تسجيل الدخول

الزبونية

(Clientelism)

​​​​

الموجز

الزبونية (Clientelism) مصطلحٌ برز في العلوم الاجتماعية[1]، لا سيما في حقول الأنثروبولوجيا والعلوم السياسية وعلم الاجتماع، منذ منتصف القرن العشرين، ثم توسّع استخدامه تدريجيًا ليصبح مفهومًا أساسيًا في تفسير كثير من القضايا ذات الصلة بالسلطة السياسية وعلاقتها بالمجتمع، والسلوك السياسي، والأنماط الاقتصادية، والبنى الاجتماعية والثقافية. تشير الزبونية إلى نمط من العلاقات غير المتكافئة بين الحاكم (الراعي) أو الطبقة الحاكمة، والأتباع (الزبائن)، لتبادل المنفعة، في سياق شخصاني غير رسمي، وقد تمتد من علاقة ثنائية مباشرة إلى شبكة واسعة من العلاقات التي يتخللها الوسطاء، وتصبح في كثير من الأحيان سمة أساسية لممارسة السلطة وتنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع.

شاع استخدام الزبونية بشكلٍ خاص بوصفها مدخلًا تحليليًا لفهم نظم السلطة وعلاقتها بالمجتمع في بلدان ما بعد الاستعمار، حيث تتمازج البنى التقليدية مع المؤسسات الحديثة، وحيث لم تترسخ قيم المواطنة وحكم القانون والممارسات والمؤسسات المرتبطة بها. لكن المفهوم أيضًا يُستخدم في تحليل كثير من الظواهر في البلدان المصنفة بوصفها بلدانًا ديمقراطية متقدمة، لا سيما في دراسة الانتخابات والسلوك الانتخابي وعلاقة المال بهما.

لم ينجُ مصطلح الزبونية، شأنه شأن كثير من المصطلحات الرائجة في العلوم الاجتماعية، من الالتباس والتخالط مع مصطلحات أخرى، ومن التعميم أو التخصيص المبالغ بهما، ومن التفسيرات المختلفة لدلالاته وخصائصه، الأمر الذي انعكس جدلًا مهمًا بين الباحثين، غايته الوصول إلى الوضوح والضبط الاصطلاحي. ورغم أن الاختلافات التعريفية والتحليلية لا تزال قائمة، يظل مصطلح الزبونية مهمًا بوصفه مدخلًا لفهم ظواهر وممارسات أساسية تتعلق بمنظومة السلطة وعلاقة الدولة بالمجتمع.

نشوء المفهوم وتطوّره الاصطلاحي

تقليديًا، استخدم الباحثون مفهوم الزبونية بصيغتين أساسيتين في اللغة الإنكليزية: (clientelism) و(Patronage)، ولكن للتفريق بينهما، سنلجأ إلى ترجمة المصطلح الثاني بالرعائية[2]. يشير الاستخدام في الحالتين إلى علاقة ثنائية غير متناظرة بين راعٍ يحتل منزلة اجتماعية متفوقة، وزبون يحتل منزلة أدنى، لتبادل المنفعة، كأن يوفر الراعي الحماية، أو المكافآت العينية والمالية، ويقابله الزبون بالولاء أو الخدمة[3]. ورغم أن كلمة الزبونية قد استُخدمت في بعض المجتمعات للإشارة إلى سلوكات أو ظواهر اجتماعية معينة -كما في استخدام (clientele) في إيطاليا للإشارة إلى زعيم وزمرة من تابعيه[4]- فقد استقرت تدريجيًا بوصفها أحد مفاهيم العلوم الاجتماعية الأساسية.

بدايةً، كانت الأنثروبولوجيا هي الحقل المعرفي الذي راج فيه استخدام مصطلح الزبونية، لا سيما في الدراسات المتعلقة بالمجتمعات التقليدية أو ما بعد التقليدية، ليمتد استخدامه لاحقًا إلى حقلَي السوسيولوجيا وعلم السياسية[5]. وقد حصل هذا الانتقال نتيجة التحول في طبيعة الظاهرة ونطاقها، فبينما تعاملت الأنثروبولوجيا مع الزبونية بوصفها ظاهرة شائعة في المجتمع التقليدي، تعكس التراتبيات السائدة وأنماط التفاعل القائم على المقايضة المصلحية ضمن العلاقات الوشائجية، فإن التحولات السريعة التي أخذت هذه المجتمعات تشهدها نتيجة الاستعمار والتحديث، ومن ثم بناء الدولة الحديثة، قادت إلى تمظهرات جديدة لأنماط علاقات ذات طابع زبوني، واتساع لهذه الأنماط خارج البيئات المحلية للمجتمعات البسيطة، وتوظيف الموارد العامة (التابعة للدولة الحديثة) في بناء العلاقات الزبونية. في الوقت نفسه، فإن ظهور التنافس السياسي الحزبي والانتخابات في البلدان الديمقراطية أو شبه الديمقراطية، أنتج مظاهر جديدة أدرجها بعض الباحثين في إطار المفهوم الواسع للزبونية، كظاهرة الماكنة الحزبية كما تناولها سكوت[6].

وثمة اتفاق على أنه كلما اتسع نطاق استخدام الزبونية جغرافيًا ووظيفيًا، ظهرت حلقات وسيطة فيها على نحو يزيد من تعقيد الظاهرة، فتصبح ثلاثية راعٍ- وسيط- زبون، بديلًا لراعٍ- زبون. أو كما يجادل ليمارتشاند وليغ، فإنّ الزبونية صارت تقوم على شبكات من العلاقات التبادلية (Network of reciprocities) متعددة الطبقات، إذ يعمل بعضهم في المستويات الوسيطة بوصفهم رعاة وزبائن في الوقت نفسه، وهو ما يسميه بعض الباحثين بسلسلة الوساطات (Brokerage Chain)[7]. ربما قاد ذلك إلى أحد الإشكالات المفاهيمية والاصطلاحية، بين مقاربات تؤكد على الطابع الشمولي الواسع للزبونية (إلى حد وصف نظم سياسية أو اجتماعية كاملة بأنّها زبونية)[8]، وأخرى تؤكد على الطابع الثنائي (Dyadic) الشخصاني المباشر للظاهرة، وتُفضل استخدامها فقط في المستوى الميكروي (Micro) للتحليل، أي العلاقة بين فاعلَيْن اجتماعيَّيْن. يضيف لاندي مستوًى ثالثًا للتحليل، هو المستوى المتوسط، الذي يركز على دراسة سلوك المنظمات، كالأحزاب، والجهاز الحكومي البيروقراطي، وجماعات المصالح[9].

وبينما تتفق هيلغيرز مع كوفمان في رفض استخدام المفهوم على المستوى الميكروي (النظم والظواهر والوحدات الاجتماعية الكبرى)، كالقول إن نظامًا سياسيًا معينًا هو نظام زبوني، ذلك أنّ الزبونية يمكن أن تتعايش وتتكيف مع مختلف أنواع الأنظمة السياسية وأشكال السلطة[10]، فإنهما يختلفان بشأن المستوى الملائم لدراسة الزبونية، فهيلغيرز تميل إلى استخدام المصطلح على المستوى الميكرو-سوسيولوجي فحسب، لأنه في هذه الحالة فقط يمكن أن يُلبي الخصائص الأساسية التي تقترحها للمصطلح، وهي أن يجسد علاقة تبادل تستهدف الكسب المصلحي، وتمتد لمدة طويلة عائمة الحدود والشكل (Diffused)، وتعتمد على التواصل المباشر، وتتسم بعدم المساواة[11]. بينما يُفضل كوفمان استخدامه على المستوى المتوسط، أي مستوى الأحزاب والمنظمات والأجهزة البيروقراطية، لا سيما إن كان الهدف فهم تأثيراته الواسعة داخل بنية نظام سياسي معين وعلاقاته[12].

ومن الواضح أنّ هذا التباين في تحديد المستوى التحليلي يعكس فهمًا مختلفًا لمعنى الزبونية في سياقها الحديث، فبينما يوجد اتفاق على أنها علاقة غير رسمية، وتبادلية، وغير متناظرة، يختلف المختصون بشأن تحديد جوانب أخرى. ويمكن رصد تلك الاختلافات كما يلي:

- الطوعية: بينما يرى بعضهم أن العلاقة الزبونية يجب أن تتسم بالطوعية، يقاربها آخرون من منظور بنيوي شامل، فيعدّون أنه لا معنى للطوعية في سياق علاقات قوة بين طرفَيْن غير متناظرَيْن، أو سياق أن الراعي -بحكم منزلته المتفوقة- قادر على إيقاع عقوبات غير ملموسة، أو حجب منافع محتملة عن الزبون في حالة امتناعه، فتنتفي صفة الطوعية بمعناها الصريح[13].

