاسي، وعدم اليقين أمر لا يُحتمل لأي إنسان أو لأي شعب، وفوق كل ذلك يأتي الآن الفشل الثاني في محاولة إنقاذنا. وأطلب منكم أن تُبدوا شيئًا من التعاطف معي أيضًا، أنا الذي قُدتكم في المعارك الثلاث المشار إليها، والذي جئتكم غريبًا ثم أصبحت أحب قيادتي لكم بعمق لم أعرف له مثيلًا في حياتي. وعندما أذكر نفسي، فإنني أقرن اسمي بأسماء الجنرالات الذين تحت إمرتي، وهم قادة متميزون معروفون في الجيش.

إنني أخاطبكم كما فعلت من قبل، بصدق ومن القلب، وأطلب تعاطفكم مع مشاعري، بعد أن وعدتكم الإنقاذَ في تواريخ معينة بناء على وعود أولئك المكلفين إنقاذنا. وليس ذلك ذنبهم، ولا تظنوا أنني ألومهم، فهم يبذلون حياتهم بسخاء، ويستحقون امتناننا وإعجابنا.

أريد منكم أن تساعدوني مرة أخرى كما فعلتم من قبل. لقد طلبت من الجنرال أيلمر، في المحاولة القادمة التي يجب أن تتم قبل نهاية هذا الشهر، أن يجلب قوة كافية لكسر كل مقاومة، بحيث لا يبقى أي شك في النتيجة. وتصل إليه الآن تعزيزات كبيرة، من بينها فرقة إنكليزية قوامها 17,000 رجل، ويُفترض أن تكون طلائع لوائها قد وصلت بالفعل إلى الوادي، أي إلى مقر قيادة الجنرال أيلمر.

ومن أجل الصمود، أقوم بذبح عدد كبير من الخيول لتقليل كمية الحبوب المستهلكة يوميًا، وقد اضطُررت إلى خفض حصصكم الغذائية. إن هذا ضروري لكي نبقي علمنا مرفوعًا. وأنا مصمم على الصمود، وأعلم أنكم معي في ذلك قلبًا وقالبًا.

اللواء تشارلز تاونسند

قائد الفرقة السادسة

الكوت، 10 آذار/ مارس 1916"[44].

عرض الاستسلام

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

في اليوم نفسه الذي صدر فيه البلاغ، وجه خليل بك، قائد الجيش العثماني السادس وحاكم بغداد، رسالة إلى تاونسند يعرض عليه فيها الاستسلام. وأشار فيها إلى أن قوات الإغاثة التي حاولت الوصول إليه اضطُرت إلى التراجع بعد معارك ثقيلة، وأنها تكبدت آلاف الخسائر، وأنه لا يرى احتمالًا حقيقيًا لوصول النجدة بعد الآن. كذلك استند إلى تقارير عن نقص الطعام وانتشار المرض داخل الكوت، وذكر تاونسند بأنه قد أدى واجبه العسكري بشرف، وأنه بات حرًا بين مواصلة المقاومة أو التسليم لقوة عثمانية تزداد عددًا.[45] جاء في هذه الرسالة:

"سعادة الجنرال،

إن القوات الإنكليزية التي جاءت لفك الحصار عنكم اضطُرت إلى التراجع بعد أن خاضت معركة عند الفلاحية، وتكبدت خسارة 7,000 شخص.

وبعد هذا التراجع، استأنف الجنرال أيلمر، الذي أمضى شهرًا ونصفًا في إعداد قواته، الهجوم أمس، حين اعتقد أن قوته أصبحت كافية، مستخدمًا الألوية: الخامس والسادس والثامن والثاني عشر من المشاة، إضافة إلى لواء من سلاح الفرسان، على الضفة اليمنى لنهر دجلة، كما لاحظتم، لكنه اضطُر مرة أخرى إلى التراجع، بعد أن تكبد خسارة 4,000 من الأرواح، في حين بقيت أنا محتفظًا بقوات كافية.

أما من جهتكم، فقد قمتم بأداء واجبكم العسكري ببسالة.

ومن الآن فصاعدًا، لا أرى أي احتمال لوصول قوة لإنقاذكم. ووفقًا لما أفاد به الفارون منكم، أعتقد أنكم تعانون نقصًا في الطعام، وأن الأمراض منتشرة بين قواتكم.

وأنتم أحرار في مواصلة مقاومتكم في الكوت أو الاستسلام لقواتي، التي تزداد قوةً يومًا بعد يوم.

وتفضلوا، سعادة الجنرال، بقبول فائق تقديرنا واحترامنا.

خليل

قائد القوات العثمانية في العراق، وحاكم بغداد"[46].

وقد رفض تاونسند هذا العرض[47].

