الموجز
العُرف هو ممارسة متكررة يتبعها الأفراد في حياتهم العملية، بحيث تنشأ بينهم عادة متفق عليها، ويصاحب هذا السلوك اعتقاد بأن الالتزام به واجب قانونًا، دون أن يصدر عن سلطة تشريعية رسمية. وتكمن قوته الإلزامية في القبول العام والاستقرار الطويل لهذا السلوك، ما يجعله قانونًا غير مكتوب لكنه ملزم.
يقوم العُرف على ركنين أساسيين: الركن المادي المتمثل في تكرار السلوك بصورة منتظمة ومستقرة، والركن المعنوي الذي يتمثل في شعور الأفراد بوجوب احترام هذا السلوك باعتباره ملزمًا. ومن دون هذا الاعتقاد بالإلزام، فإن السلوك لا يرقى إلى مرتبة العُرف القانوني.
وتتعدد أنواع العُرف بحسب مجاله وعلاقته بالتشريع وقوة إلزامه، فهناك عرف عام وآخر خاص، وعرف مكمِّل أو مفسّر للنصوص، وآخر قد يعدّل القواعد المكملة دون أن يخالف القواعد الآمرة أو النظام العام. ويُشترط لصحة العرف قِدمُه واطّراده ووضوحه وعموميته، وألا يتعارض مع نص تشريعي صريح أو مع النظام العام والآداب.
ورغم توسع دور التشريع في النظم الحديثة، لا يزال العرف يحتفظ بمكانة مهمة، خاصة في القانون التجاري والقانون الدولي، ويسهم في سد الفراغ التشريعي وتحقيق مرونة القاعدة القانونية، مع ما يعتريه من عيوب تتعلق بالغموض وبطء التطور وتجزئة القواعد.
ماهية العرف
العرف في جوهره، كما ورد في العديد من كتب الفقه، هو عادة اجتماعية تتكرر بين الناس حتى تُصبح قاعدة عامة يُلزِم بها الأفرادُ أنفسَهم؛ فهو لا يصدر عن سلطة تشريعية، بل عن الجماعة نفسها، التي تمنحه قوته الإلزامية من خلال القبول العام والاعتياد الطّويل.
ويعرِّف الفقه القانوني العُرفَ بأنه "اطّرادُ سلوكِ الأفراد في مسألة معينة، على نحوٍ معين، اطرادًا مصحوبًا بالاعتقاد في إلزام هذا السلوك"[1].
ويُنظر إلى العرف بوصفه مصدرًا رسميًا للقانون عندما يظهر في جانب من جوانب الحياة الاجتماعية، بحيث تنشأ منه قاعدة متعارف عليها، ويعتبرها الأفراد ملزمة، ويجري التعامل معها على هذا الأساس. ويُستخدم مصطلح العرف للإشارة إلى هذه القواعد نفسها، أي القواعد القانونية التي تتشكل من اعتياد الناس على السلوك المتكرر والمصحوب بالاعتقاد في الإلزام القانوني[2]، فالعُرف في الحالة الأولى، يشير إلى ظاهرة اجتماعية مؤداها اطّراد سلوك الأفراد في مسألة ما، مع اقتناعهم بإلزامية ذلك، أما في الحالة الثانية، فيُقصد به مجموعة القواعد القانونية الناشئة من هذا السلوك المطّرِد[3].
يعدّ العرف أقدمَ مصدر رسمي للقانون، إذ سبق في الظهور أيَّ تشريع مكتوب؛ فقد كانت الفطرة المجتمعية في المجتمعات البدائية تُولّد قواعد عرفية تنظم سلوك الأفراد، قبل أن تظهر الدولة ومؤسساتها التشريعية. ومن هنا، كان للعُرف الدور الأساسي في تنظيم العلاقات الاجتماعية وحفظ النظام في المجتمعات القديمة، حيث تسيطر التقاليد وتغيب الضّرورات الاجتماعية التي تدعو السلطة الحاكمة إلى التدخل لفرض قواعد قانونية[4]. ومع تعقيد الحياة الاجتماعية وتوسع النشاطات البشرية، أصبح العرف غير كافٍ لتنظيم العلاقات بمفرده، فظهرت مصادر أخرى تكمِّل دوره، مثل الدين والقانون الطبيعي والتشريع. وهذه هي الحال في الشرائع القديمة جميعها؛ فقد بدأ القانون الروماني مجموعة من القواعد العرفية، ومع تقدُّم المدنية الرومانية جُمعت هذه القواعد في الألواح الاثني عشر لتصبح جزءًا من المصادر الرسمية إلى جانب التشريع.
