الموجز
مبادرة الحزام والطريق (Belt and Road Initiative - BRI) مبادرة أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ (Xi Jinping، 1953-) خلال زيارته إلى كازاخستان وإندونيسيا في خريف عام 2013، وتعد أضخم مشروع اقتصادي بادرت به الصين، حيث تشمل مشاريع واستثمارات وبنًى تحتية متنوعة وضخمة. تقوم المبادرة على إنشاء طرق برية وممرات بحرية، استنادًا إلى فكرة "طريق الحرير" التاريخي القديم.
أطلق على "الحزام والطريق" مصطلحات ومسميات عدة، من قبيل "طريق الحرير الجديد"، و"الحزام الاقتصادي لطريق الحرير"، و"طريق الحرير للقرن الحادي والعشرين"، و"حزام واحد، طريق واحد". لكن التسمية الرسمية هي "الحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين".
يربط الحزامُ البري الصين بوسط آسيا ثم أوروبا، ويربطها الطريقُ البحري بدول جنوب شرق آسيا ودول الخليج العربي وشرق أفريقيا وشمالها ثم أوروبا في النهاية أيضًا. تتضمن المبادرة، فرعين رئيسين، وهما: طريق الحرير البحري الذي يمتد من الساحل الصيني عبر سنغافورة والهند باتجاه البحر الأبيض المتوسط، والطريق البري الذي يشمل ستة ممرات اقتصادية برية.
تحظى المبادرة بدعم عدد من المؤسسات والهيئات، منها الحزب الشيوعي الصيني ومؤسسات الدولة الصينية ومراكز البحث ووسائل الإعلام والشركات المملوكة للدولة الصينية، إضافة إلى البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية (Asian Infrastructure Investment Bank) وصندوق طريق الحرير الجديد (Silk Road Fund) وبنك دول بريكس (BRICS) المسمّى "بنك التنمية الجديد" (New Development Bank - NDB).
تركز المبادرة، التي من المخطط لها أن تنتهي في عام 2049، على تعزيز التعاون التجاري والتبادل الإنساني والثقافي والإصلاح والبنية التحتية. وتهدف الصين منها إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الاقتصادية والجيوسياسية وتحسين الارتباط والتعاون العابر للقارات من خلال استثمارات كبيرة في البنية التحتية الأساسية رغم كلفتها العالية.
التعريف بالمبادرة
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
مبادرة الحزام والطريق، وتُعرف أيضًا باسم "حزام واحد، طريق واحد" (Belt and Road Initiative- BRI / B&R; One Belt, One Road)؛ مشروع عالمي يتكون من مجموعة من مشروعات البنية التحتية المادية والرقمية وله قسمان، وهما: قسم بري ويسمى "الطريق"، وآخر بحري ويدعى "الحزام". حملت المبادرة تسميات أخرى منها "مشروع القرن الحادي والعشرين" و"طريق الحرير الجديد"، تمييزًا لها عن طريق الحرير التاريخي. والمشروع مجموعة من الطرق البرية وطرق السكك الحديدية وخطوط أنابيب النفط والغاز الطبيعي ومشاريع البنية التحتية ويمتد من شيان في وسط الصين عبر آسيا حتى محطاته الأخيرة في القارة الأوروبية؛ موسكو وروتردام والبندقية. أما الطريق البحري، فهو مجموعة من الموانئ التي يُعتزم تأسيسها أو تلك التي تُطور، ومشاريع البنية التحتية المرتبطة بها من جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا إلى شرق أفريقيا وشمال البحر المتوسط.
جعل الرئيس الصيني شي جين بينغ من المشروع المحور الأساس الذي تعتمد عليه سياسته الخارجية واستراتيجيته الاقتصادية المحلية. والمشروع مستمر في التوسع والتطور ليشمل التنسيق على مستوى السياسات في القارة الآسيوية والتكامل المالي وتحرير التجارة والتواصل الحضاري-الاجتماعي بين الشعوب التي ستشملها المبادرة.