- التواصل المباشر: بينما يميل أنصار تعريف الحد الأدنى (Minimalist) للزبونية إلى أنها تشترط وجود التواصل المباشر بين الراعي والزبون، فإن آخرين يعدّون أنّ هذا التواصل يصدّق حصرًا على الزبونية في النظم الاجتماعية الصغيرة والبسيطة، القائمة على الصلات القرابية والتجاور المكاني، بينما يستوجب فهم الزبونية في سياق الإمبراطوريات والدول، التأكيد أولًا، على الدور الذي يؤديه الوسطاء (Brokers) أو الحلقات الوسيطة، وثانيًا، على إمكانية تعميمها لتشمل ممارسات سلطوية أو انتخابية عريضة لا تتطلب التواصل المباشر[14].

- اللاتناظر: ثمة من أدرج في خانة الزبونية علاقات المصالح بين المتناظرين في المنزلة، أو الخدمات غير الرسمية التي يتبادلها مثلًا سياسيون بمراتب متقاربة، أو سياسيون ورجال أعمال. وهذا التصور يرفضه باحثون يعتقدون أنّه يؤدي عمليًا إلى مطّ مفهوم الزبونية وإفقاده قيمته الوصفية والتحليلية، وتكريس تخالطه مع مفاهيم أخرى مثل المحاباة والفساد والواسطة والمحسوبية[15]. ويقترح لاندي التمييز بين علاقة راعي-زبون العمودية، وما يسميه بالتحالفات الثنائية الأفقية التي تحدث بين متناظرين، ولكنه يجعلهما معًا تمظهرات للعلاقة الزبونية التي يقاربها بوصفها تحالفًا طوعيًا بين فردين هدفه تبادل المنافع[16]. في المقابل، يرى أيزنشتات ورونيجير أن شمولية اللاتناظر، واستمراريته، وعدم المساواة وتأصّلها في العلاقة الزبونية، هي ما تُفرقها عن اللا مساواة الظرفية[17].

- الشمولية/ القطاعية: فضّل بعض الباحثين التمييز بين أنماط متعددة من الزبونية على أساس حقلي، إلى زبونية سياسية واقتصادية واجتماعية، بينما مال آخرون إلى تمييزها كمّيًا، إلى زبونية شاملة أو محدودة أو شبه زبونية[18]. وحتى في الحقل الواحد، تعددت المقاربات بين من يرى الزبونية ظاهرة محصورة بالانتخابات، وبشكل أساسي بممارسة شراء الأصوات، ومن يركز على العلاقات غير الرسمية التي تنسجها البيروقراطية الحكومية والفاعلون فيها، بطريقة تُحقق منافع شخصية لشغل المنصب، ومن ثم يصبح شراء الأصوات ليس سوى مظهر واحد من مظاهر متعددة.

وبقدر تعلق الأمر بالزبونية السياسية، فقد برز تعريف مقبول على نطاق واسع يراها "عملية توجيه الموارد العامة لخدمة المصالح الخاصة (لصاحب المنصب)، عبر علاقة غير متناظرة لتبادل المنفعة بين راعٍ وزبون"[19]. وفي الغالب، يُقدَّم هذا التعريف للزبونية والرعائية على حدٍّ سواء، ورغم أنّ بعضهم يؤكد أن الرعائية قد تأخذ شكلًا رسميًا، وفي الغالب محدودًا، مقابل الطابع اللارسمي والواسع للزبونية[20]، فإن ذلك لا ينفي التشابك الكبير بين المصطلحين، وحقيقة أنهما يُستخدَمان في كثير من الأحيان للإشارة إلى شيء واحد، لكن باسمَيْن مختلفَيْن[21]. وقد ناقش باحثون كثيرون الفرق بينهما، أو الحاجة إلى التمييز، واقتُرِحت حلول من قبيل عَدِّ الرعائية حالةً جزئية من ظاهرة الزبونية الأوسع، ومقاربتها على أساس ميكروي في مقابل المستوى الميكروي للزبونية[22]. وقد يكون هذا الحل أكثر نجاعة من محاولات افتعال تمييز اصطلاحي واسع بين الاثنين.

إنّ تمييزَ الزبونية عن ظواهرَ مجاورةٍ أمرٌ أساسي لتحديد معناها، لذلك جرى التأكيد من معظم المتخصصين على ضرورة تمييزها عن مفاهيم مثل الفساد والمحسوبية، فهذان الأخيران قد يعكسان حالات ظرفية محدودة، وليست بنيوية ومستقرة، ويحدثان على مستويات مختلفة وبأشكال متعددة. فالفساد قد يكون تعبيرًا عن ممارسة غير قانونية تحصل في أي مستوى من مستويات الإدارة الحكومية، ولمرة واحدة أو عدة مرات، وبين أشخاص متناظرين أو غير متناظرين، أو بشكل منفرد[23]. هنا تبرز خصوصية الزبونية من حيث إنها تعكس نمطًا علائقيًا، يربط الحيز الرسمي بغير الرسمي، ويتسم بغياب الانتظام المؤسساتي بسبب شخصانيته وميله إلى السرية وفضفاضية حدوده، ويوظف الموارد العامة أو المنزلة والنفوذ السياسيَّيْن لتحقيق مكاسب مادية أو معنوية، لطرفَي العلاقة، أو لطبقاتها المتعددة. وهو ما يميزها أيضًا عن الكوربوراتية التي تقوم على العلاقة بين الدولة ومجموعة واضحة المعالم وممأسسةٍ إلى حد كبير، بينما تغيب المأسسة الواضحة عن الزبونية[24].

ويبقى أخيرًا تمييز الزبونية عن الباتريمونيالية (Patrimonialism) والنيوباتريمونيالية (Neopatrimonialism)، إذ بدا أنّ بعض الباحثين يفترضون أن الزبونية هي مفهوم مرادف للنظام الباتريمونيالي، وهو ما نفته بنجاح مقاربات أيزنشتات ورونيجير اللذين عدَّا النيوباتريمونيالية مصطلحًا أكثر شمولية، ويشتغل على المستوى الميكروي، ليعبر عن شكل من البنى والعلاقات السياسية-الاجتماعية التي تتميز بتمازج المؤسسات العقلانية-القانونية للدولة الحديثة، مع الشبكات والعلاقات والممارسات التقليدية أو شبه التقليدية، لتنتج شكلًا محددًا من ممارسة السلطة، يسود فيما سمّاه أيزنشتات بالمجتمع ما بعد التقليدي[25].

صحيح أن النيوباتريمونيالية تلتقي مع الزبونية في التأكيد على أهمية العلاقات اللارسمية والمشخصنة، وضعف تأثير العامل الأيديولوجي في نسج التحالفات السياسية، لكن النظم النيوباتريمونيالية تشتمل على الزبونية، إلى جانب ظواهر وخصائص أخرى، من بينها طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف، والمنطق التوزيعي في إدارة الموارد، وغياب -أو ضعف- المنظور الأخلاقي المتعالي القادر على إزاحة التضامنات الفرعية، الإثنية والقبلية[26]. إذًا، عند التعامل مع الزبونية والنيوباتريمونيالية، يلزم أولًا الإقرار أنه لا يمكن فهم النظام النيوباتريمونيالي من دون أن نفهم كيف تشتغل الزبونية فيه؛ وثانيًا أنّ الزبونية هي تمظهر أساسي من تمظهرات النيوباتريمونيالية، لكنها تشتغل على مستوى أدنى من التحليل؛ وثالثًا، أنّ الزبونية يمكن أن توجد بشكل أو درجة ما في الدول غير المصنفة نيوباتريمونيالية، التي تعتمد بشكل راسخ على المؤسسات العقلانية-القانونية، ما يعني أنها تتكيف مع أنواع مختلفة من الأنظمة، ولا يمكن أن تكون مُعَرِّفة للنظام نفسه[27].

الزبونية بوصفها ظاهرة تاريخية

في معظم الدراسات التاريخية لأصل الزبونية وتطورها، سادت نظريات الخيار العقلاني، ولكن بأشكال مختلفة، فبعضها أكّد على ارتباط الزبونية بحالة انعدام الأمنَيْن النفسي أو المادي، على نحو يدفع إلى البحث عن آليات ضمان تعويضية لمواجهة هذه الحالة، لا سيما في ظروف عدم الاستقرار. تظهر الزبونية هنا بوصفها علاقة أمان تستهدف تقديم الحماية من الطرف القوي للضعيف، لقاء تأمين القوي لموقعه ومنزلته عبر خدمات الزبون وولائه، وثمة من جادل بأنّ الزبون الأول كان شخصًا بلا جماعة قرابية (عائلة أو عشيرة) ويبحث عمّن يحميه. بينما لم تركز بعض الاتجاهات النظرية على الزبونية بوصفها وسيلة للبقاء، بقدر ما رأت فيها تعبيرًا عن رغبة لتحسين المنزلة الاجتماعية الاقتصادية، وأداةً لتحقيق التوازن الاجتماعي عبر توفيرها فرص الترقي الاقتصادي، وبشكل يسمح باستقرار النظام الاجتماعي-السياسي الذي تشتغل فيه[28]. وعلى العكس، يرى آخرون أنّ الزبونية هي عرض وليست سببًا للتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي قادت إلى ظهور نظام الدولة الحديثة. وهنا يُشار إلى مناقشة ماكويت للنظام الإقطاعي في أفريقيا، وقد جادل بأن الزبونية ما كانت لتتطور لولا وجود ظروف اقتصادية تميل إلى إنتاج فائض من السلع الاستهلاكية (كأن تكون منتجات زراعية)، وتوفير وسائل للسيطرة من مجموعة مهيمنة أو راعٍ، تسمح بالتحكم بهذا الفائض[29].