معارك الفلاحية والسنيات وبيت عيسى

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

حدثت بعدها تغييرات على مستوى القيادات ودخلت حملة الإغاثة في نيسان/ أبريل 1916 مرحلة جديدة مع وصول الفرقة الثالثة عشرة إلى مسرح العمليات، تحت قيادة اللواء ستانلي مود (Sir Frederick Stanley Maude، 1864-1917)[48]؛ إذ خاض البريطانيون في شهر واحد -شهر نيسان/ أبريل- عدة معارك أخرى في محاولة لإنقاذ الفرقة المحاصرة في الكوت، وهي معركة الفلاحية ومعارك السنيات (عُرفت بالفلاحية الأولى (5 نيسان/ أبريل) والفلاحية الثانية (6 نيسان/ أبريل) والفلاحية الثالثة (9 نيسان/ أبريل) والفلاحية الرابعة (22 نيسان/ أبريل))، وكذلك معركة بيت عيسى[49].

أصدر بعدها تاونسند بيانًا ثالثًا بتاريخ 10 نيسان/ أبريل 1916 جاء فيه:

"إن نتيجة هجوم قوة الإغاثة على الأتراك المتحصنين في موقع السنيّات هي أن قوة الإغاثة لم تشق طريقها إلينا بعد، لكنها أصبحت متحصنة على مقربة شديدة من الأتراك، في مواضع لا تبعد أحيانًا سوى 200 ياردة إلى 300. وقد أبرق إليّ الجنرال غورينج الليلة الماضية بأنه يعمل على تدعيم موقعه أقرب ما يمكن من خنادق العدو، بقصد شن هجوم آخر. وقد واجه بعض الصعوبات بسبب الفيضان، لكنه عالجها، وليس لدي تفاصيل أخرى.

لكنكم تدركون جميعًا أن الحفر يعني التأخير، وإن كان الجنرال غورينج لم يصرح بذلك. كذلك فإنكم تعلمون أنه لا يجوز لي أن أخاطر بما يتعلق باحتساب مدة بقاء حصصنا الغذائية، وهو 15 نيسان/ أبريل، ولذلك فإنني مضطر إلى أن أناشدكم جميعًا أن تبذلوا جهدًا حازمًا في الاقتصاد في مواردنا الشحيحة، حتى أتمكن يقينًا من الصمود إلى أن يصل رفاقنا، وأنا أعلم أن مناشدتي لكم لن تذهب سدًى.

وعليه، فإنه يتعين عليَّ أن أخفض الحصص الغذائية إلى خمس أونصات من الدقيق لجميع الرتب، بريطانيين وهنودًا، وبهذه الطريقة أستطيع أن أصمد حتى 21 نيسان/ أبريل إذا أصبح ذلك ضروريًا. وأنا لا أظن أن ذلك سيصبح ضروريًا، لكن من واجبي أن أتخذ كل الاحتياطات التي هي في مقدوري.

وإنني آسف جدًا لأنني لم أعد أستطيع أن أُبقي على تفضيل الجنود الهنود في مسألة الدقيق، إذ لم يعد هناك أي مجال لذلك الآن. ويجب أن نتذكر أن هناك مقدارًا كبيرًا من لحم الخيل، وقد أذن لهم زعماؤهم الدينيون بأكله، ويؤسفني أن أذكر أن عدم الإفادة من هذا الإذن الحكيم قد أضعف قدرتي على المقاومة شهرًا كاملًا.

لقد قلت لكم في بلاغي المؤرخ 26 كانون الثاني/ يناير إن واجبكم كان واضحًا وبسيطًا، وهو أن تصمدوا هنا وتقفوا التقدم التركي على دجلة، عاملين يدًا بيد، وأعربت عن أملي في أن تجعلوا من هذا الدفاع دفاعًا يُذكر في التاريخ على أنه دفاع مجيد [...].

حسنًا، لقد أديتم مهمتكم أداءً نبيلًا، واستجبتم للثقة والنداء اللذين وجهتهما إليكم استجابة نبيلة. دعوني أقل لكم إن الإمبراطورية البريطانية كلها تتردد الآن بأخبار دفاعنا عن الكوت. وسوف تفخرون جميعًا يومًا ما بأن تقولوا: "كنت واحدًا من حامية الكوت" [...]. ومهما حدث الآن، فقد أدينا جميعًا واجبنا [...]، وأطلب منكم جميعًا، يا رفاقي من جميع الرتب، بريطانيين وهنودًا، أن تساعدوني الآن في مسألة الطعام هذه على النحو الذي ذكرتُه.

اللواء تشارلز تاونسند

قائد الفرقة السادسة

كوت العمارة ، 10 نيسان/ أبريل 1916"[50].

تلاه بلاغ آخر بعدها بيوم:

"أبرق إليّ الجنرال السير بيرسي ليك ، قائد الجيش، مساء أمس قائلًا: "لا يمكن أن يكون هناك شك في أن غورينج سيتمكن، في الوقت المناسب، من شق طريقه إلى الكوت، غير أنه، نتيجة لفشل الأمس، فمن المؤكد أنه بات من المشكوك فيه كونه سيتمكن من الوصول إليكم بحلول 15 نيسان/ أبريل"

ولهذا ولأنه بات مشكوكًا فيه أن الجنرال غورينج سيكون هنا بحلول 15 نيسان/ أبريل، فقد اضطُررت، على مضض، إلى خفض الحصص مرة أخرى لكي أستطيع الصمود حتى 21 نيسان/ أبريل. وآمل الآن أن يساعدني الضباط الهنود في حاجتي الكبرى هذه، وأن يستخدموا حسن التقدير في إقناع الجنود الهنود بأكل لحم الخيل، كما يفعل عرب البلدة الآن".

