تسجيل الدخول

عدد أويلر

(‫Euler’s Number‬)



الموجز

العدد هـ، أو عدد أويلر (Euler’s Number)، نسبةً إلى عالم الرياضيات السويسري ليونهارد أويلر (Leonhard Euler، 1707-1783)، هو عددٌ حقيقيٌّ أصمّ، أي غير كسري، ينتمي تحديدًا إلى مجموعة الأعداد الصمّاء المتسامية (Transcendental numbers). من تسمياته أيضًا العدد النيبري، نسبةً إلى عالم الفلك والرياضيات الإسكتلندي جون نيبر (John Neper، 1550-1617).

يُرمَز لهذا العدد بالحرف e في اللغات المكتوبة بالحروف اللاتينية، وبالحرف هـ في اللغة العربية، ولذا يُطلَق عليه "العدد الهائي". وككلِّ الأعداد الصمّاء، يُكتَب العدد هـ على شكل كتابة عشرية غير منتهية وغير دورية، كما يلي:

\[e=2.71828182845904523536028747\ldots \]

يوجد العدد هـ في كثير من التطبيقات والمعادلات الرياضية، لا سيما تلك التي لها علاقة باللوغاريتم (logarithm) الطبيعي أو العشري، ويوجد أيضًا في مختلف قواعد العلوم ومسائلها، كالفيزياء والكيمياء والجغرافيا السكّانية والاقتصاد والتجارة والبيولوجيا، وغيرها. وللعدد هـ دورٌ أساسيٌّ في مجموعة الأعداد العقديّة أو المركّبة (Complex numbers)، وهو أحد عناصر المعادلة الشهيرة التي اجتمعت فيها خمسةٌ من أهمّ الأعداد والثوابت في علم الرياضيات، وهي: 0، و1، و \(e\) (عدد أويلر)، و \(\pi \) (ثابتة نسبة محيط الدائرة إلى قطرها)، و \(i\) (العدد التخيّلي)، وهي المعادلة التي تنص على أن \(e^{i\pi }+1=0\).

أنواع الأعداد

لكي يُحسَب عددٌ من الكتب مثلًا، تُستعمَل الأعداد الصحيحة الطبيعية، ويُعبَّر عن النتيجة النهائية بعدد صحيح طبيعي. في حين أنه إذا أُريد التعبير عن درجة حرارة منخفضة جدًّا، فإنه يُستعمل عددٌ طبيعيٌّ مصحوبٌ بعبارة "تحت الصفر". ويمكن استبدال ذلك بعدد صحيح نسبي سالب، كأن يُقال مثلًا: ناقص 19، ويُرمز إلى ذلك بـ -19. أمّا عند التعبير عن طول قطعة قماش جرى الحصول عليها بعد تقسيم قطعة أكبر طولها 13 مترًا إلى 10 قطع صغيرة بالتساوي، فيُستعمَل العدد العشري 1,3 متر. وإذا قُسِّمت إلى ثلاث قطع متساوية، فيُعبَّر عن طول كلٍّ منها بالعدد الكسري \(\frac{13}{3}\)، الذي يُكتَب في صيغة كتابة عشرية دورية، دورها 3، كما يأتي: 4,33333….

