الموجز
الليبرالية (Liberalism) تيار فكري اجتماعي وسياسي، تبلور في أوروبا في القرن التاسع عشر، يجتمع حَمَلتُه على القول بشخصية مستقلة للإنسان (الفرد) ذات إرادة حرة، وبضرورة تحديد سلطة الدولة في مقابل المجتمع والأفراد، وعلى أن للفرد حرياتٍ وحقوقًا. وعُبِّر عنه في بعض الحالات برؤية للمجتمع والدولة والفرد من منظور منظومة قيم محددة. كما عَرف تاريخ الفكر محاولات مشهورة لإسناد هذه الرؤية إلى منظومة فلسفية يُستنتَج منها ضرورة تحديد سلطة الدولة وصون حرية الفرد وحقوقه من تجاوزاتها. ولا إجماع على جذوره الفلسفية، ولكنها، وفقًا لقناعات منتشرة، تعود إلى إجابات فلسفية في النصف الثاني من القرن السابع عشر عن قضايا مثل الحروب الطائفية والحرية الدينية وحدود سلطات الدولة. وانطلقت هذه الفلسفة (الأخلاقية والسياسية) من تصورات محددة للإنسان بوصفه كائنًا مستقلًا (فردًا) عاقلًا، يمكنه تقدير المخاطر على حياته و"رفاهيته" والتمييز بين الخير والشر، وحرّ الإرادة قادرًا على إبرام التعاقدات. وجاءت الإجابات الفلسفية أيضًا انطلاقًا من افتراض حالة طبيعية وحقوق طبيعية سابقة على قوانين الدول، مثل الحق في الحياة والملكية والحرية.
تدافع أي سلطة، من منظور الليبراليين، عن نفوذها وصلاحياتها مقاوِمةً مبدأ الحرية، ولذلك يبحث الليبراليون عن توازن بين السلطة والحرية في الوقت ذاته، ولا يعترفون بأي مطلق؛ سواء في سلطة الملك في النظام المَلَكي، أو في
سيادة الشعب في
النظام الجمهوري. ومن هنا، تقيس الليبرالية شرعية الحكم من خلال مبدأ التخلي عن فكرة السلطة المطلقة (سواء أكانت ملكيةً أم شعبيةً)، واحترام حقوق المواطنين وحرياتهم.
ليست الليبرالية فلسفةً أو مذهبًا فكريًّا واحدًا مغلقًا أو متجانسًا، ويمكن استنتاج مبادئها الرئيسة من تفاعل قيم مثل الحق في الحرية والمساواة الأخلاقية بين الناس مع تعقيدات المجتمعات والدولة الحديثة، من دون الحاجة إلى أنساق فلسفية كاملة أو نظريات سيكولوجية وأنثروبولوجية عن طبيعية الإنسان. ولم تعد بعض توجهاتها ومبادئها وطريقة التفكير التي تميز حمَلَتَها مقتصرة على تيار فكري-سياسيٍّ بعينه، فقد تغلغلت بعض عناصر الفكر الليبرالي خلال القرون الثلاثة، التي انقضت منذ ذلك الحين، في فكر الكثير من القوى السياسية اليمينية واليسارية وبرامجها السياسية منذ الحرب العالمية الثانية، وباتت جزءًا مكونًا في دساتير الدول الديمقراطية، وفي أعراف قطاعات واسعة من المجتمعات الحديثة وثقافتها، ولا سيما مع توثيق الترابط بين
الديمقراطية والليبرالية. كما أن الليبرالية ذاتها تطوّرت وتبدّلت وتنوّعت عبر الزمن، إذ استوعبت بعض تياراتها فكرة
العدالة الاجتماعية (التوزيعية) وبعض الحقوق الجماعية بعد أن كانت تصّر على أن حامل الحقوق الوحيد هو الفرد، وغيرها من التغيرات؛ ولكنها تأسّست دائمًا على قيم أساسية تجعل حامليها يستحقون التسمية، وهي:
أولًا، الانطلاق من حق الأفراد بالحياة والحرية والملكية الخاصة؛ وثانيًا، رفض الطغيان والميل إلى تحديد سلطة الحكام التي كلما توسعت حدودها، وقلت الرقابة عليها، ازداد ميل الممسكين بها إلى التعسف والتجاوز على حقوق الناس؛
وثالثًا، الاعتراف بتعددية المشارب والخيارات الفكرية والخُلُقية والدينية في المجتمع؛ ورابعًا، التسليم بوجود تنافس وصراعات في المجتمعات، وبقدرة المجتمع على إعادة إنتاج نفسه من خلال نظمها وضبطها. وقد يقتضي ذلك تدخل الدولة استثنائيًّا للبت في النزاعات وحماية الحقوق والحريات من تجاوز أفراد وكيانات، والبحث عن صيغ للتعايش يُحافظ فيها على القيم أعلاه؛ وخامسًا، الاعتراف باستقلالية الإنسان الفرد في مقابل الدولة والجماعة، بشرط أن يكون عاقلًا ومسؤولًا عند بعض التيارات، أو بافتراض أنه عاقل ومسؤول عند تيارات أخرى، والفرق كبير بين الحالتين.
غالبًا ما يعود الباحثون إلى نظريات
العقد الاجتماعي في القرن السابع عشر بوصفها مصدر الفكر الليبرالي، لأنها انطلقت في تركيبها النظري
للمجتمع المدني/ الدولة من وجود أفراد، أي إن وحدته الأساسية هي الإنسان الفرد، وإنْ اختلفت هذه النظريات في شرحها دوافعَ الأفراد، ودورَ العقل في السيطرة على الغرائز الطبيعية، ومن ثم الحالة الطبيعية المفترضة قبل نشوء الدول؛ كما اختلفت في النتائج التي توصلت إليها، وبعضها يتناقض تمامًا مع التصورات الليبرالية للدولة. وتركز أغلبية الباحثين على الفيلسوف الإنكليزي
جون لوك (1632-1704) تحديدًا الذي انطلق في تركيب نموذجه من ضرورة تحديد سلطة الملكية في مرحلة حكم
تشارلز الثاني (Charles II، 1630-1685)، وبدا ما انطلق منه كأنه توصل إليه من خلال نموذج فلسفي يفترض مقدمات هي حالة طبيعية ما قبل الدولة، وقانون طبيعي ينظمها ويصون الحياة والحرية والملكية الخاصة. وأوصله تحليل متماسك انطلاقًا منها إلى تعاقد اجتماعي حر، ينقل المجتمع من الحالة الطبيعية إلى الحالة المدنية التي يمكن فيها الحفاظ على الحريات الشخصية والملكية الخاصة من التجاوزات، وتُقيَّد فيها سلطات الدولة باحترام القانون الطبيعي في قوانينها التي تسنّها.
جون لوك
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وثمة مصدر فلسفي آخر، لتقليد مختلِف في الليبرالية، هو الفيلسوف الألماني
إيمانويل كانط (Immanuel Kant، 1724-1804)، المشهور بفلسفته النقدية لحدود الأحكام العقلية والأخلاقية والجمالية، وتأسيسها الحكم الأخلاقي على الواجب، التي كان لها أثر كبير في تطور
الفلسفة الأوروبية الحديثة. ومع أنه لم يُعرف بوصفه أحد آباء الفكر الليبرالي، ولا سيما التقليد الأنكلوسكسوني المهيمن فيه، فإن انطلاقه في فلسفته الأخلاقية من افتراض الإنسان فردًا مستقلًا حر الإرادة، ومن أخلاق الواجب الملتزمة بالقانون الأخلاقي وليس بأي اعتبارات أخرى، ومعارضة فرض تصور للخير العمومي أو للسعادة على الأفراد، حوَّل كتاباته إلى مصدر فلسفي للفكر الليبرالي في الجامعات الأميركية التي أصبحت أهم مراكز إنتاجه في النصف الثاني من القرن العشرين.
إيمانويل كانط
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
اقتضى الأمر تطورات سياسية واجتماعية وثقافية متسارعة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في ظل الاكتشافات العلمية والتقدم العلمي والتقني الصناعي، وتطور وسائل المواصلات والاتصالات ودورها في تطور عمراني وديموغرافي وتنظيمي غير مسبوق للمدن، ونشوء
البرجوازية والنخب المتعلمة والثقافية وفاعليتها التاريخية، لبلوغ الأفكار الليبرالية مكانة تيار سياسي اجتماعي وفكر قائم بذاته؛ كما هو معروف مثلًا عند المفكر والسياسي
بنجامين كونستان (Benjamin Constant، 1767-1830) في فرنسا، وجون ستيوارت مِل (1806-1873) في إنكلترا وغيرهما من المفكرين. وقبل أن تتصف بهذه الصفة باعتبارها تسمية، نشأت منذ القرن الثامن عشر التوجهات الليبرالية الاقتصادية التي تشدد على الحرية الاقتصادية، أي حرية الأسواق في مقابل تدخل
الدولة، وعلى التجارة الحرة على المستوى الدولي، والتي يعتبر كتابُ الاقتصادي الكلاسيكي الإسكتلندي،
آدم سميث (Adam Smith، 1723-1790)،
بحثٌ في طبيعة ثروة الأمم وأسبابها (An Inquiry into the Nature and Causes of the Wealth of Nations, 1776)، المشتهر اختصارًا بـ "ثروة الأمم"، علامتَها الفارقة الرئيسة.
جون ستيوارت مِل
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
آدم سميث
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ليس تاريخ الليبرالية تاريخ أفكار، بل هو تاريخ صراعات على تحديد سلطة الدولة، فمثلًا، تبنت الدعوةَ إلى تحديد سلطات الملك في بريطانيا قوًى اجتماعية متضررة من فرض الضرائب عليها من دون استشارتها؛ وصراعات أخرى على الحرية الدينية وحرية الضمير قادتها الكنائس المنشقة عن الكنائس
البروتستانتية الرئيسة، ومرافعات دفاعًا عن كرامة الإنسان من منطلقات دينية وعلمانية على حد سواء في ظل ظروف الفقر والحرمان في الأرياف والمدن. وتفاعلت الأفكار التي تبرر هذه المطالب، والقوى الاجتماعية المنخرطة في هذه الصراعات مع بنًى اجتماعية وتقاليد فكرية تفترض أبدية الهرمية الاجتماعية القائمة، ومع تفسيرات مختلفة للعقائد الدينية تضفي قدسية على هذه الهرمية من البطريركية في العائلة إلى بطريركية
النظام الملكي. لقد غيّرت هذه التفاعلات الأفكار وعدّلتها. وتطلبت الصراعات تبريرات تخاطب العقل في مقابل العرف والتقليد، وصياغة منظومات متماسكة من الحجج. وبهذا المعنى، لم تُنتِج أفكار جون لوك وجون ستيوارت مِل وغيرهما المواقف السياسية والأخلاقية التي باتت تسمى ليبرالية، بل كانت نتاجًا لنشوء هذه المواقف وتفاعلها مع الواقع الاجتماعي. ولكن بعد تحولها إلى تيار فكري في مرحلة ازدهار الطباعة والنشر، وتحول الجامعات من كليات لاهوت إلى مراكز لتدريس العلوم وإنتاج المعرفة، وتزايد نفوذ فئة المستشارين والخبراء، أصبحت هذه الأفكار بدورها مؤثرة في صياغة مواقف الفاعلين وأهدافهم على نحو متسق.
وفي القرن العشرين، لم يعد ممكنًا تخيل ديمقراطية غير ليبرالية. إن الديمقراطيات السائدة منذ القرن العشرين، على نواقصها وعللها، هي ديمقراطيات ليبرالية، بمعنى أن تقوم على حريات المواطنين المدنية والسياسية وحقوقهم. ولم تعد النظم التي تسمي نفسها ديمقراطية من دون أن تحترم هذه الحقوق والحريات تستحق هذه التسمية.
تحكمت في مسار تطور الليبرالية ثلاث ديناميكيات وتوترات داخلية ناجمة عن التفاعل بين الفكر والممارسة المتفاعلة بدورها مع الواقع، وعن التوتر بين القيم المختلفة ضمن الفكر الليبرالي، ونشأت عن هذه التفاعلات والصراعات تيارات فكرية وسياسية مختلفة ضمن الفضاء الليبرالي، وتمثلت الديناميكيات والتوترات بالآتي:
- التوتر والتفاعل بين ضرورة تحديد سلطة الدولة منعًا للتعسف وصونًا للحرية من جهة، والحاجة إلى تدخل الدولة في محاربة الفقر والجهل والجريمة، وآفات اجتماعية أخرى تحول دون ممارسة المواطنين لحرياتهم من جهة أخرى.
