الموجز
المهدي البوعبدلي (1907-1992) ، مؤرّخ ومُحقّق جزائري، يُنسب إلى جده الأعلى
سيدي بو عبد الله محمد المغُوفَل (828-923هـ/ 1425-1517م). اهتمَّ بجمع المخطوطات وحفظها، وكرَّس حياته للبحث عنها وتوثيقها وخدمتها علميًّا.
حفظ القرآن وتلقّى العلوم الشرعية واللُّغوية في الزاوية العائلية في بَطّيوَة، إضافة إلى تتلمذه لعدة شيوخ، مثل عبد العزيز جعيط (1886-1970)، والبشير النيفر (1888-1974)، والطاهر بن عاشور (1879-1973)، ثم انتقل إلى مازونة، قبل أن يلتحق بجامع الزيتونة في تونس، إذ نال شهادة التحصيل عام 1936.
بعد عودته إلى الجزائر، اشتغل بالصحافة، ثم تولّى مهمة الإمامة والإفتاء في وهران، قبل أن ينتقل إلى بجاية ثم الشلَف. وبعد الاستقلال، عمل في قطاعَي الشؤون الدينية والثقافة، وخصَّ التراث المخطوط بعناية كبيرة، جمْعًا وتحقيقًا وفهرسةً.
شارك في عدة فعاليات علمية في عدة دول مثل مصر والسعودية وإسبانيا وفرنسا، وقد مُنح عام 1991 شهادة دكتوراه فخرية من جامعة وهران، تقديرًا لجهوده في الحفاظ على التُّراث الوطني والنهوض به.
الولادة والنشأة
محمَّد المهدي بن عبد الله بن عبد القادر بن محمد، ويُسمّى البوعبدلي نسبةً إلى جدّه الأعلى
سيدي بو عبد الله محمد المغُوفَل الذي كانت له شهرة في منطقة
الشلَف، وهو صاحب كتاب
الفلك الكواكب وسُلَّم الرَّاقي إلى المراتب[1].
وُلد البوعبدلي في 25 كانون الثاني/ يناير 1907 في قرية بَطّيوَة، في
آرزيو غرب الجزائر. ونشأ في عائلة اشتُهرت بالعلم والدّين، فوالده خرّيج جامع القرويّين في
فاس، وكان شيخًا للزاوية البوعبدلية
الدرقاوية في بَطّيوة[2]. وقد أشرف الشيخ المهدي عليها بعد وفاة أخيه الأكبر عام 1974[3].
المسار التعليمي
تلقّى البوعبدلي تعليمه الأول في المعهد التربوي القُرآني في بَطّيوة[4]، وبدأ حفظ القرآن على والده، ثم على يد الشيخ عبد القادر بن طويس. انتقل بعد ذلك إلى الزاوية التي كان يُشرف عليها والده، فختم حِفْظَ القرآن الكريم، وتلقّى العلوم الفقهية وعلوم اللغة. وقد زاول بموازاة ذلك التعليم الفرنسي، وأظهر منذ صغره اهتمامًا بارزًا بالتاريخ والشعر الملحون[5].
ثم انتقل إلى مدرسة الشيخ أبي راس المازوني في
مازونة، فدَرَس فيها نحو سنتَيْن. بعد ذلك، التحق بجامع الزيتونة في تونس عام 1931، إذ تتلمذ لمجموعة من العلماء، أمثال:
عبد العزيز جعيط والبشير النيفر ومحمد الطاهر بن عاشور وغيرهم. ونال شهادة التحصيل عام 1936. وقد وصفه زميله في الدراسة
زاهر الزاهري {{زاهر الزاهري: (1900-1999) أديب وصحافي جزائري، تلقّى تعليمه الأولي في الجزائر ثم تونس. واستقرَّ بعد عودته في الجزائر العاصمة، واشتغل في التعليم والإصلاح والكتابة الصحفية.}} بالقول: "عَرَفْتُه بتونس بجامع الزيتونة حيث كُنّا ندرس معًا، فكان مثالَ الاجتهادِ في طلب العلْم"[6].