مشروع عصري على أساس تاريخي
تعود هذه المبادرة إلى طريق الحرير القديم، وهو أكثر الطرق التجارية شهرة في العالم القديم الذي مثّل شبكة من الطرق التي كانت تسلكها القوافل والسفن قبل ألفي سنة لتبادل الحرير والعطور والتوابل والأحجار الكريمة من مدينة تشانغ جياغانغ (Zhangjiagang) الصينية إلى العراق وسورية ومصر عبر آسيا الوسطى (الطريق البري)، ومن السواحل الصينية عبر مضيق هرمز، ثم عُمان واليمن وصولًا إلى سورية، ومصر (الطريق البحري)[1].
مع ذلك، يختلف الطرح الجديد، وكذلك أهداف المبادرة ومؤسساتها، عن سابقاتها. ففي المرة الأولى طرح رئيس الوزراء الصيني السابق، لي بينغ (Li Peng، 1928-2019) فكرة إحياء طريق الحرير القديم عام 1994. وقد وردت مبادرة الحزام والطريق ضمن القرارات التشريعية في اجتماعات الدورة الثالثة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني المنعقدة ما بين 9، و12 أكتوبر/ تشرين الأول عام 2013 في العاصمة بكين، التي أقرت ضرورة دعم بناء الحزام الاقتصادي حتى يشكل وضعًا جديدًا من الانفتاح الاقتصادي والثقافي والاجتماعي[2].
وقد ترجم هذا القرار في أيلول/ سبتمبر 2013 حين طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ مبادرةً للتعاون بين بلاده ودول آسيا لبناء حزام اقتصادي لطريق الحرير، وذلك في المحاضرة التي ألقاها في جامعة نزارباييف في كازاخستان عنوانها "المضي قدمًا في الصداقة بين الشعوب من أجل مستقبل أفضل"، وكذلك أمام البرلمان الإندونيسي في أكتوبر/ تشرين الأول 2013؛ إذ دعا إلى توثيق ترابط المصير المشترك بين الصين و"رابطة أمم جنوب شرق آسيا - آسيان" (Association South East Asian Nations - ASEAN) من أجل تحقيق المزيد من المصالح للصين والرابطة ودول المنطقة.
وفي كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه أقرّ بناء "الحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين" خلال الدورة العامة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني[3]، وأصبح يُعرف اختصارًا بـ "الحزام والطريق"، ثم عقد أول مؤتمر لمنتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي في أيار/ مايو 2017[4].
استشهد الرئيس الصيني بالدور الحضاري المؤثر لطريق الحرير القديم، وأعلن عن خطط للتقريب بين آسيا وأوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط من خلال بناء شبكات الاستثمار والتجارة وإنشاء روابط مؤسساتية جديدة. وتعد باكستان أكثر الدول استفادة من "مبادرة الحزام والطريق"، وذلك بسبب انخفاض تكاليف التجارة الناتجة من مشاريع مثل تحسين اتصالات ميناء جوادار، والبنية التحتية للطرق السريعة، والسكك الحديدية وخطوط الأنابيب التي تشكل جزءًا من الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان[5]. بالإضافة إلى أن خطوط السكك الحديدية تهدف إلى ربط الصين بأوروبا من خلال وصل 62 مدينة صينية بـ 51 مدينة في 15 دولة أوروبية، إضافة إلى ربط الصين بدولتي لاوس وتايلاند الآسيويتين[6].
تسعى المبادرة إلى طرح 2631 مشروعًا بقيمة إجمالية 3.7 تريليونات دولار أميركي، وتعاقُد 2600 شركة ومؤسسة دولية تمثل الشركات غير الصينية فيها حوالي 55 في المئة. وتسعى أيضًا إلى إنجاز مذكرات تعاون مشترك مع 126 دولة و29 منظمة دولية. وقد حقّق التبادل التجاري بين الصين والدول المنظمة للمبادرة ما يزيد على 6 تريليونات دولار أميركي، وتوفير 244000 وظيفة منذ انطلاق المبادرة في عام 2013. وقد أنفق على مشروعات البنية التحتية 440 مليار دولار أميركي؛ حيث افتتح 11 بنكًا صينيًّا 76 فرعًا في الدول الأعضاء في المبادرة، على حين افتتح 50 بنكًا من 22 دولة فروعًا لهم في الصين[7].
