تسجيل الدخول

آرثر شوبنهاور

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

الاسم

آرثر شوبنهاور

​الاسم بالألمانية
​Arthur Schopenhauer

تاريخ الميلاد

22 شباط/ فبراير 1788

مكان الميلاد

غدانسك، الكومنولث البولندي اللتواني

تاريخ الوفاة

21 أيلول/ سبتمبر 1860 (72 عامًا)

مكان الوفاة

فرانكفورت، ألمانيا

الجنسية

ألماني

الدور العام

فيلسوف

أهم المؤلفات

· العالم إرادةً وتمثُّلًا

· الإرادة في الطبيعة

· الجذر الرباعي لمبدأ السبب الكافي


الموجز

آرثر شوبنهاور (Arthur Schopenhauer، 1788-1860) فيلسوف ألماني من فلاسفة القرن التاسع عشر، برز في موضع الفصل بين زمنين: زمن أفول الأنساق الكبرى للمثالية الألمانية {{المثالية الألمانية: تيار فلسفي يعود إلى بدايات القرن التاسع عشر، يقوم على المبدأ القائل بأن الفكر لا ينفصل عن الوجود، يمنح الفكر أولوية على المادة في تفسير للواقع. بدأت مع المثالية المتعالية لإيمانويل كانط، وتطوّرت مع يوهان غوتليب فيشته (المثالية الذاتية)، وفريدريش شيلينغ (المثالية الموضوعية)، وفريدريش هيغل (المثالية المطلقة)، وتتعارض مع تيّار الواقعية المادية.}} بأعلامها ومصنفاتها، وزمن ابتداء الأزمات بأنواعها: أزمة العلوم والفلسفة وأزمة الإنسانية في معترك السياسة والتاريخ. عاصر شوبنهاور هذا الانفصال التدريجي وكان من الشاهدين عليه، وشارك في بعض أحداثه وتنبأ بأخرى، وعبّر في الحالتين عن ما يأتي المتشائمون به من التبرّم من الزمان الحاضر، والنظر إلى المستقبل نظرة الكُهّان والرائين.

بلور شوبنهاور نسقًا فلسفيًّا أخلاقيًّا وجماليًّا وميتافيزيقيًّا، مُستندًا في ذلك إلى فلسفة أفلاطون (Plato، نحو 427-347 ق.م.) وإيمانويل كانط (Immanuel Kant، 1724-1804)، والأوبانيشاد (Die Upanishaden)، إضافة إلى التكوين الذي حظي به في ميدان العلوم الطبيعية (Die Naturwissenschaften)، حيث جعل من السبب الكافي/ العلة الكافية (Satz vom zureichenden Grunde) مبدأً لإدراك عالم التَّمثُّل (Die Welt als Vorstellung)، وفصَّله إلى علة المعرفة (Grund des Erkennens) وعلة الصيرورة (Grund des Werdens) وعلة الفعل (Grund des Handelns) وعلة الوجود (Grund des Seins)، ثم أَعَادَ تأويل التفرقة الكانطية بين الشيء في ذاته (Ding an sich) والظاهرة (Erscheinung) عبر ثنائية الإرادة والتَّمثُّل. فمن مُنطلق كونه معلومًا، العالم هو عبارة عن تمثٌّلٍ للذات العارفة (erkennendes Subjekt)، أما باطنه فيتجلى عن طريق التجربة المزدوجة بالجسد، لكونه "إرادة عَميَاء" (blinder Wille) لا تلتزم بالعلية (Kausalität) والمكان والزمان، وتتبلور في الحياة والطبيعة والفعل البشري. ومن هذه الرؤية استنبط شوبنهاور فلسفته التشاؤمية: الإرادة سَعْيٌّ لا ينتهي، يتوالى فيه الألم، والملل، والإشباع، والحاجة. ويمنح الفن إمكانية تعليق هذا السَّعْي بصورة مؤقتة من خلال المعرفة التي تخلو من الإرادة (willenlose Erkenntnis). ويحظى فن الموسيقا عند شوبنهاور بمنزلة كبيرة لكونه تعبيرًا مباشرًا عن الإرادة، في حين تنبني الأخلاق عنده على شعور الشفقة التي تقوم بمجاوزة مبدأ التفرد (principium individuationis)، وتؤسس الإحسان (Menschenliebe) والعدالة (Gerechtigkeit). ويصل التحرر مُنتهاه في إنكار إرادة الحياة (Verneinung des Willens zum Leben) والزهد.

أقام شوبنهاور أفكاره هذه في أعماله الفلسفية المركزية، ولا سيما كتاب الجذر الرباعي لمبدأ السبب الكافي، وكتاب الحواشي والبواقي، وكتاب العالم إرادةً وتمثلًا، وكتاب الإرادة في الطبيعة، وكتاب مشكلتا الأخلاق الأساسيتان. وقد كان لفلسفته حضورٌ وتأثير لدى العديد من الفنانين والفلاسفة المعاصرين، مثل: سيغموند فرويد (Sigmund Freud، 1856-1939)، وفيلهلم ريشارد فاغنر (Wilhelm Richard Wagner، 1813-1883)، وفريدريش نيتشه (Friedrich Nietzsche، 1844-1900)، ولودفيغ فيتغنشتاين (Ludwig Wittgenstein، 1889-1951) وغيرهم. كما تعرضت فلسفته لانتقادات حادّة، بسبب انتقال هذه الفلسفة من الوعي الباطني بالإرادة إلى منحى تعميمها على الطبيعة، وجوانب التوتر القائم بين الإقرار بتعذر معرفة الشيء في ذاته وتسميته إرادة، إضافة إلى آرائه المعادية للنساء وبعض أحكامه المُتَحيّزة ضد اليهود. ورغم ذلك، بقيت نظرياته في ميدان الجماليات والتشاؤم والشفقة من أهم إسهاماته في سياق الفلسفة الغربية الحديثة.

حياته وتعليمه

ولد آرثر شوبنهاور يوم 22 شباط/ فبراير 1788 في مدينة دانتسيغ Danzig (حاليًا غدانسك Gdańsk في بولندا) في عائلة ميسورة الحال. كان أبوه هاينريش فلوريس (Heinrich Floris، 1747-1805) تاجرًا، واختار لابنه اسمًا برسم واحد لا يتبدل في اللغات الأوروبية؛ أما أمه يوهانا تروزينر (Johanna Trosiner، 1766-1838) فكانت تصغر أباه بسنوات وذات ثقافة وتعليم. انتقل مع عائلته إلى هامبورغ في سن الخامسة بدفع من الأفكار التنويرية والجمهورية لوالده الذي لم يحتمل أجواء دانتسيغ بعد ضمها إلى بروسيا، وهو الذي كان يعتزم تربية ابنه على المثل الكونية (الكوسموبوليتية) للعالم التجاري وتهيئته ليتخذ مكانه في هذا العالم، ويرعى نشاط العائلة وثروتها من بعده[1].

جاب مع عائلته أنحاء أوروبا، وأقام لدى عائلة فرنسية مدة عامين (1797-1798)، وأقام في ويمبلدون في إنكلترا عامًا واحدًا (1803)؛ وتعلم في أثناء ذلك لغتي البلدين.[2] وبقيت الذكرى الجميلة لمقامه الفرنسي عالقة بذهنه، على خلاف ما عاشه في ويمبلدون من أجواء المسيحية الأنغليكانية التي نفر منها. كان عبوره البلاد الأوروبية مثل فرنسا وسويسرا والنمسا والمقاطعات الجنوبية من ألمانيا قد طبع نفسه بمشاعر الشفقة والتعاطف مع مشاهد البؤس التي عاينها ودوّنها في مذكراته. 

وقد مثلت هذه الزيارات تجربة ذات أثر بالغ في تكوين مزاجه الذهني المتشائم، وألهمت تفكيره في أحوال البشر وما يحتملون من العناء في معاشهم. لم يقنعه ذلك باختيار طريق التجارة مهنة يتفرغ لها طول حياته، وفضّل الخيار الذي تركه والده متاحًا له ليتبعه إن شاء، أي مزاولة التعليم والالتحاق بالجامعة. 

وبعد عامين من وفاة والده (منتحرًا على الأرجح في 20 نيسان/ أبريل 1805) قرر الشاب آرثر في سن التاسعة عشر ترك هامبورغ وعالمها التجاري والبنكي بتشجيع من والدته، والانتقال معها ومع شقيقته لويز أديلايد (1797-1849) إلى مدينة فايمار؛ وقد كانت والدته وشقيقته شخصيتين مؤثرتين في وجدانه وفي مواقفه من المرأة تأثيرًا كبيرًا. انعقدت صلة العائلة بمشاهير الأدباء في ذلك الوقت مثل يوهان ڤولفغانغ ڤون غوته (Johann W. von Goethe، 1749-1832) والأخوان شليغل (Schlegel) من خلال النادي الأدبي الذي دأبت والدته على الإشراف عليه، إذ دخلت عالم المثقفين بما نشرت من مقالات وقصص وروايات وسير، وما عقدت من روابط الصداقة مع وجوه الفن والمجتمع. 

