الموجز
الخوف والرعدة: قصيدة جدلية كتاب للفيلسوف وعالم اللاهوت الدنماركي سورين كيركِغور. يعد هذا العمل الفكري واللاهوتي من النصوص التي تساعد في فهم النزعة الوجودية المتدينة. فقد تمكن كيركِغور في هذا العمل من زعزعة أساسات الأخلاق الكليانية والفلسفات النسقية المغالية في تقديس العقل.
يتبلور موضوع الكتاب الأساسي في قصة محنة النبي إبراهيم مع ابنه النبي إسحاق- بحسب رواية الكتاب المقدس- ويتوارى صاحب العمل كيركِغور خلف اسم مستعار يدعى يوهانس الصامت، محاولًا امتحان إمكانات المفارقة القصوى، وبحث الطريقة التي يمكن فيها للفرد ولوج تجربة ذاتية خالصة مع المطلق، وفقًا لمسلكٍ يتعلق فيه الاحتكام إلى الأخلاقيات العامة التي تسنها الشرائع والقوانين الوضعية البشرية ويجري التوافق عليها.
تتجلى في هذا الكتاب مفاهيم مركزية قدمت الدعامة الأساسية للنزعة الوجودية وفلسفة الأخلاق المعاصرة، مثل مفهوم "فارس الإيمان"، ومفهوم" الاستسلام اللامتناهي"، و"تعليق الأخلاقيات" وغيرها. وقد دافع كيركِغور في هذا العمل عن الإيمان، مصورًا إياه على أنه محنة باطنية عميقة، يتجرد فيها الفرد الأوحد من أي وساطات عقلية أو اجتماعية أو وضعية. واعتمد كيركِغور على منهجية التهكم السقراطية بغية توليد الأفكار من القارئ والدخول معه في حوار جدلي، تحيط به كل ضروب المفارقة وبأسلوب تواصل غير مباشر مع القارئ، مما يمكنه من معايشة التجربة بطريقة فردية، بعيدًا عن تلقيها بطريقة مدرسية ناجزة.
ترك هذا العمل تأثيرًا قويًّا في النزعة الوجودية، بشقيها المؤمن والملحد. كما كان له حضور أيضًا في سياق فلسفة الأخلاق المعاصرة.
السياق الفلسفي واللّاهوتي للكتاب
نشر كتاب الخوف والرعدة: قصيدة جدلية للفيلسوف وعالم اللاهوت الدنماركي سورين كيركِغور (Søren Kierkegaard، 1813-1855) في عام 1843، من الناشر كارل أدرياس ريتزل (Carl Andreas Reitzel)، في مدينة كوبنهاغن. وكان هذا الناشر المشرف الأساسي على نشر جل الأعمال الأدبية والفلسفية لكيركِغور، لكن هذا العمل اللاهوتي والفلسفي نشر تحت اسم مستعار (Pseudonym) هو يوهانس الصامت (Johannes de Silentio). وكان كيركِغور يكتب هذا العمل بالموازاة مع أعمال فلسفية ولاهوتية أخرى، على رأسها كتابه المركزي: إما-أو: شذرة حياة[1] (Enten - Eller: Et Livs-Fragment) (1843)، وكتاب آخر حمل عنوان: التكرار، محاولة في علم النفس الإمبريقي[2] (Gjentagelsen: et Forsøg i den experimenterende Psychologi)(1843).