وقد شهدت شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام نظامًا اجتماعيًا وقانونيًا قائمًا إلى حدٍّ كبيرٍ على الأعراف والعادات القبلية، وكان بعضها متداخلًا مع المعتقدات الدينية السائدة آنذاك. ومع ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي، برز إطار ديني-قانوني جديد أعاد تنظيم البنية الاجتماعية والسياسية، وأصبح الدين المصدر الرئيس للتشريع، إلى جانب مصادر أخرى معترف بها في الفقه الإسلامي.
لم يستبعد الفقه الإسلامي العرفَ بوصفه عنصرًا من عناصر التنظيم الاجتماعي، بل عُدّ مصدرًا تبعيًا يُرجع إليه في استنباط الأحكام عند غياب النص، شريطة ألا يتعارض مع دليلٍ قطعي، وإلا عُدَّ عرفًا فاسدًا. ومن هنا تقرَّر في أصول الفقه مبدأ "العادة مُحكَّمة"، أي أن للعرف اعتبارًا في تقرير الحكم الشرعي في المسائل التي لم يرد بشأنها نصٌّ خاص[5]. ويستند بعض الفقهاء في تأصيل اعتبار العرف إلى قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (الأعراف: 199)، إذ فُسِّر "العرف" بـ "ما تعارَف عليه الناس من الخير وما استقرّ في وجدانهم من المعروف"[6].
ويُميِّز الفقهاء بين ثلاثة أوضاع للعرف: فإمّا أن يقرَّه الدليل الشرعي فيأمر به أو يندب إليه، أو يَنهى عنه كراهةً أو تحريمًا، ففي هذه الحالة يخضع العرف لحكم النص ولا يتغير بتغيُّر الواقع؛ وإمّا أن يبطله الشرع صراحةً فلا يُعتدّ به؛ وإمّا أن يسكت عنه، فيبقى مُعتبَرًا ويُعمَل به بوصفه بمنزلة الشرط الضمني في المعاملات. وقد استقر العمل بالعرف في المذاهب الفقهية الأربعة، مع اشتهار الحنفية والمالكية بكثرة توظيفه في الفروع الفقهية، لا سيما في مسائل المعاملات والعقود[7].
وقد ارتبط العرف في تطور القانون الإنكليزي بعادات القبائل النورماندية التي غزت جزيرة بريطانيا في القرن الحادي عشر الميلادي. ومع تطور المدنية الإنكليزية، أصبح القضاء بدوره مصدرًا رسميًا للقانون إلى جانب العرف، ليأتي فيما بعد التشريع باعتباره المصدر الأخير. وبذلك تشكّلت المصادر الرسمية للقانون الإنكليزي المعاصر من القضاء والتشريع مع استمرار دور العرف في بعض المجالات[8].
نسخة من قانون نابليون معروضة في المتحف التاريخي لمنطقة بالاتينات.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أما في فرنسا، فقد بدأ القانون القديم على شكل عرف متوارث، ثم امتزج بالقانون الروماني بعد الغزو الروماني، وظهرت أيضًا عناصر القانون الكنسي. ومع مرور الزمن، انقسمت فرنسا تاريخيًا إلى قسمين: الشمالي حيث كان يُطبق العرف، والجنوبي حيث كان يسود القانون الروماني. ومع تقوية سلطة الملكية، جُمعت قواعد العرف وعُززت بالتشريع، حتى صدر قانون نابليون (Napoleonic Code) ليصبح التشريعُ المصدرَ الرسمي والرئيس للقانون الفرنسي، مع الإبقاء على دور العرف في بعض المجالات التكميلية[9].