وقد كان وجود المستشرق فريدريش ماير Friedrich Majer)، 1772-1818) في صالون والدته بداية اكتشاف شوبنهاور للعالم الشرقي وافتتانه بميراثه الفكري والروحي العريق. كما كان لحضور الناقد الفني كارل لودڤغ فرنو (Karl Ludwig Fernow، 1763-1808)، صديق والدته، الدور الأكبر في سماحها له بمزاولة الدرس والتعلم الجامعي في وقت أدرك الشاب أن صلته بوالدته لن تستمر طويلًا؛ لما في مزاجها من سوء لم يعد يحتمله، وما في حياتها من طابع اللهو والاستهتار. 

ابتدأ شوبنهاور مساره التعليمي بالانتساب إلى جامعة غوتنغن عام 1809 لدراسة الطب ثم الفلسفة (في الفصل الثالث) طيلة عامين. كانت المؤسسة الجامعية الألمانية آنذاك تعيش فترة حرجة بين ضغط الظرف السياسي المتوتر، جرّاء الاحتلال الفرنسي، والحاجة إلى التجديد، وتشهد على بلوغ الفكر الفلسفي أوج تألقه مع يوهان غوتليب فيشته وفريدريش شيلنغ وهيغل، رواد المدرسة المثالية الكبرى. فاكتشف الطالب الشاب معلِّمًا من طراز مختلف هو غوتليب أرنست شولتسه، صاحب الطريقة الريبية في التفكير ومُجادل فيشته، والذي وضع تعليقًا على مذهب كانط. وقد كان لنصيحة هذا الأستاذ القسط الأكبر في توجيه شوبنهاور الشاب نحو فلسفتي كانط وأفلاطون، وعكوفه على مطالعة أعمالهما وصرف نظره عن أرسطو وسبينوزا خاصة، وعن معاصريه من أعلام المثالية الأشهر في وقته بعد أن خاب ظنه فيهم سريعًا. ولكنه تابع مع ذلك دروس فيشته صاحب الخطابات الحماسية إلى الأمة الألمانية، وفريدريش شلايرماخر أستاذ اللاهوت والفلسفة في برلين، دون أن يقتنع بأي منهما، بل سخر منهما سخرية لاذعة، وساءه فساد العالم الأكاديمي وتبعيته المهينة للحكومة القائمة ولرجالها، ومهادنته للمؤسسة الدينية. ودفَعه دخول نابليون برلين عام 1806 إلى الهرب إلى رودلشتات في الجنوب الغربي من مدينة يينا حيث تفرغ لتحرير رسالته الجامعية الأولى في الجذر الرباعي لمبدأ السبب الكافي "Über die vierfache Wurzel des Satzes vom zureichenden Grunde"، وتقدم بها إلى جامعة يينا القريبة منه ليحصل بها على درجة الدكتوراه في الفلسفة.[3]

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


أصرّ شوبنهاور في ما تلا من أعماله على أن هذه الرسالة هي نواة فلسفته، وأن فهمها لا يكون إلا بالابتداء بقراءتها؛ وأن هذا العمل، وإن كان غضًا قريبًا من فترة النشأة الأولى، إلا أن دوره حاسم في تقرير مستقبله الفلسفي. بعد رجوعه إلى فايمار في خريف العام نفسه وإقامته لدى والدته زمنًا يسيرًا، غادر شوبنهاور المدينة مرة أخرى نحو درسدن في أيار/ مايو 1814 وقطع صلته بأهله نهائيًّا وابتدأ نشاطًا فلسفيًّا غزيرًا، توَّجه بعمل عنوانه في الإبصار والألوان[4] بتأثير مباشر من نظرية غوته في الألوان. ثم تفرّغ عام 1818 لاستكمال ما شرع فيه من قبل لتأليف كتاب حياته وما اعتبره أهم أثر منجز في مشروعه الفلسفي: العالم إرادة وتمثُّلًا[5]، إذ أتمَّه في آذار/ مارس ونشره عند بروكهاوس في كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه (بتاريخ 1819 على غلافه)، جامعًا فيه ما تلقاه من أفكار أفلاطون وكانط وما أضافه من تعاليم التراث الهندوسي العتيق. ولم يكن ذلك بفعل ما عمل به من نصائح معلمه شولتسه، وما لقيه من ماير وكتاب الأوبانيشاد (Die Upanischaden) الذي وجده عنده فحسب، بل بما أضافته إليه معاشرة فيلسوف وماسوني من أهل درسدن هو كارل كريستيان فريدريش كراوزه، من تلامذة فيشته. وقد كانت تعاليمه تزيد على مجرد الحلولية (Pantheism)، التي تساوي بين حدين ("الكل = الله") بإدراج "الكل-في-الله" (Panentheistism)، إدراجًا يجد صدًى له في بعض تعاليم الكتاب الرئيس لشوبنهاور الذي لم يجد حين نشره ما كان يتوقع من حسن القبول من جمهور القراء ومن المثقفين.[6]

لم تكن تلك خيبته الوحيدة في وقت كان قد بلغ فيه أوج عطائه الفكري بين عامي 1814 و1818، إذ فشل في الظفر بوظيفة مدرّس قارّ في جامعة برلين عام 1820 حين تعمّد وضع توقيت دروسه في نفس توقيت هيغل بشيء من التحدي الذي لم يفلح في جلب أكثر من خمسة من الطلاب، مقابل المئات الذين يملؤون مدرج المحاضرات حيث يلقي زميله المرموق دروسه. اضطره ذلك إلى التخلي عن فكرة التدريس أصلًا ومغادرة سكنه عام 1822 والتخلي عن وظيفته ليزور إيطاليا، ويرجع بعد عام إلى ميونيخ، ويتردد في الإقامة بين مانهايم ودرسدن عام 1824، ثم يرجع إلى برلين عام 1825 حيث يفشل مرة أخيرة في انتزاع وظيفة جامعية بعد الاشتباه بتورطه في نزاع قانوني مع إحدى جاراته منذ عام 1821 وتغريم المحكمة إياه مبلغًا شهريًّا يؤديه إليها بعد اعتدائه عليها اعتداءً عنيفًا. حاول في هذه الأثناء أن يعمل بالترجمة من اللسانين الفرنسي والإنكليزي، وباءت تجاربه بالفشل، عدا ترجمة لاتينية لكتابه في الإبصار والألوان نشرها عام 1830، وترجمة لكتاب الكاهن اليسوعي الإسباني بالتازار غراسيان نشرها عام 1832 بعنوان فن حكمة الحياة (Kunst der Weltklugheit). أُجبِر شوبنهاور عام 1831، بفعل انتشار وباء الكوليرا، على الهرب من برلين إلى فرنكفورت ثم مانهايم، ليستقر ابتداءً من حزيران/ يونيو في فرنكفورت، ويواظب على حياة العزلة، وهو أعزب لم يعش سوى تجربة حب عابرة في إيطاليا، يقلب وقته بين القراءة والكتابة وارتياد مطعم إنكليزي وسط المدينة، وقراءة الأنباء في صحيفة لندن تايمز (London Times).[7]

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


شهدت هذه الفترة ظهور كتاب له يمتاز بطابع علمي عام 1836 عنوانه: عن الإرادة في الطبيعة[8]، حاول فيه إثبات صدق مقالاته الميتافيزيقية بحجج من العلم الطبيعي لا تخلو من تأثيرات المغناطيس الحيواني وأشياء من السحر، وبعض إيحاءات من الباراسيكولوجيا. على أن الاعتراف بفلسفته لن يحصل إلا حين نشر عام 1839 كتابًا بعنوان في حرية الإرادة البشرية[9]، إذ نال الجائزة الأولى في مسابقة وضعتها الجمعية الملكية النرويجية للعلوم والآداب. ولكنه فشل في نيل جائزة الجمعية الملكية الدنماركية للعلوم في كوبنهاغن بعمل عنوانه في أساس الأخلاق[10]؛ إذ لم يتقدم إلى المسابقة غيره، وساء أعضاء اللجنة تهجمه على زملائه في الجامعة. وفي عام 1841 عمد إلى جمع المقالتين في كتاب واحد: مشكلتا الأخلاق الأساسيتان[11].

أما كتاب العالم فقد أعاد نشره في طبعة ثانية عام 1844 مع إضافات وتكميلات عديدة، وكذلك أعاد نشر رسالة الجذر الرباعي عام 1847 دون أن يلقى الكتاب رواجًا يُذكر لدى القراء وفي العالم الأكاديمي. ولقد عمد في آخر حياته إلى التأليف على نمط الشذرات والمقابسات والحكم، وكتابة معاجم فلسفية على غير المألوف، وفصول مختصرة في المسائل التي كان قد تطرق إلى بعضها في أعماله السابقة، وبقيت في حواشيها أو على حدودها. ثم جمع حصيلة تأملاته في عام 1851 في مصنف من أجزاء عديدة بعنوان طريف: الحواشي والبواقي[12]. وبدأ في جني ثمار الاعتراف بعمله الذي تأخر كثيرًا حتى وضعت جامعة لايبزغ مسابقة حول فلسفته عام 1856، وانتشرت مراجعات لأعماله وفلسفته بُعيد نشر جون أوكسنفورد مقالة بعنوان "بدعة في الفكر الألماني" (1853)[13] التي أثارت جدلًا واسعًا بعد أن نقلها صديقه ليندنر (Lindner) إلى الألمانية. كما ألّف صديقه الآخر وتلميذه فراونشتيت (Frauenstädt، 1813-1879) كتابًا عن مذهبه الفلسفي: رسائل في فلسفة شوبنهاور[14] في لايبزغ، عام 1854، حتى صار بعد ذلك محط اهتمام الناس في سنوات حياته الأخيرة، ومزار المثقفين من ألمانيا ومن خارجها. وفي هذه السنين الأخيرة ضعفت قواه واكتفى بإعادة نشر كتاب العالم في طبعة ثالثة عام 1859، واعتزل الناس ليوافيه الأجل في 21 أيلول/ سبتمبر 1860 بمنزله في فرنكفورت[15].