سورين كيركِغور
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
عرفت هذه المرحلة من حياة كيركغور إنتاجًا فكريًّا غزيرًا، ولا سيما بعد انفصاله عن عشيقته ريجين أولسن (Regine Olsen، 1822-1904). ويمكن ربط السياق العام لهذه المرحلة بالحالة الشخصية والنفسية التي كان يعانيها الفيلسوف، إضافة إلى تأثير فلسفة فريدريش هيغل (Friedrich Hegel، 1770-1831) ودروس فريدريش شيلينج (Friedrich Schelling، 1775-1854) في برلين، والصحوة الروحية والدينية التي حصلت له وجعلته يحاول الإجابة عن أسئلة من قبيل: كيف يستطيع الفرد الأوحد (Den Enkelte) أن يعيش الحقيقة بعيدًا عن الأنساق المغلقة (Closed Systems) والمجردة التي تستبعد حقيقة الفرد الذاتية؟ وفي هذه الفترة، كان كيركِغور يفكر في إمكانية بعث علاقته مع حبيبته ريجين أولسن من جديد على نحو خلاق، وتضاربت في نفسه تناقضات عديدة في هذا الخصوص، تجسدت في السؤال الرئيس الآتي: هل يمكن و/ أو ينبغي له العودة إلى حبيبته، أم ينبغي له التضحية بحبه لها من أجل غاية أسمى متمثلة في البحث عن الحقيقة الفردية الخالصة التي لأجلها يحيا؟ ففي هذا السياق، باشر كيركِغور مشروع هذا الكتاب[3].
ويرتبط الإطار الفلسفي الدقيق لهذا الكتاب بالجدل الدارج حول الأخلاقيات الكلية التي كانت رائجة في عصر كيركغور والتي هيمنت عليها الفلسفة الكانطية والهيغلية التي كانت تُصور بوصفها المثال الأسمى الذي يستطيع فيه الفرد إدراك معناه في حالة واحدة هي الاندماج مع روح المجموع. وفي هذه اللحظة بالذات، انبجس الطرح الكيركغوري القائم أساسًا على فلسفة الإيمان بوصفه مفارقة (Faith as a Paradox) بعيدًا عن التركيب الهيغلي (Hegelian Synthesis)، والداعي إلى ضرورة تمتين علاقة الفرد بالمطلق، بعيدًا عن أي مسلك عقلي مجرد يدعي قدرته على إدراك الحقيقة العلوية. فتلك الحقيقة مطلقة ولا يمكن للعقل استيعابها وفهمها بوسائط دنيوية. وقد استعان كيركِغور في هذا الكتاب بالنبي إبراهيم، الذي ينعته بـ فارس الإيمان متخذًا منه نموذجًا لتعليق الاحتكام إلى القوانين الأخلاقية، ومستعيضًا عنها بأخلاقيات الوجل والرهبة والتسليم بالمطلق[4].
مضمون الكتاب
يعد النبي إبراهيم الشخصية المركزية في الكتاب، ويُستحضر في سياق علاقته المعضلة مع ابنه النبي إسحاق. والكتاب أشبه بمسرح فلسفي يُناقش بطريقة جدلية العلاقة بين الإيمان والأخلاق. فمحنة النبي إبراهيم المتعلقة بضرورة التضحية بابنه تضعه في علاقة خالصة فردية أمام الحقيقة المطلقة، والاستجابة التسليمية للأمر الإلهي، بعيدًا عن التساؤل حول الكيفية والسببية. كما أن فعل التضحية الذي كلف النبي إبراهيم القيام به لا يمكن تقديم تبرير أخلاقي أو ديني له، أمام الفهم العمومي الذي يعبر عنه بلغة عامة أو تتداول على نحو أخلاقي مشترك. ولهذا، يكتفي النبي إبراهيم بالاستجابة إلى الأمر من دون أن يعبر عنه بلغة خطاب عام معقول يحظى بالمقبولية والإجماع من عامة الناس[5].