بهذا المعنى، فإن وجود فئة تسيطر على الفائض الاقتصادي هو عامل أساسي في ظهور الزبونية السياسية في مرحلة ما قبل الدولة الحديثة، لأن تلك الفئة تستطيع عبر هذا الفائض شراء الولاءات، وبناء الجيوش، واستحصال أدوات القسر التي تساعدها على توسيع سيطرتها السياسية الاقتصادية. لهذا السبب، ارتبطت الزبونية بظهور السلطة السياسية الباتريمونيالية، بوصفها سلطة أكثر تعقيدًا في بناها العلائقية من الجماعات الأولية التي لم تعرف تمييزًا واضحًا بين حكام ومحكومين، ولا تطورت فيها ظاهرة الملكية الشخصية[30]. تناول ڤيبر هذه العلاقات في سياق تفسيره للسلطة الباتريمونيالية، لا سيما في المجتمع الإقطاعي[31]، حيث تظهر الزبونية بوصفها النمط الذي تتشكل فيه العلاقة بين الأقلية الحاكمة وتجمعات السكان الخاضعة لسلطتها القهرية، فالدولة هنا هي بناء خارجي خالص يقوم على سلطة مشخصنة، وتراتبيات تُشكّلها علاقة الحاكم (الراعي) بتابعيه (الزبائن)، ولا وجود فيها لفكرة "الشعب مصدر السلطة"، أو المواطنة، أو حكم القانون، بل لقدر عالٍ من الاعتباطية في ممارسة السلطة اعتمادًا على آليات الترغيب والترهيب[32].

وقد وُظِّف المفهوم في دراسة المجتمعات الأوروبية في العصرَيْن الإمبراطوري والوسيط، كدراسة رونيجير لعلاقات السلطة في روما القديمة[33]، أو كيتيرنغ لدور الزبونية في ربط المركز بالأطراف في فرنسا والدولة العثمانية والمكسيك[34]. كذلك ركز شيفتر على تطور الزبونية في الولايات المتحدة في سياق نشأة الدولة فيها، موضحًا كيف أنها أصبحت سمة أساسية للسياسة الأميركية، إذ اعتمدتها النخب الحزبية في سياق الدولة التي لم تكن قد طوّرت بعد تقاليد بيروقراطية راسخة، بوصفها أداة في صنع القاعدة السياسية، عبر توظيف الموارد الحكومية لتحقيق أهداف سياسية[35].

وقاربت بعض الدراسات الزبونية من زاوية أنّها جزء من سيرورة بناء الدولة، وعملية دمج الأطراف بالمركز، كما جادلت كيتيرنغ في تناولها للحالة الفرنسية قبل نشوء الدولة الحديثة، إذ أنشأت السلطة المركزية علاقات ذات طابع زبوني مع وجهاء نافذين في مناطق الأطراف للعمل بوصفهم وسطاء بين الدولة ومناطق الأطراف، وبوصفهم وكلاء عن تلك الدولة في حكم تلك المناطق أو إدارتها[36]. ومن الأمثلة الأخرى حالة الأعيان في ظل الدولة العثمانية، إذ عملوا بوصفهم وسطاء بين السلطة المركزية وبين سكانهم المحليين، بشكلٍ جعل منهم زبائن ورعاة في الوقت نفسه[37]. لذلك، يجادل بعضهم بأنّ الزبونية برزت بوصفها آلية لتنظيم علاقات الحكم في المراحل الانتقالية، إمّا في أثناء توسع الدولة المركزية وحاجتها إلى وسطاء يسهلون إدماج مناطقهم ومجتمعاتهم المحلية أو إخضاعها، وإما في مراحل ضعف تلك الدولة، إذ ينشط الوسطاء لملء الفراغ، وأحيانًا لانتزاع استقلالية أكبر لمناطقهم من السلطة المركزية[38].

في المقابل، يرى آخرون أنّه بدلًا من النظر إلى الزبونية من منظار "الخيار العقلاني" وحساب المنفعة، يجب أن تُفهَم بوصفها ممارسة يومية روتينية ناتجة مِمّا يُسمّى "الهابيتوس الزبوني" (Clientelist Habitus)، على شكل ميول إدراكية وسياسية تُشكلها التفاعلات المعتادة والمتكررة التي تحصل في الحلقات المحيطة بالرعاة والوسطاء. هنا، لا يرتبط ولاء الزبائن للرعاة بتبادل المنافع فحسب، بل بعلاقات شخصية طويلة الأمد تُشكلها الممارسة اليومية الهادفة إلى حل المشكلات التي يواجهها المجتمع المحلي، وتُخلَق عبرها مستويات من الثقة التي تجعل الزبونية إطارًا معتادًا للسلوك بين الرعاة والزبائن. يؤكد هذا المنظور على التفاعل بين الممارسات اليومية على المستويات المحلية والسياق الاجتماعي-السياسي، مقاربًا الزبونية بوصفها مدخلًا إلى المشاركة في الحياة العامة وتشكيل الولاء والفعل السياسيَّيْن[39].

الزبونية والدولة الحديثة

مع الدولة الحديثة، اكتسبت الزبونية خصائص جديدة، وصار يُنظَر إليها أيضًا على نطاق واسع بوصفها نوعًا من الانحراف عن المسار المثالي في العلاقات الاجتماعية والسياسية. فمن جهة، تقوم الدولة الحديثة، وفق التشخيص الڤيبري الذي اعتنقته المدارس التحديثية وأضفت عليه طابعًا خطيًا، على فرضية توسع السلطة العقلانية-القانونية، القائمة على القوانين المكتوبة، والميريتوقراطية (Meritocracy)، واللاشخصنة، والحيادية البيروقراطية، بشكل يجعل الممارسات الزبونية خروجًا عن هذا المسار، لأنها لا تقوم على قواعد مكتوبة، وتغلب عليها اللارسمية، وأحيانًا السرية، وتعتمد على الشخصنة والعلاقات المباشرة، وعلى التفضيل والتمييز[40]. لهذا السبب، ازدهرت دراسة الزبونية في الأدبيات التي تؤكد على التجلي المحلي لسلطة الدولة الحديثة، لا سيما في مناطق الأطراف، وعلى فئة الأنظمة السياسية التي تتسم بالتخالط الشديد بين مؤسسات الدولة الحديثة وبين الأنماط التقليدية من العلاقات، وهي الأنظمة التي تُعرَف النيوباتريمونيالية.

من جهة أخرى، فإن تطور الدولة الحديثة معياريًا، وظهور مفهوم المواطنة، وبروز الديمقراطية بوصفها آلية مفضلة للتعبير عن إرادة السكان وحقهم في اختيار حاكميهم، وتبلور مفاهيم جديدة للشرعية وحكم القانون وحقوق الإنسان تشكل إطار العلاقة بين الدولة والمواطنين، بوصفه بديلًا عن العلاقة بين الحاكم والرعية[41]، جعلت الزبونية تبدو انحرافًا معياريًا عن هذا النموذج، وهدفًا للمقاربات النقدية، ولمحاولات نشر السياسات القائمة على المواطنة وحكم القانون وعدم التمييز وتعميمها. بالتأكيد، لا يمنع ذلك تطور مقاربات أخرى، بعضها يعتمد الواقعية، ويميل إلى دراسة الزبونية بوصفها ظاهرة اجتماعية- سياسية بمعزل عن الحكم القيمي تجاهها[42]، بينما يذهب بعضها الآخر إلى إضاءة ما يراه جوانب إيجابية في الزبونية، من قبيل أنّها تُمثل آلية لإعادة التوزيع عندما تكون المؤسسات الحديثة غريبة عن المجتمع وغير فاعلة[43]، أو أنّها تعكس نمطًا من أنماط التضامن الاجتماعي، بل وأسلوبًا لتعبئة الجمهور وتنظيم الاحتجاجات ضد السلطة[44]. وفي كثير من الأحيان، يحصل التباين في تقييم الظاهرة الزبونية معياريًا بسبب التباين في تعريفها وتحديد سماتها، وهي إشكالية أساسية لم يجرِ تجاوزها بشكل كامل.