فلسفته

المصادر والبدايات

دأب شوبنهاور في بعض أعماله، ابتداء من تصدير النشرة الأولى من كتاب العالم[16]، وفي مواضع أخرى ومراسلات دوّن فيها ما دفعه إلى الفلسفة، على الحديث عن دافع ثلاثي نشأ منه فكره: كانط وأفلاطون والأوبانيشاد. فالحديث عن مصادر الفلسفة غير الحديث عن "سيرة الحياة" وتصاريفها (Lebensgeschichte) التي هي أقرب إلى "حكاية من حكايات المعاناة" (Leidengeschichte)[17]؛ وحتى إن كانت هذه المرجعيات تنبع من مزاج فكري نشأ عليه الفيلسوف زمن حداثته، فإنها تدخل في باب الترجمة النسقية لتجارب الاكتشاف الأولى التي تلقى بها نصائح من معلميه، ومالت بها نفسه إلى أعلام ونصوص دون أخرى، ثم تحولت إلى حجج وأدلة تشد أجزاء الفلسفة بعضها إلى بعض وتنتظم "معماريات نسقية" (Architektonik). أما العلامات الدالة على هذا الترابط الداخلي في "النسق الفكري"[18] فتمثلها نصيحة شوبنهاور لقارئه بأن يبتدئ قبل قراءة العمل الرئيس، أي كتاب العالم، بقراءة الرسالة السابقة عليه في الجذر الرباعي والمصنف الموالي في الإبصار والألوان[19] من حيث هما في مقام التوطئة له. أما المرتكزات الفكرية للكتاب فيجملها في ما سماه "المطلب الثالث" الذي يقتضيه من القراء: "الأعمال الرئيسة لكانط" من حيث هي "أهم ظاهرة قد تجلت في الفلسفة منذ ألفي سنة"[20]، معتبرًا تأثيرها في العقل أشبه بما تفعله "عملية جراحية لعلاج إنسان أعمى من مرض إعتام عدسة العين" (Cataracte)، إلى درجة اقتضى الأمر معها أن تُخَصّ فلسفة كانط بملحق داخل الكتاب وأن يصار إلى الابتداء بقراءتها قبل قراءته[21]. وهو ما يضيف إليه شوبنهاور مصدرين: "تعاليم مدرسة أفلاطون الإلهي" و"كتب الڤيدا المقدسة" (Veda) التي كان المدخل إليها من خلال الأوبانيشاد"، وما ينطوي عليه "الأدب السنسكريتي" من أهمية بالغة شبيهة بما اضطلع به الأدب اليوناني من وظيفة مساعدة في النهضة في القرن الخامس عشر الميلادي. أما في تصدير الطبعة الثانية فقد أبطل شوبنهاور كل رجاء في أن تنبع الفلسفة والكتاب الذي يقدمه للقراء من محرك سياسي أو مادي مثل الذي يدفع معاصريه من "فلاسفة السلطان": "أن الدافع الأول (Primum mobile) الحقيقي، الدافع الفعلي لمثل هذه الحركة، ليس أهدافًا مثالية، وإنما أهداف شخصية ورسمية وكنسية وسياسية، وباختصار المصالح المادية التي تبقى هنا محل الاعتبار"[22].

نشأت فلسفة شوبنهاور من مزاجه السياسي المحايد الأقرب إلى النزعة المحافظة المناهضة للتمرد والثورة، فمعروف أنه دان انتفاضة 1848 ورفضها، كما يشهد على ذلك قراره بتخصيص جزء من ميراثه لجنود الجرحى وعائلاتهم، دون أن يقترن ذلك الموقف بأي مسعى للتقرب من السلطة القائمة. ولذلك كانت دعوته إلى قراءة كتبه بما تقتضيه من الرياضات الفكرية والاستعدادات الذهنية والتسليم بوجاهة المرجعيات التي انطلق منها، مقترنة بكراهته الشديدة لمعاصريه من أساتذة الفلسفة في الجامعات[23]، وأولهم هيغل: "خادم الوزير"، و"المخلوق الوزاري" (Ministerkreatur)، و"الدجال الغليظ"، الذي حاز القسط الأكبر من تشنيعه وهجائه؛ ثم فيشته الذي صنع فلسفة أقرب إلى "المهزلة" (Spiegelfechterei) و"نظرية علم" (Wissenschaftstheorie) هي "فراغ العلم" (Wissenschaftsleere)[24]. وكذلك شيلنغ صاحب "الكتلة العجينية للهوية المطلقة". وقد وصف خطابيهما بأنه ضرب من "الهذر"، واعتبر أنهما يشكلان جميعًا مع ثالثهما "السفسطائيين {{السفسطائية: حركة فلسفية نشأت في اليونان القديمة، تميّزت بتعليم فن الخطابة والجدل، واستعمال الحجج المغالطية لإقناع محاوريها والتأثير النفسي فيهم، تتلاعب باللغة كما تتلاعب بالمشاعر، لتحقيق الغلبة في النقاش، مستخدمة كلّ الحجج حتّى أكثرها مغالطية. كانت العدوّ اللّدود لسقراط وأفلاطون، إذ كان غرضها النجاعة السياسية، في حين كان غرض الفلسفة إدراك الحقيقة لذاتها.}} المشهورين الثلاثة في الفترة التالية لكانط"[25]. ولعله لذلك اقتصر في ما لقيه من معاصريه على ما ذكرنا من تأثره بنصيحة معلمه شولتسه وسائر شيوخه من العلماء بوجه خاص، فضلًا عما اكتشفه من صحف الديانة الهندوسية (في ترجمتها اللاتينية) وما حصّله بعد ذلك من ثقافة واسعة بلغت حدًّا كبيرًا من التبحر والتحصيل في الكلاسيكيات الإغريقية واللاتينية.

الأساس الفلسفي والأصول العلمية

حين يتحدث شوبنهاور عن فلسفته، وعن الفلسفة عمومًا، لا يتردد عن التصريح بأنها "يلزم أن تبقى كوسمولوجيا لا أن تصير ثيولوجيا"[26]، أو في أدنى الأحوال خادمة لها مثل ما دعا إلى ذلك معاصروه من أساتذة الفلسفة (هيغل[27]، شيلنغ[28]) وكأنهم يرتدّون إلى ما قبل لحظة "نقد العقل" الكانطية. لا شك أن ذلك التعريف ينطوي على موقف من الدين ومن المؤسسة اللاهوتية، ولكنه ينطق عن حقيقة أساسية عابرة لفلسفة شوبنهاور برمتها: أن الاحتكام إلى المعرفة العلمية أوثق سبيلًا من إرسال الميتافيزيقا من جديد بغير قيد من معرفة محققة أو من تجربة؛ فلذلك لم يخرج شوبنهاور قط عمّا تلقاه من تحصيل علمي من شيوخ في مقام أدولف فريدريش همبل ويوهان فريدريش بلومنباخ في التشريح، ويوهان إليرت بوده في الفلك، وهاينريش ليشتنشتاين في البحث الطبيعي، ويوهان هوركل ويوليوسإيزيدور روزنتال في الفيزيولوجيا، ولم يمنعه ذلك من نقد ما يذهب إليه بعض علماء عصره من الأخذ بنزعات مغالية هي أقرب إلى الاعتقادات غير العلمية، مثل المادية التي يدعو إليها لودڤيغ بوخنر ومولشوت، والمذهب الذري الشائع عند الفرنسيين، والنظرية التطورية التي أدركها في أواخر حياته حين نشر تشارلز داروين كتابه عن أصل الأنواع[29] عام 1859، أي قبل وفاة شوبنهاور بعام واحد فقط[30]؛ وقد رأى الفيلسوف الألماني في تلك النظرية ضربًا من التجريبية السطحية التي لا تتجاوز نظرية جان-باتيست لامارك.

الفيلسوف حسب رأي شوبنهاور صاحب "فن"، لا "علم"، ففي كتاب نظرية الألوان انحاز شوبنهاور إلى موقف غوته ضد نيوتن؛ إذ صاغ نظرية فيزيولوجية في الألوان مخالفة لقول نيوتن بانكسار الأشعة، وقول غوته بالأوساط المخترقة، ولو أن شوبنهاور يميل إلى نظرية غوته وأشاد بالإسهام العلمي للفيلسوف الشاب الذي أقر بضرورة تفسير الألوان بنشاط القرنية بإزاء كل مثير خارجي. وفي كتاب عن الإرادة في الطبيعة (1836)[31] أظهر شوبنهاور، بعد طول تجربة، معرفة عميقة وراسخة بالعلوم الطبيعية، وبلغ حد التجديد في الرياضيات في مجال الهندسة الحدسية[32].

