الموجز
المسيَّب بن عَلَس (ت. نحو 580م) شاعر جاهلي اسمه زُهَيْر بن عَلَس، ولُقّب بالمسيَّب لبيتٍ قاله، أو لأنّ عشيرته -وقيل أباه- أطلقت عليه هذا اللقب. وهو خال الشاعر
الأعشى ميمون بن قيس الذي كان راويتَه وعنه أخذ صناعة الشعر، وقد تداخل شعراهما حتى دخل بعضُ شعر المسيَّب في شعر الأعشى. اتصل بعدد من الملوك والأشراف ومدحهم، ومنهم:
القعقاع بن مَعبَد بن زَرارَة أحد سادة تميم، وذو الرُّقَيبة أحد سادة قيس. وقيل إنه مات مسمومًا على يد رجل أعجميّ مدحَه بعد مدحِه عدوًّا له من قبل.
يُعدّ من الشعراء المقلّين في الجاهلية، وجعله
ابن سلّام الجمحي في الطبقة السابعة من فحول شعراء الجاهلية. وقد ضاع أكثر شعره، فلم يصل منه إلا نحو مئتي بيت جمعها المستشرق
رودولف غاير ملحقةً بديوان الأعشى، ثمّ أعاد جمعها وتحقيقها باحثون عرب. ويغلب المدح على ما وصل من شعره، ومن أشهره عينيّته في القعقاع بن معبد التي اختارها
المفضّل الضبّي في
المفضّليّات، ولاميّته في ذي الرقيبة التي اختارها
أبو زيد القرشي في
جمهرة أشعار العرب. وتُعدّ مدائحه نماذج باكرة على استواء بناء قصيدة المدح العربية، ومن معانيه ما أخذه عنه شعراء لاحقون، كالنابغة الجعدي والشمّاخ بن ضرار.
حياته
اسمه ونسبه ولقبه
اسمه زهير بن عَلَس بن مالك بن عمرو بن قُمامة، من بني جُماعة، وهم من ضُبيعة بن ربيعة بن نزار، وكنيته أبو الفضّة[1]. أمّا لقبه "المُسيَّب"، بصيغة اسم المفعول، فثمة ثلاث روايات في سبب تلقيبه به، أشهرُها أنّه لُقّب به لبيتٍ قاله، وهو:
فَإِنْ سَرَّكُمْ أَنْ لا تَؤُوبَ لِقاحُكُمْ
| غِزارًا فَقُولُوا لِلمُسَيَّبِ يَلْحَقِ[2] |
أما التعليل الثاني فمفاده أنّه توعّد
بني عامر بن ذُهل، فقالت له بنو ضُبيعة: "قد سيَّبناك والقوم"[3]، في حين ورد تعليل ثالث في مصادر متأخرة يفيد أنه لُقّب بالمسيّب لأنه "كان يرعى إبل أبيه فسيّبَها، فقال له أبوه: أحقّ أسمائك المسيَّب"[4].
والمُسيَّب أحد ثلاثة عُدّوا أشعر المقلّين في الجاهلية، وهم:
المتلمّس الضّبعي، والحُصين بن الحُمام المُرّي، إضافة إلى المسيَّب[5]. وتندر الأخبار والروايات التي تُوضّح أبعاد شخصية المسيَّب، شأنه في ذلك شأن كثيرٍ من
الشعراء المقلّين{{الشعراء المقلّون: هم في الغالب الذين التزموا قول الشعر في شؤون ذواتهم فلم يُكثروا منه، أو الذين لم يصل من نتاجهم إلا القليل لأسباب تتعلّق بالرّواية والتوثيق، وبظروف الشفوية العربية الغالبة على ذلك العصر، وأشهرهم في الجاهليّة الحُصين بن الحُمام، والمُتلمِّس الضّبعي، والمُسيّب بن عَلَس.}}.