اللواء تشارلز تاونسند

قائد الفرقة السادسة

 كوت العمارة، 11 نيسان/ أبريل 1916"[51].

استعدت قوة الإغاثة البريطانية بعدها لمحاولة أخيرة للوصول إلى الكوت، فشنت في 17 نيسان/ أبريل 1916 هجومًا على المواقع العثمانية في بيت عيسى، لكن هذا الهجوم بدوره رُد بهجوم عثماني مضاد كاسح[52]. شنت بعدها القوات البريطانية في22 نيسان/ أبريل 1916 هجومًا جديدًا على الخطوط العثمانية عند السنّيّات (الفلاحية الرابعة)، على مسافة تقارب خمسة عشر ميلًا من الكوت، لكن هذا الهجوم بدوره، صده العثمانيون بصورة حاسمة[53].

وكانت خلاصة هذه الأشهر الخمسة من القتال أن قوة الإغاثة، التي سعت إلى تحرير 13,000 جندي محاصَرين في الكوت، تكبدت أكثر من 23,000 إصابة بين قتيل وجريح. وهذا يوضح حجم الكلفة البشرية الباهظة التي تحملها البريطانيون في سبيل محاولة إنقاذ الحامية في الكوت.

في الوقت الذي كان فيه البريطانيون يخوضون المعارك لإنقاذ الفرقة المحاصرة، حاولوا إيصال الغذاء بوسائل مبتكرة، منها أنهم عمدوا إلى تدريع سفينة بخارية بألواح فولاذية، على أمل أن تتمكن من اختراق الحصار العثماني وإيصال الطعام والدواء إلى الكوت، لكن محاولات إيصال الغذاء عبر النهر فشلت[54]. كذلك مثلت الكوت أول مدينة محاصَرة تتلقى مساعدات غذائية بالإسقاط الجوي، غير أن هذه المحاولة أيضًا وعلى جدة فكرتها، كانت محكومة بالفشل لأسباب عديدة: سوء الأحوال الجوية، وضآلة الحمولة التي كانت تستطيع الطائرات في ذلك الوقت نقلها، فضلًا عن ضعف دقة الطيارين فكانت المؤن تسقط في النهر، إضافة إلى استهداف الحامية العثمانية للطائرات التي تُضطر إلى الطيران على ارتفاع منخفض لتفريغ حمولتها[55].

وفي22 نيسان/ أبريل 1916 قرر الجنرال جورج غورينج وضباطه وقف العمليات، فقد كانت قواتهم قد استُنزفت تمامًا، وانهارت معنوياتها، ولم يعد في وسعها أن تقدم أكثر مما قدمت.[56] وفي 28 نيسان/ أبريل 1916 أصدر تاونسند البيان التالي:

"لقد أصبح واضحًا، بعد صد الجنرال غورينج مرة أخرى يوم 22 نيسان/ أبريل عند السنيّات، وهو ما أبلغني به قائد الجيش في برقية، أن قوة الإغاثة لا تستطيع أن تشق طريقها إلينا في وقت يمكن معه إنقاذنا، إذ إن الحد الأقصى لمقاومتنا من جهة الطعام هو 29 نيسان/ أبريل. ومن الصعب أن نصدق أن القوات الكبيرة التي تتألف منها قوة الإغاثة الآن لا تستطيع أن تقاتل في طريقها إلى الكوت، لكن هذه هي الحقيقة التي تحدق في وجوهنا.

وقد أُمرتُ بأن أفتح مفاوضات من أجل استسلام الكوت، وذلك بعبارة قائد الجيش نفسها: "على ألا تقع عليك المسؤولية، فأنت في وضع من خاض دفاعًا باسلًا وناجحًا، وستكون في وضع يمكنك من الحصول على شروط أفضل من أي مبعوث منا. والأميرال، الذي كان في مشاورة مع قائد الجيش، يرى أنك، بما لك من مكانة وسمعة، أرجح في الحصول على أفضل الشروط، ويمكننا بالطبع أن نمدكم بالغذاء بحسب ما ترتبه".

وهذه الاعتبارات وحدها، أي إنني أستطيع أن أساعد رفاقي من جميع الرتب حتى النهاية، هي التي دفعتني إلى التغلب على مرضي الجسدي وعلى عذاب ذهني الذي أعانيه الآن، وقد قابلت القائد العام التركي أمس، وهو مفعم بالإعجاب "بدفاع بطولي دام خمسة أشهر"، على حد تعبيره.

ولا تزال المفاوضات جارية، وأنا آمل أن أستطيع ترحيلكم إلى الهند مقابل كلمة شرف بعدم قتالكم ضد الأتراك مستقبلًا، لأن القائد العام التركي يقول إنه يظن أن هذا سيُسمح به، وقد أبرق إلى القسطنطينية يطلب ذلك، وأن سفينة الجلنار، الراسية بالغذاء لنا عند المكاصيص، قد يُسمح لها الآن بأن تصل إلينا.