أما رسالة في الجذر الرباعي لمبدأ السبب الكافي "Über die vierfache Wurzel des Satzes vom zureichenden Grunde" التي نشرها عام 1813 فإنها جزء من هذا السياق العلمي أو هي ترجمته الإبستمولوجية: التقيد بعالم الظاهرات وإخضاعها إلى "مبدأ السبب الكافي" جمعًا بين عناصر ثلاثة: المكان والزمان والسببية. وربما أخطأت والدته فرأت فيه عملًا في دراسة الأسنان (Odontology)، ولكن قرّاءه الأوائل استحسنوا ما جاء فيه معبرًا عن عبقرية الفيلسوف اليافع ومنهم غوته، وراينهولد، وفريدريش أ. ڤولف وشلايرماخر. وقد ترجع أهمية هذه الرسالة أيضًا إلى ما استشعر مؤلفها من حدس أوّليّ بفكرة الأصول الأربعة، أو "التربيع"، التي سيستأنف استخدامها بشكل موسع في كتاب العالم ومعماريته المعقدة. إن المبدأ العام الذي صاغه كريستيان ڤولف بعد معلمه لايبنتس: "لا شيء دون سبب يجعل وجود أمر أولى من عدم وجوده" (Nihil est sine ratione cur potius sit quam non sit) لا يؤخذ فيه "السبب" (Grund) على معنى العلة المنطقية المجردة التي تدخل في نطاق الأحكام فحسب، بل يتعلق بما يطرأ على الموضوعات الفعلية من التغيرات؛ أي بالمعرفة وبحرف السؤال "لم" (Warum) من حيث يتصل بجذر مبدأ السبب الكافي ثم بالبنية الرباعية له؛ أما الجذر فيرجع إلى بنية التعلق بين الذات والموضوع (وحدة الوعي)، كما ترجع البنية الرباعية إلى اختلاف الحالات الجزئية التي تدخل في تأليف التمثلات، إذ ينطبق عليها هذا المبدأ وتعبر عنها ميادين أربعة: 1) الذهن وهو مشترك بين الإنسان والحيوان لكونه من طبيعة حدسية؛ 2) العقل وهو مجرد، وفيه تتكون المفاهيم وتحدث اللغة ويتميز به الإنسان بالعقل والنطق؛ 3) الصور القبلية للمكان والزمان وفيها يدخل مبدأ السببية ويتشكل العالم المحسوس ويتوفر أساس العلم الرياضي؛ 4) الدافعية (أو التحفيز، Motivation) التي يكون بها اتصال محركات الأفعال من حيث هي غير متحكمة بالمشيئة التي ترجع إلى الذات المريدة بوصفها قلب الإرادة في ذاتها. إن مبدأ السبب الكافي يتحكم بميدان المعرفة لا بغيرها من الميادين، ويدل على تقيد الوعي البشري بنطاق الحدس الحسي وبالذهن والعقل؛ أي بثنائية الذات والموضوع. فلا معنى حينئذ للبحث عن سبب أو عن علة قصوى ومطلقة للوجود؛ أما الإرادة فمن جنس غير سببي ولا زماني ولا يسبقها أي شيء. إن ما ينتهي إليه شوبنهاور في هذه الرسالة يتجاوز مختلف الترتيبات السببية للمعرفة ليتصل بما يتجاوزها وما يشكل مبدأً للنسق الفلسفي برمته؛ أي الإرادة بوصفها من "الحس الباطن"، لا على نحو ما تعرف الذات ذاتها وكأنها موضوع لها، ولا ما تكون به "معرفة المعرفة" التي هي غير ممكنة أصلًا، بل على نحو ما تعمل "الذات المريدة" من إنشاء للوجود بشيء هو أشبه بالمعجزة الحقيقية.[33]

المعرفة والإرادة

يقرّ كتاب العالم منذ تصدير النشرة الأولى منه بأن الإقبال على مضمونه وفهمه لا ينفصلان عن القاعدة التي تمثلها الأعمال الأولى ولا سيما الرسالة في السبب الكافي، وأن "الفكرة الوحيدة" المعروضة للقارئ في هذا الكتاب هي التي تترابط بها أجزاؤه وأركانه الأربعة وتنتظم بحسب "وجهات نظر" بعينها أو "اعتبارات" (Betrachtungen) كما تنتظم الأقسام الكبرى للفلسفة (الميتافيزيقا، الأخلاق، العلم/ المعرفة). ولا تخلو هذه الفكرة من التعلق بالمرجع الكانطي للكتاب: "أن العالم تمثُّلٌ (Vorstellung) لي"، إلى حد دعوة المؤلف قارئه أن يبدأ بمطالعة الضميمة أولًا[34] ("نقد الفلسفة الكانطية") وكأنها هي التوطئة الفعلية للكتاب. إن مبدأ الفلسفة هو "التأمل" (Reflexion) لا الحدس أو الإلهام أو العرفان المطلق؛ وذلك هو معنى الابتداء بكانط، رجوعًا إلى حقيقة بسيطة يختص بها الإنسان ويقدر على تحويلها إلى موضوع للنظر والتأمل. ذلك أن العالم لا وجود له إلا على هذه الحال التمثلية التي تضعه بالإضافة إلى ذات مدركة، وأن ذلك أسبق وأعم من كل المفاهيم ومن كل إدراك حسي أو ذهني، وأن التمييز بين الذات والموضوع يلزم أن يسبق كل شيء ويجمع بين التمثلات المجردة والحدسية: "ولذلك، فليست هناك حقيقة أكثر من هذه الحقيقة يقينًا، وأكثر منها استقلالًا عن كل الحقائق الأخرى، وأقل منها احتياجًا إلى البرهان على صدقها، ألا وهي أن كل ما يوجد فلأجل المعرفة، ومن ثم فإن مجمل هذا العالم هو فقط موضوع بالنسبة لذات، أي إدراك مدرك، وفي كلمة واحدة: تمثُّل"[35]

وقد يُعترض على هذا القول بأن الأمر لا يخلو من اختزال الوجود في ما تتوهمه الذات عنه أو تتصوره بمعنى شبيه بما جاء عند رينيه ديكارت وجورج بركلي بوجه خاص، أو بتعميم مُشَطٍّ للاعتقاد الهندي في حجاب مايا يقلب الوجود الفعلي حلمًا دائمًا، وليس شوبنهاور بغافل عن مثل هذه المؤاخذات وهو يمزج في تصوراته نزعة تجريبية جذرية بمثالية قريبة من المدرسة الترنسندنتالية النقدية؛ "وذلك أن تحديد حكم الذات ومنزلتها بوصفها "حاملًا" (Substratum) للعالم، والتفرقة بين أنماط التمثلات المجردة والحسية، وضبط العلاقة بين الذات والموضوع بتحريرها من الرابطة السببية، أمور تخرج عن المجادلات العقيمة بين المذاهب الفلسفية في طبيعة العلاقة بين الذهن والوجود، أو في وجود العالم الخارجي، بل تستند إلى محصلات الفكر العلمي بإيلاء الأهمية القصوى للعالم الطبيعي المنظور بما فيه من عناصر ومقومات: مثل طبيعة المادة بوصفها فعلًا، والسببية، والتغيرات التي تطرأ على الأجسام، وبنية الكائن العضوي الحي وعلاقته بالمحيط، ودور الجسد في عملية الإدراك، إلى غير ذلك، فضلًا عن تكوين الفكر الاستدلالي المجرد، ونشأة المفاهيم التي تتساوق مع نشأة اللغة وتجعل التفكير محاكاة وإعادة إنشاء لعالم الحدس. ذلك أن المعرفة لا تكون بمجرد النظر والمشاهدة، بل بالمفاهيم؛ أي بالعقل الذي يرى فيه شوبنهاور طبعًا "أنثويًّا" يجعله لا يعطي إلا بقدر ما يأخذ، إذ العقل لا يحوي إلا الصور الفارغة لنشاطه. وإذا استثنينا المبادئ الأربعة للحقيقة الميتا-منطقية (الهوية والتناقض والثالث المرفوع والسبب الكافي)، فإن سائر المفاهيم تتصل ضرورة بالحدوس وبالتمثلات الحدسية لتنتج المعرفة؛ الأمر الذي لا يعني إقصاء الشعور من مدار المعرفة العقلية، بل هو إقرار بأهميته اتباعًا لمن أخذ به من معاصريه مثل شلايرماخر وتينمان؛ فلا بأس حينئذ من "اعتبار مفهوم الشعور من وجهة نظره الصحيحة دون حذف صفته السلبية التي هي ماهيته بعينها".[36]

لذلك فإن الابتداء بقراءة كانط هو ركن هذه النظرية، في حدود ميتافيزيقا التمثل أولًا، ثم في ما يمكن استئنافه منه في نظرية الإرادة انطلاقًا من الجزء الثاني من كتاب العالم. لقد أعاد كانط إلى الفلسفة روح "الجد" الذي فقدته ورفعها إلى أعلى مستوى لها منذ الإغريق، وذلك عبر: 1) التمييز بين "الظاهرة" و"الشيء في ذاته"، أي بين "التمثل" و"الإرادة"؛ 2) رفع الإستطيقا الترنسندنتالية (المتعالية) إلى رتبة أعلى من التحليلية؛ 3) نقد نظرية المقولات وترتيبها المصطنع؛ 4) التحفظ على الجدلية الترنسندنتالية ولا سيما في القسم الخاص بنقد الكوسمولوجيا، وإبطال أي قيمة فلسفية لنظرية النقائض. أما مقالة "الأشياء في ذاتها"، فتبقى نكتة الإشكال في هذه المناظرة مع إرث كانط؛ فقد كانت هي المسألة التي بادر إلى إثارتها أستاذه شولتسه في عمل شهير حمل عنوان: إينيسيديموس[37] نشره عام 1792 موجه ضد الكانطي راينهولد، وكذلك فعل فريدريش هاينريش ياكوبي، غريم كانط، إذ وجّه إليه نقده في المسألة ذاتها في عمل بعنوان في المثالية الترنسندنتالية[38].