والمُسيَّب هو خال الشاعر الجاهلي
الأعشى الكبير ميمون بن قيس، وكان الأعشى راويته فتأثّر به، وعنه أخذ أصول الصناعة الشعرية، ودخل بعضُ شعر المسيَّب في شعره[6].
صلاته بالملوك والأشراف
كان المسيَّب من شعراء
المدح المعروفين قبل الإسلام، واتصل بعدد من الملوك والأشراف؛ فممّن مدحهم القعقاع بن معبد بن زرارة التميمي أحد أشراف بني تميم ووجهائها في الجاهلية. ومما قال فيه:
فَلَأُهْدِيَنَّ مَعَ الرِّياحِ قَصِيدَةً
| مِنِّي مُغَلْغَلَةً إِلَى الْقَعْقَاعِ[7] |
ومدح كذلك مالكَ بن سلمة الخير القشيري الملقّب بذي الرُّقَيبة، وهو أحد سادة بني قيس. ومِمّا قال فيه:يَهَبُ الْجِيَادَ كَأَنَّها عُسُبٌ | جُرْدًا أَطَالَ نَسِيلَهَا الْبَقْلُ[8] |
ومدح كذلك
قيس بن مَعْدي كَرِب الكندي أحدَ سادة كندة قبل الإسلام. ومما قال فيه:
وَإِلَيْكَ أَعْمَلْتُ الْمَطِيَّةَ مِنْ
| سُفْلَى الْعِراقِ وَأَنْتَ بِالْقَهْرِ[9] |
وأوردت مصادر متأخرة أنّه كانت له صلة بالملك
عمرو بن هند وأنّه أنشد شعرًا بين يديه[10].
ولم يقتصر مدح المسيَّب على الوجهاء والسادة في عصره، بل تعدّاهم إلى مدح بعض القبائل، على نحو مدحه
بني شيبان من بكر بن وائل الذي استحسنه ابن قتيبة، ومنه قوله:
تَبِيتُ المُلُوكُ عَلى عَتْبِها | وَشَيْبانُ إِنْ غَضِبَتْ تُعْتِبُ |
وَكَالشَّهْدِ بِالرَّاحِ أَخْلاقُهُمْ
| وَأَحْلامُهُمْ مِنْهُمَا أَعْذَبُ |
وَكَالْمِسْكِ تُرْبُ مَنَامَاتِهِمْ | وَرَيَّا قُبُورِهِمُ أَطْيَبُ[11] |
وفاته
لا تحدّد المصادر القديمة تاريخ وفاة المسيّب بن علس بدقة، ويُرجَّح أنّه توفي نحو 580م أو قبل ذلك بقليل، ما يعني أنه جاهلي لم يدرك الإسلام[12]. وأورد ابن قتيبة في سبب وفاته أنّه امتدح بعض الأعاجم فأعطاه، ثمّ أتى عدوًّا لذلك الممدوح من الأعاجم يسأله، فسمّه فمات[13].
شعره
ديوانه
شعر المسيّب بن علس، جمع وتحقيق ودَرْس أنور أبو سويلم
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
على الرغم من اتفاق الإخباريّين على أنّ معظم شعر المسيَّب ضاع أو دخل في شعر ابن أخته وراويته الأعشى، فضلًا عن أنّه من المقلّين أصلًا، فإنّهم يذكرون أنّ له ديوانًا -لا تتوفر فكرة دقيقة عن حجمه ويُرجَّح كونه صغيرًا- شرحَهُ
الآمدي، غير أنّ هذا الشرح لم يصل[14].