لكن عند اعتبار مربّع قياس ضلعه 1 باعتماد أيّ وحدة قياس، وكان المطلوب حسابَ قياس قطره، فإنّه لا يمكن لأي عدد صحيح طبيعي أو نسبي أو عشري أو كسري أن يُعبّر عن طول هذا الوتر، فيقال إنّ وتر المربع غير قابل للقياس بوساطة الوحدة. وقد اعترض هذا المشكلُ (أي مشكل عدم قابلية بعض الأطوال للقياس بوساطة الوحدة [Incommensurability]) الهندسيّين اليونانيّين، ومثَّلَ بالنسبة لهم حاجزًا معرفيًا يتناقض مع تصوّراتهم السابقة، إذ كانوا يعتقدون أنه يمكن التعبير عن جميع المقادير الهندسية بوساطة الوحدة أو كسور الوحدة. وبعد استعمال خصائص الأشكال الهندسية ومساحاتها، تسنَّى لهم إثبات أنَّ مربّع قياس وتر المربع المذكور يساوي 2 (بوحدة المساحات)، ولا يوجد أيّ عدد كسري يُحقّق هذه العلاقة، أي لا وجود لعدد كسري إذا ضُرِب في نفسه يكون الناتج 2. لذلك، أُطلق على قياس الوتر "جذر 2" ( \(\sqrt2\))، وبذلك مُدِّد في مجموعة الأعداد المعروفة من مجموعة الأعداد الكسرية إلى مجموعة أكبر تُسمّى مجموعة الأعداد الحقيقية، تحتوي إلى جانب الكسور على جذور الأعداد التي ليست مربّعات كاملة[1].

من ناحية أخرى، ثبت أنَّ نسبةَ محيط الدائرة إلى قطرها عددٌ ثابتٌ يفوق العدد 3 بقليل، مهما كان شعُاعها، وقد كان التفطُّن إلى ذلك منذ 4000 عام تقريبًا. وباستعمال المضلَّعات المنتظمة المحيطة بالدائرة والمُحاطة بها، تسنّى حصر هذه النسبة بوساطة أعداد عشرية أو كسرية، مع إعطاء قيمة تقريبية لها على غرار ما يوجد في الحضارات القديمة، وعند أرخميدس (Archimedes، 287-212ق.م.) بعد ذلك. وفي القرن السابع عشر الميلادي، استُعمل الحرف π (پاي)، وهو الحرف السادس عشر من الأبجدية اليونانية، للتدليل على ثابتِ نسبةِ محيط الدائرة إلى قطرها، وقد استعمله لأول مرة عام 1647 عالِم الرياضيات الإنكليزي ويليام أوغتريد (William Oughtred، 1574-1660)، مخترع المسطرة الحاسبة (Slide rule)، وذلك لأن هذا الحرف هو أول حرفٍ من كلمة "περιμετοροε" باللغة اليونانية، التي تعني المحيط (Perimeter)[2].

إلى جانب الأعداد التي ذُكرت، فهناك أعداد أخرى غير كسرية، منشَؤُها ليس شكلًا هندسيًا، كجذر 2، ولا نسبةَ مقدارٍ إلى آخر كالعدد π، وإنّما هي نتيجة البحث في مسألة رياضية أو فيزيائية أو غيرها. ومن أهم هذه الأعداد العدد هـ.

إسهامات العلماء في اكتشاف العدد هـ

جون نيبير

إذا كان تاريخ بعض الأعداد يعود إلى الحضارات القديمة، فإنّ قصة العدد هـ بدأت في القرن السابع عشر الميلادي، حين كان عُلماء تلك الحقبة بحاجة إلى إجراء عمليات ضرب وقسمة على أعداد كبيرة، لا سيما بعد صدور أعمال الفلكي والفيزيائي وعالِم الرياضيات الإيطالي غاليليو غاليلي (Galileo Galilei، 1564-1642)، ومن بعده عالِم الرياضيات البريطاني إسحاق نيوتن (Isaac Newton، 1643-1727)، التي أعطت انطلاقة جديدة لعلم الفلك. وقد كان إجراء تلك الحسابات يتطلّب مجهودًا ويشكّل مصدرًا للأخطاء.