- الصراع بين الحاجة إلى صون الحريات الشخصية والمدنية والسياسية من جهة، وتعميم
حق الاقتراع الذي أُنجِز بعد نضالات مديدة من جهة أخرى. فقد يؤدي تعميم حق الاقتراع إلى حكم ممثلي أغلبية ذات ثقافة لا تعير أهمية للحريات، وربما معادية لها أيضًا.
- الصراع بين افتراض الليبرالية أولوية حقوق الفرد وحرياته ووجهة نظر الليبرالية الكلاسيكية القائلة بأن الفرد هو الكيان الوحيد الحامل للحقوق في مقابل الدولة من جهة، والاعتراف بوجود جماعات ينتمي إليها الأفراد وتطمح إلى اعتراف الدولة بها بوصفها كيانات من جهة أخرى. وقد تمارس هذه الكيانات نوعًا من السلطة على الفرد. تطوّرت الليبرالية في سياق التوتر بينها وبين
الجماعتية[1] (Communitarianism)، هذا التوتر الذي يتخذ في بعض الحالات (الأكاديمية) صيغة زائفة، هي المفاضلة بين أولوية
الجماعة وأولوية حقوق الفرد.
الليبرالية تاريخيًّا
استُخدم مصطلح "ليبرالي" في وصف تيار سياسي للمرة الأولى في إسبانيا (بالإسبانية: Liberales) في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وذلك في وصف الحركة السياسية التي شاركت في الصراع من أجل الاستقلال عن فرنسا، والتي تأثرت في الوقت ذاته بأفكار التنوير الفرنسي، واتسمت عمومًا بالدفاع عن الحريات، بما فيها حرية الأسواق، ودعت إلى فرض قيود دستورية على الملكية في إسبانيا[2]. وسرعان ما استُخدم المصطلح في وصف التيارات المدافعة عن الحريات المدنية والشخصية، والمطالبة بتحديد تدخل السلطات في الاقتصاد والمجتمع. وقد تفرعت منها تيارات محافظة ترفض تعميم حق الاقتراع، وأخرى يسارية أطلقت على نفسها تسميات مثل "راديكالية" و"جمهورية"، وطالبت بتعميم حق الاقتراع. وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، توحّدت أغلبية التيارات الليبرالية في كتلة برلمانية تحت تسمية "التقدميين".
قبل ذلك بقرن ونيف، برز في بريطانيا، منذ ما سُمّي "الثورة المجيدة" (Glorious Revolution) في عام 1688، تيارٌ اجتماعي سياسي يدعو إلى تقييد سلطة الملك في فرض الضرائب، ويدافع عن سلطات
البرلمان، ويدعو إلى
سيادة القانون فوق الجميع، بمن في ذلك الملك. عنى ذلك عمليًّا تقييد صلاحيات الملك بناءً على مبادئ دستورية (سواء أكانت مكتوبة أم غير مكتوبة)؛ وارتبطت بذلك الدعوة إلى ما أصبح يُسمى لاحقًا "دولة الحد الأدنى" التي لا تتدخّل عمومًا في
التجارة الحرة وعملية التبادل الحر في الأسواق، ولا تسيّر الاقتصاد، ولا تتطفل على حياة الأفراد إذا لم يخالفوا القانون. ودار الصراع على هذه القضايا بين تيارَي
الويغز (Whigs) والتوريز (Tories). والويغز هم مصدر فكرة الدولة الليبرالية المعاصرة، وهم
الحزب الذي خرج منتصرًا من
الحروب الدينية حتى عام 1688، ولكنهم لم يُكنُّوا أنفسهم ليبراليين.
وبأثرٍ تراجعيٍّ، أُطلقت تسمية الليبرالية، أو
البروتوليبرالية (Protoliberal) (نموذج أولي أو مبكر من الليبرالية)، على فلسفة جون لوك التي تنطلق من حالة طبيعية يعيش فيها أفراد بحرية ومساواة، وينظمها قانون طبيعي معطًى من الله، وسلطته مستمدة من مصدره، ومن هنا فطاعته واجبة. ولكن الفرق بينه وبين القوانين الإلهية الأخرى هو في توصل الإنسان إليه بوساطة عقله، بينما تنزل القوانين الإلهية الأخرى بالوحي، ولا يتوصل إليها العقل. ويفرض هذا القانون على البشر صون الحياة والحرية، "لكن على الرغم من أن هذه [الحالة الطبيعية] هي حالة الحرية، إلا أنها ليست حالة الفلتان، إذ رغم أن الإنسان في تلك الحالة يتمتع بحرية لا حدود لها في التصرف بشخصه أو ممتلكاته، [...] إلا أن لحالة الطبيعية قانونًا طبيعيًّا يحكمها، ويلزم الجميع. منطقه هو منطق ذلك القانون الذي يعلّم الجنس البشري كله، حين يعود إليه ويستشيره، بأن الكل متساوون ومستقلون، ولا ينبغي لأحد أن يؤذي الآخر، بما يضرُّ بحياته، صحته، حريته أو ممتلكاته: لكون الناس كلهم من شغل خالق لا حدود لحكمته ولقدرته"[3]. إن الناس في الحالة الطبيعية سادة أنفسهم، ولا حقَّ طبيعيًّا لأحد في السلطة، مثلما لا خضوع طبيعيًّا، فالأبوية البطريركية كما دحضها لوك، قد تصح في العائلة، ولكنها لا تنطبق على سلطة الدولة أو الملك[4]. والاعتداء على حياة الآخرين وحريتهم خرقٌ للقانون الطبيعي. والسلطة ليست معطًى طبيعيًّا، ولا منزلة من السماء، بل تنشأ اجتماعيًّا؛ تنشأ الدول من خلال إجماع الناس على التنازل عن جزء من حريتهم لصالح الكيان الناشئ عن التعاقد بينهم، والقرارات داخله تُتَّخذ بالأغلبية. وأسس لوك تصوره للعقد الاجتماعي بوصفه ميثاقًا ينشِئُ سلطة سياسية لحماية الحرية والملكية من التجاوزات، وللحسم في الخلافات في تفسير القانون الطبيعي الذي يجب أن تقوم القوانين المدنية عليه، وذلك في كتابه معالجتان أو
بحثان في الحكم (Two Treatises of Government, 1689) نموذجه هو الحكم المختلط الذي يتقاسم فيه الملك والبرلمان سلطة التشريع.
وبما أن لوك تصوّر المجتمع الطبيعي مؤلَّفًا من أفراد مضطرين إلى تنظيم حياتهم من خلال علاقات التبادل والتعاون فيما بينهم، وقادرين على إدارة حياتهم المشتركة وتنظيمها، بافتراض أنهم عاقلون وأخلاقيون، يميزون بين الخير والشر، فإن مبرر وجود الدولة ووظيفتِها ليس إدارة المجتمع وتنظيمه، بل حماية الحق في الحياة والحرية والملكية الخاصة من التجاوزات، والحكم في النزاعات بين الناس. لقد صمم لوك مجتمعًا طبيعيًّا يقود بالضرورة إلى استنتاجاته من خلال نوع من "تاريخ مثالي"، فالناس قبل الدولة لم يعيشوا أفرادًا مستقلين، وبهذا المعنى، فإن الجماعات كانت في البدء لا الأفراد. ولكن أسبقية الجماعة التاريخية لا تعني أولويتها القيمية في
الحداثة؛ ولا أساس لاستنباط كهذا. يفترض لوك وجود أفراد ذوي شخصيات مستقلة في الحالة الطبيعية، لأن من شأن الاستنباط انطلاقًا من هذه الحالة الطبيعية أن يقود إلى تصوره للمجتمع المدني/ الدولة. يُتَّبع مثل هذا المنهج حينما يصر المفكر الليبرالي الفيلسوف على تبرير مواقفه الليبرالية من خلال نسق فلسفي متماسك منطلق من فرضيات ابتدائية مثل طبيعة البشر.
لكن الحياة الاجتماعية والسياسية والخيارات الأخلاقية، ومن ضمنها خيار الدفاع عن الحرية، وتوسيع فهمها لتشمل أفرادًا من خارج نخبة الملاك الذين يريدون تقييد سلطة الدولة لمنعها من التعسف في فرض الضرائب مثلًا، ليست منظومةً متجانسة ومتماسكة من الاستدلالات المنطقية، وحشرها في نسق فلسفي له ثمن هو
الدوغمائية، أي تحول المواقف إلى عقيدة صلبة ممانعة تقاوم التغيير المواكب للتطور.
لقد اعتُبِرَت نظريةُ جون لوك في الحقوق الطبيعية، بما فيها الحقُّ في الحياة والحرية والمِلْكية، وحقُّ الفرد في السعي إلى تحقيق رفاهيته إذا لم يتناقض سعيه مع حقوق الآخرين المماثلة، وتنظيم العلاقة بين الأفراد والحكومة من خلال عقد اجتماعي، تأسيسًا للفلسفة الليبرالية. ولكن ليس صدفة أن المفكر الأكثر تأثيرًا في الفكر الليبرالي في القرن التاسع عشر، أي جون ستيوارت مِل، لم يَصُغ نسقًا فلسفيًّا انطلاقًا من مسلمات مفترضة، وعارض فكرة العقد الاجتماعي، فالمجتمع عنده لا يقوم على تعاقد من أي نوع[5]. ولم يرَ حاجة إلى نظرية العقد الاجتماعي ليؤسس عليها موقفه الداعي إلى الحرية واستقلالية الشخصية الفردية وضرورة تقييد سلطات الدولة.
أكَّد لوك ومُفكِّرون آخرون في القرن السابع عشر أن الناس وُلِدُوا وهم يحملون حقوقًا طبيعيّة، ومنذ تلك الفترة، أصبحت الكلمتان "حقوق" و"طبيعية" مركزيتين في الفكر الليبرالي. يَحمِل الناس بوصفهم أفرادًا حقوقًا طبيعية (سواء أكانت إلهية المنشأ، أم تعبيرًا عن خواص ونزعات إنسانية طبيعية وفقًا للمنظور الفلسفي) أهمها حق الحياة والحرية والتملك، وليس لأحد الحق في انتزاع هذه الحقوق من البشر، لأن ذلك يعني نزع إنسانيتهم أو التعدي على نظام طبيعي (إلهي) معطًى، ويمكن استخلاصه بالعقل. وأهم مبادئ الليبرالية هي عبارة عن إرساء هذه القدرات أو القابليات (Capacities) في منظومة حقوق مدنية مشرّعة ومبادئ دستورية تحميها الدولة.
لم يكن لوك بحاجة إلى تبرير هذه الحقوق، لا بالحدس ولا بالتوافق بين البشر، فهي عنده معطاة طبيعيًّا، وكأنها صادرة عن إرادة الله. ولكنه، على كل حال، وجد المبررات لحرمان
السكان الأصليين في أميركا من الحرية والحقوق الطبيعية، وتبرير العبودية بوصفها استمرارًا للحرب، ونوعًا من البديل عن الموت للمهزوم في الحرب في ظروف عدم وجود قانون مشترك يجمع المنتصر والمهزوم، فليس ثمة عبودية طوعية[6] (لاحظ أن مصادرة الحرية عنده تحل محل مصادرة الحياة، فالحرية مماثلة للحياة من حيث القيمة!). وعلى الرغم من كونية الحالة الطبيعية في التصورات الفلسفية، كان سريان مفعول الليبرالية منحصرًا في "الدولة المتمدنة" التي نظَّر الكاتب من داخلها.
وحتى داخل "الدول المتمدنة" قياسًا بالعالم الجديد، انحصرت حقوق المشاركة السياسة في نظر دعاة تحديد سلطة الدولة والمدافعين الأوائل عن حقوق الملكية وحرية المالكين في وجه تعسفها، الذين لم يُسَموا ليبراليين بعد، بالفئات الاجتماعية المؤهلة لممارستها لناحية القدرة على تحمل المسؤولية العمومية (وأولها دفع المالكين الضرائب للدولة)، والمقدرة على إصدار الأحكام العقلية التي تؤهل الشخص للإسهام في الشؤون العمومية (المعرفة في مقابل الجهل). ومن هنا، لا يُفهم تطور الفكر الليبرالي من خلال محاكمته من منظور الليبرالية المتطورة في نهاية القرن العشرين ووفقًا لمعاييرها، بل ضمن السياقات التاريخية المختلفة[7]. فقد أيّد الويغز، وجون لوك الذي مثّل فكريًّا روح ثورة النخبة البريطانية على
الحكم المطلق، التسامحَ مع أفكار المنشقِّين البروتستانت وكنائسهم المتعددةِ، وحرية الضمير عمومًا في مسائل العقيدة والعبادة، ولكن لوك ترك للسلطات حق التصرف ضد الممارسات والدعاية التي تهدد "السلم الاجتماعي" واستقرار الحكم، ولا سيما في حالات
الكاثوليك الموالين للبابا بما يتناقض مع ولائهم للدولة، وبعض الكنائس البروتستانتية المنشقة حين يكثر عدد دعاتها ويشكلون خطرًا على "السِّلم الاجتماعي"، مع تحذير متكرر من عدم فاعلية قمع الدولة حرية الضمير[8]. وقد توسع التسامح مع أتباع الديانات المختلفة تدريجيًّا خلال القرن التاسع عشر، حتى وصل إلى القَبول بمبدأ المساواة في الحقوق بين أبناء جميع المذاهب والديانات المواطنين في الدولة، وتحييد الدولة في شأن الخيارات الدينية لمواطنيها. لكنّ تطبيقَ المبدأ بعد قبوله نظريًّا، وحتى قانونيًّا، تطلّب مرور وقت وخوض نضالات طويلة سياسية وقانونية، اشتدت خلال النصف الأول من القرن العشرين. ولم يتحقق انتقال الليبرالية إلى الكونية عرفيًّا (بمعنى الاعتراف الدولي موقفًا على الأقل، وفي صياغات ما يسمى القانون الدولي) من خلال
حقوق الإنسان وحرياته عمومًا (وهي أفكار ليبرالية في أصولها)، بحيث تنطبق على البشر الفعليين، لا على الإنسان الفرد المتخيل في الفكر الليبرالي، إلا بعد
الحرب العالمية الثانية (1939-1945).