ومهما يكن ما حدث، يا رفاقي، فلا يسعكم إلا أن تفخروا بأنفسكم. لقد أدينا واجبنا نحو الملك والإمبراطورية، والعالم كله يعلم أننا أدينا واجبنا.

وأطلب منكم أن تقفوا إلى جانبي، في الأيام القليلة المقبلة، بما عُرف عنكم من انضباط رائع، أظهرتموه طوال الوقت، لكي تُنجز جميع الخدمات التي أطلبها منكم على وجه السرعة. وقد نذهب إلى المعسكر، وآمل أن يكون بين الحصن والبلدة على طول الشاطئ، حيث يمكننا أن نركب السفن بسهولة.

اللواء تشارلز تاونسند

قائد الفرقة السادسة

 كوت العمارة، 28 نيسان/ أبريل 1916"[57].

المفاوضات

قبل الاستسلام النهائي جرت في 27 و28 نيسان/ أبريل 1916 مفاوضات بين تاونسند وخليل باشا على متن سفينة في نهر دجلة لبحث شروط التسليم. وقد عرض تاونسند أن يسلم جميع المدافع والبنادق والأسلحة والذخائر والمواد في الكوت، ومعها مليون جنيه إسترليني، رفعها في عرض ثانٍ إلى مليوني جنيه، مقابل أن يُسمح له ولجيشه بالانسحاب بحرية إلى الهند، لكنِ القادة العثمانيون رفضوا العرض وأصروا على الاستسلام غير المشروط. وقد تلقفت الصحف العالمية خبر العرض المالي، ونشرت صحف القسطنطينية مقالات ساخرة تتهم البريطانيين بأنهم، إذ عجزوا عن قهر الأتراك بالسيوف، باتوا يحاولون رشوتهم بالمال[58].

كذلك أُرسلت بعثة تفاوضية من ثلاثة ضباط بريطانيين: الكولونيل بيتش (William Henry Beach، 1871-1952)، والكابتن أوبري هربرت (Aubrey Molyneux Herbert، 1880-1923)، والكابتن توماس إدوارد لورنس (Thomas Edward Lawrence، 1888-1935)، المعروف باسم "لورنس العرب"[59].

ولم يُرسل لورنس هنا بوصفه مفاوضًا عاديًا فحسب، بل ليستطلع أيضًا إمكانية تحريض العرب المحليين على الثورة والانضمام إلى الحركة العربية. وكان يعتقد أن تمردًا عربيًا محليًا قد يساعد في إنقاذ الحامية[60]، ولكن عند وصول البعثة كان قرار الاستسلام قد اتُخذ.

وتوجه تاونسند إلى حاميته ببيان بتاريخ 29 نيسان/ أبريل، قال فيه:

"إن هناك أسبابًا قوية تدعو إلى الأمل في أن الأتراك سيوافقون في النهاية على تبادل الجميع. وقد تلقيت إخطارًا من القائد العام التركي يفيد بأنني أستطيع أن أبدأ رحلتي إلى القسطنطينية قريبًا. وبعد أن أصل إليها، سألتمس الإذن بالذهاب إلى لندن بكلمة شرف، وأن أرى وزير الدولة للحرب، وأن أعمل على تبادلكم فورًا. وبهذه الطريقة آمل أن أكون لكم جميعًا عونًا عظيمًا.

أشكركم من أعماق قلبي على تفانيكم في أداء الواجب، وعلى انضباطكم وشجاعتكم، ولعلنا نلتقي قريبًا في أيام أفضل[61]".

الاستسلام

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

بعد حصار قاسٍ ودفاع دام خمسة أشهر، بلغت الأوضاع في شهر نيسان/ أبريل 1916 أسوأ مراحلها، فإلى جانب المجاعة، أدى نقص الفيتامينات وعدم الرعاية الصحية الكافية إلى انتشار أمراض، مثل: التيفوس والدوسنتاريا والإسقربوط وبلغ الموت في أواخر الشهر حد 15 رجلًا إلى 20 في اليوم، فاستسلمت الحامية البريطانية في الكوت للجيش العثماني في 29نيسان/ أبريل 1916، استسلامًا غير مشروط. وقد دُمرت قبل ذلك المدافع والبنادق والذخيرة والمخازن، حتى لا تقع سليمة في يد العثمانيين، بحيث لا يجد المنتصرون سوى فرقة ولواء أنهكهما الجوع والمرض والانهيار الجسدي[62].

وفي ما يلي نص رسالة الاستسلام التي أرسلها تاونسند إلى القائد التركي خليل باشا:

"سعادة القائد،

إن الجوع يُرغمني على أن ألقي سلاحنا، وأنا مستعد لأن أسلم إليكم جنودي الشجعان، الذين أدوا واجبهم، كما أكدتم أنتم حين قلتم: "إن قواتكم الباسلة ستكون أصدق ضيوفنا وأثمنهم".