في هذه الأجواء، فكَّرَ العالم جون نيبير (John Neper/ Napier، 1550-1617) في طريقة تُسهّل الحسابات المعقّدة، أدَّت إلى ظهور مفهوم جديد هو اللوغاريتم (Logarithm)، المُكوَّنُ من مفردتَي logos التي تعني سبب وarithmeticos وتعني عدد. وبذلك تسنّى تحويل جُداءٍ {{الجُداء: حاصل عملية الضرب.}} مثل 95829x243525 إلى مجموعٍ سهلِ الحساب: 11,4+12,4، أي إنه بتفعيل مفهوم اللوغاريتم أمكن الانتقال من عملية ضرب معقدة نسبيًا إلى عملية جمع عددَيْن عشريَّيْن، بفضل خصيصة هذه الدالة المُتمثّلة في:

\[\log \left(a\times b\right)=\log \left(a\right)+\log (b)\]

ولتطبيق حساباته، وفَّرَ نيبير للرياضيّين قوائمَ جاهزة تَمثّلت في جداول اللوغاريتم، التي مَثَّلت مرجعًا للحساب لعدة قرون، ثم استُبدلت بها بعد ذلك الآلاتُ الحاسبة والحواسيب. كذلك اخترع نيبير آلةً يدويةً لحساب جُداء أو خارج قسمة عددَيْن، عُرفت باسم عُظيمات نيبير (أو قضبان نيبير/ Napier’s bones)[3]، وهي مجموعة من العصيّات التي كُتِبت عليها أعداد. وباستخدام جداول الضرب المضمّنة في القضبان، يمكن اختزال الضرب إلى عملية جمع، والقسمة إلى عملية طرح. ويمكن بوساطتها استخراج الجذور التربيعية للأعداد. وقد سمَّى نيبير طريقته هذه طريقة "الحساب بالقضبان"، ونشرَها في كتابٍ عنوانه Rabdologiæ نشره عام 1617.

تعود فكرةُ نيبير في البحث عن تطبيق يُمكّن من الانتقال من الضرب إلى الجمع، ومن القسمة إلى الطرح، إلى قواعد القوى. فمثلًا، العدد 16 يمكن كتابته على شكل قوّة كما يأتي: \(2^{4}\). من ثم، فإن لوغاريتم العدد 16 للأساس 2 هو 4، ويُكتَب: \(\log_{2}\left(16\right)=4\)، أي عدد المرّات التي يُضرَب فيها العدد 2 في نفسه للحصول على 16 هو 4. من ناحية أخرى، عند حساب جُداء \(1024\times 64\)، فيمكن تحويله إلى الصيغة الآتية: \(2^{10}\times 2^{6}\)، وهذا حسب قواعد القوى مساوٍ للعدد \(2^{16}\). ومن ثم، بتطبيق قانون اللوغاريتم للأساس 2، تتحوّل عملية الحساب إلى ما يأتي:

\[\log_{2}\left(1024\times 64\right)=\log_{2}\left(1024\right)+\log_{2}\left(64\right)\] \[=\log_{2}\left(2^{10}\right)+\log_{2}\left(2^{6}\right)\] \[=10+6=16\]

يكفي بعد ذلك البحث في جدول اللوغاريتمات عن العدد المناسب للعدد 16، للحصول على ناتج جُداء هو 65536.

أما فكرة تحويل القسمة -التي تكون أحيانًا طويلة ومعقّدة- إلى عملية طرح فتعود إلى علاقة تَخُصّ قسمة القوى. فإذا أُخِذ المثال السابق وقُسِم \(2^{10}\) على \(2^{4}\)، يكون الناتج \(2^{10-4}\)، أي \(2^{6}\). من ثم، عوضًا عن حساب قيمة \(\frac{1024}{64}\)، يُحسَب اللوغاريتم المناسب لهذا الأساس 2، وهو:

\[\log_{2}\left(\frac{1024}{64}\right)=\log_{2}\left(2^{10}\times 2^{-4}\right)=\log_{2}\left(2^{6}\right)=6\] \[=\log_{2}\left(2^{10}\right)-\log_{2}\left(2^{4}\right)\] \[=10-4\]

لقد مَثّلت فكرة اللوغاريتم جسرًا يُمكِّن من العودة من عملية الضرب إلى عملية الجمع، وهو الاتجاه المعاكس للطريق الطبيعي في تاريخ نظرية الأعداد، إذ إن الضرب نشأ بدايةً بوصفه اختصارًا لعملية جمع طويلة، كأن تُعوَّض عملية جمع العدد 5 ألفَ مرّة بعملية أبسط تُسمّى جُداء، عاملاه 5 و1000.