العالم بوصفه إرادة

إن نظرية الإرادة هي موضع الالتقاء بين أفلاطون وكانط؛ وذلك أن تحويل الظاهرة إلى التمثل يعني في الوقت نفسه تحويل الشيء في ذاته إلى الإرادة. ذلك هو غرض الكتاب الثاني من مصنف 1819: الإرادة وتموضعها (Objektivation) في العالم والحياة.[39]

فالإرادة ليست مفهومًا من مفاهيم ميتافيزيقا الأخلاق (غرض الكتاب الرابع والأخير)، بل هي الأساس الفعلي لميتافيزيقا الطبيعة، ماهية الكون بأسره، لا وظيفة من وظائف الفكر (ديكارت) أو مبدأ للفعل الحر (كانط)، أو للوعي الذاتي (فيشته)، أو لجدل الطبيعة والروح (هيغل). إن الإرادة مبثوثة في أركان الوجود كلها: في البنيان العضوي للكائنات الحية، وفي الطبيعة، قبل أن تخترق العالم البشري: "إني أبتدئ بالتجربة وبالوعي الذاتي الطبيعي، المعطى لكل واحد، لأجل أن أبلغ الإرادة، عنصري الميتافيزيقي الأوحد: هكذا أسير متبعًا طريقًا صاعدًا تحليليًّا"[40]. فلذلك يتعين الرجوع إلى الظواهر ذاتها وتعقب ماهياتها الباطنية، وأن تتحول الذات العارفة إلى فرد وإلى كيان جسدي مثنوي البنية موضوعًا حسيًّا وجسدًا خاصًّا في آن واحد، وهو واسطة الانتقال من ذات التمثل إلى ذات الإرادة، من مجرد المعرفة إلى الفعل ودوافعه؛ إن الجسد هو "الإرادة متموضعة". بذلك يصير بالإمكان أن تتحول الظاهرة إلى شيء في ذاته، بل أن يكون الشيء في ذاته هو الإرادة عينها، وأن يؤيد ذلك بنظرية المُثل (الصور العقلية) الأفلاطونية في الكتاب الثالث، حتى يبلغ الإقرار بحكمها الميتافيزيقي الأخير: إن الإرادة بوصفها شيئًا في ذاته واقعة كما قلنا خارج مجال مبدأ السبب بكل أشكاله؛ وهي تبعًا لذلك بلا سبب (Grundlos). أما ما يسميه شوبنهاور "موضعة الإرادة"، بمعنى تحققها الموضوعي، فله درجات تشهد عليها كثرة الأفراد وكأنها نماذج أصلية أو صور أبدية بالمعنى المقصود في "المثال" (الأيدوس، Eidos) الأفلاطوني: "الدرجات المحددة والثابتة لتموضع الإرادة من حيث هي شيء في ذاته، ومن حيث هي كذلك مستقلة عن الكثرة؛ وهي درجات تظهر في الموضوعات الفردية باعتبارها صورًا أبدية ونماذج أصلية لها". ههنا يلتقي "الإلهي أفلاطون" بالحكمة الهندية، نظرية المثل بحجاب مايا، وكأن العالم الظاهري المنظور ضرب من الحلم الكوني، من وهم صادق تصنع منه الإدراكات والأفكار. هكذا تكتمل الأركان الثلاثة لكتاب العالم: الركن الكانطي (الكتاب الأول) والأفلاطوني (الكتاب الثالث) والهندي (الكتاب الرابع)؛ وتصاغ فلسفة من وحدة هذه المنابع الفكرية والروحانية لأول مرة في الفكر الغربي. باستخدام موسع لمجازات "الحلم" و"الحجاب" و"السحر" والخدع البصرية والتخاييل بأصنافها، ليبلغ شوبنهاور أقصى الدرجات في تصوير التجربة الميتافيزيقية للعالم ولمقام الإنسان في العالم على أحرف جامعة بين التفلسف الأفلاطوني ونظيره الحديث (كانط) والحكمة الشرقية مثل ما مثّلتها صحف "الفيدا" و"الأوبانيشاد"، وسائر التجارب الروحانية للشرق، في زمن بدأت تتضح فيه بوادر الاستشراق الألماني وتتشكّل.

لا تمثل الأخلاق في المعمار الفلسفي لشوبنهاور خاتمة ومحصلة أخيرة (الكتاب الرابع) فحسب، بل تشهد على تضافر العناصر المشار إليها، ولا سيما العنصر الشرقي، في تشكيل ماهية الوجود البشري، بل هي من المباحث التي اختصت بمعالجة مستقلة منذ مقالتي الجائزة (Preisschriften): "في حرية الإرادة" و"في أساس الأخلاق"، اللتين جُمعتا في مصنف واحد نشر عام 1841. وقد بات معلومًا أن تعاليم الفيلسوف في الأخلاق هي التي مكنته من اعتراف طال انتظاره ورضيت به نفسه، إضافة إلى إسهاماته في مساعدة روزنكرانس في إعداد نشرة الأعمال لكانط وأخذه بنصيحته في نشر طبعتي نقد العقل المحض معًا. وإذا كانت تعاليم كتاب العالم تكميلًا لميتافيزيقا الإرادة في حدها الأقصى على شاكلة "إرادة الحياة" (Wille zum Leben) ودلالتها في إقامة السيرة البشرية على قاعدة متينة، فإن المقالتين المشار إليهما هما جوابان عن سؤالين ظرفيين: أولهما سؤال الجمعية الملكية الدنماركية: "هل يجوز أن يُستدل على حرية الاختيار بشهادة من الوعي الذاتي؟" (التي حاز جائزتها بجوابه)، وثانيهما يتعلق بأساس الفكرة الخلقية ذاتها: هل تكمن في الوعي أم في مبدأ آخر من مبادئ المعرفة؟ (وهي مسابقة الجمعية الملكية النرويجية التي فشل في الفوز بها). في كل الأحوال "لا تخرج أخلاق" شوبنهاور عن نظرته إلى العالم والحياة: ذلك أن شهادة الوعي الذاتي على الفعل الخلقي وحريته هي "شهادة زور" لكون الأول لاحقًا على الثاني، ولكون حرية الاختيار نفسها من جنس الوهم الذي لا أساس له في الأعيان. أما أساس الأخلاق فإنه ينبغي أن يُفصل عن الميتافيزيقا وأن يُنظر فيه بطريقة تحليلية من المعطيات والوقائع، لا من العموميات العليا والأوامر التي تجعلها أشبه بالصيغة التي كُتبت بها ألواح الشرائع الموسوية.[41]

إن ما سماه شوبنهاور "إقامة الأخلاق" ينبغي أن يمر بدور ضروري هو نقد كانط. وعلى الرغم من أن فضل نقد العقل العملي يرجع إلى استبعاد مطلب السعادة التقليدي من الميدان الخلقي، فإن مؤلفه بقي "لاهوتيًّا" ولا سيما في ما اعتمد من مفاهيم ("القانون"، "الواجب"، "الأمر" وغيرها) لا تخرج عن اليهودية ومنحاها التفاؤلي الذي لا ينفصل عن واقعيتها وعن التوحيد الذي أرسته عقيدة كونية. إن استنقاذ "الواقعة العقلية" (Factum rationis) من شكلانية الأمر الكانطي وفقره المضموني ومن اللاهوت المضمر في العقل العملي إنما يفضي إلى استنباط مفهوم "الشفقة" (Mitleid) على أنه "المبدأ الواقعي الوحيد لكل عدالة تلقائية ولكل مروءة حقيقية"، ومن الشفقة تُستنبط العدالة والمحبة أو الإحسان (Caritas, agapè) اللتان تستنتج منهما سائر الفضائل الخلقية إذ تصير شقاوات الآخرين وآلامهم الدافع الأهم لأفعال الإنسان.[42]

ومثل ما أن هذه الواقعة الكبرى التي تستند إليها كل أخلاق حقيقية غير شكلية وغير آمرة هي تعبير عن الحقيقة الباطنة للإرادة وللشيء في ذاته، كذلك تتجلى حقيقة الفن مثل ما يمكن تعقبها في ثنايا الكتاب الثالث من مصنف 1819 وفي الملاحق العشرة (29-39) المضافة إليه، وفي غيرها من النصوص مثل ميتافيزيقا الجميل والإستطيقا[43]، إذ تستنبط هذه الظاهرة مباشرة من أنطولوجيا المُثل الأفلاطونية وتتطابق مع تجلياتها. لقد أدرك شوبنهاور بمعنى ما تفوّق وجهة نظر الفن على الفلسفة أحيانًا، في مواصلة لحدوس الرومنطيقيين وفي استباق لفلسفة فريدريك نيتشه: إن ما تتقوّم به التجربة الفنية من شرائط فائقة العبقرية والذوق الرفيع والإحساس باللذة الجمالية واستحسان الجميل والمثير والجليل كما حللها في كتاب العالم في مختلف الفنون، مثل النحت والرسم والشعر والموسيقى، إنما هو التحقيق النموذجي للإرادة وقد صارت بذاتها وبأشكالها المفردة وتجلياتها عالمًا.[44]