ويتوارى كيركغور في متن الكتاب خلف الشخصية المستعارة يوهانس، الذي يفرض تفرقة صارمة بين الإقرار والاستسلام اللامشروط واللامتناهي للإيمان، لأن فارس هذا الخنوع التام يضحي بكل ما له علاقة بالرغبة أو الشفقة أو تغليب مصلحة عاطفية، ليقدم تصالحًا قويًّا مع هذا الفقدان، بغية الالتحاق بالمسلك الأبدي. ويختلف فارس الخنوع التام عن فارس الإيمان من حيث إنه يتخلى عن كل شيء مهما كانت قيمته، ليرتمي في أحضان الإيمان بطريقة مفارقة. وفي هذه الوضعية، لا تعني المفارقة القضاء على العقل بطريقة جذرية، وإنما فضح حدوده عندما يكون في علاقة لا يناسبها الاستعانة بالبرهان المنطقي أو الأعراف الاجتماعية أو حتى القوانين الأخلاقية الكلية. ففي مثل هذه الحالة، يكون الإنسان في وضع إيماني ديني لا يستطيع أن يفسره بأدوات الفهم النظري. ويتمحور كتاب الخوف والرعدة حول مفهوم التعليق الغائي للاحتكام للأخلاق (Teleological Suspension of the Ethical)، أي تعليق الأخذ بالأخلاق الكلية عندما يكون الفرد في علاقة خالصة مع أمر ديني مطلق. ويصبح هذا الأمر الديني مفارقة قصوى تُخاض فقط في حال التعرض لامتحان عظيم يزعزع الإيمان؛ ويكتفي في التعامل معها بشعور الرهبة والوجل[6].
ويصف كيركغور النبي إبراهيم بأنه شخص عظيم، بحيث لا يمكن فهمه، وهو في اللحظة التي صعد فيها إلى الجبل ليذبح ابنه، إذ ترك فهمه الدنيوي وأخذ معه الإيمان[7]، واتخذ مسلك الفرد المنعزل، فلم يخبر زوجته سارة أو حتى ابنه إسحاق بما كان يريد فعله. في المقابل، لم يكن كيركغور ينظر إلى النبي إبراهيم على أنه مجرد قاتل أو شخص يهم بارتكاب جريمة قتل، بل كان يراه شخصًا مؤمنًا، وإيمانه هذا غير قابل للفهم الواقعي. وهذا ما يجعلنا ننظر إليه على أنه تناقض صارخ، إذ كيف يمكن للإنسان أن يحب ابنه، ويكون، في الآن عينه، مستعدًا لذبحه، استجابة لأمر مطلق. ولو أن النبي إبراهيم وهب نفسه للمعقول، ورفض بمنطق عقله مسألة الأمر بالذبح والتضحية بإسحاق، وطالب الإله بإعطائه تبريرًا منطقيًّا وعقليًّا يفسر علة هذا الفعل، لحكم النبي إبراهيم على هذه الفعلة بأنها جريمة يعاقب عليها القانون الوضعي والأخلاقي الذي يسنه البشر، ولوقع في عصيان الإله فيما أمره[8].
الهدف الأساسي للكتاب
البغية الأساسية للكتاب هي تحرير الإيمان من النمطية التي رسخها الدين الشكلي أو المؤسساتي الكنسي الذي يقدم إيمانًا مطمئنًا مفاده أنه يكفي أن تؤدي ببعض الشعائر الدينية، أو تلتزم بحضور الخطب الدينية الأسبوعية، حتى تصل إلى طريق الخلاص واليقين. فهذا الإيمان يعتمد على ما توارثه الناس من معتقدات وضوابط أخلاقية تعلموها منذ حداثة سنهم، فقط. ولا يقدم كيركغور في هذا الكتاب تفسيرات أو شروحات عن مفهوم الإيمان، وإنما يهدف إلى كشف الطابع المِحَني لهذا الإيمان الذي يحياه الفرد بطريقة عسيرة باطنيًّا. فهو إيمان يكون فيه هذا الفرد في علاقة مباشرة مع الإله، ويتجرد الإنسان الفرد فيه من أي لواحق أخلاقية أو اجتماعية، مسلّمًا نفسه للإله في حالة فردية قصوى. فكتاب الخوف والرعدة يدني من قيمة التفكير والتأمل العقلي، ويعلن استسلامه أمام الأمر الإلهي الذي لا سبيل لتكوين فهمٍ حوله إلا من خلال التسليم التام بالمطلق[9].