ركّزت الأدبيات التي تناولت الزبونية في ظل الدولة الحديثة على جوانب عدة، يمكن تلخيصها في خمسة محاور أساسية، كما يلي:


الزبونية والاندماج السياسي

كما مرّ القول، تنظر بعض الأدبيات إلى الزبونية بوصفها أداة من أدوات الاندماج السياسي في المراحل المبكرة لنشأة الدولة، وقبل تشكل المجتمع الجماهيري، إذ يؤدي غياب المؤسسات الراسخة والقوية، وعدم احتكار السلطة المركزية لأدوات الإرغام الشرعي، إلى الاعتماد على العلاقات مع نافذين محليين يستمدون شرعيتهم من مصادر تقليدية، ليخدموا بوصفهم قنوات للوساطة بين المركز والأطراف. وهؤلاء، قد يكونون زعامات قبلية أو دينية أو وجهاء، ولكن يُنظَر إليهم عمومًا بوصفهم وسطاء مؤقتين لتسهيل اختراق المركز للأطراف. يرتبط هؤلاء بالسلطة المركزية بعلاقة راعٍ- وسيط/زبون، إذ تُقدم السلطة الحماية والمنافع العينية أو الرمزية لهم (كملكية الأراضي أو الرتبة الاجتماعية) على أن يدعموا هذه السلطة في مواجهة من ينازعها، مع تيسير وصولها إلى السكان المحليين عند الضرورة، وخلق قاعدة من الزبائن المحليين في سياق توسّع سيطرتها. ولكن، في سياقات معينة، قد يتمرد هؤلاء على السلطة المركزية، ويختارون إمّا تطوير سلطتهم المحلية وتوطيدها والسعي تجاه قدر أكبر من الاستقلال عن المركز، وإما الركون إلى عقد علاقة زبونية أخرى مع راعٍ بديل[45].

لكن، عندما تصبح الدولة الحديثة أكثر قوة وقدرة على اختراق المجتمع، وفي ظروف التحديث وتفكك البنى التقليدية، تنتقل وظيفة الوسطاء التقليديين إلى فاعلين جدد، كممثلي الحزب الحاكم أو البيروقراطيين. ويقترح وينغرود التمييز بين نوعين من روابط الراعي-الزبون: الأول في سياق بنية دولة مفككة وسلطة ضعيفة بحيث يكون هناك فصل بين مستويات القرية والمدينة والدولة؛ والآخر هو زبونية حزبية ترتبط بتوسع نشاطات الدولة وانتشارها واندماج أكبر بين المستويات الثلاثة فيها. الأول يقوم على نموذج الدولة بوصفها منظمًا (Regulator)، والآخر على نموذج الدولة بوصفها مصلحًا (Reformer). يتولى نموذج الدولة بوصفها منظمًا إدارة حالة من التشظي، وهو غير معنيّ باختراق المجتمع وتغييره، بينما يقوم نموذج الدولة بوصفها مصلحًا على الإدماج، ويستهدف التغيير الاجتماعي، ويعكس حالة الانتقال من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الجماهيري[46]. يُقدّم وينغرود حزب المؤتمر الهندي في المرحلة المبكرة من عملية بناء الدولة- الأمّة في الهند، بوصفه نموذجًا لظهور النوع الثاني، فبشكل تدريجي حلَّ الفاعل الحزبي محل الرعاة القُدامى كملّاك الأراضي، في توفير فرص الوصول إلى الموارد والقروض والوظائف للزبائن المحتملين[47]. وثمة دراسات مشابهة بشأن توظيف الحزب المسيحي الديمقراطي للزبونية في جنوب إيطاليا[48].

وقد ركّزت الأدبيات أيضًا على العلاقة بين الزبونية والانقسامات الإثنية والطائفية، إذ يؤدي تغليب عنصر الولاء في التوظيف وتوزيع الموارد، لا سيما في سياق مجتمعات الجنوب العالمي، إلى تكريس التفضيلات على أساس العلاقات الإثنية، حيث يكون مستوى الثقة أعلى داخل الجماعة الواحدة، ومن ثم يمكن للرعاة العثور على زبائن في تلك الجماعة على حساب جماعات أخرى. وكلما استشرى هذا النمط من العلاقات، أصبحت الزبونية الإثنية الطائفية مرتبطة بنيويًا بهيكل السلطة على نحو يعيد إنتاج الانقسامات الأفقية[49].

الزبونية والتنمية

ينظر معظم المتخصصين إلى الزبونية بوصفها معيقًا لعملية التنمية، لأنها تقوم على توظيف الموارد العامة لتحقيق منافع خاصة لأصحاب السلطة والمواقع، بينما تتطلب التنمية توظيفًا استراتيجيًا ومتناسقًا لتلك الموارد، لا يؤدي إلى الإهدار أو الإنفاق في مجالات غير منتجة. وعمومًا، ثمة اتفاق على أنّ الزبونية تكرس حالة عدم المساواة في الدخل، لأنها تجعل من المواطنين زبائن غير متناظري القدرة في الوصول إلى الموارد والخدمات العامة[50].

ويمكن التأكيد على جانبَيْن بهذا الخصوص. الجانب الأول، أنّ الزبونية تنتشر في الدول ذات الطابع التوزيعي وذات القاعدة الإنتاجية الضعيفة، أي عندما تكون الدولة شديدة الاعتماد على الموارد الطبيعية أو الريع الزراعي[51]. في هذا النوع من الدول يصبح تحكم الفئة المهيمنة بالفائض أداةً من أدوات تكريس هيمنتها، وبغياب آليات ديمقراطية (مدعومة -كما تذهب الحكمة السائدة- بنظام ضريبي يقابله اعتراف بحق التمثيل)، تغدو الزبونية أداةً لتأبيد الهرميات القائمة، وتتراجع الحاجة إلى التنمية الاجتماعية[52]. لكن ثمة بعض الطروحات التي جادلت بعدم دقة هذه الفرضية، ويمكن تقسيمها إلى صنفين أساسيين: الأول عَدَّ الزبونية أداةً غير رسمية لإعادة توزيع الثروة وفتح فرص الترقي الاجتماعي أمام شرائح معينة، لا سيما في الحالات التي ترتبط فيها الزبونية بسياسات التمييز الإيجابي تجاه بعض الجماعات الإثنية أو العرقية المهمشة[53]؛ أمّا الصنف الآخر فقد أشار إلى وجود نماذج لأنظمة توزيعية، ريعية، غير ديمقراطية، تُوظّف الزبونية بوصفها آلية حكم نجحت على نطاق واسع في تحقيق درجة مقبولة من التنمية (عادة ما تُوضع بلدان الخليج العربية في هذه الخانة)[54]. غير أنّ هذا الطرح يُحيلنا إلى جدل آخر بشأن معنى التنمية، وما إذا كان بالإمكان وصف نموذج تنموي ما بالناجح إذا لم يُحقق توسعًا في القاعدة الإنتاجية المحلية، وتراجعًا كبيرًا في الاعتماد على الموارد الطبيعية في تمويل الدولة ومؤسساتها.

الجانب الآخر يتعلق بما إذا كانت الزبونية يمكن أن تخدم بوصفها أداة تنموية، كما في الحالات التي تستعين فيها السلطات بالأعيان المحليين، وتبني علاقة منفعية معهم لضمان تسهيلهم الاختراق الدولتيّ للمجتمع وإعادة تشكيله على أسس حديثة، تسمح مثلًا بمزيد من العقلنة والبرقرطة والقوننة، وتؤهل السكان المحليين لقبول سياسات وإجراءات تعتمدها الدولة الحديثة، مثل التلقيح الشامل، وبرامج محو الأمية وتنظيم الأسرة، وغير ذلك. ويزدهر هذا النمط "المفيد" من الزبونية فيما سمّاه وينغرود بنموذج الدولة المُصلِحة، حيث ينشط الجهاز الحزبي أو البيروقراطي لأداء هذه الأدوار، إمّا بالتنسيق مع وجهاء (زبائن) محليين، وإما بشكل مباشر، لا سيما في نماذج التنمية السلطوية أو الفوقية[55].

وقد جادل لاميرتشاند وليغ بأنّه كلما زاد مستوى التمايز الاجتماعي واختراق المركز للأطراف والدولة للمجتمع، يُحتمَل أن تجد المطالب الفردية قنوات بديلة للزبونية[56]. فمثلًا في دراسته لمالطا، لحِظ بويسيفان كيف أنّ التحديث -أو التغيّر- السياسي والاجتماعي والاقتصادي أسهم في تحول المعتقدات وأنماط السلوك السائدة بشكلٍ قلّص من الاعتماد على الوسطاء في كل من الفضاءين الديني والعلماني[57]، بينما لحِظ وينغرود التحول في أنماط الزبونية في سردينيا، بسبب ظهور الأحزاب السياسية وتنامي تأثير البيروقراطية الحكومية[58].