فيلسوف الزهد والتشاؤم

مع نشر الكتاب الأخير الحواشي والبواقي عام 1851 اكتمل نسق شوبنهاور ولم يبقَ غير العناية بتهذيب أطرافه وحواشيه. أدرك الفيلسوف بلمحة واحدة أنه قد بلغ استجماع فكره ولم يعد له إلا أن يخرجه إلى الناس في صورته الأخيرة منذ اعتمل في نفسه أول عهده بالتفلسف، وكأنه يلقي بحمل أثقل كاهله طويلًا؛ وأنه قد صار بحكم ما لقيه من اعتراف متأخر فيلسوف المستقبل، ذاك الذي بات حاضره وراء ظهره، وأدرك أن الأقدار أنصفته أخيرًا.[45]

لا يجد القارئ في هذه النصوص المتأخرة أشياء مستجدة لا عهد له بها، بل إعادة للشيء نفسه بعبارة جديدة أحيانًا وبروح الشيخ الذي بلغ من جودة النظر والإدراك حدًا بالغًا. فالمسائل المطروقة هي عينها تشبه ما ورد في النصوص المكملة للكتاب الرابع من العالم: ميتافيزيقا الحياة والموت، إرادة الحياة بين إثبات ونفي، التاريخ والماضي، الدين والإيمان والخلاص، ميتافيزيقا الحب الجنسي وحياة النوع، وغيرها. وفوق ذلك نزعة رواقية مكينة يحاول دون كلل أن يتستر عليها أو أن يعبر عنها بلغته: تأملات وشذرات في حكمة الحياة، ونصائح في تدبير العيش بنحو يمكن فيه للمرء أن ينجو بنفسه من عالم تسكنه الشياطين، وأن يحميه من حماقات تحيط به كل يوم، ويجعله أقدر على احتمال الزمان ومسايرة الأعمال والأيام. ثم لا يجد حرجًا في أن يكتب في ظواهر خارقة؛ فهو في السحر والمغناطيس ورؤية الأشباح، في خليط عجيب من علم وضعي وباراسيكولوجيا، وفلسفة في الظواهر الروحانية الفائقة كانت شائعة في عصره.[46]

أما التشاؤم فسمة الرجل وطبعه، وقد تكون أيضًا سمة العصر. أضمر شوبنهاور كراهيةً للناس عامة (Misanthropie)، مع عطف شديد على الحيوان، وفوق ذلك بالأخص كراهية مكينة للنساء؛ لما في وجود هذا "الجنس الثاني" (Sex sequior) نفسه من حيل الطبيعة وخدعها الماكرة. وليس من تجارب الحياة ومن حدودها القصوى مثل الحب والموت ما يخرج عن هذه اللعبة التي تتقنها الطبيعية: أنها تُخيّل إلى الناس ما لا حقيقة له إلا في حفظ نوعهم واستمراره. وقد يكون ذلك من الآراء التي ثبت عليها طول حياته، وإنْ خطر له تهافتها أحيانًا، مثل وقوعه في عشق فتاة ونذره على نفسه أن يكسر الصخر لأجلها، أو خشيته غائلة الموت كما يخشاها سائر الناس، وكأنها حمل ثقيل تأتّى له من تكوينه وتنشئته الأولى ومن أشياء حركت نظرته إلى الدنيا والناس كان هو نفسه يرى أحيانًا أنها لا تليق بالفيلسوف؛ ولكن توافقًا عجيبًا بين منظومته الفلسفية المبنية بترتيب شديد الدقة والإحكام في أغراض فلسفية عليا، وآرائه في الحياة على وتيرة تفلسف شبه رواقي قريب من سير الزهاد والمتصوفة والأنبياء، ما يجعل هذا المزاج السوداوي نسيجًا موحدًا لفلسفة قد لا يتيسر فهمها دون فهم صاحبها.[47]

تلقي فلسفته وانتقاداتها

كان لفلسفة شوبنهاور منذ بدايات النصف الثاني من القرن التاسع عشر حضور لافت في الفلسفة الغربية، لا سيما بعد أن منحت الحواشي والبواقي ودراسة أوكسنفورد المهمة: "تحطيم الأوثان في الفلسفة الألمانية"، فرصة لوصول فلسفته إلى أكبر عدد من الباحثين والفلاسفة الذين تمكنوا من الاطلاع عليها. ومن أبرز الفلاسفة المعاصرين الذين تأثروا به نيتشه، الذي تمكن من فهم واستيعاب تشخيصه لفلسفة التشاؤم وأهمية الفن والجماليات قبل أن يرتد إلى إنكار الإرادة والزهد[48]. كما استفاد الموسيقار فاغنر من الرؤية الفلسفية التي قدمها شوبنهاور بخصوص الموسيقى، التي أصبحت ضربًا من التعبير عن باطن العالم.[49] كما يُمكن أن نستشف قرابة فلسفية بين شوبنهاور ومارتن هايدغر (Martin Heidegger، 1889-1976)، الذي تمكن من أخذ فكرة التأمل في العدم، وطريقة ربط هذا التصور الفلسفي بالوجود، كما تمكن هايدغر من جعل مفهوم العدم جزءًا لا يتجزأ من الأنطولوجيا الجديدة خاصته[50]. كما تأثر المحلل النفساني فرويد بمفهوم الإرادة غير الواعية دون أن يعني ذلك أنه كان مجرد تابع مباشر لشوبنهاور[51].

كما تعرضت الفلسفة الميتافيزيقية عند شوبنهاور لانتقادات معرفية ارتبطت أساسًا بالبرهان التمثيلي، الذي ينتقل فيه شوبنهاور من التجربة الباطنية للإرادة في الجسد إلى الإقرار بأنها الماهية الداخلية للطبيعة كلها، إذ عدّ مارسيال غيرو (Martial Guéroult، 1891-1976) هذا الانتقال ضربًا من التعميم الاعتباطي لتجربة ذاتية على ظواهر تكتسي طابعًا مغايرًا لها من ناحية طبيعتها.[52] كما وجه إدوارد فون هارتمان (Eduard von Hartmann، 1842-1906) في سياق نقد المبدأ الكانطي، انتقادات حادة تناولت طبيعة التناقض الذي وقع فيه شوبنهاور في إطار التعامل مع فلسفة كانط، إذ كيف يدّعي هذا الفيلسوف عدم إمكانية معرفة الشيء في ذاته، ثم يعود ويُعطيه صفات واسمًا محددًا مثل: الوحدة والعماء[53]. أما نيتشه فقد رأى بأن دعوة شوبنهاور إلى أخلاق الشفقة والزهد والجحود التام لإرادة الحياة هي ضرب من الفلسفة العدمية تُعادي الحياة وتُدني من قيمة الإنسان وتضعف مكانته بدلًا من تقويتها.[54]

المراجع

العربية

شوبنهاور، آرثر. العالم إرادة وتمثّلًا. ترجمة وتقديم وشرح سعيد توفيق. مراجعة فاطمة مسعود. مج 1. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2006.

______. نقد الفلسفة الكانطية. ترجمة وتقديم حميد لشهب. بيروت: جداول، 2014.

الأجنبية

Baptista, Trino & Elis Aldana & Charles I. Abramson. “Arthur Schopenhauer and the Current Conception of the Origin of Species: What Did the Philosopher Anticipate?” SAGE Open, vol. 9, no. 1 (2019).

Batini, Ugo. “Analogy: The Universal Switch of Schopenhauerian Thought.” Voluntas: Revista Internacional de Filosofia, no. 12 (2021).

Cartwright, David E. Schopenhauer: A Biography. Cambridge: Cambridge University Press, 2010.

Casucci, Marco. “Between Existence and the One: Nothingness in Schopenhauer and Heidegger.” In: Existence and the One. Boško Pešić & Pavao Žitko (eds.). Buenos Aires: Editorial Teseo, 2019.

Costanzo, Jason M. “Schopenhauer on Intuition and Proof in Mathematics.” In: Language, Logic, and Mathematics in Schopenhauer. Jens Lemanski (ed.). Basel: Birkhäuser, 2020.

Darwin, Charles. On the Origin of Species by Means of Natural Selection, or the Preservation of Favoured Races in the Struggle for Life. London: John Murray, 1859.

Frauenstädt, Julius. Briefe über die Schopenhauer’sche Philosophie. Leipzig: F. A. Brockhaus, 1854.

Gardner, Sebastian. “Schopenhauer’s Contraction of Reason: Clarifying Kant and Undoing German Idealism.” Kantian Review, vol. 17, no. 3 (2012).

Gracián, Baltasar. Hand-Orakel und Kunst der Weltklugheit. Arthur Schopenhauer (trans.). Leipzig: F. A. Brockhaus, 1862.

Grimwood, Thomas. “The Limits of Misogyny: Schopenhauer, ‘On Women.’” Kritike: An Online Journal of Philosophy, vol. 2, no. 2 (2008).