إضافة إلى وضع حدود لسلطات الدولة على المجتمع والفرد، كان مطلب حرية الضمير هو المنطلق التاريخي لليبرالية، أي حق الفرد في اعتناق العقيدة الدينية وممارستها، وعدم وجود سلطة لأي حكومة على الضمير. تبلورت الليبرالية في الواقع التاريخي لتلك المرحلة عبر عدّة معارك؛ تحرير الخيار الديني من سيطرة الكنيسة، ورفض إملاء عقيدة واحدة وفرائضها على الناس، والحق في مقاومة الطغيان وإطاحة الحاكم الظالم. وقد تطلّب ذلك الدفاع عن الحق في التعبير عن المعارضة والاختلاف، ولكن لم يكن هدف هذا النوع من الفكر وضع ترسيمة لنوع المجتمع الذي يُفترض أن ينشأ، ولم يفعل ذلك.
أما في المجال الاقتصادي، فأُطلق مصطلح الليبرالية غالبًا على كتابات
الفيزيوقراطيين {{مدرسة اقتصادية فرنسية من النصف الثاني للقرن الثامن عشر. يرى البعض أنهم مؤسسو علم الاقتصاد. يتلخص منطلقهم في أن مصدر الثروة هو الأرض، وما ينتج قيمًا مضافة إلى الثروة في المجتمع هو العمل الزراعي، ولكنهم أيدوا عدم تدخل الدولة في سير العمليات الاقتصادية عبر العرض والطلب اللذين يحددان الأسعار، وأيدوا تدخلها في تحديد نسبة الفائدة}} الفرنسيين، وعلى أفكار آدم سميث، الذي عارض نظريتهم في الثروة، وآخرين. اعتبر سميث أن حرية الاستثمار والتجارة أساس
الاقتصاد الرأسمالي المزدهر، ورفض تدخل الدولة في شؤون الأسعار والعرض والطلب، وحاول أن يُثبِت أن النشاط الاقتصادي الموجه لمصلحة الفرد الخاصة بغرض الربح يجلب، في ظروف تبادل حر فعلًا، الازدهارَ للاقتصاد كله في النهاية، وأن قوانين السوق، أو يده الخفية، تنظّم العملية الاقتصادية وتوجّه الاستثمارات بناء على تطور القوى المنتجة وتفاوت العرض والطلب، وأن التنافس يؤدي في النهاية إلى تغلب المنتَج الأفضل والأجود والأقل سعرًا، وأن التجارة العالمية هي الضمان للسلم والاستقرار.
أكدت ليبرالية آدم سميث على أن التبادل التجاريّ الحرّ سيجلب المنفعة لاقتصادات جميع الدول، إذ كتب ذلك في مرحلة توسع
الإمبراطورية البريطانية وتفوّق صناعتها، أي حين كانت التجارة الحرة لمصلحة الاقتصاد البريطاني، لكن تطور الاقتصاد العالمي ما بعد سميث بيّن أن هذه السياسة تكون عادة في مصلحة الاقتصادات المتطورة، وغالبًا ما تضر ببناء الاقتصادات الناشئة، وأن في عولمة التجارة رابحين وخاسرين.
وينبغي هنا أن نؤكد أن سميث ومن بعده الاقتصادي وعضو البرلمان البريطاني،
ديفيد ريكاردو (David Ricardo، 1772-1823)، وغيرهما من الليبراليين الاقتصاديين تبنوا فكرًا تنويريًّا. كما تناغمت أفكارهما، مع نشاط برجوازية صناعية منتِجة معنية بحرية السوق وتوسيع الأسواق، طردًا مع توسع الإمبراطورية البريطانية، ولم تتناغم مع مصالح طبقات تجارية وسيطة طفيلية من السماسرة الذين يعتاشون على العمولات أو على
الوساطة مع الدولة، ولا كانت تعبر عنها.
بعد آدم سميث، واجه مفكرون ليبراليون السؤالَ الآتي: هل تتولد المصلحة العمومية عفويًّا كأن يدًا خفية (Invisible Hand)، بمصطلحات سميث، تنظِّم ما تبدو عليه علاقات التبادل في السوق من فوضى، أم بفعل تخطيط بشري موجه؟ آمن فلاسفة
المنفعية (Utilitarianism) الذين سُمّوا راديكاليين في حينه، وعلى رأسهم
جيريمي بنثام (Jeremy Bentham، 1748-1832) بدور العلم الحديث والتخطيط العلمي في تقدم المجتمعات البشرية، وبأن البشر مدفوعون في حياتهم بتأويج المتعة والفائدة وتقليل الألم، وأن هدف السياسات يجب أن يكون تحقيق السعادة لأكبر عدد من الناس. ولا وجود ليد خفية تقود عفويًّا إلى السعادة العظمى للعدد الأكبر من الناس، وحتى إذا وجدت، فلا علاقة ضرورية بين تنظيمها السوق وتحقيق السعادة لأكبر عدد من الناس. وعلى كل حال، فإن معيار المنفعية المتمثل بسعادة العدد الأعظم من الناس تضمَّن نزعة ديمقراطية اقتحمت الليبرالية. ولكن ليس هذا هو سبب إطلاق تسمية الفلسفة
الراديكالية على هذا التيار، بل استناده إلى العقلانية حصرًا، ودحضه أي اعتبار عدا المنفعة في تبرير المؤسسات والقوانين وحتى الأخلاق، بما في ذلك الغيبيات والعادات الموروثة وغيرها عادًّا إياها اعتبارات غير عقلانية.
ومن منظور المنفعة وتحكيم العقل، يبدو تقليص وظائف الدولة مغلوطًا بوصفه مبدأً بذاته، فثمّة حاجة إلى دور الدولة في إنجاز مهمات عديدة، من إعداد القوانين والدساتير وإنشاء المؤسسات التعليمية وحتى السجون، من أجل التوصل إلى سعادة العدد الأكبر من أفراد المجتمع. أما بالنسبة إلى منهج بنثام الإمبريقي (المنطلق من الوقائع والتجربة الإنسانية)، فلا واقعةَ اسمها المجتمع. يوجد في الواقع أفراد، والمجتمع كيان زائف (Fictitious). المعطى الإمبريقي هو الأفراد، أما المجتمع فيتشكل من علاقاتهم وأفكارهم وتهيؤاتهم، ولا مصلحة عمومية مستقلة عن مصلحة الأفراد وسعادتهم، ومن يصوغ المصلحة العمومية هم أفراد. يتساءل بنثام: "ما هي مصلحة الجماعة إذًا؟"، ويجيب: " إنها مجموع مصالح الأفراد الذين تتألف منهم"[9]. وهذا أساس للقاء فلسفي بين منفعية بنثام والليبرالية الكلاسيكية من خلال
جيمس مِل (James Mill، 1773-1836) وغيره من الليبراليين الذين تبنوا المذهب المنفعي. ويتلخص إسهامه في الفكر الليبرالي بأمرين؛ أولهما التأكيد على
الفردية بوصفها أساس الفعل في المجتمع، وثانيهما ضرورة تدخل الدولة من خلال التخطيط والإصلاح القانوني من أجل الصالح العمومي. أيد المنفعيون تدخل الدولة عند اللزوم، والمقياس عندهم أن يكون التدخل لمعالجة قضية ما مفيدًا، فيمنع تدخلًا أكبر في المستقبل. وهذه الرغبة في تجنب تدخل أعظم للدولة جراء عدم معالجة الدولة ذاتها بعض المشكلات هي الجانب الليبرالي في الأمر.
لم تتطابق الليبرالية السياسية والليبرالية الاقتصادية دائمًا، فلم يدافع جميع الليبراليين الاقتصاديين بالضرورة عن الحريات المدنية والحقوق السياسية. وشهد تطور الليبرالية السياسية والاجتماعية، توازيًا مع المطالب المتزايدة لتعميم حق الاقتراع في القرن التاسع عشر ذاته، نشوء تيارات ليبرالية تدعو إلى تدخل الدولة لفرض
التعليم الإلزامي في الدرجات الأساسية، وفي تنظيم شروط الصحة العمومية وتقليص الفقر.
وقد أدى جون ستيوارت مل (ابن جيمس مل) دور الفيلسوف والناشر للأفكار الليبرالية. ويصلح الاطلاع على فكرِهِ بوصفه نقطة انطلاق مناسبة لفهم الليبرالية؛ فسيرته الشخصية تلخص التباينات داخل الليبرالية، إذ انتقل من رفض تعميم حق الاقتراع إلى تأييده، كما جمع تقييد سلطة الدولة مع تأييد تدخلها لمحاربة الفقر والحرمان وتعزيز رفاه المجتمع. وفي تأسيسه الفلسفي لأوتونوميا الفرد، كتب مل أن "البشر في المجتمع ليس لهم خصائص إلّا تلك المشتقة من قوانين الطبيعة الخاصة بالفرد، ويمكنها الإحالة إليها"، وأن الإنسان حين يجتمع بآخرين في جماعة لا تتغير طبيعته خلافًا للعناصر الطبيعية التي تتفاعل، فخلافًا للأكسجين والهيدروجين اللذين يفقدان صفاتهما حين ينتجان الماء الذي يختلف عنهما نوعيًّا، فإن الأفراد لا يفقدون صفتهم في الجماعة، والجماعة لا تختلف جوهريًّا عن الأفراد[10].
كتب مِلْ أن قرارات الفرد بشأن سلامته وذوقه وإيمانه هي شأنه الخاص، لا يجوز لأحد أن يتدخل في حريته إذا لم يلحق ضررًا بالآخرين، فهذا هو المبرر الوحيد للتدخل في حريته[11]، وهو أيضًا أحد أهم أهداف
التشريعات الجنائية، أي الدفاع عن حياة مجمل الناس وحريتهم وملكيتهم. وحتى لو ارتكب الناس أخطاءً، فإن ارتكاب الزلل والتعلم منه أفضل من الإكراه على سلوك يبدو صحيحًا في نظر السلطة أو الرأي العام. إن الفردية والخيارات الحرة هي من مصادر الشعور الإنساني بالرضا، وهي أيضًا شرط الإبداع والتطور، ومن ثم فهي تصب في النهاية في تطور المجتمع.
هذا في ما يخصّ القضايا المتعلقة بالفرد ذاته، أما القضايا التي تتعلق بالآخرين الذين تمسّهم أفعال الفرد، فعددها أكبر. والفرد أيضًا حرٌ في ممارستها طالما أنها لا تُلحِقُ ضررًا بغيره (وهي المقولة التي أصبحت قاعدة ليبرالية ذهبية). وقد توسَّع مِلْ في هذه التصنيفات، فمثلًا الشعور بعدم الارتياح بشأن أفعال معينة يقوم بها الفرد، لأنها تمس مشاعر آخرين كما يقال، ليس سببًا كافيًا للتدخل في خياراته، بل يجوز ذلك فقط عندما يكون الضرر اللاحق بالآخرين واضحًا وملموسًا. لقد ضَيّق مِلْ الضرر؛ فهو ضرر جسدي، أو ضرر على حرية الفرد ومصدر رزقه وغيرها نتيجة لضغط الرأي العام، وليس ضغطًا نفسيًّا أو عاطفيًّا أو مُتعلِّقًا بذكريات من تاريخ الاضطهاد. وقد التزم مِلْ بحرية التعبير والتفكير والاتحاد الطوعي بين الأفراد، أي تشكيل الروابط والاتحادات. وظلّ التزامه بهذه الحقوق ثابتًا بوصفها مؤشرات لمجتمع صالح، وتصب في نهاية المطاف في خير المجتمع ورفاهيته. ولا يكلّ هذا التقليد الليبرالي من التأكيد أن امتحان التسامح مع حرية التعبير هو في حالة المواقف التي لا يتفق الليبراليون معها.