وتقدر حجم الاستثمارات المخصصة للبنية التحتية في التجمعات الاقتصادية (الممرات الاقتصادية الست) بـ 26 تريليون دولار أميركي بحلول عام 2030، وتريليون دولار أميركي للبنية التحتية للدول الواقعة على الطريق بحلول عام 2027. فضلًا عن أن المبادرة ستسهم في التقليل من التكاليف التجارية الإجمالية بنسبة تتراوح بين 1.1 و2.2 في المئة على المستوى العالمي، وما بين 1.5 و2.8 في المئة على مستوى اقتصاديات البلدان المنضمة للمبادرة[8].
تسميات مختلفة: مبادرة أم مشروع أم استراتيجية؟
التسمية المتفق عليها هي "الحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين"، غير أن الاختلاف يتركز حول التوصيفات التي رافقتها. فقد ظهرت تسميات كثيرة للمبادرة التي أطلقها الرئيس الصيني، إذ اعتمدت كل تسمية على تفسيرات خاصة بها لوصف المبادرة. وما يمكن ملاحظته أن الصين تقبل بدرجات مختلفة التوصيفات جميعها ما عدا وصف المبادرة بالاستراتيجية، وذلك لتجنب المخاوف التي تثيرها هذه التسمية مثل الهيمنة أو التوسع أو تكريس النفوذ.
بعبارة أخرى، لا ترغب الصين في تكرار تجربتها مع استراتيجية "الصعود السلمي للصين" (China’s peaceful rise) التي أثارت مخاوف غربية وآسيوية، فرؤية الصين تشير إلى تحرك مشترك للتشاور في بناء "حزام اقتصادي"[9]. ولذلك، فإن المبادرة هي مشروع للمنفعة المشتركة وشكل جديد من أشكال العلاقات الدولية يقوم على المنفعة والتنمية المتبادلة بين الجميع، وهي تساعد على تعزيز النمو الاقتصادي والتكامل الإقليمي. أما الدول الغربية فتعمد إلى وصف المبادرة الصينية بأنها "استراتيجية" هدفها تنمية المصالح الصينية وتعزيز الاستثمارات الصينية وإبراز قوتها البحرية المتنامية في الخارج، وخلق قنوات جديدة للصين من أجل ممارسة نفوذها في منطقة آسيا الوسطى وتوسيعها حول العالم[10].
النطاق الجغرافي للمبادرة
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
يربط الحزامُ البري الصين بوسط آسيا ثم أوروبا، على حين يربطها الطريق البحري بدول جنوب شرق آسيا ودول الخليج العربي وشرق أفريقيا وشمالها ثم أوروبا في النهاية أيضًا. تتضمن المبادرة فرعين رئيسين، وهما: طريق الحرير البحري الذي يمتد من الساحل الصيني عبر سنغافورة والهند باتجاه البحر المتوسط[11]، والطريق البري الذي يشمل ستة ممرات اقتصادية برية، وهي[12]:
- الممر الاقتصادي بين الصين ومنغوليا وروسيا ويمتد من شمالي الصين إلى الشرق الروسي.
- الجسر البري الأوراسي الجديد الذي يمتد من غربي الصين إلى روسيا الغربية.
- الممر الاقتصادي بين الصين وآسيا الوسطى وغرب آسيا، ويمتد من غربي الصين إلى تركيا.
- الممر الاقتصادي لشبه الجزيرة الهندية الصينية الذي يمتد من جنوبي الصين إلى سنغافورة.
- الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان، ويمتد من جنوب غربي الصين إلى باكستان.
- الممر الاقتصادي بين بنغلاديش والصين والهند وميانمار، الذي يمتد من جنوبي الصين إلى الهند.