فلتكن كريمًا إذًا، فقد أدوا واجبهم. لقد رأيتهم في معركة المدائن، ورأيتهم في أثناء الانسحاب، ورأيتهم في أثناء حصار الكوت طوال الأشهر الخمسة الماضية، حيث قمتُ أنا بدور استراتيجي تمثل في وقف هجومكم المعاكس وإتاحة الوقت لوصول تعزيزاتنا إلى العراق.

لقد رأيت كيف أدوا واجبهم، وأنا على يقين بأن التاريخ العسكري لهذه الحرب سيقرر ذلك بصورة قاطعة.

وأرسل إليكم اثنين من ضباطي: الكابتن مورلاند (Captain Morland) والميجر غلكريست (Major Gilchrist) لترتيب التفاصيل، وأنا مستعد لأن أضع الكوت في أيديكم فورًا، وأن أذهب إلى معسكركم حالما يمكنكم ترتيب التفاصيل، لكنني أرجو منكم أن تعجلوا بوصول الطعام.

وأقترح أن يزور كبير أطبائكم مستشفياتي بصحبة كبير ضباطي الطبيين. وسيكون قادرًا على أن يرى بنفسه حال بعض جنودي، فبعضهم بلا أذرع أو سيقان، وبعضهم مصاب بالإسقربوط. ولا أظن أنكم ترغبون في أخذ هؤلاء إلى الأسر، بل إن الأفضل في الواقع أن يعود الجرحى والمرضى إلى الهند.

وقد أبرق إليّ رئيس هيئة الأركان الإمبراطورية في لندن بأن تبادل أسرى الحرب مسموح به. وسيُطلق سراح عدد مماثل من الأتراك في مصر والهند مقابل العدد نفسه من المقاتلين.

تفضلوا بقبول فائق احترامي

اللواء تشارلز تاونسند

قائد الفرقة السادسة وقوات الكوت

الكوت، 29 نيسان/ أبريل 1916"[63].

وقد سلم تاونسند في الكوت قوة متكونة من 277 ضابطًا بريطانيًا، و204 ضباط هنود، و2,592 من الرتب الأخرى البريطانية، و6,988 من الرتب الأخرى الهندية، و3,248 من الأتباع الهنود غير المقاتلين. وبهذا بلغ مجموع من وقعوا في الأسر 13,309 جنديًا وخلال الحصار نفسه كان 1,025 قد قُتلوا بفعل نيران العدو، في حين مات 721 بسبب المرض، وبلغ عدد الجرحى 2,500، في حين عُد 72 في عداد المفقودين[64].

أصدر خليل باشا في اليوم نفسه بيانًا إلى القوات التركية تحت قيادته:

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

"اليوم منح الله تعالى الأتراك أعظم يوم من أيام النصر، عيد الكوت، يوم مجيد للأتراك لكنه يوم مظلم للبريطانيين. وفي سماء هذه الأرض، بينما تحلق أرواح شهدائنا في فرح وضحك، أود أن أهنئكم جميعًا بتقبيل جباهكم الطاهرة. فلنشكر الله ونحمده على أنه منحكم نصرًا لم يُسجل مثله في تاريخنا منذ مئتي عام. وانظروا إلى عظمة الله إذ إن الحراب التركية قد نقشت هذا الحدث في تاريخ إنكلترا الممتد 1500 سنة بطريقة لم يسبق لها مثيل في العامين الماضيين من هذه الحرب العالمية. لقد فقد الجيش الذي تحت قيادتي، في أثناء دفاعه عن الكوت ومقاومته للقوات البريطانية التي حاولت فك الحصار، أكثر من 300 ضابط و10,000 جندي بين قتيل وجريح. أما اليوم فنحن نستلم في الكوت جيشًا كاملًا يبلغ 13,300 رجل، منهم 5 جنرالات و481 ضابطًا. وعلى الجيش البريطاني الذي جاء لإنقاذ هذه القوات ألحقنا خسائر لا تقل عن 30,000 رجل. وحتى نظرة سريعة إلى هذه الأرقام ستجعل العالم يندهش من الفارق الكبير بينها، إلى درجة أن كتابة تاريخ هذه الأحداث ستواجه صعوبة. وهكذا نرى في هذه الحرب أن عزيمة الأتراك وصلابتهم قد حطمت عناد البريطانيين أولًا في غاليبولي، وثانيًا هنا. إن هذا النصر الذي تحقق بالقتال المتلاحم وبالحراب هو دليل قاطع على أننا سننجح في المستقبل أيضًا في مواجهة الأسلحة الجديدة التي يطورها أعداؤنا. ولهذا السبب أسمي هذا اليوم عيد الكوت. وعندما يحتفل جيشنا بهذا اليوم كل عام، فإنه سيتلو على أرواح شهدائنا سور يس وتبارك (المقصود سورة الملك) والفاتحة. وبينما تحلق أرواح شهدائنا المضرجة بالدماء في السماء في حياتهم الأبدية، فإن واجب محاربينا المتمرسين هنا أن يخططوا لانتصارات المستقبل.