تشبه هذه المقاربة فكرة الجذر النوني لعدد، الذي هو عكس الطريق الطبيعي الذي بدأ بالكتابة المعهودة للأعداد بوساطة قوى العدد 10 في الحساب الهندي مثلًا، أو غيره من الأعداد. ثم انتقل هذا المفهوم إلى حساب المجاهيل في الجبر، إذ عُرِّفت قوى المجهول الجبري المختلفة مع أبي كامل شجاع بن أسلم (830-900م)[4]، وسنان ابن الفتح الحرّاني (ت. 331هـ/ 942م)، التي أدّت فيما بعد إلى مفهوم "كثيرة الحدود" (Polynomial) مع أبي بكر الكرجي (ت. حوالي 950-1029م). لكنَّ البحث عن الجذر النوني لعدد a، هو بحث عن الأساس الذي إذا ضُرب في نفسه ن مرة كان الناتج a، في حين أن البحث عن لوغاريتم العدد a يتمثّل في إيجاد عدد المرّات التي يُضرَب فيها عددٌ ما (وهو العدد b الذي يُسمّى أساس اللوغاريتم) في نفسه للحصول على العدد a. بعبارة أخرى، الجذر النوني يبحث عن أساس قوّة، واللوغاريتم يبحث عن أُسّ قوة تؤدّي إلى نتيجة معيّنة. وبمعرفة العلاقة بين الأُسّ والأساس ونتيجة القوة من خلال جداول خاصة، يمكن حساب نتيجة العملية[5].

وقد نشأ كثيرٌ من الأفكار في علم الرياضيات نتيجةَ الربط بين عمليتَيْن، مثلما سلف، أو بين مجالَيْن، مثلما هي الحال في علم الجبر في بداياته مع محمد بن موسى الخوارزمي (ت. 232هـ/ 847م)، إذ حُوِّل مشكلُ البحث من حَلّ معادلة ذات مجهول جبري إلى البحث عن قياس قطعة مستقيم في شكل هندسي. وباستعمال القوانين والعلاقات التي تتميّز بها الأشكال الهندسية، يُستخرَج الضلع المجهول الذي يُمثِّل بالقياس المجهولَ الجبريَّ المطلوب[6].

سان فانسان وهويغنز ولايبنتز

تزامنت فكرة نيبير الخاصة باللوغاريتم مع بحث رياضيّين وفلكيّين آخرين، أمثال الفرنسي غريغوار دي سان فانسان (Grégoire de Saint-Vincent، 1584-1667)، عن المساحة تحت التمثيل البياني لدالة المقلوب، أو الدالة العكسية (الدالة التي تُحوِّل العدد إلى مقلوبه، ويُرمَز لها بـ \(f:x⟼\frac{1}{x}\)). كان أصل المشكل فيزيائيًا يتعلّق بالسرعة والعزم، وثبت أن لهذا النوع من المسائل علاقة تاريخية بالقطاعات المخروطية والمسائل الهندسية اليونانية الكلاسيكية، مثل تربيع الدائرة وتثليث الزاوية. وقد أثبت دي سان فانسان أنّ المساحة تحت التمثيل البياني لدالة المقلوب، ابتداءً من الوحدة إلى عدد a، ما هي إلا القيمة log(a) أو ln(a)، أي اللوغاريتم الطبيعي أو النيبري للعدد a (الشكل 1)[7].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

في عام 1661، استطاع الفيزيائي الفرنسي كريستيان هويغنز (Christian Huygens، 1629-1695) إثباتَ وجود رابط بين مشكل تربيع القطع الزائد (Hyperbola) ومفهوم اللوغاريتم، ما أدى إلى ميلاد اللوغاريتم الطبيعي، لكن لم يُكتشَف أساسه بعد[8].