ويتميز العرف عن التشريع المكتوب بكونه ينبثق تلقائيًا من المجتمع دون تدخل الدولة، في حين يصدر التشريع عن سلطة عامة وفق إجراءات رسمية محددة ويختلف عن العادات الاجتماعية التي يلتزم بها الناس بدافع المجاملة أو الذوق، لأن العرف يتّصف بالإلزام القانوني، في حين لا يترتب على مخالفة العادة الاجتماعية جزاء قانوني.
كذلك، يختلف العرف عن الاجتهاد القضائي والفقه، فالأخيران ليسا مصدرين أصليين للقانون، بل وسائل تفسير أو استنباط للقاعدة القانونية القائمة. أما العرف، فهو مصدر مباشر يُنشئ القاعدة ذاتها.
أركان العُرف
يتألف العرف من ركنين أساسيين، أحدهما مادي يُعنى بالظّاهر والسلوك المتكرر، والآخر معنوي يُعنى بالشعور بالإلزام القانوني.
- الرّكن المادي (العنصر الخارجي)
يتمثل هذا الركن في تكرار سلوك معين بين أفراد المجتمع أو فئة معينة منه، بشكل منتظم وثابت خلال فترة زمنية طويلة، بحيث يصبح هذا السلوك عادة متعارفًا عليها في تنظيم أمر معين بطريقة محددة. ويعدّ التكرار شرطًا أساسيًا لتكوينه، إذ إن حدوث سلوك مرة واحدة لا يكفي لتصنيفه عرفًا[10].
وينبغي أن يكون هذا السلوك واضحًا ومحددًا، ومرتبطًا بنشاط معين، مثل المعاملات التجارية أو المهن الحرة أو العلاقات الأسرية. فعلى سبيل المثال، إذا اعتاد التجار تسليم البضائع في مواقع محددة دون وجود اتفاق مكتوب على ذلك، فإن هذا السلوك يتحول إلى عرف تجاري بمجرد استقراره في التعامل.
- الركن المعنوي (العنصر الداخلي)
هو شعور الأفراد بأن هذا السلوك واجب الاتباع، وأنَّ مخالفته تُعدّ خروجًا على النظام الاجتماعي؛ أي أن الناس لا يتبعون هذا السلوك لمجرد التكرار أو الراحة، بل لأنهم يعتقدون بإلزامه. وبدون هذا الاعتقاد لا يمكن الحديث عن عرف قانوني، بل مجرد عادة اجتماعية.
مع ذلك، لا يمكن اعتبار جميع العادات قواعد قانونية، إذ توجد عادات متوارثة في المجتمعات لا علاقة لها بالقانون ولا تلزم الأفراد قانونيًا، بل تقتصر على كونها سلوكيات اجتماعية تقليدية تُمارس لأسباب عرفية أو ثقافية بحتة، من دون أن تكتسب قوة إلزامية رسمية، مثل العادات المتعلقة بالزيارات وتبادل الهدايا في المناسبات، فهذه لا يتوفر فيها أي عنصر من عناصر الالتزام القانوني أو الاعتقاد بأن لها حرمة القواعد القانونية، وتظل مجرد مجاملات اجتماعية.
ويختلف العُرف عن العادات الاتفاقية كذلك؛ إذ تفتقر الأخيرة إلى عنصر الإلزام الذاتي، رغم اشتراكها مع العرف في الركن المادي المتمثل في تكرار السلوك. فالعرف مُلزِم بمجرد وجوده، في حين لا تصبح العادة الاتفاقية ملزمة إلا إذا اتفق الأفراد صراحةً أو ضمنيًا على الالتزام بها. ومن الأمثلة على العادات الاتفاقية ما يلتزم به المؤجِّر والمستأجِر، أحيانًا، من توزيع تكاليف الخدمات، مثل تحميل المؤجر تكلفة المياه وتحميل المستأجر تكلفة الكهرباء، أو اتباع التجار في تجارة الفاكهة زيادة نسبة على العدد أو الوزن المتفق عليهما.