بدت الليبرالية بقلم مِلْ كأنها نظرية النُّخَب التي تُكافح ضد طغيان "متوسط" الجماهير الجمعي، فالجماهير تميل إلى الانسياق خلف العادة والمتوسط العام وتتخوف من الأفكار الجديدة. ووفقًا لمِلْ، هناك قلّة فقط من الناس الذين يفكرون ويخترعون، "لكن هؤلاء القلّة هم ملح الأرض، وبدونهم تصبح الحياة البشرية مستنقعًا راكدًا"[12]. ومع ذلك، فإن الحقوق والحريات لا تسري عليهم وحدهم، بل على الجميع. والفرد لا يخلق نفسه، فالشخصية لا تتبلور بالموهبة الفردية والميول فحسب، بل بالبيئة والنشأة أيضًا. ووفقًا لمِلْ أيضًا، فإن "المصادفة البحتة" قد تسهم في اختيارات المرء؛ إذ إن "الأسباب ذاتها التي تجعل المرء رجل كنيسة في لندن، كانت ستجعله بوذيًّا أو كونفوشيًّا في بيجين"[13].
جاء الدحض الأهم للمنفعية في مرحلة مبكرة من منظور فلسفة الأخلاق، بقلم كانط في كتابَيه تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق (Grundlegung zur Metaphysik der Sitten, 1785) ونقد العقل العملي (Kritik der Praktischen Vernunft, 1788)، وحججه في نقدها موزعة بين المؤلَّفَين. لا تصلح المنفعة عنده أساسًا للأخلاق، فكل إنسان يحدد سعادته على نحو مختلف عن الآخر، وهذا التنوع لا يشكل أساسًا متينًا للحكم الأخلاقي، تنطلق الأخلاق من فهم الواجب وإدراكه، ويجب فصل الحكم الأخلاقي عن المنفعة التي قد تعني تحويل الإنسان من هدف إلى وسيلة. ويفترض أن تنطلق الأحكام الأخلاقية المجردة من السعي إلى السعادة من القانون الأخلاقي المجرد الذي يدعو الإنسان إلى التصرف كما يتوقع ويرغب أن يتصرف الآخرون تجاهه، أي أن يتصرف، وكأن سلوكه يصلح قانونًا للبشرية جمعاء.
أما مِلْ الذي اعتبر أن المنفعة (بمعنى الخير الأعظم للعدد الأعظم) هي معيار الأخلاق وليس أي قانون أو حق مجرد، فحوّل المنفعية من نظرية السعي إلى المتعة أو السعادة (فالفرد ذاته يحدد ما يسعده، ولا يفترض أن تمتلك الدولة تصورًا للسعادة تفرضه على الناس) إلى السعي إلى تحقيق مصالح الناس، بأوسع معنى ممكن. إذن، يجب أن تتأسس المنفعة على مصلحة الإنسان الذي يسعى إلى تحقيقها، بطريقته، على نحو لا يمنع الآخرين من مثل هذا السعي أيضًا، وبوصف الإنسان الفرد قابلًا للتقدم والتطور بطبيعته[14]. الفردية عند مِلْ هي مثال أخلاقي، والطريق لصقل الذات وتطويرها، وهي منبع الحيوية والتنوع وممارسة حرية الاختيار الضرورية للحكم والتفضيل الأخلاقيَّيْن. ولكن لأن القدرات متفاوتة وكذلك معايير الاستقلالية الفردية وفقًا لمل، فقد عارض ليبراليون في القرن العشرين اشتقاق الحقوق من هذه الفردية، وجعلوا الحقوق مبدأ قائمًا بذاته يساوي بين الناس بغض النظر عن قابليتهم لتطوير فردية مستقلة.
دحض الليبراليون مفاهيم مثل
إرادة الشعب، فلا إرادة إلا للأفراد، والديمقراطية التمثيلية هي تعبير محدود عن إرادات
الأغلبية. وتحفّظ المنظّرون الليبراليون السياسيون المدافعون عن الحريات من الديمقراطية، أي الدفاع عنها من عواقب مشاركة جميع المواطنين في إقرار السياسات عبر
الانتخابات التمثيلية، فقد شعروا بخطر الانتخاب الشعبي للحكام على القيم التي دافعوا عنها، أي الحرية وتحديد سلطات الحكومة وتقييدها، والإقرار بالتنوع في المجتمع، بما في ذلك تنوع الخيارات الأخلاقية والدينية. ولكن سبق أن تبيّن أن انتشار القيم الليبرالية بخصوص حقوق الإنسان وحرياته، وتحديد سلطات الدولة، يقود إلى تحديد مدة الحكم، والرقابة المتبادلة بين السلطات. كما يفضي إلى تأييد المشاركة السياسية الشعبية، إذ لا يمكنها إدامة التنكر للمساواة القانونية والأخلاقية بين المواطنين من دون أن تناقض نفسها؛ مثلما تبيّن من تطور نظم الحكم أن المشاركة السياسية ليست ممكنة بوصفها تعبيرًا عن مصالح وآراء ومواقف من دون الحريات التي ترفع الليبراليةُ رايتَها، بما فيها حرية التعبير وحرية الاتحاد. ولذلك، مع مرور الوقت، تعايشت مع تعميم حق الاقتراع من خلال إضافة حلقات وسيطة إلى عملية الانتخاب والتمثيل، مثل انتخاب مندوبين عن كل منطقة يناط بهم انتخاب النواب، ووجود غرفتين للبرلمان، بحيث تضبط التدخل الشعبي في الحكم، وصلاحيات قضائية دستورية تقيّد إرادة
الأغلبية البرلمانية ذاتها.
قبل ذلك، قادهم رفض السلطة المطلقة إلى فكرة توزيع السلطات والتوازن بينها، كما في حالة النظام الذي ساد في بريطانيا في الموازنة بين البرلمان والملك، وبين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ولا سيما بعد
ثورة عام 1688 التي كتب جون لوك في خضمها، ولاحقًا في كتابات
مونتيسكيو (Montesquieu، 1689-1755) قبل
الثورة الفرنسية، التي شدّد فيها على الفكرة الدستورية والتوازن بين السلطات. وقد وجدت أفكار جون لوك، وأفكار مونتيسكيو المتأثرة بالنظام المختلط في بريطانيا، ومجريات منع نشوء ملكية مطلقة فيها، التعبيرَ الأرقى عنها في أول وثيقة ليبرالية حقوقية مكتوبة هي
الدستور الأميركي لعام 1787، وفي كتابات
جيمس ماديسون (James Madison، 1751-1836) الذي تولى رئاسة الولايات المتحدة بين عامي 1809 و1817، والذي عُرف بأبي الدستور، في
الأوراق الفيدرالية. وكل هذا تحت سقف حصرية حق الاقتراع ضمن نخبة المالكين دافعي الضرائب.
ومع أن
بنجامين فرانكلين (Benjamin Franklin، 1706-1790)، أحد الآباء المؤسسين، كان من المتحمسين لتعميم حق الاقتراع على الذكور البيض، الذي لم يُطبق حتى عام 1860، فقد علّل ربطه حقَّ الاقتراع والمشاركة السياسية بمِلْكية الأرض بقوله: "أما بالنسبة إلى أولئك الذين ليس لديهم مِلْكية أرض في إحدى المقاطعات، فمن الخطأ السماح لهم بانتخاب المشرِّعين. فهم سكان عابرون، ولا يلتزمون مصلحةَ الدولةِ ورفاهيتَها، التي قد يتركونها عندما يحلو لهم، ويحتاجون إلى تأهيلٍ لمثل هذا الامتياز"[15]. لا تتكلم الليبرالية وحدها هنا، بل واقعة اجتماع
الجمهورانية والجماعتية والليبرالية في العقل الديمقراطي الأميركي عند من سُمّي بالآباء المؤسسين للولايات المتحدة قبل أن تتمايز بوصفها تيارات قائمة بذاتها. كما كتب
جون أدمز (John Adams، 1735-1826)، ثاني رؤساءِ الولاياتِ المتحدةِ الأميركية (1797-1801)، في عام 1776 أنه لا يُرجى أيُّ خيرٍ من منح حق الاقتراع للمزيد من الأميركيين: "من الخطورة أن نفتح مصدرًا مثيرًا للجدل والنقاش العام على النحو الذي ستثيره محاولة تغيير مؤهلات الناخبين؛ لن يكون لذلك نهاية. وستظهر مطالبُ جديدة؛ ستطالب النساء بالتصويت؛ والشباب ممن أعمارهم 12 إلى 21 سيعتقدون أن حقوقَهم غيرُ كافية؛ وكل رجل لا يملك قرشًا سيطالب بصوتٍ متساوٍ مع الآخرين في جميع أرجاء الدولة. ما سيؤدي إلى طمس الفروق والمراتب"[16].
ومع أن الليبرالية أسهمت في توسيع دائرة سريان حق الاقتراع (بدعم من مفكرين مثل مِلْ في كتابه عن الحكومة التمثيلية)، وإن لم تبادر إليه، فإن الليبراليين خَشُوا من أمرين في الديمقراطية؛ أولًا، احتمال نشوء طغيان الأغلبية، وثانيًا، نشوء "نظام المتوسطية" (Mediocracy)[17]، أو حكم الأشخاص الباهتين الذين لا يمتازون في أي مجال، أو المتوسطي المستوى، أو عديمي المواهب المعادين للامتياز والتفوق والمتخوفين من الإبداع. ولذلك أيضًا اتّجه الليبراليون إلى المطالبة بالتعليم الإلزامي لغرض تنوير للأغلبية.
في فرنسا، وعلى الرغم من الإعلان عن الاقتراع العام للذكور في عام 1793، الذي أعيد تأكيدُه من جديد في فترة الموجات الثورية في أوروبا عام 1848، لم يكن هناك أكثر من 200 ألف ناخبٍ مؤهلٍ من نحو 30 مليونًا هو عدد سكان فرنسا في عهد
لويس فيليب الأول (Louis Philippe I، 1773-1850)، ملك فرنسا بين عامي 1830 و1848، الذي عُدَّ نظام حكمه بأثر تراجعي ملكيًّا ليبراليًّا. وفي بريطانيا، وسَّع قانونُ الإصلاح لعام 1867 حق الاقتراع بمبادرة من المحافظين، "توريز" (Tories)، وليس بمبادرة
الحزب الليبرالي، ولكنه لم يلغِ تمامًا معيار المِلْكيةَ في تحديد حق الاقتراع[18]، فالمحافظون لم يَخْشَوا من الثقافة الشعبية لأنهم كانوا واثقين من امتثاليتها لـ "أولي الأمر".
وقد برهنت الأيام صحة تخوّفات الليبراليين من ناحية التأييد الشعبي لهم مع تطبيق حق الاقتراع العام، فقد تراجع تأييد الأحزاب الليبرالية في أوروبا بوتيرة سريعة خلال النصف الأول من القرن العشرين حتى كاد بعضها يختفي تمامًا[19]، ولكن مبادئها لم تعد تقتصر عليها، بل أصبحت جزءًا من البنية الدستورية لأي ديمقراطية. لقد بدأت العلاقة بين الليبرالية والديمقراطية تترسخ فعلًا في النصف الثاني من القرن العشرين، أي بعد الحرب العالمية الثانية، مع تجاوز أوروبا حقبة
النازية والفاشية اللتين وصلت أحزابهما إلى السلطة من خلال الانتخاب بدايةً. وحتى الديمقراطيات الليبرالية ذات المبادئ الدستورية أصبحت معرَّضة لتحديات الشعبويات على أنواعها، ولا يظهر أنه ثمة ضمان لحماية الحريات من صعودها سوى رسوخ التقاليد المؤسسية وسيادة القانون والقناعة المؤسسية العامة، التي تشمل القضاء والمؤسسات الأمنية والجيش، بأهمية الحفاظ على مبادئ الدستور للحفاظ على الديمقراطية عبر تبدل الأغلبيات الانتخابية وتغيّرها.