الزبونية والسلطوية

مع تطور الدراسات المعنية بالنظم السلطوية، برزت الزبونية بوصفها أداة تفسيرية أساسية في فهم قدرة هذه النظم على إعادة إنتاج نفسها وضمان الخضوع الاجتماعي. ويجادل عزمي بشارة بأن الزبونية استُخدِمت بوصفها تعبيرًا عن "عقلانية السلطة"، أي توظيفها لأدوات غير رسمية بطريقة براغماتية لتحقيق هدفها بالبقاء، في مقابل "عقلانية الدولة" التي كان يُنظَر إليها بوصفها هدفًا للخروج من نموذج السلطة المشخصنة، واللارسمية، وغير القائمة على حكم القانون. فأصبحت الزبونية أداةً رئيسة في إعاقة بناء المواطنتية، وتغليب الولاءات الضيقة على الاندماج في إطار فكرة أخلاقية أوسع تُمثّلها المواطنة/ الوطنية[59].

في الغالب، يكون توظيف الأنظمة السلطوية الحديثة للزبونية مشابهًا -في بعض جوانبه- لذلك الذي اعتمدته الأنظمة الباتريمونيالية أو "السلطانية" قبل الحديثة، ذلك أنّ السلطوية تلتقي مع الباتريمونيالية في شخصنة السلطة، وتوسيع المجال اللارسمي وغير المؤسسي، وتكريس الأفضليات على أساس الولاء[60]. ومن مظاهر ذلك إنشاء روابط زبونية مع وجهاء محليين، أو خلق هؤلاء الوجهاء من العدم، والتعامل مع الموارد العامة بوصفها موارد شخصية للحاكم (في الأنظمة الباتريمونيالية التقليدية لم يكن هناك معنًى للموارد العامة، بل كانت الموارد تُعَدّ غنيمة السلطة المتغلبة)، وتقسيم المجتمع إلى تراتبيات تعكس هرمية الولاء للسلطة السياسية، وتدرّج إمكانات الوصول إلى الموارد والوظائف بحسب درجة الولاء. لكن، ما يميز معظم نماذج السلطوية الحديثة عن الباتريمونيالية التقليدية هو أنها: 1) تعتمد على جهاز بيروقراطي -مدني وعسكري- كبير وذي درجة اختراق واسعة للمجتمع، وقد يتمتع بقدر من الاستقلالية عن الحاكم؛ 2) قد تعتمد على جهاز حزبي كبير يقلل من الحاجة إلى وساطة الأعيان والوجهاء، ويدير العلاقات الزبونية مع السكان المحليين عبر كوادره؛ 3) تربط المنافع الزبونية بمحفزات جديدة كالوظائف الحكومية أو القروض أو التفضيلات التعاقدية.

ومن الجوانب ذات الصلة، علاقة الزبونية بالتعبئة الاجتماعية، فبينما تذهب معظم الدراسات إلى أنّ الزبونية تعكس آلية سلطوية لإدامة بقاء النظام ومنع تبلور تضامنات اجتماعية تهدده، جادل أيزنشتات ورونيجير[61] بأن الزبونية، ومهما حققت من نجاحات، فإنّها كثيرًا ما تنتهي إلى الفشل، لأن التحول الاجتماعي المقترن بالتحديث، والهجرة الواسعة من الريف إلى المدينة، يفرزان أشكالًا بديلة من التعبئة الاجتماعية تستعين بأُطر أيديولوجية متعالية، قومية أو اشتراكية أو ليبرالية أو دينية، تتحدى النظام، وقد تقود إلى إسقاطه أو تفرض عليه تكييف سياساته، ومن ضمنها علاقاته الزبونية، كاستيعاب بعض قادة الاحتجاج في أطر زبونية جديدة، أو التخلي عن بعض الأطر القديمة (مثلًا: الانتقال في بعض بلدان الشرق الأوسط من الزبونية القائمة على الأعيان التقليديين إلى تلك المستندة إلى الجهاز الحزبي البيروقراطي العسكري، أو تلك المستندة إلى العلاقة مع رجال الأعمال). وفي هذه الحالة تُستخدَم الزبونية، إلى جانب القمعَيْن المادي والرمزي، بوصفها أداة للإخماد الجماهيري (Demobilization)، ونوعًا من التكيف السلطوي بدل الانتقال الديمقراطي[62].

وتبنّى مارتن شيفتر مقاربة مختلفة بعض الشيء، حين جادل بأن دور الزبونية في التعبئة يعتمد على متغيرَيْن: فاعلية الجهاز البيروقراطي، وتطور الأحزاب والسياسات الجماهيرية. جادل شيفتر بأنّ نشوء الأحزاب السياسية والسياسات الجماهيرية في الولايات المتحدة سبق تطور الجهاز البيروقراطي، خلافًا للحالة التي سادت في أوروبا، ما أدّى إلى استشراء السياسات الزبونية على حساب الأيديولوجيا. بينما في البلدان التي سبق فيها تشكل الجهاز البيروقراطي الحديث، وظهور الأحزاب والسياسات الجماهيرية، تعتمد التعبئة السياسية بقدر أكبر على الأيديولوجيا[63].

الزبونية والانتخابات

ثمة اتفاق واسع على أنّ الزبونية تتكيف مع أشكال مختلفة من الأنظمة، وتنتشر بشكل خاص في الأنظمة النيوباتريمونيالية التي قد تكون أنظمة سلطوية، أو ديمقراطيات انتخابية، أو سلطويات انتخابية[64]. ومن هنا، أتى رفض بعض الباحثين فكرة "النظام الزبوني"، لأن الزبونية ليست صفة للنظام بقدر ما هي ظاهرة قابلة للوجود في أنواع الأنظمة المختلفة، مع الاعتراف بأنها تتراجع في الدرجة والنوع كلما أصبح النظام أكثر مؤسساتية وديمقراطية[65].

وقد برزت دراسة العلاقة بين الزبونية والانتخابات منذ الستينيات، لا سيما مع أطروحات زولبيرغ وسكوت، فالأول تناول ضعف الأحزاب في أفريقيا، واقترح مفهوم "الماكنة السياسية" بديلًا عنها، مجادلًا أن وظيفة الحزب السياسي هي التوطيد (Consolidation) السياسي للشبكات الزبونية[66]. وقد طوّر سكوت فكرة الماكنة السياسية المرتبطة بالأحزاب، وسحبها إلى البلدان التي ترسخت فيها الديمقراطية، واصفًا أنّها ليست تنظيمًا أيديولوجيًا، بل أداة لتأمين المنصب الحكومي والحفاظ عليه، وأنّها تعمل على أساس توزيع المكافآت المادية والخاصة، إذ تُشخّص الماكنة الحزبية الزبائن المحتملين، وتحاول كسبهم لممارسة التأثير على الجمهور وكسب الانتخابات[67].

وقد أصبحت دراسة العلاقة بين الزبونية والانتخابات أكثر شيوعًا في السنوات الأخيرة، وذلك لسببَيْن: أولًا: تكاثر الأنظمة التي تعتمد الانتخابات آليةً في تداول السلطة أو شرعنة الاحتفاظ بها؛ وثانيًا: لأن المواسم الانتخابية تشهد رواجًا في الممارسات الزبونية، إذ تنشط المكائن السياسية للأحزاب، ويسعى المرشحون إلى كسب الأصوات بالطرق المتاحة. خلافًا للتزوير، لا تُمثل الزبونية، أو بعض نماذجها، بالضرورة خرقًا للقانون في كثير من البلدان، وتتسم بالمرونة وصعوبة التحديد وإمكانية التهرب من المساءلة القانونية. وقد ركزت كثير من الدراسات على الكيفية التي يشتري بها المرشحون الأصوات بالآليات الزبونية، كالوعد بتوظيف المنصب لتسهيل حصول زبائن معينين على منافع محددة، مثل قطع الأراضي أو الوظائف أو التسهيلات التي تُعطي الأفضلية لبعض الشركات أو رجال الأعمال[68]. مثلًا: بينما يحرم القانون في الولايات المتحدة الهدايا والمنافع العينية لقاء الصوت الانتخابي، فإنّه لا يمنع كبار رجال الأعمال والشركات من تقديم تبرعات مالية كبيرة للمرشحين، وبشكلٍ يدخُل أحيانًا في سياق الممارسات الزبونية[69]. وقد تأخذ الزبونية شكل التحالف بين الماكنة السياسية والأعيان أو الوجهاء المحليين أو شيوخ العشائر، لقاء ضمان أصوات الشرائح الاجتماعية التي يمتلك هؤلاء تأثيرًا عليها، لقاء وعود بمنافع عينية أو مادية في الغالب[70]. في بعض الأنظمة، كما يرى لامارتشيند وليغ، تظهر الانتخابات بوصفها أداةً يُجدِّد من خلالها الزبائن ولاءهم للرعاة المتنافسين[71]. وهنا، قد تقود الزبونية إلى شكل مُشوّه من الممارسة، إذ يُركّز السياسيون على مكافأة داعميهم ماديًا بدل تبني سياسات شاملة وطويلة الأمد، وعلى تغليب السياسات المبنية على الصفقات (Transactional) بوصفها بديلًا عن السياسات البرامجية[72].

