تسجيل الدخول

التحيّز التأكيدي

(Confirmation Bias‬)



الموجز

التحيّز التأكيدي (Confirmation Bias) هو أحد مظاهر "التحيّز المعرفي"، وهو ميل الأفراد للبحث عن المعلومات وتفسيرها، وتذكرها، بطريقة تؤكد معتقداتهم أو توقعاتهم السابقة، مع تجاهل المعلومات المتناقضة معها، أو تقليل قيمتها. ويحدث هذا التحيّز على نحو تلقائي، وغير واعٍ في كثير من الأحيان، ويؤثر في صنع القرار والاستدلال في الحياة الاقتصادية، وفي الحياة اليومية، والبحث العلمي، والتشخيص الطبي، والقضاء، وغيرها من المجالات.

تعريفه

التحيّز التأكيدي هو مجموعة من الميول المنهجية للبحث عن المعلومات وتفسيرها، وتذكرها، بطرق تفضّل المعتقدات أو التوقعات أو الفرضيات العملية الموجودة لدى الفرد[1]. وفي الاقتصاد السلوكي، يكتسب هذا التحيّز أهميةً لأن تكوين المعتقدات هو مدخل هيكلي في الاختيار، والتفاعل السوقي، والنتائج الجماعية، إذ يمكن أن تؤدي المعالجة التأكيدية إلى خلاف مستمر، وتقليل التعلم، وأنماط متوقعة في الأسعار والتوقعات، عندما يقلّل الفاعلون الاقتصاديون من أهمية الإشارات التي تنفي ذلك، أو يهملونها[2]. وخارج الأسواق، يُعتبر التحيّز التأكيدي رئيسًا في كيفية تصفية الخبراء والجمهور للأدلة، ما يشكّل تقييم السياسات وديناميات الاستقطاب في الخطاب العام[3].

ويندرج التحيّز التأكيدي ضمن تعرّض الفرد يوميًا إلى كمٍّ هائل من المعلومات، لذا يستخدم الدماغ اختصارات ذهنية (Heuristics) لمعالجة المعلومات بسرعة. وهذا يسهم في ظهور التحيّزات المعرفية في اتخاذ القرار، مثل التحيّز التأكيدي، بوصفه آليةً لتقليل الجهد العقلي[4]. وهو يشير إلى الأسلوب الذي يعالج به الفرد المعلومات بشكل غير متوازن، إذ يعطي وزنًا أكبر للمعلومات التي تدعم معتقداته، ويقلّل من شأن ما يعارضها، أو يتجاهله. وهذا يؤدي غالبًا إلى تعزيز القناعات القائمة، وتقوية المواقف حتى عندما تكون غير مدعومة بأدلة كافية.

الجذور الفكرية للمفهوم

يمكن تتبع أصول أفكار التحيّز التأكيدي في القرون الماضية، إذ تناول بعض الفلاسفة فكرة مقاومة تغير القناعات عند البشر، فقد أشار المؤرخ اليوناني ثوسيديدس (Thucydides، 471-400ق.م.) إلى ميل البشر إلى رفض المعلومات التي لا تروق لهم بناءً على استنتاجات تعسفية، مع قبول ما يرغبون فيه بسهولة. وجادل الفيلسوف فرانسيس بيكون (Francis Bacon، 1561-1626) بأنّ الفهم البشري عندما يتبنّى رأيًا ما، فإن كل شيء آخر ينسحب لدعمه والاتفاق معه، وأوضح أنّ العقل البشري، حتى عندما يواجه أدلة معارضة أكثر عددًا وقوة، فإنه إمّا أن يتجاهلها، وإما أن يجد مبررات لرفضها، وذلك لكي يظل الرأي الأول الذي تبنّاه قائمًا[5].