اهتمَّ خلال إقامته بتونس كذلك بالنشاط الطُّلّابي، فبادر رفقة بعض الطلبة الجزائريّين، وهم الحفناوي هالي (1911-1965)، وأبو بكر الأغواطي (1912-1987)، وعلي المغربي (1915-1999)، وعبد المجيد حيرش (1910-1985)، وأحمد حماني (1915-1998)، إلى تأسيس
جمعية الطلبة الزيتونيين الجزائريين، وكان أحد قادتها[7].
المسار المهني
في تونس، ترأَّسَ البوعبدلي المجلس الإداري لجمعية الطلبة الجزائريّين في جامع الزيتونة[8]، وبعد عودته إلى الجزائر، عُيّن عام 1938 مُحرِّرًا في جريدة الرشاد {{الرشاد: جريدة كانت لسان حال جمعية الزوايا والطرق الصوفية، المناهضة لأفكار جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين. اتّخذت من الجزائر العاصمة مقرًّا لها، وصدر عددها الأول عام 1938.}}[9]. وبعد توقُّفها عن الصدور، انتقل إلى
وهران، ليشغل عام 1940 منصبَ إمام جامعها العتيق. ثم صار مُفتيًا لمدينة
بجاية، ومُسَيّرًا لناديها الثقافي، علاوة على تولّيه الرئاسة الشرفية لفوج
الكشافة الإسلامية الجزائرية فيها. عاد بعدئذٍ إلى الشلف ليتولّى الإفتاء حتى عام 1954، سنة اندلاع
ثورة التحرير الجزائرية.
في الشلف، وَجَّهَ رفقة مجموعة من المُفتِين والأسقُف ليون إيتيان دوفال (Léon-Etienne Duval، 1903-1996) عريضةً إلى الحكومة الفرنسية، طالبوا فيها بالتفاوض مع
جبهة التحرير الوطني. وفي عام 1956، كُلّف من طرف الجبهة بمهمة جمع السلاح في المغرب الأقصى[10].
بعد الاستقلال، شغل عضوية
المجلس الإسلامي الأعلى فور تأسيسه عام 1963، وعُيّن مُكلَّفًا بمهمة لصالح وزارة الشؤون الدينية والأوقاف. انتُدب بعد ذلك لصالح وزارة الثقافة للعمل في البحث التاريخي لصالح دائرة المعارف الأثرية. شغل كذلك عضوية المركز الوطني للدراسات التاريخية في الجزائر[11]، وعضوية المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر[12]. عمل أيضًا على تدريس الأئمة وتكوينهم[13]. وفي عام 1974، تولّى رئاسة الزاوية التي أسَّسها والدُه بعد وفاة أخيه عبد البر[14].
وفي إطار أدائه مهمّات رسمية أو مشاركته في فَعاليّات عِلْميّة، زار البوعبدلي المغرب ومصر والسعودية وليبيا وإسبانيا وفرنسا وروسيا والهند وباكستان وألمانيا، وقد مكَّنَه ذلك من إقامة شبكة علاقات مع كثير من المشايخ والعُلماء[15].
المؤلَّفات
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
"جوانب مجهولة من آثار زيارة محمد عبده عام 1905"، الأصالة، العددان 54-55 (1978).
"الجوانب المجهولة من ترجمة حياة الإمام أحمد بن يحيى الونشريسي"، الأصالة، العدد 83 (1980).
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
لم يستفِد البوعبدلي من تكوينٍ علميٍّ في مجال التاريخ، لكنه رغم هذا نجح في البروز بوصفه أحد المُشتغِلين بالبحث التاريخي في الجزائر؛ إذ أدرك ما عدّه "خطورة نسيان الماضي وإهمال تُراث الأجداد"[16]، فانخرط في الدفاع عن الهُوية عبر الاهتمام بالتاريخ والتراث المخطوط.