غلاف الترجمة العربية للكتاب
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
كما يسعى كيركغور في هذا العمل إلى استفزاز الفلسفة في حد ذاتها، عن طريق وضعها أمام امتحان صعب يمتحن مدى قدرتها على التعبير عن الديني، من دون أن تفرغه من طابع الخوف والرهبة والرعدة. لهذا، عمل كيركغور على عرض هذا المفهوم اللاهوتي والديني أمام البرهان العقلي والمنطقي الذي يكبل في هذه الحالة، والاستعاضة عنه بالطاعة التامة والتسليم المطلق. ودافع عما هو مفارق لما تعتقده الأخلاق أو تموضعه الميتافيزيقا، كما عبرت عنها الفلسفات النسقية (Systematic Philosophies)، إذ يحاصر العقل ويصفد مما يحول دون أن يقدم أي ادعاءات بقدرته على اكتناه الحقيقة المطلقة، مذعنًا لأمر واحد يقر بأن ما يندرج في التجربة الإيمانية أو الدينية لا يقرأ نظريًّا أو يعبر عنه خطابيًّا[10].
منهج الكتاب
ينبني المنهج الكيركغوري في أغلب أعماله اللاهوتية والفلسفية، ومن ضمن ذلك كتاب الخوف والرعدة على النهج الجدلي الوجودي (Existential Dialectics) الذي يركز على طريقة التواصل غير المباشر (Indirect Communication) مع القارئ، والاستعانة بالأسماء المستعارة، حتى ينأى بنفسه عن تقديم رؤاه الخاصة التي قد تُفهم من القارئ على أنها قناعات شخصية يريد الفيلسوف أن يُقنع القارئ بها، كما يغلب على الكتاب التركيز القوي على مفهوم الفرد الواحد[11].
فالقارئ للكتاب يقف على ضرب من الكتابة غير المباشرة والتهكمية، كما يغلب عليها التعبير المفارقاتي والتكرارات التمثيلية، وهو ما يجعل القارئ في حيرة من أمره أمام هذا المنهج، لأن كيركغور لا يسعى إلى إعطاء الحقيقة أو المفهوم بطريقة تقريرية جاهزة، وإنما يستدرج القارئ بطريقة تأملية وشاعرية ليعيش المحنة بطريقة باطنية ومتوترة. فهو يختلف تمامًا عن الطريقة التي يسلكها الكاتب المدرسي الذي يُعنى بتقديم مفاهيم واضحة ومضبوطة بطريقة ناجزة وتلقينية. فلا يمنح كيركغور قارئ كتاب الخوف والرعدة تفسيرات لاهوتية كلاسيكية حول قصة النبي إبراهيم، كما تعرضها الكُتب المقدسة؛ وإنما يضعه في مجابهة مع المفاهيم المتوترة التي تطرحها هذه القصة، ويقحمه في امتحان فلسفي حول إمكانية مجاوزة العقل الكلي (Weltgeist)، وبحث الطريقة التي تُمكن الفرد من بلوغ المطلق من دون الاستعانة بوسيط أخلاقي. فالقارئ، في هذه الحالة، ليس أمام منهج واضح في الكتابة يسهل عليه القبض على مفهوم الإيمان بطريقة تلقينية جاهزة، وإنما هو أمام سعي جدلي نحو القبض على الحقيقة المتناثرة في متن الكتاب بطريقة إيحائية وتهكمية وعسيرة على الفهم المنطقي في مجملها[12].