وقد جُمع ما وصل من شعر المسيّب في العصر الحديث من المصادر القديمة، كـالمفضّليّات للمفضّل الضبّي، وجمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي، وغيرها من المصنّفات، وكان أول من اعتنى بنشره المستشرق
رودولف غاير (Rudolf Geyer) مُلحَقًا بنشرته لديوان الأعشى
الصّبح المنير في شعر أبي بصير الذي طُبع نصّه العربي في ڤيينا عام 1927، وصدر في لندن عام 1928، محتويًا على ما يقرب من 183 بيتًا خرّجها من المصادر المختلفة[15]. ثمّ تولّى
أيهم عبّاس حمّودي تحقيق شعر المسيَّب انطلاقًا من هذا العمل عام 1992، ضمن بحث عنونه بـ"المسيّب بن علس: حياته وشعره"، مضيفًا إلى ما جمعه غاير تسعة أبيات جديدة ليصبح عدد الأبيات في نشرته 192 بيتًا[16]. وفي عام 1994، نشر أنور أبو سويلم كتابًا بعنوان
شعر المسيّب بن علس: جمع وتحقيق ودرس انتقد فيه عمل حمّودي لأنه أضاف تسعة أبيات ليست للمسيَّب بن علس بل لشاعر آخر هو
المسيَّب بن عسلة، وأضاف أبياتًا إلى نشرة غاير فأصبح عدد الأبيات التي جمعها 221 بيتًا باستثناء الشعر المنتحَل[17]. وفي عام 2003، نشر عبد الرحمن الوصيفي
شعر المسيّب بن علس، واحتوت نشرته على 193 بيتًا للمسيّب[18].
نماذج من شعره
عينيّته في مدح القعقاع بن معبد
تُعدّ عينيّة المسيَّب في مدح القعقاع بن معبد بن زرارة أتمّ ما وصل من مدائحه بناءً، وتقع في ستة وعشرين بيتًا كما رواها
المفضّل الضبّي، وهو يبدؤها بالنسيب (الغزل) في خمسة أبيات يصف فيها رحيل المرأة ويستذكر إغراءها إياه بالبقاء من حسن وجهها وطيب رُضابها. ومن ذلك قوله:
أَرَحَلْتَ مِنْ سَلْمَى بِغَيْرِ مَتَاعِ | قَبْلَ العُطَاسِ وَرُعْتَهَا بِوَدَاعِ؟ |
مِنْ غَيرِ مَقلِيَةٍ وَإِنَّ حِبالَهَا
| لَيْسَتْ بِأَرْمامٍ وَلا أَقْطاعِ |
إِذ تَستَبيكَ بِأَصلَتِيٍّ ناعِمٍ | قامَت لِتَفتِنَهُ بِغَيرِ قِناعِ |
وَمَهًا يَرُفُّ كَأَنَّهُ إِذ ذُقتَهُ | عانِيَّةٌ شُجَّت بِماءِ يَراعِ[19] |
ثمّ يتخلّص من النسيب إلى الرحلة التي يصف ضمنها ناقته بالصلابة والسرعة، مشبهًا سرعتَها بسرعة الكُرَة، ومصوّرًا طيّها الأرض بالمرأة الصَّناع إذ تُسرع في إتمام نسيجها قبل حلول الليل. ومن ذلك قوله:
فَرَأَيتُ أَنَّ الحُكمَ مُجتَنِبُ الصِّبا
| وَصَحَوتُ بَعدَ تَشَوُّقٍ وَرُواعِ |
فَتَسَلَّ حاجَتَها إِذا هِيَ أَعْرَضَتْ | بِخَمِيصَةٍ سُرُحِ اليَدَيْنِ وَسَاعِ |