وفي عام 1679م، أرسل عالم الرياضيات والفيلسوف الألماني غوتفريد لايبنتز (Gottfried Leibniz، 1646-1716) رسالةً إلى كريستيان هويغنز، حدَّد فيها قاعدة اللوغاريتم الطبيعي على أنها العدد هـ، إذ أُثبت أن قاعدة اللوغاريتم الطبيعي في التخطيط البياني [الشكل 1] هي العدد هـ، أي أنه يُحقّق العلاقة: \(\ln (e)=1\). لكن يُشار إلى أن لايبنتس لم يرمز إلى هذا العدد بالحرف e، وإنّما استعمل الحرف b[9].

جاكوب برنولي

عام 1685، طُلِب من عالم الرياضيات السويسري جاكوب برنولي (Jacob Bernoulli، 1654-1705) أن يدرس مسألة الفائدة المركبة (Compound interest) لمبلغ مالي، مع اعتبار أن الفائدة تتفاوت إذا كان صاحبها سيحصل عليها كل ستة أشهر أو كل ثلاثة أشهر، ثم كل شهر، ثم كل أسبوع، وهكذا.

لاحظ برنولي أنه في حالة عَدّ المبلغ الذي انطلق منه مساويًا لوحدة العملة، وأن صاحبه يحصل على فائدة قدرها 100 في المئة، فإنه تُحسَب آخر السنة. فعند انتهاء المدة، يتضاعف المبلغ فيصبح 2. وإذا كان يحصل على الفائدة كل 6 أشهر، فإن المبلغ النهائي بعد سنة يكون مساويًا للمبلغ الأول مضروبًا في \((1.5)^{2}\)، أي \(2.25\)، أي أكثر من الضعف. وإذا كانت الفائدة تُحسَب كل ثلاثة أشهر، فإن المبلغ يُضرَب في \((1.25)^{4}\)، فيصبح 2.4414 بعد سنة من الادّخار. قد يُعتقَد أنه إذا قُسّمت السنة إلى عدد كبير من الفترات، يتمتّع بعد كل فترة منها صاحبُ الحساب بفائدة تُحسَب نهاية كل فترة قدرها 100 في المئة مقسومة على عدد الفترات، فإن المبلغ المتحصّل عليه بعد سنة قد يصبح كبيرًا جدًّا. لكنّ حسابات برنولي قادته إلى أنه إذا قُسّمت السنة إلى n جزء، مع اعتبار حساب الفائدة في كل فترة فاصلةبينجزأَيْن، فإن العدد n إذا آلَ إلى اللّانهاية، فإن المبلغ المتحصّل عليه بعد سنة يؤول في أقصى تقدير إلى الوحدة مضروبة في عدد ثابت، وهذا العدد الثابت هو e، وهو نتيجة النهاية الآتية:

\[e=\lim_{n\rightarrow \infty } \left(1+\frac{1}{n}\right)^{n}\]

وقد كتب جاكوب برنولي نصَّه هذا عام 1685، ونشره عام 1691 في دورية Acta Eruditorum (أعمال العلماء)[10].

ليونهارد أويلر

اهتمّ ليونهارد أويلر بكثيرٍ من المسائل الرياضية وعُدّ من أهمّ علماء الرياضيات على الإطلاق، إذ كانت له إسهامات مُهمَّة في نظرية الأعداد، وحساب التفاضل والتكامل، والطوبولوجيا وتطبيقاتها في الفيزياء والموسيقا. وقد سُمّي العدد هـ باسمه. بالرغم من أن كثيرًا من الرياضيّين ساهموا في اكتشافه، كان أويلر هو مَن أحسَنَ استغلالَ هذا العدد في معادلات ومصفوفات شهيرة. في عام 1727، استعمل أويلر الحرف e للتعبير عن هذا العدد في مقالته "تأملات حول تجارب حديثة في إطلاق المدافع"[11]. وبارتكازه على أعمال سابِقِيه، تمكَّن من حساب الأرقام الـ 23 الأولى بعد الفاصلة للعدد هـ. (أو e في اللغات المكتوبة بالحروف اللاتينية). لكن هذا لا يعني أنه استعمل الحرف الأول من اسمه للتعبير عن هذا العدد، إذ قصد به أويلر، على الأرجح، الحرفَ الأول من اسم الدالة الأُسّية (Exponential function) التي استعملها في كتاباته وبَيَّن خصائصها. وفي عام 1739، أثبت أن العدد هـ عددٌ غير مُنطَق، أي أنّه ليس كسريًا[12].