وقد دفعه اهتمامه بدراسة المخطوطات والبحث عنها وتجميعها إلى التخصص في المجال، وقد نشر أبو القاسم سعد الله 16 رسالة وصلته من البوعبدلي، يقول إنها ساعدته في كتابة موسوعته
تاريخ الجزائر الثقافي[17].
نُشِر له أكثر من 135 مقالة بالعربية، و6 بالفرنسية، في عدد من المجلّات والجرائد الجزائرية، منها:
الأصالة، والثقافة، وأول نوفمبر، والنجاح، والشعب، ومنشورات
ملتقى الفكر الإسلامي، ومجلة المركز الوطني للدراسات التاريخية. ومن أبرز ما نَشَرَه[18]:
- "الاحتلال الفرنسي للجزائر ومقاومة الشعب الميدان الروحي" (الأصالة، العدد 8، 1972).
- "أضواء على تاريخ الجزائر في العهد التركي من خلال مخطوط الثغر الجُماني في ابتسام الثغر الوهراني" (الأصالة، العدد 8، أيار/ مايو 1972).
- "مراكز الثقافة وخزائن الكتب بالجزائر عبر التاريخ: نشأتها وتطورها" (الأصالة، العدد 12، 1973).
- "تراجم بعض مشاهير علماء زواوة في القبائل الصغرى والكبرى" (الأصالة، العدد 12، 1973).
- "الرباط والفداء في وهران والقبائل" (الأصالة، العدد 13، 1973).
- "موقف المؤرخين الأجانب من تاريخ الجزائر عبر العصور" (الأصالة، العدد 15، 1973).
- "الحياة الفكرية ببجاية في عهد الدولتَيْن الحفصية والتركية وآثارها" (الأصالة، عدد خاص حول بجاية، 1974).
- "جوانب من تاريخ بونة الثقافي والسياسي عبر العصور" (الأصالة، العددان 34-35، 1976).
- "جوانب مجهولة من آثار زيارة محمد عبده عام 1905" (الأصالة، العددان 54-55، 1978).
- "الجوانب المجهولة من ترجمة حياة الإمام أحمد بن يحيى الونشريسي" (الأصالة، العدد 83، 1980).
أما في مجال التأليف والتحقيق، فصدر له:
- "تاريخ علماء الجزائر في العهد التركي وما قاربه" (مخطوط لم يُطبَع، 1976)[19].
-
تاريخ المدن (الجزائر، 2012).
-
جوانب من الحياة الثقافية بالجزائر في العهد العثماني (الجزائر، 1984).
-
ثورة الشريف بوبغلة سنة 1851 (الجزائر، 1965).
- تحقيق مخطوط
الثغر الجُماني في ابتسام الثغر الوهراني لأحمد بن علي بن سحنون الراشدي (قسنطينة، 1973).
- تحقيق مخطوط
دليل الحيران وأنيس السهران في أخبار مدينة وهران لمحمد بن يوسف الزياني (الجزائر، 1979).
التكريمات
مَنَحَهُ معهدُ الحضارةِ الإسلاميةِ في جامعة وهران عام 1991 شهادةَ دكتوراه فخرية، نظيرَ جهوده في الحفاظ على التُّراث والمخطوطات وإتاحتها للباحثين[20]. وفي عام 2013، أشرفت
وزارة المجاهدين على إصدار موسوعة من ثمانية أجزاء، تتضمَّن مؤلفات البوعبدلي وأعماله، وقد حملت عنوان
الأعمال
الكاملة للشيخ المهدي البوعبدلي[21].
الوفاة
تُوفّي البوعبدلي في 6 حزيران/ يونيو 1992 ببطّيوة، ودُفن في زاوية العائلة كما أوصى بذلك[22].
المراجع
بليل، حسني. "الشيخ المهدي البوعبدلي".
مجلة عصور الجديدة. مج 2، العدد 4 (2012). ص 208-225.