انتقل التحيّز التأكيدي من الملاحظة الفلسفية إلى التحليل التجريبي في ستينيات القرن العشرين على يد عالم النفس الإنكليزي بيتر واسون (Peter Wason، 1924-2003)، الذي كان أول من استخدم المصطلح بشكل منهجي، لوصف النزعة الإنسانية إلى البحث عن المعلومات التي تؤكّد المعتقدات المسبقة، وتفسيرها وتفضيلها، مع إهمال الأدلة المناقضة أو التقليل من شأنها. وأجرى واسون تجارب عدّة مبتكرة مثل تجربة "لغز الأرقام 2-4-6"، التي أظهرت نتائجها أنّ المشاركين اختاروا إجابات تدعم فرضياتهم، مع رفض الأدلة المتناقضة، وأنه على الرغم من أنّ فرضياتهم كانت خاطئة، فإنهم أصبحوا واثقين منها بسرعة. وقد بيّن واسون أنّ الأفراد نادرًا ما يسعون إلى دحض فرضياتهم، بل يميلون إلى التحقق منها وتعزيزها[6].

ومن جهة أخرى، يُعرّف التحيّز التأكيدي بوصفه البحث عن الأدلة أو تفسيرها بطرقٍ تنحاز إلى المعتقدات أو التوقعات أو الفرضيات الموجودة[7]. وثمة تمييزان مهمان من الناحية التحليلية في علم الاقتصاد. الأول هو "مرحلة المعالجة"، إذ يمكن أن تعمل الميول التأكيدية في الحصول على المعلومات (التعرض الانتقائي)، والتفسير (الاستيعاب المتحيز)، والذاكرة/ التذكر، وكلٌّ منها ينطوي على عناصر اقتصادية أولية مختلفة (الانتباه، واستخراج الإشارات، والتذكر المعتمد على الحالة). أما الثاني فهو "القصدية"، إذ يمكن أن يكون التأكيد استراتيجيةً متعمدة "لبناء القضية"، أو انتقائية أقل وعيًا وتلقائية في الحصول على الأدلة واستخدامها[8].

والمعيار القياسي في علم الاقتصاد هو التحديث البايزي {{التحديثالبايزي: (Bayesian Updating) هو قاعدة تعلّم يراجع فيها الفاعل الاقتصادي المعتقدات السابقة، ويحولها إلى معتقدات لاحقة، من خلال تطبيق نظرية بايز (Bayes’ Theorem) عند ملاحظة معلومات جديدة، مع تقييم الأدلة حسب احتماليتها. ويوفر هذا النموذج معيارًا لمراجعة المعتقدات العقلانية في ظلّ عدم اليقين، ويشكّل أساسًا لتحليل المعلومات والتوقعات واتخاذ القرارات، حين ينبغي على الفاعلين الاقتصاديين تعديل معتقداتهم بما يتناسب مع نسب الاحتمالية التي تشير إليها الإشارات.}}. وفي هذا الإطار، يمثل التحيّز التأكيدي "عدم تناسق اتجاهي" (Directional Asymmetry) في معالجة الإشارات بناءً على المعتقدات المسبقة، وغالبًا ما يتجلى في شكل ردة فعل ضعيفة تجاه المعلومات التي تنفي هذه المعتقدات. وأحد التعبيرات التي يمكن معالجتها تجريبيًا هو "التعرض الانتقائي" (Selective Exposure)، حيث يجري تفضيل المعلومات الملائمة على المعلومات غير الملائمة، ويكون الفرد أكثر عرضة بنحو ضعفين لاختيار المعلومات الملائمة بدلاً من المعلومات غير الملائمة، بالنسبة إلى المواقف، أو المعتقدات، أو السلوكات الموجودة مسبقًا[9].