قبل نشوء تحدي
الشعبوية بأكثر من قرن، عدّ
كارل ماركس (Karl Marx، 1818-1883) فكرة الحريات الليبرالية وافتراضها الفرد مستقلًا زائفةً، لأنها عبارة عن غطاء أيديولوجي لعلاقات الاستغلال
الرأسمالية، فلا يمكن تحقيق حرية الإنسان الفعلية، ليس من الاستغلال فقط، بل من تشيّؤ العلاقات الاجتماعية وسيطرتها عليها أيضًا، من دون زوال
النظام الطبقي والملكية الخاصة. لكنه أيّد الديمقراطية، فقد اعتقد أن تعميم حق الاقتراع سوف يؤدي إلى وصول الأغلبية العمالية إلى الحكم التي يمكنها لاحقًا تقويض
النظام الرأسمالي بوساطة ديكتاتورية
البروليتاريا. ومن منطلقات متباينة ولغايات متناقضة، التقى ماركس في تحليله نتائج منح حق الاقتراع العام مع ليبراليين فضّلوا تقييده لأسباب متعلقة بالخوف من حكم من لا يحترمون الملكية الخاصة والحريات الفردية، ومنهم المفكرون والسياسيون المذكورون أعلاه، والمفكر الإسكتلندي الليبرالي
جيمس ماكنتوش (James Mackintosh، 1756-1832). وقد عدّل المبدأ بما يفسح المجال لتمثيل غير نسبي لقطاعات المجتمع غير المالكة. لقد اهتم ماكنتوش بتوسيع حق الاقتراع ليشمل جميع الطبقات، لـفائدة البرلمان نفسه، وتحقيق تمثيله الفعلي للمجتمع، وإحساس أعضائه بمعاناة الناس، وكذلك لأثره الإيجابي في الطبقات الفقيرة ذاتها التي يرتفع مستوى أفرادها وتفكيرهم بالمصلحة العامة بمنحهم حق التصويت. ولكنه دعا إلى تقييد عدد ممثلي العمال، فعدد محدود يكفي أن يعبر عن طبقة بكاملها، وإلا فسوف يتحول البرلمان إلى مكان للديماغوجيين المعبرين عن المظلومية أداتيًّا من دون أن يشعروا بها بالضرورة. لقد توقّع في عام 1818 أنه في حالة حصول العمال على حق الاقتراع العام، فسوف ينشأ صراع مع المِلكية الخاصة[20]، واقترح التغلب على ذلك لا بحرمانهم من حق الاقتراع، بل بانتخابات غير مباشرة توجِد أجسامًا وسيطة أقدر على تحمل المسؤولية من المصوّتين الأفراد، وتقوم هذه بدورها بانتخاب الهيئة التشريعية. كما أن الاقتصادي الليبرالي الشهير ديفيد ريكاردو، أستاذ ماركس الفعلي في الاقتصاد، كان مستعدًا للقبول بتوسيع حق الاقتراع فقط ليشمل أولئك الذين لديهم مصلحة في الحفاظ على حقوق الملكية الخاصة.
لكن مفكرين ليبراليين آخرين لم يتفقوا مع تقييد حق الاقتراع، ومنهم جيمس مِلْ الذي دعم حق الاقتراع العام في القرن التاسع عشر[21]، وغيره من الليبراليين. لقد كان جيمس مِلْ مقتنعًا أن خدمة مصالح الأمة ترتبط بتمثيل المنتخَبين لفئاتها كافة، وأن السياسي مهما كان حكيمًا ومخلصًا فإنه في النهاية يخدم مصلحة الفئة التي فوّضته[22]. ولكنه استثنى النساء من حق الاقتراع من المنطلق نفسه، باعتبار أن زوج المرأة أو والدها يمكنه أن يمثل مصالحها[23]، وذلك خلافًا لرأي ابنه جون ستيوارت مِلْ الذي دافع عن حقوق المرأة بما فيها حق الاقتراع، وعدّ المشاركة في الشؤون العمومية بممارسة مثل هذه الحقوق من أهم الوسائل لتطوير النساء.
تطلّب توسيع دائرة حق الاقتراع وقتًا طويلًا ونضالات مريرة ليشملَ جميعَ الذكورِ البيضِ البالغين أولًا، ثم النساء، حتى أصبح حقًا عامًّا يلتزمه أيُّ ديمقراطيٍّ ليبراليٍّ منذ النصف الثاني من القرن العشرين، وقد انحاز إليه بعضُ الليبراليين مبكرًا، ولا سيما في مرحلة صعود
الليبرالية الجديدة (New Liberalism) (التي سوف يُتطرق إليها لاحقًا)، في مراحل النضال الأولى لتوسيع الحقوق المدنية والوصول إلى تعميم الحقوق السياسية، وتحويل مطالب الفقراء إلى حقوق اجتماعية. وحفّزهم هذا الانحيازُ تحديدًا إلى الدفاع عن
حقوق الأقليات، والمرأةِ أيضًا، ضدَّ تعسُّفِ الأكثرية الممكن، بَعْدَ تعميم حقِّ الاقتراع.
مع صعود السياسة بوصفها شأنًا عموميًّا يتجاوز الحكام في القرن التاسع عشر، جَهزَت الأرضية لظهور الليبرالية السياسية الحزبية، واستمد الليبراليون قوة من نظريات التقدّم العقلاني منذ التنوير ونشوء الفلسفة المنفعية لجيريمي بنثام وجيمس مِلْ. وارتبطت سياساتهم الإصلاحية بممارسات الحزب الليبرالي في السياسة البريطانية في منتصف القرن التاسع عشر، الذي عُدَّ وريث الويغز[24].
تكيّفت الليبرالية السياسية الإنكليزية مع توسيع حق الاقتراع من خلال إصلاحات قانونية في الأعوام ما بين 1832 و1867 وأيضًا 1884 و1885، حين اتُّخِذَت خطوات حَذِرَة نحو الديمقراطية بزيادة عدد أصحاب حق الاقتراع الذكور المُعيلين لأسرهم، وكان على النساء الانتظار حتى بداية القرن العشرين. وقد اعتُرِف بحقهن على أساس تقدير إسهامهنّ في المجهود الحربي خلال
الحرب العالمية الأولى (1914-1918). وأُدخِلَت بجهود الحزب الليبرالي إصلاحات تَحُدُّ من تدخل الحكومة في الاقتصاد، ولكن حرية السوق المطلقة لم تكن يومًا واقعًا؛ إذ إن الحكومة تَدخَّلت دائمًا في الاقتصاد على نحوٍ ما. وقد شَكَّل الحزب حكومات عدة مرات بين منتصف القرن التاسع عشر والحرب العالمية الأولى.
وعلى الرغم من هذا الموقف من المشاركة الشعبية، دعمَ من يمكن أن يُطلَق عليهم تسمّية الليبراليين في فرنسا ثورة عام 1789 في المرحلةِ الأولى، وعارضوها في مرحلة الإرهاب. لكن التغيير في مسار الثورة أدى إلى فرز الديمقراطية عن الليبراليةِ، حتى إنه أوقع ديمقراطيين راديكاليين، من أمثال
كوندورسيه (Marquis de Condorcet، 1743-1794) وتوماس بين (Thomas Paine، 1737-1809)، في أزمة مع التيار الروسوي المتمثل باليعاقبة وفهمهم لتصور
جان جاك روسو (Jean-Jacques Rousseau، 1712-1778) للديمقراطية التي بات يمكن وصفها بالديمقراطية المباشرة المعبرة عن إرادة الشعب المباشرة، التي لا تتجزّأ، أيْ من دون أخذِ الحريات والحقوق الفردية والتنوع والتعددية في الاعتبار.
أدى فشل
الجمهورية الأولى بعد ثورة 1789، وظهور
نابوليون بونابرت (Napoleon Bonaparte، 1769-1821)، ثم إعادة ترميم المَلكية، إلى عودة الديمقراطيين إلى ليبرالية النوع الأول، ليبرالية جون لوك، ولا سيما في عهد ملكية لويس فيليب خلال الأعوام ما بين 1830 و1848. ونشأ الموقف الليبرالي الذي مثّله بجدارة بنجامين كونستان الذي رأى أن الإرادة العامة والديمقراطية الشعبوية التي لا تُعنى بحقوق المواطنين وحرياتهم بوصفهم أفرادًا، بدءًا من الأفكار التي وردت في كتاب روسو
العقد الاجتماعي (Du contrat social, 1762)، ومفهومه للحرية، لم تكن أوهامًا فحسب، بل حليفًا حقيقيًّا للاستبداد.
لقد شكّك الليبراليون في فرنسا أيضًا في المبالغة في المشاركة الجماهيرية لأنها قد تقود إلى فوضى تؤدي بدورها إلى تطلّع الناس إلى الاستبداد لفرض النظام كما في ظهور نابوليون بونابرت، إمبراطور فرنسا بين عامي 1804 و1814، وكذلك
لويس بونابرت (Louis Bonaparte، 1778-1846). أما ما دفعهم إلى الموافقة على توسيع حق الاقتراع، فهو دور الحكومة التمثيلية في تصفية (فلترة) الإرادة الشعبية، وأن فكرة سيادة الشعب تعني في النهاية، كما عند بنجامين كونستان، أن لا أحدَ سيدٌ، أي لا يوجد طرف ينفرد بالسلطة العليا، ما يسمح بتوزيع السلطة[25]. قدم كونستان، الذي دافع عن الجمهورية (لاحقًا في مرحلة "ترميم الملكية") والملكية الدستورية، تحليلًا مهمًا في أطروحته الشهيرة لعام 1819 "حرية القدماء مقارنة بحرية الحديثين" De la liberté des anciens comparée à celle des modernes، فقد ميّز بين حرية المواطنين في
المدينة-الدولة اليونانية، وحرية المواطنين التي يدافع عنها الليبراليون في الدولة الحديثة؛ فحرية القدماء تعني حق المشاركة (الذي حُرم منه العبيد) في إدارة الشأن العمومي التي كانت ممكنة في دول/ مدن صغيرة، أغلبية سكانها المنتجين من العبيد، ما يمكّن المواطنين من التفرغ للشؤون العمومية، لهذا السبب، ولقلة عددهم وصغر حجم "دولتهم" أيضًا. أما الحرية في الدولة الحديثة، فتعني عدم تدخل الدولة أو المجتمع في ممارسات الفرد وخياراته وتصرفه بملكيته وحريته في التعبير عن نفسه التي لا تلحق ضررًا بالآخرين. وهو ما أصبح يُسمَّى الحرية الموجبة والحرية السالبة في كتابات مفكرين في النصف الثاني من القرن العشرين. أحدث كونستان هذا التمييز قبل
إسايا برلين (Isaiah Berlin، 1909-1997)[26] وغيره من الباحثين بوقت طويل.
إن بنجامين كونستان هو مفكر الليبرالية الفرنسية بمعناها الوسطي، وهو ربما أول المفكرين السياسيين الذين أطلقوا على أنفسهم كنية ليبرالي، وبعد أن انتخب إلى مجلس النواب (الغرفة الدنيا للبرلمان الفرنسي في مرحلة "ترميم الملكية")، سُميت كتلته البرلمانية "الليبراليين"، بعد أن كانت تسمى "المستقلين". يمكن مَوضَعة كونستان في التقليد الواقع بين مونتيسكيو وألكسيس دي توكڤيل (Alexis de Tocqueville، 1805-1859)، مؤلف كتاب
الديمقراطية في أميركا (De la démocratie en Amérique, 1835-1840)، لناحية اعتبار الحرية تقييدًا لسلطة الدولة، وضرورة الحفاظ على
الحرية الفردية بوساطة المؤسسات الوسيطة والاتحادات الاجتماعية التي تحمي الفرد من حكم الطغيان، ومن استبداد الديمقراطية المباشرة أيضًا (أي استبداد الجمهور). فأي علاقة مباشرة بين الدولة والفرد من دون مؤسسات وسيطة منظمة ذاتيًّا تحمل، في رأي توكڤيل، في طياتها خطر الاستبداد.
وتتوسط كتابات كونستان وليبراليين آخرين بين تأثّرهم بفكر التنوير وفكرة الحرية وحقوق الإنسان من جهة، وخوفهم من مرحلة الإرهاب الجمهوري في فترة حكم
اليعاقبة من جهة أخرى؛ فساوَوا بين خطر
الاستبداد الملكي (Despotisme monarchique) والطغيان الديمقراطي (Tyrannie democratique) على الحرية الفردية. فالمجتمع نفسه يصبح مستبدًّا من منظورهم حين يتجاوز حريات الأفراد، ولذلك دافعوا عن الثورة الفرنسية ضد استنتاجات المفكر الإنكليزي المحافظ
إدموند بيرك (Edmund Burke، 1729-1797) في نقده إياها وتمسكه بالتقاليد والأعراف، بما فيها العائلة باعتبارها أساس الاستقرار الاجتماعي والأخلاق، والنظام الملكي باعتباره مصدر
السيادة والشرعية في الدول. وقد كتب بيرك ضد أي تغيير ثوري يؤدي إلى هزات وقلاقل و"انفلات العامة" و"الرعاع" وانهيار الأخلاق. ولكنهم دافعوا أيضًا عن الحرية ضد استبداد الجمهورية، وانتهوا بذلك إلى فكرة الملكية الدستورية، وفكرة ضرورة وجود غرفتين للبرلمان (المنتخَب والتقليدي) ضمانًا للحرية (وباختصار النموذج الإنكليزي). وقد أدى ارتباط الليبرالية الفرنسية الكلاسيكية بعودة الملكية، ولو بصيغة دستورية، لاحقًا إلى تفضيل عدم استخدام تسمية ليبرالي، حتى من جانب الديمقراطيين الليبراليين الفرنسيين لاحقًا، وذلك بسبب الإصرار على المحافظة على تقاليد
الجمهورية الفرنسية، مع أن نظامها هو نظام ديمقراطي ليبرالي له طابعه الخاص.