دلالته وأهميته

رغم أنّ اكتشاف العدد هـ جاء متأخرًا مقارنةً بأعداد أخرى، مثل ثابتة الدائرة أو الجذر النوني لعدد، فإنَّ للعدد هـ علاقة وطيدة بمسائل رياضية قديمة، مثل تربيع القطاع الزائد وتثليث الزاوية. وقد انطلق مكتشفوه من مسائل مختلفة، إذ انطلق جون نيبير من فكرة البحث عن آلية تُمكِّنه من تحويل عملية الضرب إلى عملية جمع، أو عملية القسمة إلى عملية طرح، فقاده بحثه إلى اكتشاف مفهوم اللوغاريتم، ثم تبيَّن له أنه إذا أراد الحصول على الوحدة، فيجب تطبيق اللوغاريتم على عدد خاص، هو الذي سُمّي لاحقًا عدد أويلر. بالتوازي مع جون نيبير، كان دي سان فانسان مُنشغِلًا بمسألةٍ تخُصُّ السرعة والزمن، وباستعماله تطبيقًا بيانيًا، برز له العدد نفسه بوصفه عددًا مميّزًا ذا علاقة بمسألته، وبتربيع القطع الزائد. أما جاكوب برنولي، فقد كان بصدد حلِّ مسألة لها علاقة بالفائدة المركّبة البنكية، فثبت له أنه في حالة ادِّخار مبلغ ماليّ، مع شرط أن يحصل صاحبه على فائدة قدرها 100 في المئة آخر السنة، فإنه إذا قسّم السنة إلى n جزء، ومنح صاحب المال فائدةً قدرها \(\frac{100%}{n}\) في آخر كل جزء من السنة، فإن مبلغ الادّخار، إذا آلت هذه الأجزاء إلى اللّانهاية، لا يتعدّى في أقصى حدٍّ العددَ هـ مضروبًا في المبلغ الأوّلي.

تتالت استعمالات عدد أويلر في كثيرٍ من القواعد والدوالّ الرياضية. وبعد برهنة أويلر عام 1739 على أن هذا العدد غير كسري، تمكَّن الرياضي الفرنسي شارل آرميت (Charles Hermite، 1822-1901) من البرهنة على أن العدد هـ عددٌ متسامٍ (Transcendental number)، أي أنه إلى جانب كونه غير كسري فهو أيضًا جبري غير أصمّ، بمعنى أنه لا يمكن أن يكون حلًّا لمعادلة معاملاتها أعداد كسرية[13].

إلى جانب الوظائف المتنوّعة لعدد أويلر في الرياضيات والفيزياء والاقتصاد وغيرها من العلوم، فقد مَثَّلَ أيضًا دليلًا على ترابط فروع الرياضيات التي تُشكِّل، مع اختلافها الظاهري، روافدَ يصبُّ بعضها في بعض[14].

[1] Kurt von Fritz, "The Discovery of Incommensurability by Hippasus of Metapontum," The Annals of Mathematics, vol. 46 (1945), pp. 242-264; James R. Choike, "The Pentagram and the Discovery of an Irrational Number," The Two-Year College Mathematics Journal, vol. 11 (1980), pp. 312-316.

[2] للمزيد، ينظر: Bourbaki Nicola, Eléments d’histoire des mathématiques (Paris: Hermann, 1960).