يمكن القول إن مبادرة الحزام والطريق ستكون مفيدة إلى حد كبير للدول التي انضمت للمبادرة، لكنها خلافًا لذلك، ستنعكس سلبًا على بعض البلدان خارج المبادرة التي قد تعاني تحويل التجارة وانتقال طرقها. ونتيجة لمبادرة الحزام والطريق، جاءت التقديرات لتأثير التجارة الحرة العالمية في الدخل الحقيقي عالميًا حوالي 1 في المئة. ويترجم هذا إلى ما يقرب من نصف تريليون دولار بأسعار عام 2014 وأسعار الصرف العالمية في السوق. وتستحوذ منطقة مبادرة الحزام والطريق على 82 في المئة من المكاسب، وحصلت الصين على 36 في المئة من إجمالي المكاسب العالمية، على حين يعود أكبر عائد إجمالي إلى منطقة شرق آسيا التي شهدت زيادة قدرها 2.2 في المئة من إجمالي الدخل الحقيقي. وتشهد بعض الدول غير الأعضاء في مبادرة الحزام والطريق بعض المكاسب بزيادة قدرها 0.2 في المئة، معظمها في الاتحاد الأوروبي وبعض دول شرق آسيا. ويمكن للاستثمارات المتعلقة بمبادرة الحزام والطريق في البنية التحتية أن تسهم في انتشال 8.7 ملايين شخص من الفقر المدقع و34 مليون شخص من الفقر المعتدل على المستوى العالمي، ما سيؤثر في نسبة الأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع لتنخفض نسبتهم من 10.1 في المئة في عام 2015 إلى 5.2 في المئة بحلول عام 2030[13].
وقد قسمت الحكومة الصينية مراحل تنفيذ المبادرة وتقييمها إلى ثلاثة مراحل زمنية، وهي: المرحلة الأولى (2013-2016)، وسميت مرحلة التعبئة الاستراتيجية؛ والمرحلة الثانية (2016-2019)، وهي مرحلة التنفيذ الاستراتيجي؛ أما آخر المرحلة (2019-2049) فهي مرحلة التقييم الاستراتيجي[14].
موقع الدول العربية في المبادرة
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تختلف البلدان العربية عن بعضها في طبيعة الأوضاع السياسية ومستوى التطور الاقتصادي والتكنولوجي وطريقة إدارة المشروعات الكبرى وتطور بنيتها التحتية وموقعها الجغرافي. ومع ذلك، فإن مبادرة الحزام والطريق تشكل فرصة لها من أجل تطوير اقتصادياتها وزيادة اندماجها في النظام الاقتصادي الإقليمي والدولي وتحسين مستوى معيشة مواطنيها وزيادة فرص العمل واستثمار مواردها الطبيعية وتعزيز قدراتها المالية[15]. ونظرًا لأن الصين تستورد حوالي 40 في المئة من حاجتها من النفط من المنطقة العربية، فقد أطلقت ضمن المبادرة "شراكة الطاقة للحزام والطريق" (Belt & Road Energy Partnership- BREP) مع 17 بلدًا من بينها ثلاث دول عربية، وهي: السودان والعراق والكويت[16].
لم تحظَ المبادرة إلّا بتجاوب محدود من الدول العربية، نتيجة غموض أهدافها والقلق من آثارها المحتملة في الممرات البحرية الواقعة ضمن نطاقها. ومع ذلك، تدرك هذه الدول أن تأثيرات المبادرة قد لا تظهر في المدى القريب، لكنها مرشحة للتعاظم مستقبلًا مع تطوير البنى التحتية وتجاوز التحديات السياسية والاقتصادية في المناطق التي يمر بها طريق الحرير الجديد[17]. وقد عكست الصحف العربية هذا التباين في المواقف، إذ تراوحت بين التأييد والتحفظ، مع ميل نسبي نحو التقييم الإيجابي للمبادرة [18].
تركز المبادرة على تعزيز التعاون التجاري والتبادل الثقافي والإنساني، إلى جانب تطوير البنية التحتية والإصلاح الاقتصادي، وقد أُطر هذا التعاون وفقًا للصيغة "1+2+3": حيث تمثل الطاقة محور التعاون الرئيس، فيما تشكل البنية التحتية والتجارة والاستثمار جناحيه، وتشمل مجالات التعاون المتقدمة الطاقة النووية والمتجددة وتكنولوجيا الفضاء[19].