أهمية الكتاب وتأثيره في الفلسفة الغربية المعاصرة
كان لكتاب الخوف والرعدة حضور في سياق النزعة الوجودية (Existentialism)، ولا سيما عند رائد الوجودية المسيحية (Christian Existentialism) الفيلسوف غابرييل مارسيل (Gabriel Marcel، 1889- 1973) وكارل يسبرز (Karl Jaspers، 1883-1969). كما ترسخ تأثير هذا العمل أكثر من خلال جعل إيمان الفرد يسلك سبيلًا حديًا يدحض أمامه كل ما يرتبط بالبرهان العقلي أو الالتزام بالنسق المنطقي. وعلى هذا الأساس، يعد كيركغور نموذج المفكر الذي أعطى لنفسه القدرة على بلوغ المواقف القصوى التي لا يمتلك العقل فيها، مهما كانت ادعاءاته وإمكانياته، القدرة على إيجاد حلول قطعية لها[13]. ويلتقي مارسيل مع ما ذهب إليه كتاب كيركِغور في خصوص معنى الإيمان بوصفه التزامًا فرديًّا ووفاءً شخصيًّا، وليس مجرد معرفة موضوعية[14].
وكان هناك حضور قوي لبعض مفاهيم كتاب الخوف والرعدة لدى مارتن هيدغر (Martin Heidegger، 1889-1976) في كتابه الأساسي الكينونة والزمان(Sein und Zeit) (1927)، مثل الاختيار (Choice) والقلق الوجودي (Existential Anxiety) ووجود الفرد أمام إمكانياته القصوى[15]. وبهذا استطاع كيركِغور تهذيب الفلسفة وتحويل سبل بحثها إلى التركيز على الذات وخلاصها، بعيدًا عن النظر إليها بوصفها مفهومًا يحمل دلالات عامة. وبذلك، تصير هذه الذات في حالة وجودية متوترة مقترنة بأحوال روحية مختلفة، مثل الوجل واضطراب اتخاذ القرار والرجاء في بلوغ المطلق.
ويمثل كتاب الخوف والرعدة الإرهاص الأول لانتقال الفلسفة من سؤال "ما الإنسان؟" إلى سؤال "كيف يوجد هذا الإنسان، بوصفه ذاتًا؟"، أي من المنحى الأنثروبولوجي الخالص إلى ضرب من المعاينة الوجودية الفردة[16].
ولم يتوقف تأثير الكتاب على الوجوديين المسيحيين فقط، بل امتد أيضًا إلى أنصار الوجودية الملحدة (Atheistic Existentialism) مثل: جان بول سارتر (Jean-Paul Sartre، 1905-1980) الذي يستحضر قلق النبي إبراهيم، كما بسطه كتاب كيركغور، ليُعزز فكرة الانتقال من الإيمان إلى الحرية، بحكم أن الفرد الأوحد، بالمدلول الكيركغوري، يقف بمفرده معزولًا أمام المطلق. ويصبح هذا الفرد، وفق المنظورية السارترية، ذاتًا وحيدةً تجابهها مسؤولية الاختيار، من دون أن يكون معها أي سند غيبي ماورائي. وبالرغم من أن سارتر لا يقحم الجانب الديني أو الإيماني في تجربته الوجودية، فإنه لا يستطيع التملص من المفاهيم المركزية التي أمده بها كيركغور، مثل مفاهيم القرار والعزلة والقلق وعدم إمكانية التواري عن الكلي والمطلق وغيرها[17].
كما كان لكتاب كيركغور تأثيره القوي في سياق فلسفة الأخلاق المعاصرة، ولا سيما من خلال مفاهيمه التي زعزعت أساسات التصورات الكلاسيكية القائلة بأن الأخلاق الكليانية هي المرمى النهائي للفعل البشري. فما طرحته أرموزة النبي إبراهيم في الكتاب وضعت حدودًا للتبرير العمومي، وفتحت الباب على مصراعيه أمام نقاشات متعلقة بمفاهيم الطاعة والمسؤولية واتخاذ القرار وحدود القوانين الأخلاقية. ولهذا نجد إيمانويل ليڤيناس[18] (Emmanuel Levinas، 1906–1995) وجاك دريدا[19] (Jacques Derrida، 1930–2004)، على سبيل المثال، يتخذان هذا الكتاب الكيركغوري مادة أساسية للتأملات الفلسفية حول مفهوم المفارقة الأخلاقية، من منطلق التساؤل عن الكيفية التي يكون فيها الإنسان الفرد مسؤولًا عما لا يستطيع تقديم تبريرات لفعله بلغة الكلي، وبشأن كيف يتسنى لمفاهيم، مثل الصمت واتخاذ القرار والسر، أن تفضح أو تميط اللثام هشاشة الأخلاقيات التي تدعي بلوغ الكمال.