أنماط التحيز التأكيدي

هناك أنماط عدّة من التحيّز التأكيدي، ومنها مثلًا "البحث المنحاز عن المعلومات" (Biased Search for Information)، أو ما يُسمى "جمع الأدلة الانتقائي". فبدلًا من اختبار الفرضية بشكل موضوعي، يبحث الفرد فقط عن الأدلة التي تدعم رأيه. وقد يلجأ الأفراد أيضًا إلى "التفسير المنحاز" (Biased Interpretation) للأحداث والمعلومات، ويحدث عندما يواجه الفرد أدلةً محايدة أو حتى متضاربة، لكنه يفسّرها ويطوّعها بطريقة تؤيد المعتقدات القائمة[10].

وتجدر الإشارة أيضًا إلى "الذاكرة الانتقائية" (Biased Memory, Selective Recall)، فحتى لو جرى عرض المعلومات بشكل متوازن، فإن الذاكرة البشرية تميل إلى استرجاع المعلومات التي تدعم الأفكار المسبقة بشكل أسرع وأدق من المعلومات المعارضة، وهو ما يُفسر استمرار "القوالب النمطية" (Stereotypes) في أذهان الأفراد[11].

تطبيقات التحيّز التأكيدي

تتعدد تطبيقات التحيز التأكيدي في العديد من مجالات الحياة المختلفة، وتترك أثرًا مباشرًا في كيفية معالجة الأفراد للمعلومات واتخاذهم للقرارات. ففي الحياة اليومية، يؤثر هذا التحيّز في تكوين الآراء والمواقف الشخصية، فمثلًا يميل الأفراد إلى متابعة مصادر المعلومات ووسائل الإعلام التي تتوافق مع معتقداتهم السابقة، مع تجنّب المصادر التي قد تتحدّاها. ويمتد تأثيره إلى البحث العلمي، إذ يمكن أن يؤثر في مراحل متعددة من العملية البحثية، بدءًا من صياغة الفرضيات، ومرورًا باختيار البيانات وأدوات القياس، ووصولًا إلى تفسير النتائج وبناء الاستنتاجات، الأمر الذي قد يفضي إلى نتائج تفتقر إلى الموضوعية، أو تعكس قراءة انتقائية للأدلة.

وبذلك تظهر آثاره في مجالاتٍ عديدة أخرى، مثل المجال الطبي، لا سيما في حالات التشخيص الخطأ، حين يتمسّك بعض الأطباء بتشخيصٍ أوليّ غير دقيق من خلال التركيز على الأعراض التي تدعمه، مع إغفال المؤشرات التي تتعارض معه[12]. وكذلك في الأنظمة القضائية، حيث قد يتجلّى التحيّز في سلوك المحققين، أو أعضاء هيئة المحلفين، عند جمع الأدلة أو تقييمها، بصورةٍ انتقائية، بهدف دعم فرضية أو مشتبه به معين، بدلًا من فحص جميع الاحتمالات المتاحة بصورة متوازنة[13].

وبالنسبة إلى الخطاب العام ووضع السياسات العامة، فإن المفهوم الأساسي هو "الاستيعاب المتحيز في ظلّ الخلاف" (Biased Assimilation Under Contestation). وتوضح إحدى الدراسات المرجعية آليةً يمكن من خلالها أن يخرج طرفا الخلاف أكثر ثقةً بعد الاطلاع على الأدلة المتضاربة نفسها، لأن كل طرفٍ يثق بشكل مختلف في النتائج الداعمة له، ويستبعد النتائج المعاكسة[14]. وفي بيئات السياسة العامة، حيث تكون الأدلة عادةً مختلطة، والقرارات محلّ نزاع، تساعد هذه الديناميات في تفسير سبب استمرار الخلاف حتى عندما تستشهد جميع الأطراف بـ"الأدلة"، وسبب كون التصميمات المؤسسية (المراجعة النظيرة، والاختبار التنافسي، والشفافية) غالبًا تهدف إلى فرض الاتصال بالمعلومات غير المؤيدة، بدلًا من مجرد زيادة حجم المعلومات المتاحة.