ومع ذلك، فإن العادة القائمة على الاتفاق بين الأطراف لا تعدّ قاعدة قانونية مستقلة، ولا يُلزِم القاضي بتطبيقها إلا إذا تمسك بها الأطراف وأثبتوا وجودها أمامه. أما العرف القانوني فهو قاعدة ملزمة يجب على القاضي أخذُها بعين الاعتبار وتطبيقها من تلقاء نفسه، ويخضع في ذلك لرقابة محكمة النقض لضمان الالتزام بالمعايير القانونية الرسمية[11].
أنواع العرف
يقسِّم الفقهُ القانوني العرفَ وفق معايير متعددة تعتمد على مجال تطبيقه، وعلاقته بالتشريع، وطبيعة إلزامه:
- من حيث المجال
ينقسم العرف من حيث مجال تطبيقه إلى عُرف عام وعُرف خاص، فالعرف العام يشمل المجتمع بأكمله ويطبق على جميع أفراده، أما العرف خاص فيقتصر على فئة أو طائفة معينة، مثل العرف التجاري أو العرف القبلي.
- من حيث العلاقة بالتشريع
يُقسم العرف من حيث علاقته بالتشريع إلى عُرف مكمِّل أو مفسِّر، وعرف معدِّل أو مخالِف[12].
يُستخدَم العرف المكمّل أو المفسّر لتفسير نصوص القانون أو إكمالها عند غياب نص صريح، ومثاله ما نصت عليه المادة 96 من القانون المدني السوري من أنه إذا قام خلاف على المسائل التفصيلية التي لم يُتفق عليها في العقد بين الطرفين، فإن المحكمة تقضي فيها طبقًا لطبيعة المعاملة ولأحكام القانون والعُرف والعدالة.
أما العُرف المعدّل أو المخالف، فهو يُنشِئ قاعدةً تختلف عما ورد في النص التشريعي. ولا يتمتّع العُرف المخالف للتشريع بأي قيمة قانونية تجاه القواعد القانونية الآمرة، إذ تتعلق هذه القواعد بالنظام العام، ولا يصح إلغاء القاعدة القانونية أو تعديلها إلا بتشريع آخر، احترامًا لمبدأ "تسلسل القواعد القانونية"، أو تراتُبيتها. غير أن الفقه القانوني يقبل بمخالفة العُرف للتشريع في حالات معينة، خاصة في المجال التجاري.
أما القواعد القانونية المكملة، فيجوز أن ينشأ عُرف مخالف لها، إذ يقدَّم العُرف في هذه الحالة على القاعدة القانونية المكملة، ومن ذلك ما نصَّت عليه المادة 424/1 من القانون المدني السوري من أن الثمن يكون مستحق الوفاء في المكان الذي سُلّم فيه المبيع، ما لم يوجد اتفاق أو عُرف يقضي بغير ذلك.
- من حيث الإلزام
يقسم العرف من حيث قوة الإلزام التي يتمتع بها إلى عُرف ملزِم وعرف غير ملزم، فالعُرف الملزم يمتلك القوة القانونية ويجب تطبيقه أمام القضاء، أما العُرف غير الملزم فهو يظل مجرد ممارسة اجتماعية أو تقليد، دون أن يكون له قوة قانونية.
شروط صحة العرف مصدرًا قانونيًّا
حتى يُعترف بالعرف مصدرًا قانونيًا، يجب أن تتوفر فيه مجموعة من الشروط:
- القِدَم والاعتياد
يجب أن يكون السلوك مستمرًا منذ زمن طويل بحيث يصبح ثابتًا ومستقرًا ويتحقق ركن الاعتياد فيه. ولا يوجد حد معين للمدة الكافية لتكوين القاعدة العرفية، بل قد يختلف الأمر باختلاف ظروف الجماعة التي نبتت فيها القاعدة، والمهم في هذا الصدد أن يعتاد الناس على اتباعها مدةً كافية للقول بأن هذه العادة أصبحت عرفًا متبَعًا.