أبرز الانتقادات الموجهة إلى الكتاب
تعرض كتاب الخوف والرعدة لكيركغور إلى انتقادات قوية، ولا سيما من الهيغليين الدانماركيين (The Danish Hegelians)، أمثال يوهان لودڤيغ هايبرغ (Johan Ludvig Heiberg، 1791- 1860) وهانس لاسن مارتنسن (Hans Lassen Martensen، 1808-1884) اللذين انتقدا إعلاء منزلة الإيمان على حساب الأخلاق الكلية، وأن يكون للفرد منزلة عليا تعلو على الوساطة العقلانية التي لولاها لما انتظمت الحياة المشتركة بين جميع البشر. فمن منظور أنصار الهيغلية الدانماركية، ينبغي عدم تقديم رؤية حول النبي إبراهيم على أنها نموذج يسمح بتجاوز الأخلاق، لأن العقل العمومي سيصبح مهددًا، في هذه الحالة، مما يفسح المجال لتقديم تبريرات لأفعال يؤديها البشر بعيدًا عن معيار مواضعاتي مشترك يحتكم إليه الجميع، وبناءً عليه يُحاسبون. ولهذا، نقم الهيغليون على الطرح الكيركغوري، لأنه لا يقدم لنا حلولًا معقولة عن حالة التوتر القائم بين الكلي والفردي، وإنما يرفع هذا التوتر إلى مرتبة ميتافيزيقية[20].
كما يعد ليڤيناس من أبرز المنتقدين لهذا الكتاب، إذ وجه إلى كيركغور انتقادات مفادها أن هذا التقديس المغالي لشخص النبي إبراهيم وسره سيؤدي لا محالة إلى نوع من تهميش مسؤولية الفرد إزاء ما هو غير ملموس. فالمشكلة، وفق تصوره، تكمن في أن الابن إسحاق الذي قُدم قربانًا للإله في الأرموزة الإبراهيمية، يصير تابعًا ضمن سياق دراما العلاقة بالمطلق، في حين ينبغي أن تُمنح الأولوية، في هذا الوضع، لنداء الآخر البشري وحرمة وجهه. لهذا رأى ليڤيناس أن طرح كيركغور لقدسية الإيمان قد يؤدي بنا إلى نوع من العماء الأخلاقي، وشدد على خطورة فهم العلاقة مع الإله عبر تجاوز المسؤولية إزاء الشخص، بحيث يُقدَم السمو الإيماني والديني على أنه منازع لمنزلة العدالة[21].
كما وجه بعض رواد النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت (Critical Theory of the Frankfurt School)، مثل ثيودور أدورنو (Theodor Adorno، 1903- 1969)، اعتراضات قوية على إعلاء النص الكيركغوري لبنية الفردية المطلقة، ورأى أدورنو أن ما قدمه كيركغور، في كتاب الخوف والرعدة وفي كتاباته الأخرى، ما هو إلا ضرب من منازعة النسقية، لكنه يسقط هو الآخر في نسقية أخرى أكثر استغلاقًا، تجعل هذا الفرد منقطع الصلة بالتاريخ والعالم الاجتماعي والمؤسسات التي ينتمي إليها، وبذلك يصبح الإيمان عبارة عن لحظة متعالية عن الشرائط والضوابط المادية للوجود. كما عد ذاتية كيركغور مجرد باطنية من دون موضوع[22].