***
مَرِحَتْ يَدَاهَا لِلنَّجَاءِ كَأَنَّمَا | تَكْرُو بِكَفَّيْ لَاعِبٍ فِي صَاعِ |
فِعْلَ السَّرِيعَةِ بَادَرَتْ جُدَّادَها
| قَبْلَ المَسَاءِ تَهُمُّ بِالإِسْراعِ[20] |
ثم ينتقل إلى قسم المدح بملاطفة الممدوح عبر إهدائه شعرَه في البيتين 15 و16، ذاكرًا اسمه (القعقاع)، ومشيرًا إلى أنّ قصيدته فيه "مغلغلة"؛ أي منقولة من بلد إلى بلد، وفي ذلك وعد بملازمة القصيدة للممدوح:
فَلَأُهدِيَنَّ مَعَ الرِّياحِ قَصِيدَةً
| مِنِّي مُغَلْغَلَةً إِلَى القَعَقَاعِ |
تَرِدُ المِيَاهَ فَمَا تَزَالُ غَرِيبَةً
| فِي القَوْمِ بَيْنَ تَمَثُّلٍ وَسَمَاعِ[21] |
ثم تمضي القصيدة متضمنة طائفةً من معاني المدح، على غرار مدحه بالسّؤدد، والفضل على الملوك، والجود، والبأس والشجاعة، والوفاء وصيانة الذمة، والكفاءة وإباء الضّيم:
وَإِذَا المُلُوكُ تَدَافَعَتْ أَرْكَانُهَا | أَفْضَلْتَ فَوْقَ أَكُفِّهِمْ بِذِراعِ |
وَإِذَا تَهِيجُ الرِّيحُ مِنْ صُرَّادِهَا
| ثَلْجًا يُنِيخُ النِّيبَ بِالجَعْجَاعِ |
أَحْلَلْتَ بَيْتَكَ بِالجَمِيعِ، وَبَعْضُهُم
| مُتَفَرِّقٌ لِيَحُلَّ بِالأَوْزاعِ |
***
وَلَأَنْتَ أَشْجَعُ فِي الأَعَادِي كُلِّها
| مِنْ مُخْدِرٍ لَيْثٍ مُعِيدِ وِقاعِ |
***
أَنْتَ الوَفِيُّ فَمَا تُذَمُّ، وَبَعْضُهُمْ
| تُودِي بِذِمَّتِهِ عُقَابُ مَلَاعِ[22] |
وختم القصيدة بوصف إباء الممدوح، الذي أردفه ببيت جاء إجمالًا وتكثيفًا لكلّ ما ورد قبله، مع إضافة معنوية تمثّلت في تبنّي قبيلة الممدوح (تميم) للمعاني المدحيّة الواردة سابقًا على لسان الشّاعر واعترافها به "أهلًا" لها:
وَإِذَا رَمَاهُ الكَاشِحُونَ رَمَاهُمُ | بِمَعَابِلٍ مَذْرُوبَةٍ وَقِطَاعِ |
وَلِذَاكُمُ زَعَمَتْ تَمِيمٌ أَنَّهُ
| أَهْلُ السَّمَاحَةِ وَالنَّدَى وَالبَاعِ[23] |
ويُلحَظ في القصيدة تجاوب عناصرها في الدلالة على الكمال: كمال المرأة وكمال الناقة وكمال الممدوح، كما يظهر أثر اسم الممدوح (القعقاع) في القافية وفي ألفاظ ذات مقاطع متكرّرة، مثل: مُغَلْغَلة، وجَعْجاع، وهِلْواع. كذلك يُلحظ أنّ القصيدة بُنيت على رويّ العين، وهو الصوت الذي يتكرر في اسم الممدوح "القعقاع"، فبدا اسم الممدوح مؤثّرًا في القافية وفي بعض ألفاظ القصيدة، وهو أمر يتّصل بارتباط المدح بالذِّكر وتخليد اسم الممدوح[24].