تجسدت المبادرة أيضًا في عدد من الشراكات الاستراتيجية بين الصين ودول عربية، منها قطر (2014)، والعراق (2015)، والمملكة العربية السعودية (2016)، والإمارات والكويت وعُمان (2018). وشملت أبرز مشاريعها مدينة الحرير والجزر الخمس في الكويت، ومنطقة جيزان الصناعية في السعودية، وتطوير ميناء الدقم في عُمان، إلى جانب ميناء خليفة ومنطقته الصناعية في أبو ظبي، وميناء قطر الجديد[20].
علاوة على ذلك، طوّرت الصين مساحة تبلغ 7 كيلومترات مربعة ضمن محور قناة السويس في مصر، وأسهمت في إنشاء نحو 66 كيلومترًا من شبكة السكك الحديدية. بالإضافة إلى أنها عرضت تقديم قروض قيمتها 20 مليار دولار أميركي للدول العربية، وقدمت مساعدات مالية بلغت 106 مليارات دولار أميركي لخمس دول عربية، إلى جانب تشجيع الشركات الصينية على الاستثمار بنحو 10.7 مليارات دولار أميركي[21]. وقد وقّعت الصين حتى نيسان/ أبريل 2019 وثائق تعاون للمبادرة مع 17 دولة عربية، وأقامت شراكة استراتيجية وشراكة استراتيجية شاملة مع 12 دولة عربية[22].
المؤسسات الداعمة للمبادرة
يمكن تقسيم المؤسسات الداعمة والمروّجة للمبادرة الصينية، داخليًا وخارجيًا، إلى قسمين بحسب أدوارها. يضم القسم الأول أجهزة الحزب الشيوعي الصيني ومؤسسات الدولة ومراكز البحث ووسائل الإعلام والشركات المملوكة للدولة، بوصفها أدوات مساندة. أما القسم الآخر فيتمثل في المؤسسات المالية الرئيسة المنخرطة في المبادرة، وهي البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، وصندوق طريق الحرير، وبنك دول بريكس المسمّى "بنك التنمية الجديد" (New Development Bank - NDB)، والتي تعد الركائز الأساسية لتمويل مشاريع مبادرة الحزام والطريق[23].
تأسس البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية وصندوق طريق الحرير عام 2014، وبدأ البنك نشاطه عام 2016 برأس مال قدره 65 مليار دولار أميركي، أسهمت الصين منه بنحو 20 مليار دولار أميركي، ثم ارتفع إلى 100 مليار دولار أميركي مع انضمام دول أخرى. ويضم البنك 77 دولة، بينها 18 دولة أوروبية وست دول عربية، ويهدف إلى تمويل مشاريع البنية التحتية، مع تقديم بديل للمؤسسات المالية الدولية الكبرى. أما صندوق طريق الحرير، فيركز على دعم تمويل مشاريع البنية التحتية وتنمية الموارد وتعزيز التعاون الصناعي في الدول الواقعة على مسارات المبادرة[24].
أهداف الصين من المبادرة
تسعى الصين عبر مبادرة الحزام والطريق إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الاقتصادية والجيوسياسية وتحسين الارتباط والتعاون العابر للقارات من خلال استثمارات كبيرة في البنية التحتية الأساسية على الرغم من كلفتها العالية. وقد أشارت صحيفة نيويورك تايمز (The New York Times) الأميركية إلى أن الإنتاج الصيني الفائض يعد أحد أهم الدوافع التي تقف وراء المبادرة. فعلى سبيل المثال، يعادل إنتاج الصين من الفولاذ سنويًا إنتاج كل دول العالم (1.1 مليار طن)، على حين لا يستهلك سوقها المحلي سوى 800 مليون طن، إضافة إلى إمكان تصريف حوالي 30 مليون طن من خلال المبادرة إلى الدول الأوروبية، فضلًا عن أن الصين تسعى من خلال المشروع إلى تعزيز مواقع الشركات الموجودة في الصين ونفوذها[25].