أما الفيلسوف التفكيكي جاك دريدا، فرغم إعجابه بكتاب كيركغور، فإنه رأى أن منطق الاستثناء الذي يرسخه النبي إبراهيم في الكتاب لا يبقى مرتهنًا في مجال الدين والإيمان فحسب، وإنما يفضح هيكلًا عامًا متعلقًا بكل قرار مسؤول. فكل قرار يحمل، بصورة أو بأخرى، قدرًا معينًا من اللامشروعية، ومن الاستحالة، أيضًا. وتُظهر هذه القراءة المأزق الذي يقع فيه هذا الكتاب؛ فالتسليم بأن هذا الاستثناء ملازم للقرار، يجعل من الصعب معرفة كيفية منع تحوله إلى نوع من الذريعة التبريرية التي ليس لها حدود[23].
المراجع
العربية
إمام، إمام عبد الفتاح. كيركجارد رائد الوجودية. القاهرة: دار الثقافة للطباعة والنشر، 1982.
الرفاعي، عبد الجبار. علم الكلام الجديد: مدخل لدراسة اللاهوت الجديد وجدل العلم والدين. بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، 2016.
كيركجور، سرن. خوف ورعدة. ترجمة فؤاد كامل. القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1986.
محمد، علي عبد المعطي. سورين كيركجارد: مؤسس الوجودية المسيحية. الإسكندرية: دار منشأة المعارف بالإسكندرية، 2000.
الأجنبية
Adorno, Theodor. Kierkegaard: Construction of the Aesthetic, Robert Hullot-Kentor (trans.). Minneapolis: University of Minnesota Press, 1989.
Arbib, Dan. La lucidité de l’éthique. Paris: Hermann, 2022.
Colette, Jacques. “Lévinas et Kierkegaard. Emphase et paradoxe.” Revue Philosophique de Louvain. vol. 100, no. 1-2 (2002), pp. 4-31.
Conway, Daniel (ed.). Kierkegaard’s Fear and Trembling: A Critical Guide. Cambridge: Cambridge University Press, 2015.
Derrida, Jacques. Donner la mort. Paris : Galilée, 1999.
Giangiobbe, Julie. “Une lecture de Crainte et tremblement.” Revue des sciences philosophiques et théologiques. vol. 104, no. 1 (2020). pp. 119-137.
Jaspers, Karl. The Perennial Scope of Philosophy. Ralph Manheim (trans.). London: Routledge & Kegan Paul, 1950.
Katz, Claire Elise. “The Voice of God and the Face of the Other: Levinas, Kierkegaard, and Abraham.” Søren Kierkegaard )2001). at: https://acr.ps/hBxWasU
Kierkegaard, Søren. Fear and Trembling. Walter Lowrie (trans.). Princeton: Princeton University Press, 1941.
Kierkegaard, Søren. Either/Or: A Fragment of Life. Alastair Hannay (trans.). London: Penguin Books, 1992.
Kierkegaard, Søren. Fear and Trembling/Repetition. Howard Hong & Edna Hong (trans.). Princeton: Princeton University Press, 1983.
Kierkegaard, Søren. Fear and Trembling: A New Translation. Bruce H. Kirmmse (trans.). New York: Liveright Publishing Corporation, 2023.
Lippitt, John. The Routledge Guidebook to Kierkegaard’s Fear and Trembling. London: Routledge, 2016.
Marcel, Gabriel. The Mystery of Being, Vol.1: Reflection and Mystery. G. S. Fraser (trans.). London: Harvill Press, 1950.
Pattison, George. Heidegger and Kierkegaard. Cambridge: Cambridge University Press, 2024.
Stewart, Jon. Kierkegaard and Existentialism. Farnham: Ashgate, 2011.
[1] Søren Kierkegaard, Either/Or: A Fragment of Life, Alastair Hannay (trans.) (London: Penguin Books, 1992).
[2] Søren Kierkegaard, Repetition: A Venture in Experimenting Psychology, Howard Hong & Edna Hong (trans.) (Princeton: Princeton University Press, 1983).