لاميّته في مدح ذي الرُّقَيْبَة
من القصائد الأخرى تامّة البناء في شعر المسيّب بن علس قصيدةٌ لامية قالها في مدح مالك بن سلمة القشيري (ذي الرُّقيبة)، وقد رواها
أبو زيد القرشيّ وعدّها من
القصائد المُنتَقَيات، وهي تقع عنده في ستة عشَرَ بيتًا، ابتدأها بالنسيب (الغزل) فقال:
بَكَرَتْ لِتُحْزِنَ عَاشِقًا طَفْلُ | وَتَبَاعَدَتْ، وَتَجَذّمَ الوَصْلُ |
أَوَ كُلَّما اخْتَلَفَتْ نَوًى وَتَفَرَّقُوا
| لِفُؤادِهِ مِنْ أجْلِهِمْ تَبْلُ |
وَإِذَا تُكَلِّمُهَا تَرَى عَجَبًا | بَرَدًا تَرَقْرَقَ فَوْقَهُ ضَحْلُ[25] |
ووصف ضمن النسيب رحلة المرأة وفق ما يُعرَف برحلة الظعائن (النساء الراحلات في الهوادج) في ثلاثة أبيات:
وَلَقَدْ أَرَى ظُعُنًا أُخَيَّلُهَا | تُحْدَى، كَأَنَّ زُهَاءَها نَخْلُ |
|
فِي الآلِ يَرْفَعُهَا وَيَخْفِضُهَا | رَيْعٌ كَأَنَّ مُتُونَهُ سَحْلُ
| |
عَقْمًا وَرَقْمًا ثُمَّ أَرْدَفَهُ | كِلَلٌ عَلَى أَطْرافِهَا الخَمْلُ[26] | |
ومن رحلة الظعائن، شرع المسيّب في المديح، فجعل لذي الرُّقيبة فضلًا على سائر الممدوحين لتفوّقه في العطايا والهبات من خيل جِياد وجوارٍ حِسان وإبل سِمان:
وَلَقَدْ رَأَيْتُ الفَاعِلِينَ وَفِعْلَهُمْ | وَلِذِي الرُّقَيْبَةِ مَالِكٍ فَضْلُ |
كَفّاهُ مُخْلِفَةٌ وَمُتْلِفَةٌ
| وَعَطاؤُهُ مُتَخَرِّقٌ جَزْلُ |
يَهَبُ الجِيَادَ كَأَنَّهَا عُسُبٌ | جُرْدًا أَطَالَ نَسِيلَهَا البَقْلُ |
وَالضَّامِراتِ كَأَنَّهَا بَقَرٌ | تَقْرُو دَكَادِكَ بَيْنَهَا الرَّمْلُ |
وَالدُّهْمَ كَالعِبْدَانِ آزَرَهَا | وَسْطَ الأَشَاءِ مُكَمَّمٌ فَحْلُ[27] |
خصائص شعره
يُلحظ أنّ جُلَّ ما وصل من شعر المسيّب بن علس قصائد مطوّلة في الغالب، إذ جُلّ قصائده الطويلة (4 من 5) في المدح، وهو ما يُشير إلى ترابط هذين الأمرين، لأنّ المدح يُفسّر الإطالة -إرضاءً لرغائب الممدوح وقضاءً لحاجة الشاعر- كما يُفسّر بقاء الشعر وحفظه بالتدوين، لأنّ قول الشعر في الكبراء والوجهاء إنّما هو من أسباب حفظه وبقائه[28].
واللافت في مدائح المسيّب إحكام البناء الشعري فيها، بمعنى إحسان المطالع والمقاطع (أو المخالص) والخواتم. فقد بدأ عينيّته بنسيب، ثمّ تخلّص إلى الرّحلة ووصف المطيّة، ثمّ من الرحلة إلى المدح[29]. إضافة إلى ذلك، فقد ظهرت في شعر المسيّب مكوّنات بنائية في النّسيب بوصفه مقدمة في قصيدة المدح، على نحو وصفه النساء الظعائن (الرّاحلات في الهوادج) واستطراده في ذلك، إذ شبّه الهوادج على ظهور الإبل بالنّخيل المتحرّك، وجعل السّراب يرفعها ويخفضها –في تصوير مشهديّ- وذكر أنواع الأغطية وألوانها والكِلل التي تُغطّى بها، وامتدح زينتها ونفاسة مادّتها[30].