وتسعى الصين عبر هذا المشروع أيضًا إلى وضع آسيا والشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا على مسار جديد من النمو والتنمية المستدامة، وذلك من خلال ربط البنية التحتية وزيادة التجارة والاستثمار واتباع نهج مشترك في تطوير البنية التحتية والتعاون الإقليمي من خلال المؤسسات فوق الوطنية، ولا سيما بنوك التنمية. وتهدف المبادرة إلى تعزيز الاتجاه نحو عالم متعدد الأقطاب يتسم بالعولمة الاقتصادية، والتنوع الثقافي وزيادة تطبيقات تكنولوجيا المعلومات، وإلى دعم نظام التجارة الحرة والاقتصاد العالمي المفتوح بروح التعاون الإقليمي المنفتح.
كذلك، فإنها تهدف إلى تعزيز التدفق المنظم والحر للعوامل الاقتصادية، وتخصيص الموارد بكفاءة عالية وتكامل عميق للأسواق، وتشجيع الدول على طول الحزام والطريق على تحقيق تنسيق السياسات الاقتصادية وتنفيذ تعاون إقليمي أوسع وأكثر تعمقًا بمعايير أعلى، والعمل على نحو مشترك على إنشاء هيكل للتعاون الاقتصادي الإقليمي مفتوح وشامل ومتوازن تنعكس فوائده على الجميع[26].
وفي دلالة على توسع نطاق المبادرة، حضر الدورة الثالثة لمنتدى التعاون الدولي الثالث لمبادرة الحزام والطريق، الذي عقد في تشرين الأول/ أكتوبر 2023 في بكين تزامنًا مع الذكرى العاشرة لإطلاق المبادرة، ممثلون عن أكثر من 130 دولة ومنظمة دولية، وذلك تحت شعار "التعاون عالي الجودة للحزام والطريق: معًا من أجل التنمية والازدهار المشتركين"[27]. وقد أشارت وكالة الأنباء الرسمية الصينية (شينخوا) إلى أن الصين وقعت مع أكثر من 150 دولة، وأكثر من 30 منظمة دولية اتفاقيات تعاون تتعلق بالمبادرة، وقد حققت المبادرة نتائج مهمة، حيث أسست لـ 3000 مشروع تعاون، وحفزت استثمارات تصل قيمتها إلى تريليون دولار أميركي[28]. وقد ازداد تمويل مبادرة الحزام والطريق وازدادت استثماراتها في النصف الأول من عام 2023 بحوالي 103 صفقات بقيمة 43.3 مليار دولار أميركي، مقارنة بنحو 35 مليار دولار أميركي في النصف الأول من عام 2022، فشكَّلت بذلك الاستثمارات ما نسبته 50 في المئة من إجمالي مشاركة مبادرة الحزام والطريق[29].
يؤكد تاريخ علاقات الصين مع العالم أن مبادرة الحزام والطريق لم تنشأ من فراغ، بل هي امتداد لبرامج تعاون واتصال سابقة في آسيا، ولا سيما في جنوب شرقها ووسطها، وقد حققت نتائج متفاوتة. كذلك، فقد سبقتها أطر إقليمية متقدمة نسبيًا، مثل منظمة آسيان، ما يعني أن تأثيرات المبادرة لن تكون متساوية بين الدول. ففي بعض الدول التي تعاني ضعف التنمية، مثل الهند وباكستان وبنغلاديش ونيبال، يمكن أن يسهم تطوير شبكات النقل وتعزيز الروابط التجارية في تحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة. ويتضح ذلك في المناطق الحدودية بين الصين والهند، حيث يعيش ملايين السكان رغم محدودية التبادل التجاري بينهم، ما يعكس إمكانات غير مستغلة يمكن للمبادرة تفعيلها[30].