ويُحدّد كلٌّ من كوتش ورونيجير طرقًا أساسية تؤدي فيها الزبونية إلى تقويض العملية الديمقراطية أو إضعافها، ومن أبرزها: 1) الاعتماد على المنافع المادية، الذي يجعل المُصوتين يعطون الأولوية للربح المادي السريع على حساب المصالح السياسية طويلة الأمد؛ 2) تقويض السياسات البرامجية بسبب التركيز على الحوافز الزبونية بدل الخطاب السياسي البرامجي، ما يحول دون تطور برامج سياسية متجانسة وواقعية؛ 3) تشويه التنافس السياسي، لأن الزبونية تميل إلى إعطاء الأفضلية لصاحب السلطة أو المنصب، بسبب قدرته على توظيف المنزلة والموارد المتاحة له لكسب الزبائن[73].

في المقابل، ركزت بعض الدراسات الزبونية والانتخابات على الفرص المتاحة للزبائن، لا على أهداف الرعاة واستراتيجياتهم. وقد جادل كثير من الباحثين بأنّ الأنظمة التنافسية تمنح الزبائن مرونة واسعة في اختيار الرعاة، لأن قيمتهم التصويتية في نظام لا تتقرّر به نتائج الانتخابات سلفًا تزداد، وتمنحهم إمكانات مساومة عالية نسبيًا إزاء الرعاة[74].

الزبونية والبيروقراطية والحوكمة

مثّلت العلاقة بين الزبونية والأجهزة البيروقراطية أحد الموضوعات الرئيسة التي تناولتها دراسات الزبونية، ويمكن تحديد ثلاثة جوانب أضاءتها تلك الدراسات: الأول يتعلق بتسييس البيروقراطية عبر سعي صاحب السلطة، لا سيما في الأنظمة السلطوية أو شبه السلطوية، إلى إحلال عنصر الولاء محل عنصر الكفاءة، في تشكيل البيروقراطية الحكومية بشقيها المدني والعسكري، وضمان أن تتكيف السياسات البيروقراطية مع مصالح من يقبض على السلطة[75].

الجانب الثاني، يرتبط بالأول، ويتعلق بالكيفية التي تصبح فيها الوظائف الحكومية "سلعة" تبادلية في العلاقة الزبونية، لا سيما في البلدان التي يتضخم قطاعها العام، ويصبح فيها هدف الحصول على وظيفة غايةً أساسيةً لعدد كبير من الزبائن، لا يمكن تحقيقها إلّا عبر رعاية راعٍ نافذ، كأن يكون مسؤولًا حكوميًا كبيرًا أو زعيمًا سياسيًا. وهذا الراعي يديرها بطريقة تضمن له ولاء الزبائن المستفيدين، وتُقصي غير الموالين أو غير القادرين على الوصول إليه[76].

ويتعلق الجانب الثالث بمحاولة فهم الزبونية بوصفها استراتيجية حكومية لتحقيق أهداف معينة، والمجادلة بإمكانية أن تُحقّق بعض أشكالها فوائد إصلاحية، وهي نقطة تظل محل نقاش واختلاف في الأدبيات، مع محاولة بعضهم التخفيف من المقاربة المعيارية. مثلًا، يُصنّف بيرفيلد أشكال الزبونية وارتباطها بالجهاز البيروقراطي والحوكمة إلى أربعة أقسام: تنظيمية، وتكتيكية، وديمقراطية، وإصلاحية. وكلٌّ من هذه الأشكال يرتبط بالجهاز البيروقراطي، من حيث كونه الأداة لتوزيع الوظائف والموارد (الزبونية التنظيمية)؛ أو الأداة لتوسيع الشرائح الاجتماعية التي يمكنها العمل في الجهاز البيروقراطي أو الاستفادة منه (الزبونية الديمقراطية)؛ أو توزيع الوظائف بوصفها طريقة للتعاطي مع بعض الانقسامات والانشقاقات السياسية (الزبونية التكتيكية)؛ أو عندما تصبح الزبونية طريقة لإقصاء العناصر الفاسدة بهدف إصلاح الجهاز الحكومي، ولكن باللجوء إلى العلاقات الزبونية نفسها لإحلال عناصر بديلة (الزبونية الإصلاحية)[77].

وبالعلاقة مع الحوكمة، فثمة اتفاق على أن الزبونية تتسبّب بضعف كفاءة الجهاز البيروقراطي وقدرته على تقديم الخدمات، بسبب سوء إدارة الموارد والمحسوبية في التوظيف، لا سيما في الحالات التي تكون فيها المؤسسات ضعيفة أو غير مكتملة التطوّر، وتزدهر الزبونية بوصفها وسيلة للتأثير والمشاركة السياسية[78]. لكن بعض المقاربات تؤكد على أنّ الزبونية لا تتسبب بضعف كفاءة المؤسسات الرسمية، بل هي نتاج لعدم الكفاءة وغياب التطبيق المنهجي للقواعد الرسمية. في هكذا سياق، يستخدم الفاعلون معايير وممارسات غير رسمية للتعويض عن نقاط ضعف البنى الرسمية، وملء الفجوات الناتجة منها[79].

ويشير بعض الباحثين إلى أنّ الزبونية تأخذ أشكالًا مختلفة بتنوع النظم السياسية-الإدارية، ففي النظم الفدرالية قد تبرز الزبونية بشكل أوضح وعلى مستويات متعددة، بسبب بروز الرعاة والوسطاء الإقليميين والمحليين، كما هي الحال في البرازيل والمكسيك والهند، خلافًا للنظم الموحدة ككوستريكا[80]. ومن ناحية النظم الانتخابية، فإن الزبونية تأخذ طابعًا أكثر مباشرة في النظم التي تعتمد الأغلبية السياسية، قياسًا بنظم التمثيل النسبي[81]. بينما يُحدّد روبنسون ثلاث نتائج طويلة الأمد للزبونية المستشرية في التنمية والحوكمة: استمرار الركود الاقتصادي وضعف القاعدة الإنتاجية، وتآكل آليات المحاسبة الديمقراطية، وإضعاف المؤسسات والحيلولة دون استقرارها ورسوخها[82].

المراجع

العربية

بشارة، عزمي. الدولة العربية: بحث في المنشأ والمسار. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2024.

بشارة، عزمي. مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023.

كوثراني، وجيه. السلطة والمجتمع والعمل السياسي العربي أواخر العهد العثماني: وسائط السلطة في بلاد الشام. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017.

النقيب، خلدون، الدولة التسلطية في المشرق العربي: دراسة بنائية مقارنة، ط 2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1996.

الأجنبية

Auyero, Javier & Claudio Benzecry. "The Practical Logic of Political Domination: Conceptualizing the Clientelist Habitus." Sociological Theory. vol. 35, no. 3 (2017). pp. 179-99.

Ayubi, N. Nazih. Over-Stating the Arab State: Politics and Society in the Middle East. London: I.B. Tauris, 1995.

Bartels, Koen P. R. "The Disregard for Weber’s ‘Herrschaft’: The Relevance of Weber’s Ideal Type of Bureaucracy for the Modern Study of Public Administration." Administrative Theory & Praxis. vol. 31, no. 4 (2009). pp. 447-78.

Bearfield, Domonic A. "What is Patronage? A Critical Reexamination." Public Administration Review. vol. 69, no. 1 (2009). pp. 64-76.

Bierschenk, Thomas, Jean-Piere Chauveau, & Jean-Pierre Olivier de Sardan. “Local Development Brokers in Africa: The Rise of a New Social Category.” Institut für Ethnologie und Afrikastudien. at: https://acr.ps/hByaRlV

Billig, Michael S. "Institutions and Culture: Neo-Weberian Economic Anthropology." Journal of Economic Issues. vol. 34, no. 4 (2000). pp. 771-88.

Eisenstadt, Samuel N. & Louis Roniger. "Patron--Client Relations as a Model of Structuring Social Exchange." Comparative Studies in Society and History. vol. 22, no. 1 (1980). pp. 42-77.

Eisenstadt, Samuel N. Traditional Patrimonialism and Modern Neopatrimonialism. London: Sage Publications, 1973.

Gans-Morse, Jordan, Sebastián Mazzuca & Simeon Nichter. "Varieties of Clientelism: Machine Politics during Elections." American Journal of Political Science. vol. 58, no. 2 (2014). pp. 415-432.

Gray, Matthew. "Theorizing Politics, Patronage and Corruption in the Arab Monarchies of the Gulf." In Clientelism and Patronage in the Middle East and North Africa: Networks of Dependency, edited by Laura Ruiz de Elvira, Christopher H. Schwarz & Irene Weipert, 47-67. London: Routledge, 2019.