- العمومية والاطّراد
لكي تكتسب العادة صفةَ العرف يجب أن تكون عامة؛ بمعنى أن يكون خطابها موجهًا إلى مجموعة من الأشخاص غير معينين بذواتهم، شأنها في ذلك شأن القاعدة القانونية بوجه عام، سواء كان ذلك على مستوى الدولة أم محليًا يقتصر على إقليم معين أو فئة معينة، مثل التجار أو الحرفيين، ويطلق على العرف في هذه الحالة اسم العرف المهني[13].
يشترط في العادة أيضًا لكي تصبح عرفًا أن تكون عامة مطردة، بمعنى استقرار الأفراد على اتباعها بانتظام في سلوكهم الاجتماعي، من دون الخروج عليها، ويتكرر العمل بها تكرارًا يتضمن معنى الثبوت والاستقرار على اتباع مضمونها.
- الوضوح والثبات
لكي يُعتدَّ بالسلوك عرفًا قانونيًا، يجب أن يكون محددًا وواضح المضمون، بحيث يمكن للقاضي تمييزه وتطبيقه بشكل دقيق، ويجب أن يتميز بالثبات والاستمرارية، أي أن يتبعه الأفراد بانتظام، من دون انقطاع أو تبايُن في التطبيق، فلا يُمارس في بعض الأوقات ويُهمل في أوقات أخرى، إذ يمثّل الانتظام والاستمرارية شرطين أساسيين لإكساب السلوك قوةً إلزامية قانونية[14].
- عدم مخالفة النظام العام أو النص الصريح
لا يجوز أن يتعارض العرف مع التشريعات القائمة أو المبادئ الأساسية في الدولة. ويهدف هذا الشرط إلى استبعاد العادات الضارة أو المخالِفة للنظام الاجتماعي من دائرة العرف الملزم، فالعرف المخالف للنظام العام أو الآداب هو عرف فاسد لا يجوز اتباع حكمه.
وقد عرفت بعض الجماعات القديمة والمعاصرة صورًا متعددة من العادات السيئة التي أخذت مجراها في حياة الأفراد، مثل وأد البنات في الجاهلية، ومن العادات السيئة المعاصرة عادةُ الأخذ بالثأر في بعض المناطق. ويأتي شرط عدم مخالفة النظام العام والآداب ليُبقي تلك العادات السيئة، التي قد تسود في مجتمع معين، خارجَ نطاق العرف الملزِم قانونًا؛ والنظام العام مفهوم نسبي يتغير حسب الزمان والمكان، فما يُعد من النظام العام في مكان قد لا يعد كذلك في مكان آخر، كما أن بعض ما يُعد من النظام العام في العصر الراهن لم يكن كذلك في العصور السابقة.
- توفُّر الاعتقاد بالإلزام
يُعدّ هذا الشرط شرطًا جوهريًّا، إذ يميَّز العرفُ القانوني عن العادة الاجتماعية البحتة، ومقتضاه أن يكون لدى الأفراد شعورٌ بوجوب الالتزام بالسلوك، معتقدين أن مخالفتهم له قد ينتج عنها جزاء قانوني، لأنه يكسب حقًا تمكن المطالبة به، وعلى السلطة العامة إيصاله إلى صاحبه، وهو ما يمنح العرف صفته القانونية[15].
مكانة العرف في الأنظمة القانونية الحديثة
على الرغم من توسع دور التشريع والتقنين في العصر الحديث، يظل العرف مصدرًا رسميًا للقانون في جميع الأنظمة، مع اختلاف منزلة العُرف بين الشرائع الحديثة، إذ تُساوِي بعض الأنظمة بين العُرف والتشريع، في حين ترى الأكثرية أنّ العُرفَ يأتي في مرتبة ثانوية بعد التشريع.