ميرلِوَا خليل القائم بأعمال قائد الجيش السادس 29 نيسان/ أبريل 1916"[65].

سُجل هذا النصر باسم خليل باشا، لكن لأنه تسلم القيادة قبيل الاستسلام بقليل، فينسب بعض الباحثين النصر إلى المشير الألماني ڤون در غولتس والعقيد نور الدين بك[66].

نتائج حصار الكوت وتداعياته

كانت هزيمة الكوت واحدة من أسوأ الهزائم البريطانية في الحرب العالمية الأولى، وكان لسقوط الكوت تداعيات على المستويين: العسكري والسياسي.

النتائج السياسية

حقق العثمانيون من خلال انتصار الكوت نصرًا معنويًا كبيرًا وأثبتوا قدرتهم على مواجهة أكبر قوة أوروبية حينها، كذلك أدى هذا الانتصار إلى تعزيز مواقعهم في العراق، لكن هذا النجاح كان مؤقتًا، إذ لم يُترجم لاحقًا إلى تفوق استراتيجي دائم.

في المقابل، أثارت هزيمة البريطانيين انتقادات واسعة للحكومة والجيش وأدت إلى فتح تحقيق رسمي وتحميل المسؤولية إلى قيادات عليا. كذلك أثرت الهزيمة في هيبة بريطانيا في الشرق الأوسط والهند. وكان البريطانيون يخشون أن تمنح هذه الهزيمة دعوة السلطان-الخليفة العثماني إلى الجهاد قوة تعبئة أكبر في المستعمرات والمناطق الإسلامية التابعة للحلفاء[67].

النتائج العسكرية

أظهر الجيش العثماني، بقيادة خليل باشا، قدرة نظامية عالية في الدفاعات واستخدام الخصائص الطبيعية للأرض والأنهار بفعالية والقدرة على الثبات وتنفيذ حرب استنزاف طويلة الأمد[68].

في المقابل أدى سقوط الكوت في 29 نيسان/ أبريل 1916 إلى انهيار الفرقة السادسة البريطانية كلها واستسلامها وأسر ما يزيد على 13,000 جندي. وتكبّدت قوة الإغاثة البريطانية ما يربو على 23,000 إصابة خلال محاولات فك الحصار، التي أخفقت جميعها في بلوغ الكوت. وقد عكس ذلك خللًا في التخطيط الاستراتيجي، حيث تَقدّم الجيش بعيدًا عن قواعد الإمداد بلا استعداد لوجستي كافٍ؛ وذلك في ظروف بيئية صحراوية قاحلة وفي فصل الشتاء وهطول أمطار شديدة، ثم التمسك بموقع معزول (الكوت) بلا قدرة حقيقية على دعمه أو إخلائه، إضافة إلى الفشل المتكرر في تقدير قدرات العدو، وسوء التنسيق بين العمليات والحسابات الخطأ وسوء النظام الصحي، وكانت هذه كلها أسبابًا مباشرة للهزيمة.

لكن على المدى الأبعد، دفعت هذه الهزيمة البريطانيين إلى إعادة تقييم استراتيجيتهم في الشرق الأوسط، تبعتها إعادة تنظيم القيادة وتحسين الإمداد والنقل والعلاج الصحي، مما كان له دور في إنجاح حملة بلاد الرافدين، حيث اندلعت معركة كوت العمارة الثانية في 23 شباط/ فبراير 1917، بين القوات البريطانيةوالقوات العثمانية وتمكنت القوات البريطانية بقيادة ستانلي مود من استعادة السيطرة على المدينة، في حين اضطُر الجنرال كاظم قره بكر باشا (Kâzım Karabekir Paşa، 1882–1948) إلى الانسحاب بباقي جنوده المقدر عددهم بــ 2,500 جندي، ما مهد الطريق لاحتلال بغداد في 11 آذار/ مارس 1917.

المراجع

العربية

الوردي، علي. لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث. ج 4. بغداد: دار الوراق للنشر، 1978.

الأجنبية

Barber, Charles Harrison. Besieged in Kut and After. 2nd ed. Edinburgh & London: William Blackwood and Sons, 1918.

Barker, A. J. The Bastard War: The Mesopotamian Campaign of 1914–1918. New York: The Dial Press, 1967.

Bilge, Mustafa L. “Kûtül’amâre.” İslâm Ansiklopedisi, Istanbul: TDV İslâm Araştırmaları Merkezi. vol. 2 (2002). pp. 502–503.

Braddon, Russell. The Siege. New York: The Viking Press, 1970.

Çifci, Erhan (ed.). Kutü’l-Amare Kahramanı Halil Kut Paşa’nın Hatıraları: Şevket Süreyya Aydemir Önsözüyle. İstanbul: Timaş Yayınları, 2018.

Crowley, Patrick. Kut 1916: The Forgotten British Disaster in Iraq. New York: The History Press, 2016.

Dinç, Mehmet Emin. Kütü’l-Amare’nin Muzaffer Komutanı Halil Kut Paşa. İstanbul: Kronik Kitap, 2018.