Graziano, Luigi. "Patron-Client Relations in Southern Italy," European Journal of Political Research. vol. 1, no.1 (1973). pp. 3-34.

Helmke, Gretchen & Steven Levitsky. "Informal Institutions and Comparative Politics: A Research Agenda." Perspectives on Politics. vol. 2, no. 4 (2004). pp. 725-40.

Hilgers, Tina. "Clientelism and Conceptual Stretching: Differentiating Among Concepts and Among Analytical Levels." Theory and Society. vol. 40, no. 5 (2011). pp. 567-88.

Hourani, Albert. "Ottoman Reform and the Politics of Notables," in: William Polk & Richard Chambers (eds.), Beginnings of Modernization in the Middle East in the Nineteenth Century. Chicago, IL: University of Chicago Press, 1968, pp. 41-68.

Hudson, Michael C. Arab Politics: The Search for Legitimacy. New Haven: Yale University Press, 1977.

Keefer, Philip & Razvan Vlaicu. "Democracy, Credibility, and Clientelism." Journal of Law, Economics, & and Organization. vol. 24, no. 2 (2008). pp. 371-406.

Kenny, Paul D. "The Origins of Patronage Politics: State Building, Centrifugalism, and Decolonization." British Journal of Political Science. vol. 45, no. 1 (2015). pp. 141-171.

Kettering, Sharon. "The Historical Development of Political Clientelism." The Journal of Interdisciplinary History. vol. 18, no. 3 (1988). pp. 419-447.

Kusche, Isabel. "Political Clientelism and Democracy: Clientelistic Power and the Internal Differentiation of the Political System." Acta Sociologica. vol. 57, no. 3 (2014). pp. 207-221.

Landé, Carl H. "Political Clientelism in Political Studies: Retrospect and Prospects." International Political Science Review. vol. 4, no. 4 (1983). pp. 435-454.

Leca, Jean & Yves Schemeil. "Clientélisme et patrimonialisme dans le monde arabe," Revue Internationale de Science Politique. vol. 4, no. Issue 4 (1983). pp. 455-594.

Lemarchand, Rene & Keith Legg. "Political Clientelism and Development: A Preliminary Analysis." Comparative Politics. vol. 4, no. 2 (1972). pp. 49-78.

Roniger, Luis. "Political Clientelism, Democracy, and Market Economy." Comparative Politics. vol. 36, no. 3 (2004). pp. 353-375.

Scott, James C. "Corruption, Machine Politics, and Political Change." The American Political Science Review. vol. 63, no. 4 (1969). pp. 1142-1158.

Shefter, Martin. Political Parties and the State: The American Historical Experience. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1993.

Theobald, Robin. "Patrimonialism." World Politics. vol. 34, no. 4 (1982). pp. 548-559.

Weber, Max. Economy and Society, edited by Gueneth Roth & Claus Wittich. Berkeley: University of California Press, 1978. pp. 231-232.

Weingrod, Alex. "Patrons, Patronage, and Political Parties." Comparative Studies in Society and History. vol. 10, no. 4 (1968). pp. 377-400.

[1] في العادة تُستخدَم كلمة "الزبائنية" في الترجمة العربية لـ clientelism، لكننا رأينا اعتماد كلمة الزبونية لعدم وجود مبرر لصرفها على الجمع بدل المفرد.

[2] لا تنطوي الرعائية على دلالة سلبية بالضرورة، حيث شاع استخدامها لوصف قيام شخصية نافذة، حاكم أو أمير مثلاً، بتقديم الدعم والرعاية لفنان أو كاتب أو حتى فيلسوف، لقاء قيامه بعمل ما. والأمثلة التاريخية على ذلك كثيرة.

Alex Weingrod, "Patrons, Patronage, and Political Parties," Comparative Studies in Society and History, vol. 10, no. 4 (1968), pp. 377-400.

[3] Rene Lemarchand & Keith Legg, "Political Clientelism and Development: A Preliminary Analysis," Comparative Politics, vol. 4, no. 2 (1972), pp. 165-166; Weingrod, pp. 377-378.

حدد أيزنشتات ورونجير خصائص الزبونية بـ: علاقة تبادلية، موارد للتبادل (مادية أو سياسية)، صفقة متكاملة، غياب المؤسساتية وعائمية الحدود، وجود قاعدة للتضامن الشخصي، غير رسمية، ولكن إلى حد كبير ملزمة، وطوعية غالبًا، تميل لأن تكون طويلة الأمد، عمودية وليست أفقية، عدم التكافؤ. يُنظر:

Shamuel N. Eisenstadt & Louis Roniger, "Patron--Client Relations as a Model of Structuring Social Exchange," Comparative Studies in Society and History, vol. 22, no. 1 (1980), pp. 42-77.

[4] Weingrod, p. 386.

[5] Carl H Landé, "Political Clientelism in Political Studies: Retrospect and Prospects," International Political Science Review / Revue Internationale de Science Politique, vol. 4, no. 4 (1983), p. 435.

[6] James C. Scott, "Corruption, Machine Politics, and Political Change," The American Political Science Review, vol. 63, no. 4 (1969), pp. 1142-1158.

[7] Thomas Bierschenk, Jean-Piere Chauveau, & Jean-Pierre Olivier de Sardan, “Local Development Brokers in Africa: The Rise of a New Social Category,” Institut für Ethnologie und Afrikastudien, accessed on 9/8/2025, at: https://acr.ps/hByaRlV, p. 17; Sina Birkholz, "Multi-Layered Dependency: Understanding the Transnational Dimension of Favouritsm in the Middle East," in: Laura Ruiz de Elvira, Christopher H. Schwarz & Irene Weipert (eds.), Clientelism and Patronage in the Middle East and North Africa: Networks of Dependency (London: Routledge, 2019);Nico Ravanilla, Dotan Haim & Allen Hicken, "Brokers, Social Networks, Reciprocity, and Clientelism," American Journal of Political Science, vol. 66, no. 4 (2022), pp. 795-812.

[8] Carl H. Landé, pp. 447-448.

[9] Ibid, p. 439.

[10] Tina Hilgers, "Clientelism and Conceptual Stretching: Differentiating among Concepts and among Analytical Levels," Theory and Society, vol. 40, no. 5 (2011), pp. 568.

[11] Ibid.

[12] Robert R. Kaufman, "The Patron-Client Concept and Macro-Politics: Prospects and Problems," Comparative Studies in Society and History, vol. 16, no. 3 (1974), pp. 284-308.

[13] Hilgers, p. 570.

[14] Sharon Kettering, "The Historical Development of Political Clientelism," The Journal of Interdisciplinary History, vol. 18, no. 3 (1988), pp. 419-447; Jean Leca & Yves Schemeil, "Clientélisme et patrimonialisme dans le monde arabe," Revue Internationale de Science Politique, vol. 4, no. 4 (1983), pp. 455-594; Michael C. Hudson, Arab Politics: The Search for Legitimacy (New Haven: Yale University Press, 1977).

[15] Ibid., p. 586.

[16] Landé, p. 441.

[17] Eisenstadt & Roniger, p. 61.

[18] Hilgers, p. 571.

[19] التعريف منقول بتصرف من:

Luis Roniger, "Political Clientelism, Democracy, and Market Economy," Comparative Politics, vol. 36, no. 3, (April 2004), pp. 353-375.

[20] Philip Keefer & Razvan Vlaicu, "Democracy, Credibility, and Clientelism," Journal of Law, Economics, & Organization, vol. 24, no. 2 (2008), pp. 371-406.

[21] Sina Birkholz, p. 24.

[22] يتناول لاندي مشكلة تعريف الزبونية، ويقسم العوائق في فهمها إلى مشكلة مفهوم، مشكلة ملاحظة، ومشكلة تفسير. فيما يخص الثانية هناك مشكلة البنى غير الكوربوراتية التي ليس لديها حدود واضحة في العضوية والانتماء.

Landé, p. 441.

[23] Hilgers, p. 576.

[24] Ibid. p. 581.

[25] Samuel N. Eisenstadt, Traditional Patrimonialism and Modern Neopatrimonialism (London: Sage Publications, 1973).

[26] Ibid.

[27] Lemarchand & Legg, p. 168.

[28] Ibid. p. 157.

[29] Ibid, pp. 157-158.

ويجادل أيزنشتات ورونيجير بأن العلاقات الزبونية ليست ببساطة تبادل بسيط وخاص شبيه بالسوق، لكنها أنماط لتنظيم الموارد الاجتماعية.

Eisenstadt & Roniger, op. cit.

[30] Max Weber, Economy and Society, edited by Gueneth Roth & Claus Wittich (Berkeley: University of California Press, 1978), pp.231-232.

[31] Ibid.

[32] عزمي بشارة، الدولة العربية: بحث في المنشأ والمسار (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2024)، ص 357-377.