Guyer, Paul. “Schopenhauer, Kant and Compassion.” Kantian Review, vol. 17, no. 3 (2012).

Hamlyn, David Walter. “Schopenhauer on the Principle of Sufficient Reason.” In: Reason and Reality: Royal Institute of Philosophy Lectures. vol. 5. London: Macmillan, 1972.

Hassan, Patrick. “Striving as Suffering: Schopenhauer’s A Priori Argument for Pessimism.” Philosophia, vol. 49, no. 4 (2021).

Hegel, Georg Wilhelm Friedrich. Phänomenologie des Geistes. Bamberg and Würzburg: Joseph Anton Goebhardt, 1807.

______. Vorlesungen über die Philosophie der Religion. Philipp Marheineke (ed.). Berlin: Duncker und Humblot, 1832.

Jacobi, Friedrich Heinrich. David Hume über den Glauben oder Idealismus und Realismus: Ein Gespräch. Breslau: Gottlieb Loewe, 1787.

Janaway, Christopher. “Necessity, Responsibility and Character: Schopenhauer on Freedom of the Will.” Kantian Review, vol. 17, no. 3 (2012).

McPherson, David. “Nietzsche, Cosmodicy, and the Saintly Ideal.” Philosophy, vol. 91, no. 1 (2016).

O’Sullivan, Timothy. “Nietzsche and Montaigne: Dionysian Pessimism.” Aigne, no. 5 (2014).

Oxenford, John. “Iconoclasm in German Philosophy.” The Westminster Review, new series, vol. 3, no. 2 (1853).

Özen, Vasfi Onur. “The Ambiguity in Schopenhauer’s Doctrine of the Thing-in-Itself.” The Review of Metaphysics, vol. 74, no. 2 (2020).

Schelling, Friedrich Wilhelm Joseph. Philosophische Untersuchungen über das Wesen der menschlichen Freiheit und die damit zusammenhängenden Gegenstände. Landshut: Philipp Krüll, 1809.

______. Philosophie der Offenbarung: 1841/42. H. E. G. Paulus (ed.). Darmstadt: Wissenschaftliche Buchgesellschaft, 1843.

Schopenhauer, Arthur. Die beiden Grundprobleme der Ethik: Behandelt in zwei akademischen Preisschriften. Frankfurt am Main: Johann Christian Hermann’sche Buchhandlung, 1841.

______. Die Welt als Wille und Vorstellung: Vier Bücher, nebst einem Anhange, der die Kritik der Kantischen Philosophie enthält. Leipzig: F. A. Brockhaus, 1819.

______. L’art de l’insulte. Évelyne Kaufholz-Messmer (trad.). Paris : Seuil, 2004.

______. Le monde comme volonté et comme représentation. 2 vols. Paris : Gallimard, 2009.

______. Parerga et Paralipomena: Petits écrits philosophiques. Jean-Pierre Jackson (trad.). vol. 2. Paris: Coda, 2012.

______. Parerga und Paralipomena: Kleine philosophische Schriften. 2 vols. Berlin: Druck und Verlag von A. W. Hayn, 1851.

______. Über das Sehn und die Farben: Eine Abhandlung. Leipzig: Bei Johann Friedrich Hartknoch, 1816.

______. Über die Freiheit des menschlichen Willens: Eine von der Königlich Norwegischen Societät der Wissenschaften zu Drontheim gekrönte Preisschrift. Frankfurt am Main: Johann Christian Hermann’sche Buchhandlung, 1841.

______. Ueber die Grundlage der Moral: Eine von der Königlich Dänischen Societät der Wissenschaften zu Kopenhagen im Jahre 1840 nicht gekrönte Preisschrift. Frankfurt am Main: Johann Christian Hermann’sche Buchhandlung, 1841.

______. Ueber den Willen in der Natur: Eine Erörterung der Bestätigungen, welche die Philosophie des Verfassers, seit ihrem Auftreten, durch die empirischen Wissenschaften erhalten hat. Frankfurt am Main: Verlag von Siegmund Schmerber, 1836.

Schulze, Gottlob Ernst. Aenesidemus oder über die Fundamente der von dem Herrn Professor Reinhold in Jena gelieferten Elementar-Philosophie; nebst einer Vertheidigung des Skepticismus gegen die Anmaaßungen der Vernunftkritik. Helmstedt: [Verlag nicht ermittelbar], 1792.

Segala, Marco. “Between Science and Magic: The Case of Schopenhauer.” Voluntas: Revista Internacional de Filosofia, vol. 11, no. 3 (2020).

______. “Schopenhauer and the Mathematical Intuition as the Foundation of Geometry.” In: Language, Logic, and Mathematics in Schopenhauer. Jens Lemanski (ed.). Basel: Birkhäuser, 2020.

Segev, Mor. “‘Obviously All This Agrees with My Will and My Intellect’: Schopenhauer on Active and Passive Nous in Aristotle’s De Anima III.5.” British Journal for the History of Philosophy, vol. 22, no. 3 (2014).

Shapshay, Sandra & Tristan Ferrell. “Compassion or Renunciation? ‘That’ Is the Question of Schopenhauer’s Ethics.” Enrahonar: Quaderns de Filosofia, no. 55 (2015).

Vandenabeele, Bart. “Beauty, Disinterested Pleasure, and Pure Contemplation: Schopenhauer’s Response to Kant.” Schopenhauer-Jahrbuch, no. 93 (2013).

Virkar-Yates, Aakanksha. “Absolute Music and the Death of Desire: Beethoven, Schopenhauer, Wagner and Eliot’s Four Quartets.” Journal of Modern Literature, vol. 40, no. 2 (2017).

Young, Christopher & Andrew Brook. “Schopenhauer and Freud.” The International Journal of Psychoanalysis, vol. 75, no. 1 (February 1994).

قراءات إضافية

جاناواي، كريستوفر. شوبنهاور: مقدمة موجزة. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2019.

حسين، شعبان. فكرة الإرادة عند شوبنهاور. بيروت: دار التنوير، 1993.

روسيه، كليمان. شوبنهاور (فيلسوف العبث). ترجمة مروان بطش. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 2015.

شوبنهاور، آرثر. فن الأدب: مختارات من شوبنهاور. أعدّها بالإنكليزية بيلي سوندرز. ترجمة وتعليق شفيق مقار. مراجعة عبد الحميد الإسلامبولي. تصدير ماهر شفيق فريد. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2012.

______. فن أن تكون دائمًا على صواب: أو الجدل المرائي. ترجمة رضوان العصبة، مراجعة وتقديم حسان الباهي. الرباط/ الجزائر: منشورات ضفاف؛ منشورات الاختلاف، 2014.

______. العالم كتصور: الكتاب الأول من العالم كإرادة وتصور. ترجمة نصير فليح. ميلانو: منشورات المتوسط، 2016.

______. فن العيش الحكيم: تأملات في الحياة والناس. ترجمة عبد الله زارو. الرباط/ الجزائر: منشورات ضفاف؛ منشورات الاختلاف، 2018.

______. تهمة اليأس. ترجمة الطيب الحصني. الجبيل: صفحة سبعة للنشر والتوزيع، 2019.

______. فن العيش السعيد (قواعد الحياة الخمسون). ترجمة عادل داود. سورية: دار التنوع الثقافي، 2021.

______. الدين بوصفه ميتافيزيقا شعبية. ترجمة جلال العاطي ربي. لبنان: دار الرافدين، 2022.

توفيق، سعيد محمد. ميتافيزيقا الفن عند شوبنهاور. بيروت: دار التنوير، 1983.

عويضة، كامل محمد. شوبنهاور: بين الفلسفة والأدب. بيروت: دار الكتب العلمية، 1993.

غريزي، وفيق. شوبنهاور وفلسفة التشاؤم. بيروت: دار الفارابي، 2008.

كريسون، أندريه. شوبنهاور: حياته، نظرياته، مؤلفاته، أثره. ترجمة أحمد كوي. بغداد: دار الكتب العلمية، 2022.

معوض، أحمد. أضواء على شوبنهاور. القاهرة: الدار العربية لنشر الثقافة العالمية، 1960.

نيتشه، فردريك. شوبنهاور مربيًّا. ترجمة قحطان جاسم. بغداد: دار أوما، 2016.

[1] David E. Cartwright, Schopenhauer: A Biography (Cambridge: Cambridge University Press, 2010), p. xix.

[2] Ibid., pp. xix-xx.

[3] Ibid., pp. xix-xxi.

[4] Arthur Schopenhauer, Über das Sehn und die Farben: Eine Abhandlung (Leipzig: Bei Johann Friedrich Hartknoch, 1816).

[5] Arthur Schopenhauer, Die Welt als Wille und Vorstellung: Vier Bücher, nebst einem Anhange, der die Kritik der Kantischen Philosophie enthält (Leipzig: F. A. Brockhaus, 1819).

[6] Cartwright, pp. xxi, 239-335.

[7] Cartwright, pp. xxi-xxiii; Baltasar Gracián, Hand-Orakel und Kunst der Weltklugheit, Arthur Schopenhauer (trans.) (Leipzig: F. A. Brockhaus, 1862).