Erickson, Edward J. Ottoman Army Effectiveness in World War I: A Comparative Study. London: Routledge, 2007.

Gardner, Nikolas. “Sepoys and the Siege of Kut-al-Amara, December 1915–April 1916.” War in History. vol. 11, no. 3 (2004). pp. 307–326.

Herbert, Aubrey. Mons, Anzac and Kut. London: Edward Arnold, 1919.

Knight, Paul. The British Army in Mesopotamia, 1914–1918. Jefferson, NC: McFarland & Company, Inc., 2013.

Köse, Resul et al. (eds.). Arşiv Belgelerine Göre Kûtü'l-Amâre Zaferi. İstanbul: T.C. Başbakanlık Devlet Arşivleri Genel Müdürlüğü, 2016.

Kramers, J. H. & J. B. Kelly. “Kūt al-ʿAmāra.” Encyclopaedia of Islam New Edition Online (EI-2 English). vol. 5 (2012). pp. 537–538.

Martirosyan, Tigran. “Kut, Halil.” 1914–1918-Online: International Encyclopedia of the First World War. At: https://tinyurl.com/27cb4mbz

Millar, Ronald. Kut: The Death of an Army. London: Martin Secker & Warburg, 1969; Barnsley: Pen & Sword, 2017.

Moberly, F. J. The Campaign in Mesopotamia, 1914–1918. vol. II. London: H. M. Stationery Office, 1924.

Rogan, Eugene. The Fall of the Ottomans: The Great War in the Middle East,1914–1920. New York: Basic Books, 2015.

Townshend, Charles V. F. My Campaign in Mesopotamia. London: Thornton Butterworth, 1920.

Turkey Genelkurmay Başkanlığı (TGB). Birinci Dünya Harbi’nde Türk Harbi: Irak-İran Cephesi, 1914–1918. Vol. III. Ankara: Genelkurmay Basımevi, 1979.

Wasti, Syed Tanvir. “Halil Kut – The Last Ottoman Pasha.” Middle Eastern Studies. vol. 53, no. 5 (2017). pp. 820–833.

Wilson, Arnold Talbot. Loyalties: Mesopotamia, 1914–1917. vol. I. 3rd ed. London: Oxford University Press, 1936.

[1] Eugene Rogan, The Fall of the Ottomans: The Great War in the Middle East, 1914–1920 (New York: Basic Books, 2015), p. 243; Mehmet Emin Dinç, Kütü’l-Amare’nin Muzaffer Komutanı Halil Kut Paşa (İstanbul: Kronik Kitap, 2018), p. 63.

[2] Patrick Crowley, Kut 1916: The Forgotten British Disaster in Iraq (New York: The History Press, 2016), p. 16.

[3] Ibid., pp. 14–15.

[4] Ibid., p. 16.

[5] Ibid., p. 14.

[6] Ibid., p. 17.

[7] Resul Köse et al. (eds.), Arşiv Belgelerine Göre Kûtü'l-Amâre Zaferi (İstanbul: T.C. Başbakanlık Devlet Arşivleri Genel Müdürlüğü, 2016), pp. 54–55; Edward J. Erickson, Ottoman Army Effectiveness in World War I: A Comparative Study (London: Routledge, 2007), p. 71; Arnold Talbot Wilson, Loyalties: Mesopotamia, 1914–1917, vol. I, 3rd ed. (London: Oxford University Press, 1936), pp. 21–37;

علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج 4 (بغداد: دار الوراق للنشر، 1978)، ص 147–148.

[8] Crowley, p. 19;

الوردي، ص 152–156.

[9] Wilson, pp. 38–49; Crowley, pp. 19–20.

[10] Crowley, pp. 21–22.

[11] Ibid. pp. 22–26.

[12] Ibid., p. 27.

[13] Köse et al. (eds.), pp. 56–57; Erickson, pp. 6770; Crowley, p. 27.

[14] Crowley p. 28.

[15] Mustafa L. Bilge, “Kûtül’amâre,” İslâm Ansiklopedisi, Istanbul: TDV İslâm Araştırmaları Merkezi, vol. 2 (2002), p. 503; Erickson, pp. 6870; Crowley, p. 30.

[16] Erhan Çifci (ed.), Kutü’l-Amare Kahramanı Halil Kut Paşa’nın Hatıraları: Şevket Süreyya Aydemir Önsözüyle (İstanbul: Timaş Yayınları, 2018), pp. 147–148; Syed Tanvir Wasti, “Halil Kut – The Last Ottoman Pasha,” Middle Eastern Studies, vol. 53, no. 5 (2017), p. 822.

[17] Erickson, p. 69; Crowley, p. 30.

[18] Bilge, p.503 ; Erickson, p. 63; Crowley, p. 34.

[19] Ronald Millar, Kut: The Death of an Army (London: Martin Secker & Warburg, 1969; Barnsley: Pen & Sword, 2017), pp. 31–65; A. J. Barker, The Bastard War: The Mesopotamian Campaign of 1914–1918 (New York: The Dial Press, 1967), pp. 100–117; Erickson, p. 73; Crowley, p. 34.