حول نشوء الدولة عبر تشكل بنية إدارية منفصلة عن الجماعة، تفرقها عن نظام القرابة والقبيلة، يُنظر: عزمي بشارة، مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023)، ص 96-98.

[33] Luis Roniger, "Modern Patron-Client Relations and Historical Clientelism: Some Clues from Ancient Republican Rome," European Journal of Sociology, vol. 24, no. 1 (1983), pp. 63-95.

[34] Kettering, op. cit.;

وجيه كوثراني، السلطة والمجتمع والعمل السياسي العربي أواخر العهد العثماني: وسائط السلطة في بلاد الشام (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017).

[35] Martin Shefter, Political Parties and the State: The American Historical Experience, (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1993).

[36] Kettering, pp. 426-432.

[37] Albert Hourani, "Ottoman Reform and the Politics of Notables," in: William Polk & Richard Chambers (eds.), Beginnings of Modernization in the Middle East in the Nineteenth Century (Chicago, IL: University of Chicago Press, 1968), pp. 41-68;

كوثراني، مرجع سابق.

[38] Weingrod, pp. 380-382.

[39] Javier Auyero & Claudio Benzecry, "The Practical Logic of Political Domination: Conceptualizing the Clientelist Habitus," Sociological Theory, vol. 35, no. 3 (2017), pp. 179-99.

[40] Luis Roniger, "Political Clientelism, Democracy, and Market Economy," Comparative Politics, vol. 36, no. 3 (2004), pp. 353-375; Robin Theobald, "The Decline of Patron-Client Relations in Developed Societies," European Journal of Sociology, vol. 24, no. 1 (1983), pp. 136-147.

من الجدير بالإشارة هنا أنّ الاتجاهات ما بعد الڤيبرية، رفضت بشكل واضح فكرة المسار الخطي والغائية التي أضفاها البعض على المنظور الڤيبري للسلطة وأنماط الشرعية، وذهبت إلى رفض مقولة "عقلانية الدولة" والإدارة العامة، لتؤكد تأثير العوامل "اللاعقلانية" في سلوكهما، بما في ذلك الدوافع الأخلاقية والقيمية والهوياتية.

Koen P. R. Bartels, "The Disregard for Weber’s ‘Herrschaft’: The Relevance of Weber’s Ideal Type of Bureaucracy for the Modern Study of Public Administration," Administrative Theory & Praxis, vol. 31, no. 4 (2009), pp. 447-478; Michael S Billig, "Institutions and Culture: Neo-Weberian Economic Anthropology," Journal of Economic Issues, vol. 34, no. 4 (2000), pp. 771-788.

[41] بشارة، الدولة العربية، ص 16.

[42] مثل دراسات ليمارتشيند وليغ وأيزنشتات السابقة الذكر.

[43] Landé, p. 449.

[44] Daan Beekers & Bas Von Gool, "From patronage to neopatrimonialism: Postcolonial governance in Sub-Sahara Africa and beyond," African Studies Center, (2012), accessed on 9/8/2025, at: https://acr.ps/1L9Ba85; Kavier Auyero, Pablo Lapegna & Fernanda Page Poma, "Patronage politics and contentious collective action: A recursive relationship," Latin American Politics and Society, vol. 51, no. 3 (2009), pp. 1-31.

[45] Lemarchand & Legg, op. cit.; Weingrod, pp. 381-382; Leca & Schemeil, op. cit.

[46] Weingrod, p. 381.

[47] Ibid, p. 384.

[48] Luigi Graziano, "Patron-Client Relations in Southern Italy," European Journal of Political Research, vol. 1, no. 1 (1973), pp. 3-34.

[49] Paul D. Kenny, "The Origins of Patronage Politics: State Building, Centrifugalism, and Decolonization," British Journal of Political Science, vol. 45, no. 1 (2015), pp. 141-71.

[50] Roniger, "Political Clientelism, Democracy, and Market Economy"; James A. Robinson & Thierry Verdier, "The Political Economy of Clientelism," The Scandinavian Journal of Economics, vol. 2, no. 115, (2013), pp. 260-291.

[51] Lemarchand & Legg, pp. 158-159; Robinson & Verdier; Eisenstadt & Roniger, p. 62.

[52] Atol kohli, State-Directed Development: Political Power and Industrialization in the Global Periphery, (Cambridge: Cambridge University Press), pp. 393-394.

[53] Roniger, “Political Clientelism, Democracy, and Market Economy.”

[54] Matthew Gray, "Theorizing Politics, Patronage and Corruption in the Arab monarchies of the Gulf," in: Laura Ruiz de Elvira, Christopher H. Schwarz & Irene Weipert (eds.), Clientelism and Patronage in the Middle East and North Africa: Networks of Dependency, pp. 47-67 (London: Routledge, 2019).

[55] Weingrod, pp. 381-382.

[56] Lemarchand & Legg, p. 162.

[57] Jeremy Boissevan, "Reflections on the Decline of Patronage in Malta," in: Ernest Gellner and John Waterbury (eds.), Patrons and Clients, (London: Duckworth, 1977), pp. 81-96.

[58] Weingrod, pp. 385-398.

[59] بشارة، الدولة العربية، ص 364.

[60] Roniger, "Political Clientelism, Democracy, and Market Economy."

[61] Eisenstadt & Louis Roniger, p. 177.

[62] لمزيد من التفصيل، يُنظر: بشارة، الدولة العربية، ص 363-391؛ خلدون النقيب، الدولة التسلطية في المشرق العربي: دراسة بنائية مقارنة، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1996)؛

Nazih N. Ayubi, Over-Stating the Arab State: Politics and Society in the Middle East (London: I.B. Tauris, 1995).

[63] Shefter, "Political Parties and the State".

[64] Roniger, "Political Clientelism, Democracy, and Market Economy".

[65] Hilgers, p. 267.

[66] Scott, pp. 1144-1145.

[67] Ibid. p. 1144.

[68] Roniger, "Political Clientelism, Democracy, and Market Economy"; Weingrod, "Patrons, Patronage, and Political Parties," p. 380.

[69] Domonic A. Bearfield, "What is Patronage? A Critical Reexamination," Public Administration Review, vol. 69, no. 1 (2009), pp. 64-76.

[70] Isabel Kusche, "Political Clientelism and Democracy: Clientelistic Power and the Internal Differentiation of the Political System," Acta Sociologica, vol. 57, no. 3 (2014), pp. 207-21.

[71] Lemarchand & Legg, p. 168.

[72] Kusche, p. 212.

[73] Ibid.; Roniger, "Political Clientelism, Democracy, and Market Economy."

وفي حين تركز معظم الدراسات على ما يُسمى بـ "شراء الأصوات"، فإن بعض الباحثين يوسعون دور الزبونية في الانتخابات ويصنفون أربع استراتيجيات زبونية رئيسية في المواسم الانتخابية: 1) شراء الأصوات، حيث يجري إغراء شرائح من الناخبين، مباشرةً أو عبر وسطاء، بالتصويت لصالح مرشح معين لقاء منح مالية أو عينية؛ 2) شراء المشاركة، حيث تُستخدم الأدوات الزبونية لإقناع أكبر عدد من الناخبين بالمشاركة، حينما تنصب هذه المشاركة في خدمة الطرف السياسي المعني؛ 3) شراء الامتناع، حيث تُستخدم تلك الأدوات لإقناع الناخبين بعدم المشاركة، حينما يُتوقع أن تنتج المشاركة ضررًا بالطرف السياسي المعني؛ 4) الإقناع المزدوج، والمقصود به إقناع الناخبين بالمشاركة، وإقناعهم بالتصويت باتجاه محدد. يُنظر:

Jordan Gans-Morse, Sebastián Mazzuca & Simeon Nichter. "Varieties of Clientelism: Machine Politics during Elections," American Journal of Political Science, vol. 58, no. 2 (2014), p. 405.

[74] Hilgers, p. 574.

[75] James A. Robinson & Theirry Verdier, op. cit.

[76] Ibid.

[77] Bearfield, op. cit.

[78] Robinson & Verdier;Roniger, "Political Clientelism, Democracy, and Market Economy."

[79] Gretchen Helmke & Steven Levitsky. "Informal Institutions and Comparative Politics: A Research Agenda," Perspectives on Politics, vol. 2, no. 4 (2004), pp. 725-40.

[80] Ibid.; Paul D. Kenny, "The Origins of Patronage Politics: State Building, Centrifugalism, and Decolonization," British Journal of Political Science, vol. 45, no. 1 (2015), p. 152.

[81] Robinson & Verdier, op. cit.

[82] Ibid.

يُنظر أيضًا:

Philip Keefer & Razvan Vlaicu, "Democracy, Credibility, and Clientelism," Journal of Law, Economics, & Organization, vol. 24, no. 2 (2008), p. 398.


المحتويات

الهوامش