في سياق الصراع على ترميم الملكية وضد عودة نفوذ الكنيسة، وذلك بعد أزمة الثورة في مرحلة اليعاقبة، وبعد المرحلة النابوليونية، انقسمت التيارات السياسية والفكرية بين ليبراليين (Liberal) ومحافظين كاثوليك ملكيين (Conservateur). وكما في بريطانيا أمكن تقسيم الليبراليين إلى قسمين: ليبراليِّي دولة الحد الأدنى والحرية الفردية والسوق الحرة، والليبراليين الذين نشؤوا على فكر روسو الديمقراطي الراديكالي الذي يرفعها فوق حماية الحريات. ففي حالة العقد الاجتماعي، تحقق الدولة الحرية بما أنها تجسيد للإرادة العامة. وقد قاد هذا التقليد في حالات إلى تشكل مدارس فكرية ديمقراطية راديكالية، وإلى نظريات شمولية برّرت الديكتاتوريات بحجة تمثيلها إرادة الشعب في حالات أخرى.
وخلال صيرورة تشكل النظام التمثيلي الدستوري خلال القرن التاسع عشر، توقف الفكر الليبرالي عن أن يكون فكرًا معارضًا فقط، وتمأسس حول الدولة، ولا سيما في مرحلة ملكية لويس فيليب. وقد سمّى سياسيّ المرحلة الملكية البارز
فرانسوا جيزو (François Guizot، 1787-1874) نفسه ليبرااليًّا (Libéral)، ودافع عن استقلال السلطة التشريعية المنتخبة ضد محاولات
شارل العاشر الاستيلاء على صلاحيات التشريع لدى ترميم الملكية، كما تبنى سياسات اقتصادية ليبرالية. وفي هذه المرحلة تحديدًا، اكتسح اقتصاد السوق العلاقات الاجتماعية، وتوسعت الهوة بين الأغنياء والفقراء، وارتبطت الليبرالية بحكم عِلية القوم.
وأدى التمرد اليساري على هذا النوع من الليبرالية الاقتصادية وأغنيائها (الجدد في حينه)، في ثورة عام 1848 والأحداث التي تلتها، إلى رد اليمين بصيغة دكتاتورية عسكرية شعبوية تمثلت بحكم نابوليون الثالث (لويس بونابرت) الذي تحالف مع الأغنياء في ظل شعارات شعبوية تعيد أمجاد الإمبراطورية، ورافقها قمع الحريات وتهميش التيار الليبرالي الفرنسي بالكامل.
بالنسبة إلى الليبراليين، فإن الفصل بين السلطات والأجهزة البيروقراطية والقيود الدستورية كفيلة بتقليل أخطار إرادة الأغلبية عبر صناديق الاقتراع. ففي النهاية، من سوف يحكم هم أفراد من النخبة، حتى لو كانوا منتخبين يديرون شؤون الدولة بمساعدة خبراء. وقد شكلت
الجمهورية الفرنسية الثالثة (1871-1940) النموذج للنظام الجمهوري الديمقراطي المبكّر، الذي يجمع بين الديمقراطية والحفاظ على الحريات من جهة، والإصلاحات الاجتماعية الواسعة، من التعليم الإلزامي وقوننة عمل النقابات ورسوم التقاعد والإجازات السنوية للعمال وغيرها، من جهة أخرى. ولكن الديمقراطية الفرنسية في تلك المرحلة صُبغت دائمًا بصبغة "جمهورانية" ترفع من قيمة المناقبية الوطنية، وتشدد على واجبات المواطنين والتزاماتهم تجاه الجمهورية بدرجة التشديد نفسها على حقوق المواطن وحرياته، إن لم تتفوق عليها.
الليبرالية الجديدة والنيوليبرالية
في المرحلة ذاتها، تبيّنت آثار الاقتصاد الرأسمالي في بريطانيا الذي يعتمد الليبرالية الاقتصادية الكلاسيكية في انتشار الفقر والبؤس وعمل الأطفال في المدن والظروف غير الصحية في أحياء العمال، وعبّرت عنها أعمال أدبية كبرى مثل روايات
تشارلز ديكينز (Charles Dickens، 1812-1870)، وكذلك دراسات مثل كتاب
فريدريك إنغلز (Friedrich Engels، 1820-1895)
حال الطبقة العاملة في إنكلترا (Die Lage der Arbeitenden Klasse in England, 1845). ونشأت حركات عمالية نقابية بروتستانتية ويسارية اشتراكية. كما تولّد عن نهج الليبرالية الحديثة نوع جديد من الحقوق، هو الحق في الحياة الكريمة التي لا يُذَّل خلالها الإنسان، وتمكّنه من ممارسة حرياته المدنية والشخصية، والتي سُمّيت لاحقًا الحقوق الاجتماعية. تقبّل هذا التوجه الجديد تدخلَ الدولة لتقديم التعليم والحفاظ على الصحة العامة في مكافحة الأوبئة والتلوث، من بناء قنوات الصرف الصحي وجمع النفايات، وحتى تقديم العلاج، وبناء دور الأيتام والعجزة والمعوقين، ومعالجة مسألة الفقر ودعم الفقراء بفرض الضرائب التصاعدية، وطالب به أيضًا. وبهذا اقتربت ليبرالية منظرين، مثل
توماس هيل غرين (Thomas Hill Green، 1836-1882) مثلًا، من اشتراكية
إدوارد بيرنشتاين (Edward Bernstein، 1850-1932) وغيره من الاشتراكيين الديمقراطيين الذين تخلوا عن فكرة ديكتاتورية البروليتاريا، وحتى الثورة
الاشتراكية في مقابل تعميم حق الاقتراع ليشمل العمال والفقراء عمومًا، وتطبيق إصلاحات اجتماعية تدريجية تقلص الفجوة الطبقية بين الغني والفقير. لقد دافع هيل غرين عن ليبرالية اجتماعية موجِبة لفعل الدولة والمواطنين من أجل تحسين حياة الفقراء في مقابل الليبرالية الكلاسيكية السالبة المكتفية بالدفاع عن الحريات وتقييد تدخل الدولة في المجتمع والاقتصاد. تتوقع هذه الليبرالية تدخل الدولة، وتتبنى ما سماه الباحثون لاحقًا الحرية الموجِبة للفعل اللازم لخلق الظروف لممارسة الحريات، خلافًا للحرية السالبة المكتفية برفض أي فعل هادف إلى تقييد حرية الفرد، سواء أكان من جانب الدولة أم المواطنين، إذا كانت هذه الحرية لا تتعارض مع حريات الآخرين.
توصَّل هيل غرين وليونارد هوبهاوس (1864-1929)، وغيرهما، إلى فكرة الحقوق الاجتماعية، وضرورةِ تحقيق تساوي الفرصِ من طرف الدولة، وذلك انطلاقًا من فُقدان الحريات معناها، وانعدام القدرة على ممارستها في ظروفٍ الفقر والعوَز والحِرمان التي لا يتوفر فيها الحد الأدنى اللازم للعيش الكريم. وقد أسهم توسع حقوق العمال السياسية، ولا سيما حق الاقتراع، في التأكيد على المطالب الاجتماعية من الدولة، ولا سيما في مراحل التحالف بين
حزب العمال البريطاني والحزب الليبرالي. وقد ناقش عديدٌ من الليبراليين عدمَ الإنصاف في واقع أبناء الفقراء والمحرومين الذين يبدؤون من نقطة انطلاقٍ أدنى بكثير من أبناء الأغنياء، من حيثُ القدرةُ على التحصيل العلمي والعلاقات بمراكز القوى في المجتمع وغيرها؛ وفي الحصيلة، فإن التنافس ليس حرًّا، وليس عادلًا حتى بين أفراد يتمتعون (أو يمكن أن يتمتعوا) بالكفاءة نفسها، إذ إنهم لا يحصلون على فرصٍ متكافئة. واستمر هذا النقاش حتى النصف الثاني من القرن العشرين، وألهم كتابات العديد من الفلاسفة الليبراليين في العقود الأخيرة من القرن نفسه مثل
جون رولز (John Rawls، 1921-2002)، ورونالد دووركين (Ronald Dworkin، 1931-2013)، وغيرهما.
إبّان عمله على كتاب
الليبرالية (Liberalism, 1911)، واجه ليونارد هوبهاوس تحديًا في شرح مبررات الدولة الناشطة أو الفاعلة (Activist state) في إطار الليبرالية التي دافع عنها، والتي ارتبطت لفترة طويلة بالنضال من أجل حرية الفرد أمام تدخل الدولة، وبرّر قضيته بطريقتين؛ أولًا، تأسيس "الدولة الليبرالية التدخلية" (Liberal interventionist state) باعتبارها نتاجًا منطقيًّا وحتميًّا لجهود الليبرالية السابقة ومساعيها؛ وثانيًا، تقديم إسهام إيجابي في إعادة البناء النظري للعقيدة الليبرالية السياسية[27]. بنى هوبهاوس الجانب التاريخي من كتابه هذا على أفكار الاستمرارية والتغيير والتقدّم، وأشار إلى أن الاختلاف ما بين الليبرالية الكلاسيكية (Old liberalism) والليبرالية الجديدة (New liberalism)، أي
الليبرالية الاجتماعية التي نادى بها، هو أقل مما يطرحه معظم النّقاد[28]. كان يُشار إلى الليبرالية باعتبار أنها "حركة تحرر، وإزالة العوائق، وفتح المجال لإنتاج نشاط حر وحيوي وعفوي"[29]. وعلى الرغم من غياب ثقة الليبراليين السابقين بالدولة، فإن دراسة متأنية للمبادئ التي بنى عليها هؤلاء الليبراليين أعمالهم تبيّن أن هذه المبادئ يُمكنها أن تُشرِّع التدخل الرقابي بنطاق أوسع وأشمل من ذلك الذي طرحه مؤصلوها ورأَوا ضرورته[30].
تعامل هوبهاوس وجون هوبسون (John Atkinson Hobson، 1858-1940)، القائدان الثقافيان لما باتَ يُعرَف بـ"الليبرالية الجديدة"، مع المجتمع كأنه كائن عضوي، وذلك لغرض تدعيم فكرة الاعتماد المتبادل للأعضاء، بحيث يتضح أن الفرد لا يمكنه الصمود من دون الآخرين. وخلافًا لما شهدته نهاية القرن العشرين من بحوث جامعية في الليبرالية ضمن تخصص أكاديمي في أحد العلوم الاجتماعية أو الفلسفة، نشر هذان مقالاتهما للرأي العام في الصحف وفي كتب لغير المتخصصين.
وعلى الرغم من تأييدهما تدخل الدولة لضمان لتحقيق الرفاه وضمان ممارسة الأفراد حرياتهم، لكنهما، مثل
جون ديوي (John Dewey، 1859-1952)، وغيره من الليبراليين الجدد، لم يتبنّيا وجهات نظر جماعية كالتي دعا إليها
برنارد بوسانكيه (Bernard Bosanquet، 1848-1923) في مرحلتهم الذي تأثر بفلسفة
فريدريك هيغل (Georg Wilhelm Friedrich Hegel، 1770-1831) وأصر في كتابه
النظرية الفلسفية في الدولة (The Philosophical Theory of The State, 1899) على أن الدولة هي الكائن الحقيقي، لأنها تمثل الكلية، وليس الفرد؛ ورفضا في الوقت ذاته فردانية جيريمي بنثام ومِلْ وهربرت سبنسر (Herbert Spencer، 1820-1902) الراديكالية[31]؛ فقد ارتبطت الليبرالية حتى ذلك الحين بالتحليلات الفردانية للمجتمع، كما عبر عنها جون ستيوارت مِل.