[8] Arthur Schopenhauer, Über den Willen in der Natur: Eine Erörterung der Bestätigungen, welche die Philosophie des Verfassers, seit ihrem Auftreten, durch die empirischen Wissenschaften erhalten hat (Frankfurt am Main: Verlag von Siegmund Schmerber, 1836).

[9] Arthur Schopenhauer, Über die Freiheit des menschlichen Willens: Eine von der Königlich Norwegischen Societät der Wissenschaften zu Drontheim gekrönte Preisschrift (Frankfurt am Main: Johann Christian Hermann’sche Buchhandlung, 1841).

[10] Arthur Schopenhauer, Über die Grundlage der Moral: Eine von der Königlich Dänischen Societät der Wissenschaften zu Kopenhagen im Jahre 1840 nicht gekrönte Preisschrift (Frankfurt am Main: Johann Christian Hermann’sche Buchhandlung, 1841).

[11] Arthur Schopenhauer, Die beiden Grundprobleme der Ethik: Behandelt in zwei akademischen Preisschriften (Frankfurt am Main: Johann Christian Hermann’sche Buchhandlung, 1841).

[12] Arthur Schopenhauer, Parerga und Paralipomena: Kleine philosophische Schriften, 2 vols. (Berlin: Druck und Verlag von A. W. Hayn, 1851).

[13] John Oxenford, “Iconoclasm in German Philosophy,” The Westminster Review, new series, vol. 3, no. 2 (1853), pp. 388-407.

[14] Julius Frauenstädt, Briefe über die Schopenhauer’sche Philosophie (Leipzig: F. A. Brockhaus, 1854).

[15] Cartwright, pp. xxiii-xxiv, 524-548.

[16] أرثر شوبنهاور، العالم إرادة وتمثُّلًا، ترجمة وتقديم وشرح سعيد توفيق، مراجعة على النص الألماني فاطمة مسعود، مج 1 (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2006)، ص 55-57.

[17] Arthur Schopenhauer, Le monde comme volonté et comme représentation I )Paris: Gallimard, 2009,( p. 611.

[18] شوبنهاور، العالم إرادة وتمثُّلًا، ص 27.

[19] المرجع نفسه، ص 29-31.

[20] المرجع نفسه، ص 31.

[21] المرجع نفسه.

[22] المرجع نفسه، ص 36-37.

[23] مقدمة الطبعة الثانية، ص 45-49.

[24] Arthur Schopenhauer, L’art de l’insulte, E. Kaufholz-Messmer )trad.,( prés. F. Volpi )Paris: Seuil, 2004,( p. 52.

[25] شوبنهاور، العالم إرادة وتمثُّلًا، ص 39.

[26] Arthur Schopenhauer, Le monde comme volonté et comme représentation II )Paris: Gallimard, 2009,( p. 2104.

[27] لبيان السياق الذي انتقده شوبنهاور، يُنظر:

Georg Wilhelm Friedrich Hegel, Vorlesungen über die Philosophie der Religion, Philipp Marheineke (ed.) (Berlin: Duncker und Humblot, 1832); Hegel, Phänomenologie des Geistes (Bamberg and Würzburg: Joseph Anton Goebhardt, 1807).

[28] لبيان السياق الذي انتقده شوبنهاور، يُنظر:

Friedrich Wilhelm Joseph Schelling, Philosophische Untersuchungen über das Wesen der menschlichen Freiheit und die damit zusammenhängenden Gegenstände (Landshut: Philipp Krüll, 1809); Schelling, Philosophie der Offenbarung: 1841/42, H. E. G. Paulus (ed.) (Darmstadt: Wissenschaftliche Buchgesellschaft, 1843).

[29] Charles Darwin, On the Origin of Species by Means of Natural Selection, or the Preservation of Favoured Races in the Struggle for Life (London: John Murray, 1859).

[30] Trino Baptista & Elis Aldana & Charles Abramson, “Arthur Schopenhauer and the Current Conception of the Origin of Species: What Did the Philosopher Anticipate?” SAGE Open, vol. 9, no. 1 (2019), pp. 8, 13-14.

[31] Schopenhauer, Ueber den Willen in der Natur.

[32] يُنظر:

Marco Segala, “Schopenhauer and the Mathematical Intuition as the Foundation of Geometry,” in : Jens Lemanski (ed.), Language, Logic, and Mathematics in Schopenhauer (Basel: Birkhäuser, 2020(, pp. 261-285; Jason M. Costanzo, “Schopenhauer on Intuition and Proof in Mathematics,” in idem, pp. 287-303.

[33] David Walter Hamlyn, “Schopenhauer on the Principle of Sufficient Reason,” Royal Institute of Philosophy Lectures 5, in: Reason and Reality (London: Macmillan, 1972), pp. 145-162.

[34] يُنظر: التصدير.

[35] شوبنهاور، العالم إرادة وتمثُّلًا، ص 55.

[36] Sebastian Gardner, “Schopenhauer’s Contraction of Reason: Clarifying Kant and Undoing German Idealism,” Kantian Review, vol. 17, no. 3 (2012), pp. 375–401; Mor Segev, “‘Obviously All This Agrees with My Will and My Intellect’: Schopenhauer on Active and Passive Nous in Aristotle’s De Anima III.5,” British Journal for the History of Philosophy, vol. 22, no. 3 (2014), pp. 539–544.

[37] Gottlob Ernst Schulze, Aenesidemus oder über die Fundamente der von dem Herrn Professor Reinhold in Jena gelieferten Elementar-Philosophie; nebst einer Vertheidigung des Skepticismus gegen die Anmaaßungen der Vernunftkritik (Helmstedt: [Verlag nicht ermittelbar], 1792).

[38] Friedrich Heinrich Jacobi, David Hume über den Glauben oder Idealismus und Realismus: Ein Gespräch (Breslau: Gottlieb Loewe, 1787);

أرثر شوبنهاور، نقد الفلسفة الكانطية، تعريب وتقديم حميد لشهب (بيروت: جداول، 2014)، ص 76-77.

[39] Ugo Batini, “Analogy: The Universal Switch of Schopenhauerian Thought,” Voluntas: Revista Internacional de Filosofia, no. 12 (2021), pp. 4–16.

[40] Schopenhauer, Le monde comme volonté et comme représentation II, pp. 21-54.

[41] Cartwright, p. xxiii; Christopher Janaway, “Necessity, Responsibility and Character: Schopenhauer on Freedom of the Will,” Kantian Review, vol. 17, no. 3 (2012), pp. 431–457; Sandra Shapshay and Tristan Ferrell, “Compassion or Renunciation? ‘That’ Is the Question of Schopenhauer’s Ethics,” Enrahonar: Quaderns de Filosofia, no. 55 (2015), pp. 51–69.

[42] Paul Guyer, “Schopenhauer, Kant and Compassion,” Kantian Review, vol. 17, no. 3 (2012), pp. 403–429.

[43] Arthur Schopenhauer, Parerga et Paralipomena: Petits écrits philosophiquesII. J.-P. Jackson )trad.) )Paris: Coda, 2012,( pp. 630-685.

[44] Bart Vandenabeele, “Beauty, Disinterested Pleasure, and Pure Contemplation: Schopenhauer’s Response to Kant,” Schopenhauer-Jahrbuch, no. 93 (2013), pp. 241–255; Arthur Schopenhauer, Parerga et Paralipomena: Petits écrits philosophiques, vol. 2, Jean-Pierre Jackson (trans.) (Paris : Coda, 2012), pp. 630–685.

[45] Cartwright, pp. xxiii–xxiv, 524–548.

[46] Marco Segala, “Between Science and Magic: The Case of Schopenhauer,” Voluntas: Revista Internacional de Filosofia, vol. 11, no. 3 (2020), pp. 3–16.

[47] Patrick Hassan, “Striving as Suffering: Schopenhauer’s A Priori Argument for Pessimism,” Philosophia, vol. 49, no. 4 (2021), pp. 1487–1505; Thomas Grimwood, “The Limits of Misogyny: Schopenhauer, ‘On Women,’” Kritike: An Online Journal of Philosophy, vol. 2, no. 2 (2008), pp. 131–145.

[48] Timothy O’Sullivan, “Nietzsche and Montaigne: Dionysian Pessimism,” Aigne, no. 5 (2014), pp. 70–89.

[49] Aakanksha Virkar-Yates, “Absolute Music and the Death of Desire: Beethoven, Schopenhauer, Wagner and Eliot’s Four Quartets,” Journal of Modern Literature, vol. 40, no. 2 (2017), pp. 79–80.

[50] Marco Casucci, “Between Existence and the One: Nothingness in Schopenhauer and Heidegger,” in: Existence and the One, Boško Pešić & Pavao Žitko (eds.) (Buenos Aires: Editorial Teseo, 2019), pp. 44–46, 52–55.

[51] Christopher Young & Andrew Brook, “Schopenhauer and Freud,” The International Journal of Psychoanalysis, vol. 75, no. 1 (February 1994), pp. 101–118.

[52] Batini, pp. 1–2.

[53] Vasfi Onur Özen, “The Ambiguity in Schopenhauer’s Doctrine of the Thing-in-Itself,” The Review of Metaphysics, vol. 74, no. 2 (2020), pp. 251–288.

[54] David McPherson, “Nietzsche, Cosmodicy, and the Saintly Ideal,” Philosophy, vol. 91, no. 1 (2016), pp. 39–67.


المحتويات

الهوامش