ففي النظام اللاتيني، يحتل العرف مرتبة ثانوية بعد التشريع، لكنه يظل مصدرًا رسميًا ملزمًا، ويُطبق عند غياب النصوص التشريعية. ويُعد العرف مصدرًا رسميًا احتياطيًا للقاعدة القانونية في معظم التشريعات الحديثة، فيُرجع إليه عند غياب نص تشريعي صريح. فعلى سبيل المثال، في القوانين المدنية السورية والمصرية، يُقدم التشريع على العرف، ويُحتكم إلى العرف فقط عند سكوت النصوص[16].
وقد نصّت المادة الأولى من القانون المدني السوري على ما يلي: "تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها أو في فحواها، فإذا لم يوجد نص تشريعي، حكم القاضي بمقتضى العرف، فإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية، فإذا لم توجد فبمقتضى مبادئ العدالة". وتقابلها المادة الأولى من القانون المدني القطري، والمادة الأولى من القانون المدني المصري، مع اختلاف في ترتيب المصادر، حيث جعل المشرِّع المصري العرفَ في المرتبة الثانية والشريعة الإسلامية في المرتبة الثالثة.
أما في النظام الأنكلوسكسوني، مثل القانون الإنكليزي والأميركي، فقد شكَّل العرف أساسَ المنظومة القانونية في بدايتها، ولا يزال يؤدي دورًا بارزًا من خلال ما يُعرف بالقانون العام (Common Law) الذي يرتكز على منظومة قضائية تاريخية تقوم على السوابق القضائية والعادات القديمة، ويُعد العرف مصدرًا مباشرًا للقاعدة القانونية في هذا النظام[17]. ويُشترَط لاستخلاص القواعد العرفية أن تكون القاعدة العرفية قديمةً تعود إلى عدة قرون، وأن تكون ثابتة ومستقرة، ولا تقوم على مجرد التسامح، وألا تكون منافية للعدل والأخلاق والصالح الاجتماعي[18].
تطبيقات العُرف في فروع القانون المختلفة
يتباين دور العُرف وأهميته من فرع إلى آخر من فروع القانون؛ ففي القانون الجزائي ينعدم تأثير العُرف نظرًا لاعتماد هذا الفرع على مبدأ "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنَص"، ويقل دوره في القانون المدني مقارنة بالفروع الأخرى، إلا أنه يحتفظ بأهمية في القانون الدستوري، والقانون الإداري، والقانون الدولي العام، والقانون التجاري.
ففي القانون المدني، يُستخدم العُرف لتفسير العقود أو لتحديد الالتزامات غير المنصوص عليها صراحة، مثل تحديد مكان التسليم أو طريقة الوفاء بالالتزامات. فعلى سبيل المثال، إذا لم يحدد العقد مكان تسليم المبيع، يُفترض أن يتم وفق العُرف السائد في محل إبرامه، إذ تنص المادة 431 من القانون المدني السوري على أنه "إذا لم يُعيِّن الاتفاق أو العرف مكانًا أو زمانًا لتسليم المبيع، وجب على المشتري أن يتسلمه في المكان الذي يوجد فيه المبيع وقتَ البيع، وأن ينقله دون إبطاء، إلا ما يقتضيه من زمن".
وفي القانون الدولي، يعدّ العرف من المصادر الأساسية للتشريع، إذ تستند العديد من قواعد هذا القانون إلى ممارسات دولية متكررة ومستقرة عبر الزمن. وما زالت بعض قواعد القانون الدولي تحتفظ بطابعها العرفي، إذ تتشكل من السلوك المنتظم للدول في ممارساتها المتبادلة، سواء في العلاقات بين الدول نفسها أو في تعاملاتها مع المنظمات الدولية. ويكسب هذا العرف طابعًا ملزمًا بمجرد أن تتوفر شروط الاستمرارية والاعتقاد بالوجوب القانوني لدى المجتمع الدولي[19]، مثل قاعدة عدم التدخل في شؤون الدول واحترام الحصانات الدبلوماسية، إذ نشأت في الأصل من أعراف دولية استقرت مع الزمن قبل أن تُدوَّن في المعاهدات.