المراجع

Andrews, Rodney J., Trevon D. Logan & Michael J. Sinkey. “Identifying Confirmatory Bias in the Field: Evidence from a Poll of Experts.” National Bureau of Economic Research, NBER Working Paper, no. 18064 (May 2012).

Darley, John M. & Paget H. Gross. “A hypothesis-confirming bias in labeling effects.” Journal of personality and social psychology. vol. 44, no.1 )1983(. pp. 20-33.

Hart, William et al., “Feeling Validated Versus Being Correct: A Meta-Analysis of Selective Exposure to Information.” Psychological Bulletin. vol. 135, no. 4 )2009(. pp. 555-588.

Kahneman, Daniel & Amos Tversky. “Prospect Theory: An Analysis of Decision Under Risk.” Econometrica. vol. 47, no. 2 (1979). pp. 263-291.

Lord, Charles G. Lee Ross & Mark R. Lepper. “Biased Assimilation and Attitude Polarization: The Effects of Prior Theories on Subsequently Considered Evidence.” Journal of Personality and Social Psychology. vol. 37, no. 11 (1979). pp. 2098-2109.

Nickerson, Raymond S. “Confirmation Bias: A Ubiquitous Phenomenon in Many Guises.” Review of General Psychology. vol. 2, no. 2 )1998(. pp. 175-220.

Wason, Peter C. “On the failure to Eliminate Hypotheses in a Conceptual Task.” Quarterly Journal of Experimental Psychology. vol. 12, no. 3) 1960(. pp. 129-140.

Webster, C.S. Taylor. S & Weller. J. M “Cognitive Biases in Diagnosis and Decision-Making during Anaesthesia and Intensive Care.” BJA Education. vol. 21, no. 11 (November 2021(. pp. 420-425.

[1] Raymond S. Nickerson, “Confirmation Bias: A Ubiquitous Phenomenon in Many Guises,” Review of General Psychology, vol. 2, no. 2 (1998), pp. 175-220.

[2] Rodney J. Andrews, Trevon D. Logan & Michael J. Sinkey, “Identifying Confirmatory Bias in the Field: Evidence from a Poll of Experts,” National Bureau of Economic Research, NBER Working Paper, no. 18064 (May 2012).

[3] William Hart et al., “Feeling Validated Versus Being Correct: A Meta-Analysis of Selective Exposure to Information,” Psychological Bulletin, vol. 135, no. 4 (2009), pp. 555-588.

[4] Daniel Kahneman & Amos Tversky, “Prospect Theory: An Analysis of Decision Under Risk,” Econometrica, vol. 47, no. 2 (1979), pp. 263-291.

[5] Nickerson, op. cit.

[6] Peter C. Wason, “On the failure to Eliminate Hypotheses in a Conceptual Task,” Quarterly Journal of Experimental Psychology, vol. 12, no. 3 (1960), pp. 129-140.

يُطلق على هذا التحيّز أيضًا "تحيز الجانب الشخصي" (Myside Bias)، أو "تحيّز الملاءمة" (Congeniality Bias).

[7] Nickerson, op.cit.

[8] Ibid.

[9] Hart et al., op.cit.

[10] Nickerson, op. cit.

[11] John M. Darley & Paget H. Gross, “A hypothesis-confirming bias in labeling effects,” Journal of personality and social psychology, vol. 44, no. 1 (1983), pp. 20-33.

[12] C. S. Webster, S. Taylor & J. M. Weller, “Cognitive Biases in Diagnosis and Decision-Making during Anaesthesia and Intensive Care,” BJA Education, vol. 21, no. 11 (November 2021), pp. 420-425.

[13] Nickerson, op. cit.

[14] Charles G. Lord, Lee Ross & Mark R. Lepper, “Biased Assimilation and Attitude Polarization: The Effects of Prior Theories on Subsequently Considered Evidence,” Journal of Personality and Social Psychology, vol. 37, no. 11 (1979), pp. 2098-2109.


المحتويات

الهوامش