المراجع
العربية
السقطي، خالد عبد الله. "مبادرة الحزام والطريق: الدول العربية بين الفرص والتحديات". حلقة نقاشية. الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، جامعة الدول العربية، 2000. في: https://acr.ps/hByaRmb
شحرور، عزت. "مبادرة الحزام والطريق: رؤية نقدية". مركز الجزيرة للدراسات. 11/5/2017. في: https://acr.ps/hByaQY1
"الصين تؤكد مشاركة 90 دولة في مؤتمر مبادرة طريق الحرير". الجزيرة نت. 7/9/2023. في: https://acr.ps/hByaR1z
"الصين توقع اتفاقيات تعاون مع 17 دولة عربية لمبادرة الحزام والطريق". العربي الجديد. 16/4/2019. في: https://acr.ps/hByaQBi
عيسى، جوني. "تقرير مبادرة الحزام والطريق 2023، النصف الأول". أخبار الصين والشرق الأوسط. 2/8/2023. في: https://acr.ps/hByaRiD
العبد الرحمن، حكمات. الصين والشرق الأوسط: دراسة تاريخية في تطور موقف الصين تجاه قضايا المنطقة العربية بعد الحرب الباردة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020.
"القمة الثالثة لمنتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي تنطلق في بكين غدًا الثلاثاء". وكالة الأنباء القطرية - قنا. 16/10/2023. في: https://acr.ps/hByaQJP
مجموعة مؤلفين. مبادرة الحزام والطريق الصينية: مشروع القرن الاقتصادي في العالم. برلين: المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، 2019.
مجموعة مؤلفين. العرب والصين: مستقبل العلاقة مع قوة صاعدة. تحرير مروان قبلان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019.
مجموعة من المؤلفين. العلاقات العربية-الصينية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2017.
"مبادرة الحزام والطريق: ماذا تحمل للمنطقة العربية؟" اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا. الدورة الاستثنائية السادسة. عمّان: 2019. في: https://acr.ps/hByaR30
"مشروع طريق الحرير الصيني". بي بي سي عربي. 15/5/2017. في: https://acr.ps/hByaQNn
"من الصين للعالم: كل ما تود معرفته عن طريق الحرير الجديد". الجزيرة نت. 27/4/2019. في: https://acr.ps/hByaQuc
النصار، أنس خالد. الاستراتيجيا الصينية تجاه الدول العربية: الآهداف والمآلات - دراسة استشرافية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020.
الأجنبية
Dappe, Matias Herrera et al. “Belt and Road Economics: Opportunities and Risks of Transport Corridors.” International Bank for Reconstruction and Development, World Bank. Washington: 2019.
Maliszewska, Maryla & Dominique van der Mensbrugghe. “The Belt and Road Initiative Economic, Poverty and Environmental Impacts.” Policy Research Working Paper 8814. World Bank Group, 2019.
“Belt and Road Initiative: China-Middle East Cooperation in an Age of Geopolitical Turbulence.” Brookings Doha Center. Doha: 2019. at: https://acr.ps/hByaQxK
Kennedy, Scott & David A. Parker. “Building China’s ‘One Belt, One Road’.” Center for Strategic & International Studies. 3/4/2015. at: https://acr.ps/hByaR6y
Wolff, Peter. “China’s ‘Belt and Road’ Initiative: Challenges and Opportunities.” German Development Institute. 2016. at: https://acr.ps/hByaQUt
[1] أميرة أحمد حرزلي، "مبادرة الحزام والطريق الصينية: الخلفية - الأهداف - المكاسب"، في: مجموعة مؤلفين، مبادرة الحزام والطريق الصينية: مشروع القرن الاقتصادي في العالم (برلين: المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، 2019)، ص 72.
[2] زينب عبد الله، "الإطار النظري والمفاهيمي لمبادرة الحزام والطريق الصينية". في: المرجع نفسه، ص 12.
[3] جوناثان فلتن، "حزام واحد وطريق واحدة: ومجلس التعاون لدول الخليج العربية"، في: مجموعة مؤلفين، العرب والصين: مستقبل العلاقة مع قوة صاعدة، تحرير مروان قبلان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص 275، 276.
[4] أنس خالد النصار، الاستراتيجيا الصينية تجاه الدول العربية: الأهداف والمآلات - دراسة استشرافية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص 144، 151.