وفي القانون التجاري يعدّ العرف من أهم المصادر في هذا المجال، لأن التعاملات التجارية تتطوّر بسرعة تفوق قدرة التشريع على مواكبتها[20]. ومن أمثلة الأعراف التجارية اعتماد أسعار السوق السائدة، أو طريقة احتساب الفوائد بين التجار، أو تحديد آجال الدفع.
أما في القانون الإداري والدستوري، فتظهر الأعراف في شكل ممارسات سياسية مستقرة، مثل الأعراف الدستورية في الأنظمة البرلمانية، المتمثلة في تعيين رئيس الوزراء من حزب الأغلبية، أو التوقيع الملكي الشكلي على القوانين.
مزايا وعيوب العُرف مصدرًا قانونيًا
تتضح أهمية العرف عند مقارنته بالتشريع، إذ إن الصفات التي تُعد مزايا للعُرف قد تُعتبر في الوقت ذاته نقاطَ ضعف بالنسبة للتشريع، والعكس صحيح.
مزايا العُرف
يتميز العرف بمزايا عملية عديدة، أبرزها:
- يعكس العرف بصورة دقيقة ما يراه المجتمع مناسبًا لتنظيم علاقاته، إذ تتشكل قواعده من الممارسات الاجتماعية والاقتصادية للأفراد، فتكون قواعد العرف بالتالي ملائمةً للظروف الاجتماعية، كما أن الطريقة التي تنشأ بها القواعد العرفية تساهم في قدرتها على التكيف مع تغير الظروف الاجتماعية، إذ يمكن لهذه القواعد أن تتطور باستمرار بما يتوافق مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمع، ما يجعلها ملائمة وفاعلة دائمًا في تنظيم العلاقات بين الأفراد[21].
- يُعد العرف المصدر الشعبي الأصيل للقانون، إذ ينشأ تدريجيًا من ممارسة الأفراد لسلوك معين، مصحوبًا باعتقادهم بإلزاميته. ويتميز العرف بارتباطه الوثيق بظروف الجماعة ورغباتها، ما يجعله يعكس الإرادة الحقيقية للمجتمع بشكل صادق. وعلى هذا النحو، يختلف العرف عن التشريع، الذي قد يُفرض أحيانًا بصورة غير متوافقة مع الواقع الاجتماعي، أو يكون بعيدًا عن الممارسات والاحتياجات الفعلية للأفراد[22].
- يتميّز العُرف بالمرونة والقابلية للتطور مع الزمن، ما يسهل تطبيقه لأنه نابع من واقع الناس وممارساتهم اليومية، وهو ما يؤدي إلى ملء الفراغ التشريعي وإكمال النصوص الناقصة[23].
عيوب العُرف
يؤخذ على العُرف مجموعة من العيوب التي تنتقص من أهميته مصدرًا للقانون، أبرزها:
- قد تكون قواعد العُرف غامضة، ما يصعِّب من تحديدها وتوثيقها بدقة، ولا يعرف بالضبط وقت ظهورها، ولذلك قد تتسبب في منازعات كثيرة[24].
- العُرف بطيء في تطوّره مقارنةً بالتشريع، وإذا ثبت واستقر يصعب التخلص منه بعد ذلك[25].
- العُرف بطبيعته متجزِّئ، فيختلف باختلاف الجهات، ومن ثَمّ لا يُحقّق لقانون البلد الواحد صفةَ الوحدة، مع احتمال تضارُب الأعراف بين المناطق أو الفئات[26].
المراجع
أبو الليل، إبراهيم الدسوقي. أصول القانون، ج 1، نظرية القانون: دراسة لأصول القانون ومبادئه العامة. الكويت: مجلس النشر العلمي بجامعة الكويت، 2006.