ويُذكر أنّ المسيّب من أقدم الشعراء الذين ظهر لديهم
تشبيه التمثيل على نحوٍ مطوّل، ففي رائيّته في مدح قيس بن معدي كرب الكندي شبّه المرأة -في الحُسن والندرة والقيمة- بالدُّرَّة التي يشقى من أجلها الغواص، ويغامر في سبيل الحصول عليها بحياته، ثمّ يغتبط حين يُخرجها من اليمّ، كلّ ذلك في مقطع امتدّ من القصيدة على 14 بيتًا، ومن ذلك قوله:
نَظَرَتْ إِلَيْكَ بِعَيْنِ جَازِئَةٍ | فِي ظِلِّ بَارِدَةٍ مِنَ السِّدْرِ |
كَجُمَانَةِ البَحْرِيِّ جاءَ بِهَا
| غَوَّاصُهَا مِنْ لُجَّةِ البَحْرِ |
فَتَنَازَعُوا حَتَّى إِذَا اجْتَمَعُوا
| أَلْقَوْا إِلَيْهِ مَقالِدَ الأَمْرِ |
وَعَلَتْ بِهِمْ سَجْحَاءُ خَادِمَةٌ
| تَهْوِي بِهِمْ فِي لُجَّةِ البَحْرِ |
***
فَأَصَابَ مُنْيَتَهُ فَجَاءَ بِهَا | صَدَفِيَّةً كَمُضِيئَةِ الجَمْرِ |
يُعْطَى بِهَا ثَمَنًا وَيَمْنَعُها | وَيَقُولُ صاحِبُهُ: أَلا تَشْرِي؟ |
وَتَرَى الصَّرَارِي يَسْجُدُونَ لَها
| وَيَضُمُّها بِيَدَيْهِ لِلنَّحْرِ |
فَلَتِلْكَ شِبْهُ المَالِكِيَّةِ إِذْ | طَلَعَتْ بِبَهْجَتِها مِنَ الخِدْرِ[31] |
مكانته الشعرية
تظهر مكانة المسيّب بن علس الشعرية في مجموعة من الروايات التي تنقلُ تأثر الشعراء اللاحقين به، وأهمّهم ابن أخته
الأعشى الذي قيل إنه كان راويتَه وأخذ عنه صناعة الشعر[32]. ويُروى أنّ
النابغة الجعدي تأثّر بمعاني المسيّب في وصف ثغر المرأة، وكذلك في وصف النحل[33]، وكذلك الحال مع
الشمّاخ الذي تأثر بالمسيّب في تشبيه سرعة الناقة بالكُرَة[34].
ومن الأخبار المتداولة عنه في كتب الأدب ما يدلّ على أنه بلغ مكانة شعرية في العصر الجاهلي جعلته محلًا للنقد وإظهار الهنات، فقد رُوي أنّه مرّ بمجلس لبني قيس بن ثعلبة فاستنشدوه، فأنشدهم قصيدة له، فلمّا بلغ قوله في وصف بعيره:
وَقَدْ أَتَنَاسَى الهَمَّ عِنْدَ ادِّكَارِهِ
| بِناجٍ عَلَيْهِ الصَّيْعَرِيَّةُ مُكْدَمِ |
قال
طرفة بن العبد (وكان صبيًّا يلعب مع الصبيان): "استنوق الجمل"، أي جعل الجملَ ناقةً؛ لأنّ الصَّيعرية سمة للنوق[35].
أما ما يتصل بمكانته لدى العلماء ونقاد الأدب، فقد جعله
ابن سلّام الجمحي في
الطبقة السابعة من فحول شعراء الجاهلية، وقرنه فيها بثلاثة شعراء مقلّين هم:
سلامة بن جندل والحُصين بن الحُمام والمتلمّس الضُّبَعِي[36]. وممّا يدلّ على مكانة مدائح المسيَّب أنّ قصيدته العينيّة في القعقاع بن معبد بن زرارة أوردها
المفضّل الضبّي في
المُفضّليّات[37] وأنّ قصيدته اللاّميّة في مالك بن سلمة (ذي الرقيبة) عدّها أبو زيد القرشي في
جمهرة أشعار العرب من القصائد "المنتقيات"[38].
المراجع
العربية
ابن دريد، أبو بكر محمد بن الحسن.