[5] Maryla Maliszewska & Dominique van der Mensbrugghe, “The Belt and Road Initiative Economic, Poverty and Environmental Impacts,” Policy Research Working Paper 8814, (World Bank Group, 2019), p. 14
[6] "من الصين للعالم: كل ما تود معرفته عن طريق الحرير الجديد"، الجزيرة نت، 27/04/2019، شوهد في 15/7/2026، في: https://acr.ps/hByaQuc
[7] خالد عبد الله السقطي، "مبادرة الحزام والطريق: الدول العربية بين الفرص والتحديات"، حلقة نقاشية، الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، جامعة الدول العربية، 2000، ص 10، في: https://acr.ps/hByaRmb
[8] "مبادرة الحزام والطريق: ماذا تحمل للمنطقة العربية؟" اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا، الدورة الاستثنائية السادسة (عمّان: 2019)، في: https://acr.ps/hByaR30
[9] حكمات العبد الرحمن، الصين والشرق الأوسط: دراسة تاريخية في تطور موقف الصين تجاه قضايا المنطقة العربية بعد الحرب الباردة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص 71.
[10] Scott Kennedy & David A. Parker, “Building China’s ‘One Belt, One Road’,” Center for Strategic & International Studies, 3/4/2015, accessed on 15/7/2026, at: https://acr.ps/hByaR6y
[11] Matias Herrera Dappe et al., “Belt and Road Economics: Opportunities and Risks of Transport Corridors,” International Bank for Reconstruction and Development, World Bank (Washington: 2019), p. 3.
[12] "من الصين للعالم"، مرجع سابق.
[13] Maliszewska & Mensbrugghe, p. 19.
[14] عبد الله، ص 13.
[15] شمس الدين وجين تشويغ جيه، "مبادرة الحزام والطريق وتعاون الصين والدول العربية"، في: مجموعة من المؤلفين، العلاقات العربية-الصينية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية ومعهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة شنغهاي للدراسات الدولية الصين، 2017)، ص 65.
[16] "مبادرة الحزام والطريق: ماذا تحمل للمنطقة العربية؟"، مرجع سابق.
[17] العبد الرحمن، ص 70-71.
[18] المصدر نفسه، ص 68-69.
[19] المصدر نفسه.
[20] “Belt and Road Initiative: China-Middle East Cooperation in an Age of Geopolitical Turbulence,” Brookings Doha Center (Doha: 2019), at: https://acr.ps/hByaQxK
[21] السقطي، ص 20.
[22] "الصين توقع اتفاقيات تعاون مع 17 دولة عربية لمبادرة الحزام والطريق"، العربي الجديد، 16/4/2019، شوهد في 15/7/2026، في: https://acr.ps/hByaQBi
[23] عزت شحرور، "مبادرة الحزام والطريق: رؤية نقدية"، مركز الجزيرة للدراسات، 11/5/2017. شوهد في 15/7/2026، في: https://acr.ps/hByaQY1
[24] النصار، ص 149-151.
[25] "مشروع طريق ’الحرير‘ الصيني"، بي بي سي عربي، 15/5/2017، شوهد في 15/7/2026، في: https://acr.ps/hByaQNn
[26] Peter Wolff, “China’s ‘Belt and Road’ Initiative: Challenges and Opportunities,” German Development Institute, 2016, accessed on 15\7\2026, at: https://acr.ps/hByaQUt
[27] "القمة الثالثة لمنتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي تنطلق في بكين غدًا الثلاثاء"، وكالة الأنباء القطرية - قنا، 16/10/2023، شوهد في 9/9/2025، في: https://acr.ps/hByaQJP
[28] "الصين تؤكد مشاركة 90 دولة في مؤتمر مبادرة طريق الحرير"، الجزيرة نت، 7/9/2023، شوهد في 15/7/2026، في: https://acr.ps/hByaR1z
[29] جوني عيسى، "تقرير مبادرة الحزام والطريق 2023، النصف الأول"، أخبار الصين والشرق الأوسط، 2/8/2023. شوهد في 15/7/2026، في: https://acr.ps/hByaRiD
[30] Wolff, pp. 2, 5.