[3] للمزيد، ينظر: Maite Gorriz Farré & Santiago Vilches Latorre, L'origine du calcul et des logarithmes: Napier, Simon Prime (trad.) (Barcelone: RBA Coleccionables, 2018).

[4] Roshdi Rashed, Abū Kāmil, algèbre et analyse diophantienne édition, traduction et commentaire (Berlin: De Gruyter, 2012), p. 5.

[5] Ibid., pp. 35-38.

[6] Roshdi Rashed, The Development of Arabic Mathematics (Berlin: Springer, 1994), pp. 11-12.

[7] C. H. Edwards, The Historical Development of the Calculus (Berlin: Springer-Verlag, 1979), p. 164.

[8] Florian Cajori, "History of the Exponential and Logarithmic Concepts," The American Mathematical Monthly, vol. 20 (1913), pp. 10-11.

[9] Ibid., pp. 75-84.

[10] Jacob Bernoulli, “Specimen alterum calculi differentialis, in dimetienda spirali logarithmica, loxodromiis nautarum, et arcis triangulorum sphaericorum; una cum additamento quodam ad problema funicularum aliisque,” Acta Eruditorum (June 1691), pp. 282-290.

[11] ألّفها أويلر في سن الحادية والعشرين، بعنوان "Meditatio in experimenta explosione tormentorum nuper instituta"، ونُشرت لاحقًا في أعماله الكاملة. ينظر: Leonard Euler, Opera postuma mathematica et physica, Paul Heinrich von Fuss & Nicolas Fuss (eds.) (Petropoli: Eggers et Socius, 1862), pp. 800-804.

[12] Ronald S. Calinger, Leonard Euler: Mathematical Genius in the Enlightenment (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2016), pp. 285-317; Christian Houzel, "L’œuvre d’Euler sur la théorie des nombres," in: Xavier Hascher & Athanase Papadopoulos (eds.), Leonhard Euler. Mathématicien, physicien et théoricien de la musique (Paris: CNRS Editions, 2015), pp. 395-412.

[13] Walter Rudin, Principles of Mathematical Analysis, 3rd ed. (Columbus, OH: McGraw-Hill, 1976), pp. 63-65.

[14] Brian J. McCartin, "e: The Master of All," The Mathematical Intelligencer, vol. 28, no. 2 (March 2006), pp. 10-21.

المراجع

Bernoulli, Jacob. “Specimen alterum calculi differentialis, in dimetienda spirali logarithmica, loxodromiis nautarum, et arcis triangulorum sphaericorum; una cum additamento quodam ad problema funicularum aliisque.” Acta Eruditorum (June 1691). pp. 282-290.

Calinger, Ronald S. Leonard Euler: Mathematical Genius in the Enlightenment. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2016.

Choike, James R. "The Pentagram and the Discovery of an Irrational Number." The Two-Year College Mathematics Journal. vol. 11 (1980). pp. 312-316.

Edwards, C. H. The Historical Development of the Calculus. Berlin: Springer-Verlag, 1979.

Euler, Leonard. Opera postuma mathematica et physica. Paul Heinrich von Fuss & Nicolas Fuss (eds.). Petropoli: Eggers et Socius, 1862.

Fritz, Kurt von. "The Discovery of Incommensurability by Hippasus of Metapontum." The Annals of Mathematics. vol. 46 (1945). pp. 242-264.

Houzel, Christian. "L’œuvre d’Euler sur la théorie des nombres." In: Xavier Hascher & Athanase Papadopoulos (eds.). Leonhard Euler. Mathématicien, physicien et théoricien de la musique. Paris: CNRS Editions, 2015.

Rashed, Roshdi. Abū Kāmil, algèbre et analyse diophantienne édition, traduction et commentaire. Berlin : De Gruyter, 2012.

Rashed, Roshdi. The Development of Arabic Mathematics. Berlin: Springer, 1994.

المحتويات

الهوامش