الاشتقاق. تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون. بيروت: دار الجيل، 1991.
ابن سلّام الجمحي، أبو عبد الله محمد.
طبقات فحول الشعراء. تحقيق محمود محمد شاكر. جدة: دار المدني، [د. ت.].
ابن قتيبة الدينوري، أبو محمد عبد الله بن مسلم.
الشعر والشعراء. تحقيق أحمد محمد شاكر. القاهرة: دار الحديث، 2002.
أبو سويلم، أنور عليان.
شعر المسيّب بن علس: جمع وتحقيق ودرس. الكرك: جامعة مؤتة، 1994.
أبو عبيدة، معمر بن المثنى (منسوب إليه).
الديباج. تحقيق عبد الله بن سليمان الجربوع. القاهرة: مكتبة الخانجي، 1991.
البغدادي، عبد القادر بن عمر.
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب. تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون. ط 4. القاهرة: مكتبة الخانجي، 1997.
البكري، أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز.
معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع. عارضه بمخطوطات القاهرة وحققه وضبطه مصطفى السقا. ط 3. بيروت: عالم الكتب، 1945.
حمودي، أيهم عباس. "المسيّب بن علس: حياته وشعره".
المورد. مج 20، العدد 1 (1992). ص 57-73.
الزبيدي، محمد مرتضى الحسيني.
تاج العروس من جواهر القاموس. تحقيق عبد الكريم العزباوي. ج 26. الكويت: وزارة الإرشاد والأنباء، 1990.
الزركلي، خير الدين بن محمود.
الأعلام. ط 15. بيروت: دار العلم للملايين، 2002.
الشريطي، سليم. "شعريّة اسم العلم". أطروحة دكتوراه. كليّة الآداب والفنون والإنسانيّات، جامعة منوبة. منوبة، تونس، 2017.
شيخو، لويس.
شعراء النصرانية في الجاهلية. القاهرة: مكتبة الأدب، [د. ت.].
الضبّي، المفضّل بن محمد.
المفضّليّات. تحقيق أحمد محمد شاكر وعبد السلام هارون. ط 6. القاهرة: دار المعارف، [د. ت.].
القرشي، أبو زيد محمد بن أبي الخطاب.
جمهرة أشعار العرب. حققه وضبطه وزاد في شرحه علي محمد البجادي. القاهرة: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، 1981.
المرزباني، أبو عبيد الله محمد بن عمران.
الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء. تحقيق محمد حسين شمس الدين. بيروت: دار الكتب العلمية، 1995.
المناعي، مبروك.
الشعر والمال: بحث في آليّات الإبداع
الشعريالعربي من الجاهليّة إلى
نهاية القرن الثالث هـ/ التاسع م. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1998.
الوصيفي، عبد الرحمن.
شعر المسيب بن علس. القاهرة: مكتبة الآداب، 2003.
الأجنبية
Geyer, Rudolf (ed.).
Gedichte von ʾAbû Baṣîr Maimûn ibn Qais al-ʾAʿšâ nebst Sammlungen von Stücken anderer Dichter des gleichen Beinamens und von al-Musayyab ibn ʿAlas. E. J. W. Gibb Memorial Series, New Series 6. London: Luzac & Co., 1928.
[1] يُنظر: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري،
الشعر والشعراء، تحقيق أحمد محمد شاكر، ج 1 (القاهرة: دار الحديث، 2002)، ص 172-173؛ أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني،
الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء، تحقيق محمد حسين شمس الدين (بيروت: دار الكتب العلمية، 1995)، ص 93.
[2] أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد،
الاشتقاق، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون (بيروت: دار الجيل، 1991)، ص 316.
[3] يُنظر: ابن قتيبة، ص 172.
[4] عبد القادر بن عمر البغدادي،
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، ج 3، ط 4 (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1997)، ص 240.