[20] Erickson, pp. 74–75.

[21] Millar, pp. 66–78.

[22] Erickson, p. 75.

[23] Paul Knight, The British Army in Mesopotamia, 1914–1918 (Jefferson, NC: McFarland & Company, Inc., 2013), pp. 139–144; Rogan, p. 244; Crowley, p. 3; Erickson, p. 75.

[24] J. H. Kramers & J. B. Kelly, “Kūt al-ʿAmāra,” Encyclopaedia of Islam New Edition Online (EI-2 English), vol. 5 (2012), p. 537; Bilge, p. 502.

[25] Bilge, p. 502.

[26] Knight, pp. 145–146; Crowley, p. 38.

[27] Crowley, p. 41.

[28] Charles Harrison Barber, Besieged in Kut and After, 2nd ed. (Edinburgh & London: William Blackwood and Sons, 1918), pp. 56–57; Knight, pp. 138–139.

الوردي، ص 252–273.

[29] Rogan, p. 245; Erickson, p. 62; Crowley, p. 51.

[30] Köse et al. (eds.), pp. 82–85; Erickson, p. 83; Crowley, p. 50.

[31] F. J. Moberly, The Campaign in Mesopotamia, 1914–1918, vol. II. (London: H. M. Stationery Office, 1924), pp. 173–183.

[32] Nikolas Gardner, “Sepoys and the Siege of Kut-al-Amara, December 1915–April 1916,” War in History, vol. 11, no. 3 (2004), p. 314.

[33] Knight, pp. 156–159; Rogan, p. 52; Crowley, pp. 64–70, pp. 76–80

[34] Rogan, p. 250; Crowley, p. 51.

[35] Barker, pp. 169–172; Knight, pp. 192–196; Crowley, pp. 71–80, p. 89.

[36] Millar, pp. 200–237; Knight, pp. 196–204; Erickson, p. 87; Rogan, p. 249; Crowley, pp. 82–84.

[37] Russell Braddon, The Siege (New York: The Viking Press, 1970), p. 113, 123–124; Crowley, p. 39.

[38] Crowley, pp. 80–81;

الوردي، ص 226-227.

[39] Crowley, pp. 94–95.

[40] Knight, pp. 206–210; Rogan, p. 252; Erickson, p. 87.

[41] Millar, pp. 238–264; Barker, p. 189; Rogan, p. 252.

[42] Gardner, p. 319; Knight, pp. 206–210; Rogan, pp. 252–254.

[43] Crowley, pp. 125–126.

[44] Charles V. F. Townshend, My Campaign in Mesopotamia (London: Thornton Butterworth, 1920), pp. 299–301; Knight, pp. 170–171.

[45] Crowley, p. 126.

[46] Köse et al. (eds.), pp. 106–109; Çifci (ed.), pp. 156–157.

[47] Townshend, pp. 294–295; Crowley, p. 126.

[48] Crowley, pp. 134–135.

[49] Knight, pp. 210–217; Erickson, p. 87.

[50] Townshend, pp. 321–322; Crowley, p. 145.

[51] Knight, pp. 322–323; Crowley, p. 146.

[52] Knight, pp. 218 –220; Crowley, p. 145; Rogan, p. 264.

[53] Crowley, p. 145; Rogan, p. 264.

[54] Millar, pp. 300–306.

[55] Wilson, p. 204; Barber, pp. 221–223; Rogan, pp. 263–264; Bilge, p. 503.

[56] Çifci (ed.), pp. 154–155; Wasti, p. 825; Dinç, pp. 76–78, pp. 83–87; Rogan, p. 264.

[57] Crowley, p. 164.

[58] Kramers & Kelly, p. 537; Crowley, p. 162–163.

[59] Çifci (ed.), pp. 161–162; Kramers & Kelly, p. 537; Crowley, pp. 162–163; Aubrey Herbert, Mons, Anzac and Kut (London: Edward Arnold, 1919), pp. 191–196.

[60] Crowley, pp. 162–163;

الوردي، ص 273.

[61] Crowley, p. 165

[62] Çifci (ed.), pp. 156–159, pp. 161–162; Wasti, pp. 820–821; Dinç, p. 87; Rogan, p. 259, pp. 265–267; Kramers & Kelly, p. 537.

[63] Crowley, p. 165

[64] Köse et al. (eds.), pp. 128–130; Crowley, pp. 168–169; Bilge, p. 503.

[65] Turkey Genelkurmay Başkanlığı (TGB), Birinci Dünya Harbi’nde Türk Harbi: Irak-İran Cephesi, 1914–1918, vol. III (Ankara: Genelkurmay Basımevi, 1979), pp. 47–48.

[66] Erickson, pp. 94–95; Tigran Martirosyan, “Kut, Halil,” 1914–1918-Online: International Encyclopedia of the First World War, accessed on 29/6/2026, at: https://tinyurl.com/27cb4mbz

[67] Rogan, p. 274; Crowley, pp. 168–173.

[68] Erickson, p. 65


المحتويات

الهوامش