الزحيلي، محمد مصطفى. الوجيز في أصول الفقه الإسلامي: المدخل – المصادر – الحكم الشرعي. ط 2. الدوحة: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 2006.
السنهوري، عبد الرزاق وأحمد أبو ستيت. أصول القانون أو المدخل لدراسة القانون. القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والنشر والترجمة، 1950.
الشاطبي، أبو إسحاق. الموافقات في أصول الشريعة. تحقيق عبد الله دراز. بيروت: دار المعرفة، [د.ت.].
الصدّة، عبد المنعم فرج. أصول القانون. ج 1. القاهرة: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1965.
تناغو، سمير. النظرية العامة للقانون. الإسكندرية: منشأة المعارف، 1974.
خلاف، عبد الوهاب. علم أصول الفقه وخلاصة التشريع الإسلامي. القاهرة: مطبعة المدني، [د.ت.]
عرجاوي، مصطفى محمد. النظرية العامة للقانون. القاهرة: دار المنار، 1986.
فرج، توفيق حسن. المدخل للعلوم القانونية: النظرية العامة للقانون والنظرية العامة للحق. بيروت: الدار الجامعية، 1988.
مرقس، سليمان. الوافي في شرح القانون المدني،ج 1: المدخل للعلوم القانونية وشرح الباب التمهيدي. ط 6. القاهرة: دار عالم الكتب، 1980.
منصور، محمد حسين. المدخل إلى القانون: القاعدة القانونية. بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، 2010.
[1] مصطفى محمد عرجاوي، النظرية العامة للقانون (القاهرة: دار المنار، 1986)، ص 274.
[2] عبد المنعم فرج الصدّة، أصول القانون، ج 1 (القاهرة: مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1965)، ص 122.
[3] عرجاوي، ص 247.
[4] عبد الرزاق السنهوري وأحمد أبو ستيت، أصول القانون أو المدخل لدراسة القانون (القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والنشر والترجمة، 1950)، ص 81.
[5] عبد الوهاب خلاف، علم أصول الفقه وخلاصة التشريع الإسلامي (القاهرة: مطبعة المدني، [د.ت.])، ص 85.
[6] محمد مصطفى الزحيلي، الوجيز في أصول الفقه الإسلامي: المدخل – المصادر – الحكم الشرعي، ط 2 (الدوحة: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 2006)، ص 267.
[7] أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق عبد الله دراز، ج 2 (بيروت: دار المعرفة، [د.ت.])، ص 488–489.
[8] السنهوري وأبو ستيت، ص 86.
[9] الصدّة، ص 124.
[10] سليمان مرقس، الوافي في شرح القانون المدني، مج 1: المدخل للعلوم القانونية وشرح الباب التمهيدي، ط 6 (القاهرة: دار عالم الكتب، 1980)، ص 387.
[11] محمد حسين منصور، المدخل إلى القانون: القاعدة القانونية (بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، 2010)، ص 210.
[12] توفيق حسن فرج، المدخل للعلوم القانونية: النظرية العامة للقانون والنظرية العامة للحق (بيروت: الدار الجامعية، 1988)، ص 265-266.
[13] عرجاوي، ص 250.
[14] فرج، ص 254.
[15] السنهوري وأبو ستيت، ص 87.
[16] سمير تناغو، النظرية العامة للقانون (الإسكندرية: منشأة المعارف، 1974)، ص 471.
[17] الصدّة، ص 123.
[18] إبراهيم الدسوقي أبو الليل، أصول القانون، ج 1، نظرية القانون: دراسة لأصول القانون ومبادئه العامة (الكويت: مجلس النشر العلمي بجامعة الكويت، 2006)، ص 225.
[19] فرج، ص 271.
[20] منصور، ص 215.
[21] أبو الليل، ص 222.
[22] منصور، ص 222.
[23] عرجاوي، ص 259.
[24] الصدّة، ص 125.
[25] أبو الليل، ص 223.
[26] السنهوري وأبو ستيت، ص 94.