بوزوادة، حبيب. "مقالات المهدي البوعبدلي في مجلة الأصالة".
مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية. مج 11، العدد 1 (2018). ص 554-566.
"تاريخ بطيوة مع الشيخ العلامة الحاج المهدي البوعبدلي رحمة الله تعالى عليه".
يوتيوب. 22/6/2024. في:
https://acr.ps/hBxWaCC
دويب، عبد الرحمن.
الأعمال الكاملة للشيخ المهدي البوعبدلي. الجزائر: دار عالم المعرفة للنشر والتوزيع، 2013.
سعد الله، أبو القاسم.
تاريخ الجزائر الثقافي. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1998.
شترة، خير الدين. "تأملات في الشخصية التاريخية للشيخ المهدي البوعبدلي وخصائص كتاباته التراثية من خلال آثاره".
مجلة قضايا تاريخية. مج 5، العدد 3 (2020). ص 193-235.
عويمر، مولود. "الشيخ المهدي البوعبدلي 1907-1992".
البصائر. 6/6/2018. في:
https://acr.ps/hBxWaGt
محمد، لكحل. "الشيخ المهدي البوعبدلي.. عالم فقيه برتبة مؤرخ فصيح".
المقال. 17/7/2022. في:
https://acr.ps/hBxWaKk
[1] خير الدين شترة، "تأملات في الشخصية التاريخية للشيخ المهدي البوعبدلي وخصائص كتاباته التراثية من خلال آثاره"،
مجلة قضايا تاريخية، مج 5، العدد 3 (2020)، ص 196.
[2] عبد الرحمن دويب،
الأعمال الكاملة للشيخ المهدي البوعبدلي، مج 1 (الجزائر: دار عالم المعرفة للنشر والتوزيع، 2013)، ص 99.
[3] شترة، ص 197.
[4] "تاريخ بطيوة مع الشيخ العلامة الحاج المهدي البوعبدلي رحمة الله تعالى عليه"،
يوتيوب، 22/6/2024، شوهد في 24/1/2026، في:
https://acr.ps/hBxWaCC
[5] أبو القاسم سعد الله،
تاريخ الجزائر الثقافي، ج 2 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1998)، ص 313.
[6] مولود عويمر، "الشيخ المهدي البوعبدلي 1907-1992"،
البصائر، 6/6/2018، شوهد في 24/1/2026، في:
https://acr.ps/hBxWaGt
[7] المرجع نفسه.
[8] شترة، ص 200.
[9] المرجع نفسه، ص 203.
[10] للاطلاع على نص العريضة كاملًا مع قائمة المُوقّعين عليها، يُنظر: دويب، ص 79 وما يليها.
[11] شترة، ص 201.
[12]حسني بليل، "الشيخ المهدي البوعبدلي"،
مجلة عصور الجديدة، مج 2، العدد 4 (2012)، ص 210.
[13] دويب، ص 74.
[14] حبيب بوزوادة، "مقالات المهدي البوعبدلي في مجلة الأصالة"،
مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية، مج 11، العدد 1 (2018)، ص 557.
[15] بليل، مرجع سابق.
[16] عويمر، مرجع سابق.
[17] سعد الله، مرجع سابق.
[18] للاطلاع على كامل قائمة المقالات، يُنظر: دويب، مرجع سابق.
[19] بليل، ص 214.
[20] لكحل محمد، "الشيخ المهدي البوعبدلي.. عالم فقيه برتبة مؤرخ فصيح"،
المقال، 17/7/2022، شوهد في 24/1/2026، في:
https://acr.ps/hBxWaKk
[21]دويب، مرجع سابق.
[22] عياض البوعبدلي، "مقدمة: نشأة وحياة الشيخ المهدي البوعبدلي"، في: عبد الرحمن دويب،
الأعمال الكاملة للشيخ المهدي البوعبدلي، ج 1 (الجزائر: دار عالم المعرفة للنشر والتوزيع، 2013) ص 40.