[5] يُنظر: أبو عبيدة معمر بن المثنى (منسوب إليه)،
الديباج، تحقيق عبد الله بن سليمان الجربوع (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1991).
[6] يُنظر: ابن قتيبة، ص 173.
[7] المفضّل بن محمد الضبّي،
المفضّليّات، تحقيق أحمد محمد شاكر وعبد السلام هارون، ط 6 (القاهرة: دار المعارف، [د. ت.])، ص 62.
[8] أبو زيد القرشي،
جمهرة أشعار العرب، حققه وضبطه وزاد في شرحه علي محمد البجادي (القاهرة: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، 1981)، ص 435.
[9] ذكر أبو عبيد البكري أنّ هذه القصيدة قيلت في مدح قيس بن معدِي كَرِب، يُنظر: أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز البكري،
معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، عارضه بمخطوطات القاهرة وحققه وضبطه مصطفى السقا، ج 2، ط 3 (بيروت: عالم الكتب، 1945)، ص 453.
[10] يُنظر: محمد مرتضى الحسيني الزبيدي،
تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق عبد الكريم العزباوي، ج 26 (الكويت: وزارة الإرشاد والأنباء، 1990)، ص 444.
[11] ابن قتيبة، ص 172.
[12] لويس شيخو،
شعراء النصرانية في الجاهلية، ج 3 (القاهرة: مكتبة الأدب، [د. ت.])، ص 350.
[13] يُنظر: ابن قتيبة، ص 173.
[14] يُنظر: خير الدين بن محمود الزركلي،
الأعلام، ج 7، ط 15 (بيروت: دار العلم للملايين، 2002)، ص 225.
[15] Rudolf Geyer (ed.),
Gedichte von ʾAbû Baṣîr Maimûn ibn Qais al-ʾAʿšâ nebst Sammlungen von Stücken anderer Dichter des gleichen Beinamens und von al-Musayyab ibn ʿAlas, E. J. W. Gibb Memorial Series, New Series 6 (London: Luzac & Co., 1928).
[16] يُنظر: أيهم عباس حمودي، "المسيّب بن علس: حياته وشعره"،
المورد، مج 20، العدد 1 (1992)، ص 57-73.
[17] يُنظر: أنور عليان أبو سويلم،
شعر المسيّب بن علس: جمع وتحقيق ودرس (الكرك: جامعة مؤتة، 1994)، ص 9.
[18] يُنظر: عبد الرحمن الوصيفي،
شعر المسيب بن علس (القاهرة: مكتبة الآداب، 2003)، ص 56.
[19] الضبي، ص 60-61.
[20] المرجع نفسه، ص 62.
[21] المرجع نفسه.
[22] المرجع نفسه، ص 62-63.
[23] المرجع نفسه، ص 63.
[24] يُنظر: سليم الشريطي، "شعريّة اسم العلم"، أطروحة دكتوراه، كليّة الآداب والفنون والإنسانيّات، جامعة منوبة، تونس، 2017.
[25] القرشي، ص 432.
[26] المرجع نفسه، ص 433.
[27] المرجع نفسه.
[28] يُنظر: مبروك المناعي، الشعر والمال: بحث في آليّات الإبداع
الشعريالعربي من الجاهليّة إلى
نهاية القرن الثالث هـ/ التاسع م (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1998).
[29] يُنظر: الضبي، ص 60-63.
[30] يُنظر: القرشي، ص 432-436.
[31] يُنظر: الوصيفي، ص 77-83.
[32] يُنظر: ابن قتيبة، ص 173.
[33] يُنظر: المرجع نفسه.
[34] يُنظر: المرجع نفسه.
[35] يُنظر: المرزباني، ص 93.
[36] يُنظر: أبو عبد الله محمد بن سلّام الجمحي،
طبقات فحول الشعراء، تحقيق محمود محمد شاكر، ج 1 (جدة: دار المدني، [د. ت.]).
[37] يُنظر: الضبي، ص 60-63.
[38] يُنظر: القرشي، ص 432-436.