لم تقارب الليبرالية الجديدة التعاون والتعاضد بوصفهما قيودًا رقابية خانقة، بل عُدّتا من منظورها ضرورةً لتطوير الفردية والحرية الإنسانية، فخلافًا للموقف الأصلي لليبرالية الكلاسيكية، لا تقتصر العوائق أمام تطوّر الإنسان الفرد على القيود الجسدية والنفسية وتدخل الدولة غير المناسب وضغوط
الرأي العام، بل تشمل العوَز والمرض والجهل والعطالة.
كان تصميم سياسة إعادة البناء بعد الحرب العالمية الأولى لنوع من
دولة الرفاه في بريطانيا إنجازًا ليبراليًّا أكثر مما ظهر ذلك في القارة الأوروبية؛ ففي فرنسا، لم تجرِ إصلاحات الجمهورية الفرنسية الثالثة تحت عنوان ليبرالي جديد اجتماعي بوضوح. لقد دفعت الليبرالية الجديدة افتراضات الحقوق الطبيعية لليبرالية الكلاسيكية ما قبل الاجتماعية إلى الظل، وأصبحت هذه الحقوق منحة الوفاق الاجتماعي للأفراد الذين يتشكلون في المجتمع وليس خارجه، ومنطلق هذه الحقوق هو الإنصاف ومدى تمكين الأفراد من ممارسة الحرية. وعلى كل حال، تحوّلت الدولة إلى وكيل أساسي، إن لم يكن الوحيد، للفضيلة العمومية، وذلك من خلال سن القوانين وبرامج التدريس وغيرها، ولم يكن هذا بعينه ما تطلع إليه الليبراليون، فهذا أقرب إلى تطلعات الذين يعدون الأمة جماعة وطنية (National community) حاملة للفضيلة العمومية. وفي هذا الإطار أصبحت الليبرالية تدافع عن حقوق المواطن وحرياته. ولم تغِب قيمة الحرية، ولكنها أصبحت تتشارك المكانة مع
الرفاه الاجتماعي[32].
مع نهاية القرن التاسع عشر، دخلت الليبرالية الكلاسيكية في طور التراجع والانحدار؛ لقد انتصرت الديمقراطية الانتخابية مع الانتشار التدريجي للاقتراع العام في معظم الديمقراطيات الغربية الكبيرة، وزاد وزن الثقافة الشعبية (أو الجماهيرية) في الحياة السياسية، ما شكّل تحديًا لها، خصوصًا أن هذه الثقافة قد لا تنسجم مع القيم الليبرالية. كما واجهت الليبرالية تحولات الرأسمالية الصناعية والاستغلال العنيف للطبقة العاملة، ما دفع الأخيرة إلى تنظيم نفسها بتناقض تام مع الأولى.
لم يعد التيار المحافظ خصم الليبرالية الوحيد، إذ ظهرت في تلك الفترة أفكار وسياسات معادية لليبرالية مثل النزعة العسكرية، والسياسة الحمائية في الاقتصاد، وأيديولوجيات منافسة مثل
الشيوعية والاشتراكية-القومية، وبلغت ذروة تنافسها خلال سنوات الثلاثينيات من القرن العشرين في أوروبا، حين ضاقت الجغرافيا الليبرالية كثيرًا، خلال فترة الحربين العالميتين الأولى والثانية. وشهدت أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى عودة إلى أنماط حديثة من الحكم المطلق، تختلف عن الملكيات المطلقة، متمثلة بالأنظمة الشمولية الفاشية والشيوعية.
وتراجعت الليبرالية الكلاسيكية مرة أخرى في فترة عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته، خصوصًا بعد الأزمات الاقتصادية التي عُرفت بالركود الكبير (Great Depression) بين عامي 1929 و1939. وأصبح تدخل الحكومة في النظام المالي مطلبًا متصاعدًا، فازداد تأثير الليبرالية الجديدة، كما تأثرت تيارات فكرية ليبرالية بالأزمة بحيث نادت بوجوب تدخل الدولة وتحديد حرية الفعل الاقتصادي، وهو ما أسماه البعض بإنقاذ الرأسمالية في مواجهة الاشتراكية بإخضاع الفعل الاقتصادي لمنطق الدولة، لا لحرية السوق المطلقة. وشهدت المرحلة ذاتها صعود الفاشية والشيوعية المعاديتين بشدة للأفكار الليبرالية التي تضعف الدولة والأمة والمجتمع الشيوعي، من منظور كل منهما، بتأكيدها على التعددية والحريات.
وقدّم الاقتصادي البريطاني
جون مينارد كينز (John Maynard Keynes، 1883-1946) الحل الليبرالي المعدَّل المكيَّف لمواجهة الركود الكبير؛ إذ نشر كتابه
السبيل إلى الازدهار (Means to Prosperity, 1933)، إضافة إلى كتابه الشهير
النظرية العامة للتشغيل والفائدة والمال (The General Theory of Employment, Interest and Money, 1936)، وتضمنت مؤلفاته نقدًا لليبرالية الكلاسيكية وتوصيات لمعالجة البطالة على نحو خاص إبان الركود العالمي، مطالبًا بتدخلٍ أكبر للدولة في الاقتصاد والمبادرة إلى المشاريع الكبرى، ولا سيما مشاريع البنى التحتية التي تسهم في التشغيل وحل أـزمة البطالة، فتعزز قدرات عامة الناس الشرائية وتعالج الركود.
جون مينارد كينز
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
في تلك الفترة، ومع تسارع الاتجاه نحو تدخل الدولة وظهور دولة الرفاه، أصبح الإصلاح الاجتماعي دورًا حكوميًّا مقبولًا ممهدًا الطريق للّيبرالية الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، انتهجت الولايات المتحدة بين عامي 1933 و1938 برامج اقتصادية حكومية عُرفت بالاتفاق الجديد (The New Deal)، وذلك أثناء فترة رئاسة
فرانكلين روزفلت (Franklin D. Roosevelt، 1882-1945)، الذي تولى رئاسة الولايات المتحدة بين عامي 1933 و1945. كما قامت حكومة
ليون بلوم (Léon Blum، 1872-1950)، رئيس الوزراء في الجمهورية الفرنسية الثالثة بين 1936-1937، ومرة أخرى لمدة شهر تقريبًا عام 1938، بانتهاج سياسات تدخلية لضبط
التضخم. وبهذا، استندت اقتصادات ما بعد الحرب العالمية في عمومها على
النظرية الكينزية، واعتمدت التدخل الفعلي للدولة في ترشيد العملية الاقتصادية.
ومنذ تلك الفترة ارتبطت الليبرالية في
أميركا الشمالية بالليبرالية الاجتماعية الدافعة نحو دولة الرفاه، الأقرب إلى تعريف
اليسار في أوروبا؛ في حين عُدَّ الموقف المناهض لتدخل الدولة في الاقتصاد، والمدافع بدون تحفظ عن اقتصاد السوق، والرافض للضرائب التصاعدية والمؤيد لاستقلالية الولايات مقابل واشنطن هو الموقف المحافظ. ولهذا، فلمصطلح ليبرالي تداعيات مختلفة في أوروبا وأميركا الشمالية.
ومنذ النصف الثاني من القرن العشرين تراجعت الليبرالية الكلاسيكية أمام الليبرالية الاجتماعية، واستُغلت أعمال كينز في إطار تأسيس دولة الرفاه. وعليه، أصبحت نقطة التمايز والاختلاف بين الليبرالية الكلاسيكية والليبرالية الجديدة واحدة من قواعد الليبرالية الاقتصادية الكلاسيكية، ألا وهي مقاومة تدخل الدولة في الاقتصاد. ففيما يخص الجانب السياسي، كانت الليبرالية الكلاسيكية تدعو إلى امتناع الدولة عن الفعل والتدخل لحماية الحريات، في حين أن الليبرالية الجديدة (الاجتماعية) التي التقت مع بعض مطالب الاشتراكية الديمقراطية، طالبت بتدخل الدولة لتنظيم الحريات وتذليل العقبات أمامها، مثل الفقر والحرمان والتخلف والأمية. وأصبحت تلبية حاجات المواطنين ورفاهيتهم من وظائف
الدولة الحديثة. واتسع نطاق عمل الدولة، وبات تدخلها مقبولًا في مجالات مثل تحديد ساعات العمل، والصحة والتعليم والبطالة وتأمين الشيخوخة، وقوانين الشركات والعلاقات التجارية، والتفاوض مع نقابات العمال، وغيرها.
ظلت الليبرالية الجديدة سائدة، بشكلٍ أو بآخر حتى تزايد نقادها مع بداية سبعينيات القرن العشرين، حين شهد العالم أزمة اقتصادية عالمية أخرى طرحت خلالها مراجعات نقدية لدولة الرفاه، بإحياء الليبرالية الكلاسيكية؛ وسُمّيت هذه النزعة
نيوليبرالية (Neo-liberalism) تبخيسًا هذه المرة.
وقد استندت هذه النزعة إلى كتابات مفكرين كتبوا في مرحلة مبكرة دفاعًا عن الليبرالية الكلاسيكية. فسعى الاقتصادي النمساوي الأميركي
لودفيغ فون ميزس (Ludwig von Mises، 1881-1973)، من خلال نظريته الاقتصادية وفلسفته الاجتماعية، إلى تجديد الليبرالية الاقتصادية الكلاسيكية بعد عدة عقود من تهميشها، ونشر العديد من الكتب دفاعًا عنها. ولم يشتهر فون ميزس مثل تلاميذه، وأهمهم
فريدريك فون هايِك (Friedrich August von Hayek، 1899-1992).
فريدريك فون هايِك
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
بالنسبة إلى النيوليبراليين الذين بدا في حينه وكأنهم أحيَوا الليبرالية الكلاسيكية ضد الليبرالية الجديدة باعتبار أن المساواة بالحقوق أو المساواة أمام القانون تكفي لحماية الفرد بوصفه "شخصية قانونية"، ولا مجال في إطار الفكرة الليبرالية للحديث عن أنواع أخرى من المساواة مثل تلك التي تنشدها الليبرالية الجديدة. وروّجوا صورة لليبرالية وكأنها تعني التمسك بحرية الأسواق لا غير. في المقابل، أكدت الليبرالية الديمقراطية الجديدة على "تكافؤ الفرص" في الوصول إلى الموارد والإنصاف في التوزيع. فهي لا تكتفي بالحرية الاقتصادية والمساواة أمام القانون، كما أنها تتعارض في الوقت نفسه مع الاشتراكية التي ترفض الملكية الخاصة والتنافس الاقتصادي في السوق، وتنشد المساواة في الموارد، وليس في الفرص فقط، بغض النظر عن الكفاءات وإسهامات الأفراد المختلفة.
تعزز نفوذ النيوليبرالية بظهور قوى يمينية جديدة، مثل تيار رئيسة وزراء بريطانيا
مارغريت تاتشر (Margaret Thatcher، 1925-2013)، التي ترأست الحكومة البريطانية بين عامي 1979 و1990 عن
حزب المحافظين، والقوى السياسية المحافظة التي أحاطت بالرئيس الأميركي
رونالد ريغان (Ronald Reagan، 1911-2004)، الذي تولى رئاسة الولايات المتحدة بين عامي 1981 و1989. وتمثل هذا النفوذ بالتقليل من نفقات الدولة على الخدمات العامة التي تقدمها للطبقات الفقيرة والمتوسطة، وتوجيه ضربة قوية للنقابات التي تقيّد الضغط على الأجور وترفض إخضاعها للعرض والطلب فقط، وتخفيض الضرائب التصاعدية على الدخل، وإلغاء الضرائب على رأس المال لمنح حوافز للمستثمرين، وزيادة الضرائب المباشرة، التي تُعَد غير عادلة لأنها تساوي بين ما تجبيه من الغني والفقير. وأصبحت الليبرالية الكلاسيكية حركة عالميّة؛ في الدول الغربيّة، ومن ثم دول
حلف وارسو السابق بعد انهيار المعسكر الاشتراكي في الفترة ذاتها.
مارغريت تاتشر
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
رونالد ريغان
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وأدت هذه السياسات النيوليبرالية إلى أزمات كارثية في بلدان
العالم الثالث، التي طبقت إملاءات
البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لاتباع سياسة خفض الإنفاق، كما ابتعد ممثلو هذا التيار عن هموم الليبراليين المعروفة، مثل حقوق الإنسان والحريات حين يتعلق الأمر بدول أخرى، إلا إذا كانت أداة في يد السياسات الخارجية للدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة. وهذا ما تميّزت به سياسة
دونالد ترامب (Donald J. Trump، 1946-) خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. وليس النيوليبراليون العرب بعيدين عن هذه الثقافة، إذ تتلخص "ليبراليتهم" بمعارضة اقتصاد الدولة، والتركيز على نمط الحياة الشخصي المنفتح.