[3] John Lippitt, The Routledge Guidebook to Kierkegaard’s Fear and Trembling (London: Routledge, 2016), p. 3;
ويُنظر أيضًا:
Alastair Hannay, “Homing in on Fear and Trembling,” in: Daniel Conway (ed.), Kierkegaard’s Fear and Trembling: A Critical Guide (Cambridge: Cambridge University Press, 2015), pp. 7-11.
[4] Søren Kierkegaard, Fear and Trembling, Walter Lowrie (trans.) (Princeton: Princeton University Press, 1941), pp. 46-47.
[5] Kierkegaard, Fear and Trembling/Repetition, pp. 112-113.
[6] Kierkegaard, Fear and Trembling, Walter Lowrie (trans.), pp. 20-24.
[7] سرن كيركجور، خوف ورعدة، ترجمة فؤاد كامل (القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1986)، ص 33؛ ويُنظر أيضًا: إمام عبد الفتاح إمام، كيركجارد رائد الوجودية، ج 2 (القاهرة: دار الثقافة للطباعة والنشر، 1982)، ص 279.
[8] علي عبد المعطي محمد، سورين كيركجارد: مؤسس الوجودية المسيحية، ط 4 (الإسكندرية: دار منشأة المعارف بالإسكندرية، 2000)، ص 176-178.
[9] Julie Giangiobbe, “Une lecture de Crainte et tremblement,” Revue des sciences philosophiques et théologiques, vol. 104, no. 1 (2020), pp. 120-122.
[10] محمد، ص 180.
[11] Søren Kierkegaard, Fear and Trembling: A New Translation, Bruce H. Kirmmse (trans.) (New York: Liveright Publishing Corporation, 2023), pp. 181-183.
[12] نعيمة بور محمدى، "اللاهوت العاطفي عند كيرككَورد"، ترجمة حسن الهاشمي، في: عبد الجبار الرفاعي، علم الكلام الجديد: مدخل لدراسة اللاهوت الجديد وجدل العلم والدين (بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، 2016)، ص 340-341. وللكتاب طبعة أخرى صدرت في بيروت، عن دار التنوير في 2016.
[13] Karl Jaspers, The Perennial Scope of Philosophy, Ralph Manheim (trans.) (London: Routledge & Kegan Paul, 1950), pp. 159-161.
[14] Gabriel Marcel, The Mystery of Being, Vol.1: Reflection and Mystery, G. S. Fraser (trans.) (London: Harvill Press, 1950), p. 134.
[15] للاستزادة، يُنظر:
George Pattison, Heidegger and Kierkegaard (Cambridge: Cambridge University Press, 2024).
[16] Daniel Conway, Kierkegaard’s Fear and Trembling: A Critical Guide (Cambridge: Cambridge University Press, 2015), p. 21.
[17] Jon Stewart, Kierkegaard and Existentialism (Farnham: Ashgate, 2011), p. 9-12.
[18] Jacques Colette, “Lévinas et Kierkegaard. Emphase et paradoxe,” Revue Philosophique de Louvain, vol. 100, no. 1-2 (2002), pp. 4-31.
[19] وعن المفارقة الأخلاقية لدى كيركجور في فلسفة دريدا، يُنظر:
Jean-Luc Marion, “Donner la mort ? Phénoménologie et sacrifice. Note sur une interprétation de Derrida,” in: Dan Arbib, La lucidité de l’éthique (Paris: Hermann, 2022), pp. 165-189.
[20] Conway, p. 216.
[21] Claire Elise Katz, “The Voice of God and the Face of the Other: Levinas, Kierkegaard, and Abraham,” Søren Kierkegaard )2001), accessed on 8/3/2026, at: https://acr.ps/hBxWasU
[22] Theodor Adorno, Kierkegaard: Construction of the Aesthetic, Robert Hullot-Kentor (trans.) (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1989), pp. 106-107.
[23] Jacques Derrida, Donner la mort (Paris : Galilée, 1999), pp. 109-110.