لقد لجأ النيوليبراليون إلى وصفة نمطية لتقليص وظائف الحكومة، وتخفيض الإنفاق والدفاع عن اقتصاد السوق من التشريعات التي تقيّده بحجة أنها تعطّل النمو، حتى لو تطلب فرضها نظامًا سلطويًّا. وانتشر في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته الحديث عن العلاقة بين بعض الديكتاتوريات وبين نظريات
ميلتون فريدمان (Milton Friedman، 1912-2006) وجيمس بوكانان (James McGill Buchanan, Jr، 1919-2013)، ولا سيما ديكتاتورية
أوغستو بينوشيه (Augusto Pinochet، 1915-2006)، الذي تولى رئاسة تشيلي بين عامي 1973 و1990، وذلك خلال سعيه إلى زيادة وتيرة النمو وضرب منجزات النقابات والحركة الاشتراكية. طُبِّقت هذه السياسات في ظل ديكتاتورية عسكرية عنيفة قمعت الحريات. وهذه هي السياسة التي اتبعها الرئيس المصري
عبد الفتاح السيسي (1954-)، الذي وصل إلى السلطة بانقلاب على رئيس منتخب أيضًا، وذلك في سعيه إلى تخفيض الإنفاق الحكومي من أجل تخفيض العجز في الموازنة على حساب الطبقات الفقيرة، مع احتفاظ بدور كبير للجيش في الاقتصاد، ما يناقض أي مبدأ ليبرالي اقتصادي. وفي الحالتين ترافق ذلك مع سياسات سلطوية قمعية تضيّق على الحريات العامة وتنتهك حقوق الأفراد.
خلافًا لما يشاع غالبًا، بربط الليبرالية ربطًا محكمًا باقتصاد السوق، لا توجد علاقة ضرورية بين حرية الفرد واستقلاليته وبين حرية الأسواق، ما دام حق الملكية الخاصة محفوظًا. ولكن ثمة تعارض بين تحديد سلطة الدولة وسيطرتها الكاملة على الاقتصاد، فلكي تحدَّد سلطة الدولة، يجب أن يقيَّد نشاطها الاقتصادي في المجتمع، وتُثبت التجربة أنه من الصعب فعل ذلك إذا لم تكن ثمة علاقات تبادل اقتصادي حرة بالحد الأدنى. هذا قبل التطرق إلى أهمية مبدأ التنافس الاقتصادي في تحقيق النجاعة والابتكار والنوعية، ودور التداخل بين الاقتصاد والسياسة في تنامي ظاهرة الفساد.
ويمكن تلخيص العلاقة بين الحرية الفردية المدنية والحرية الاقتصادية كما يأتي:
- لا تُشتق حرية الفرد من حرية الأسواق، ولا العكس. ويمكن تخيل حرية فردية في ظروف اقتصاد موجه من الدولة.
- لا يمكن تحديد سلطات الدولة إذا كان تدخلها في الاقتصاد غير محدود.
- لا حرية فردية من دون حق بالملكية الخاصة.
- يتطلب تقييد تدخل الدولة في الاقتصاد حدًا أدنى من حرية التبادل في السوق من دون تدخل الدولة.
- الحرية شرط الابتكار والإبداع وتطوير الإنسان لقدراته.
صحيح أن الليبرالية تتناقض مع السيطرة الكاملة للدولة على الاقتصاد وإلغاء الملكية الخاصة، ولكن من ناحية أخرى، فإن من يقصر مبدأ الحرية على حرية الأسواق فقط، يغادر نواة الليبرالية الأخلاقية الرئيسة، ولا يصح أن يسمى ليبراليًّا.
صعود الليبرالية أكاديميًّا
في القرن الثامن عشر، وفي سياق ثقافي مختلف عن السياق الأنكلوسكسوني، تطوّر مذهب فلسفي في الحرية انطلاقًا من الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، يقوم هذا المذهب على استقلالية الفرد الأخلاقية، معتبرًا مدى تحقيق هذه الاستقلالية الأخلاقية معيار تطور المجتمعات وتقدمها. افترض كانط أنَّ استقلالية الفرد منوطة بعقلانيته وقدرته على تحمل المسؤولية. يمكن أن يكون الفرد حرًّا إذا كان عقلانيًّا، فكل إنسان يمكن أن يكون حرًّا إذا رفض إملاء العادة والأفكار المسبقة، وإذا حكّم العقل في رغباته. يرى
مايكل زاندل (Michael Sandel، 1953-) (يُكتَب "ساندل" في المرجع أدناه) أنّ الأصول الليبرالية المعاصرة تعود إلى مفهوم أخلاقيات الواجب عند كانط، فبما أن لكل فرد تصوراته الخاصّة بشأن الخير وبشأن مصالحه، يجب، وفقًا لكانط، أن لا تستند إدارة المجتمع على تصوّر معين للخير، بل على مبادئ وحقوق. والدولة لا تسعى إلى تحقيق تصور ما للخير العمومي، بل إلى إحقاق هذه الحقوق. وهذه مقولة أخلاقيّة مُسلّم بها عنده، بغضّ النّظر عن تعريف الخير[33]. فتعريفات الخير تتباين، وقد تختلف داخل الدولة ذاتها، مثلما تختلف تصورات الأفراد للمنفعة وتحقيق السعادة، فلا يمكنها أن تكون أساسًا موثوقًا للمعايير الأخلاقية.
شكَّل هذا التصوّر الكانطي أساسًا لتصورات ليبراليّة معاصرة كما في حالة رولز. وانطلاقًا من تقاطع هذا التقليد مع تاريخ الفكر الليبرالي، نشأ في القرن العشرين تقليد ليبرالي أكاديمي فلسفي يؤسس للعدالة في الليبرالية، على أساس احترام مبدأ الحرية وحق الفرد في اختيار ما يسعده، ورفض النفعية، وجسر الهوة في الدخل وحيازة الخيرات المادية من دون مساواة مطلقة. ومثّل جون رولز هذا التيار[34] في كتابه
نظرية في العدالة (A Theory of Justice, 1971). كانت هذه المحاولة الأخيرة للتأسيس الفلسفي لليبرالية بعيدًا عن مذهب المنفعة الذي ميّز الليبرالية الكلاسيكية، قبل صعود النيوليبرالية في أواخر سبعينيات القرن العشرين. وقد دفع بالعدالة التوزيعية لتكون في مركز اهتمام الفلسفة الأخلاقية الليبرالية. ولكن كتابه، بأسلوبه الأكاديمي الجاف ومنطلقات تحليله النظرية الافتراضية واستنتاجاته النظرية للغاية، أثّر في مجال البحث الأكاديمي، وذلك خلافًا لليبراليِّي القرن التاسع عشر الذين كانت كتاباتهم مفهومة بالنسبة إلى عامة المثقفين، ولم تصدر في إطار تخصص جامعي ما.
جون رولز
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
قارب رولز العدالةَ بوصفه ليبراليًّا، وذلك بالانطلاق من توقع الفرد العاقل أن يعامَل بإنصاف، والتفكير في كيفية تحقيق هذا الأمر، وتعميم استنتاجاته على جميع أفراد المجتمع. إنه ينطلق من الفرد بوصفه وحدة تحليلية، وهو يتصوره بدايةً خلف حجابٍ من الجهل (Veil of ignorance)، أو ما يُسمّيه الوضع الأصلي (Original position)، بدلًا من الحالة الطبيعية التي استخدمها منظرو العقد الاجتماعي. والفرد المتخيل في هذه الحالة ليس جاهلًا بوضعه الاجتماعي ومنشئه ووضعه الطبقي فقط، بل هو غير مدرك حتى صفاته ومقدراته ومواهبه. ويبقى في وعيه أمران: أولًا، أنه فرد عاقل؛ وثانيًا، أنه يتجنب المخاطر. يجهل الناس في هذه الحالة الافتراضية حتى تصورهم للخير، أي ليس لديهم حدس أخلاقي، ومن ثم يقع اختيارهم على مبادئ العدالة من وراء حجاب. ويقول إنه ما دام الجميع في الحالة نفسها، ولا أحد منهم يستطيع وضع المبادئ التي تجعله يمتاز عن غيره، وتصبح مبادئ العدالة نتيجة "مساومة واتفاقٍ منصفين" بين المتساويين في الجهل بشأن ظروفهم[35]. إذا كان هؤلاء الأفراد لا يعرفون مكانتهم في المجتمع، ولا ما سوف يكونون عليه، فثمّة أشياء يريدون امتلاكها بالضرورة للعيش برضًا. و"حتى وإن لم يتقاسم البشر نفس المُثل العليا، يستطيعون على الأقل أن يستخرجوا من تجربتهم معنًى مشتركًا بالتطلع إلى مثال أعلى للحياة الخيّرة"[36]. من هذا المنطلق، يُفتَرَض أن يكون كل فرد قادرًا على التفكير في ما يريده من نفسه ومن الآخرين. ومن هنا يتطور مفهوم العدالة كإنصاف[37].
ما يتوصل إليه الفرد العاقل والحرّ الإرادة من خلف حجاب من الجهل، هو الآتي: أولًا، "لكل شخص حق مساوٍ [لحقوق الآخرين] لمنظومة من الحريات الأساسية متناسبة مع منظومة مشابهة من الحرية للجميع". وثانيًا، "يجب تدبير عدم المساواة في المجالات الاجتماعية والاقتصادية بحيث تكون: أ. لصالح أعظم فائدة ممكنة للأقل حظًا [...] والتوفير للاستثمار لمصلحة الأجيال القادمة. ب. مرتبطة بوظائف وأحزاب مفتوحة للجميع في ظل شروط مساواة منصفة في الفرص"[38].
انتقد رولز المفهوم النفعي والرعائي للديمقراطية التي روَّجت لها الليبرالية الجديدة. فعلى الصعيد السياسي، شكل هذا التصور تهديدًا للحريات الأساسية، بما أن السلطات الممنوحة للدولة بهدف تحقيق تصورها للرفاه تتنكر لفكرة تعددية الغايات وحرية الأفراد في اختيار غاياتهم الخاصة ومفهومهم للسعادة. وعلى الصعيد الاقتصادي، لا تأخذ سياسة إعادة توزيع الثروة بطريقة نفعية إلا المستوى العام بالحسبان، أو المعدل الوسطي للخير العام والرفاهية، من دون تصحيح الخلل واللامساواة البنيوية للمجتمع. وقدم رولز قراءة جديدة لليبرالية الكلاسيكية، قراءة تحترم المثل الديمقراطية والهموم المتعلقة بالعدالة، وتُبيِّن أن زيادة دخل الفئات الأضعف ترفع مستوى الجميع. وبرّر عدم المساواة في توزيع الثروة بالقدر الذي تستفيد منه الفئات الأقل حظًّا قياسًا بالتوزيع المتساوي الذي قد يتضرر منه الجميع بإنتاج معدل وسطي متدنٍ. كان ذلك، كما يبدو، استنتاجًا من فشل سياسات المساواة في دول المنظومة الاشتراكية التي كانت قائمة في حينه من دون أن يذكرها. ووفقًا لتعبيراته هو نفسه، لا تصلح نظريته في العدالة إلا في مجتمعات ديمقراطية ليبرالية متطورة؛ فقد أكد أن مفهومه للعدالة يصلح لمثل هذه الدول. إنه ليس مبدأ أخلاقيًّا عامًّا متعلّقًا ببنية المجتمع عمومًا، كما أنه يختلف عن العقائد الأخلاقية التقليدية، مثل المنفعيّة، التي تدّعي أنها تصلح لجميع أنواع الفاعلين الاجتماعيين من الأفراد وحتى الأمم. يسري مبدأ العدالة عند رولز على الديمقراطيات التي نشأت سابقًا على مبدأ التسامح والحكومة الدستورية واقتصاد السوق[39]. إنه مبدأ لإدارة العدالة في دول ديمقراطية ليبرالية لا غير.
وبما أن "العدالة كإنصاف" مُعدّة بوصفها مفهومًا سياسيًّا للعدالة في المجتمعات الديمقراطية، فإنها تحاول أن تستند فقط على أفكار بديهية أساسية مُرساة في المؤسسات السياسية في النظام الديمقراطي الدستوري والتقاليد العمومية في تفسيرها التي تنشأ في الديمقراطيات الراسخة. بهذا المعنى، العدالة كإنصاف، على حد تعبير رولز، هي مفهوم سياسي جزئيًّا، لأنها تبدأ من تقليد سياسي مُعيّن. ولذلك فهو يأمل أن يدعَم هذا المفهوم بما يُسميّه "الإجماع المتقاطع" (Overlapping consensus) الذي يشمل جميع التيارات الفلسفية والدينية القائمة في مجتمع ديمقراطي[40].
وفي عام 1993، نشر كتابه بعنوان
الليبرالية السياسية (Political Liberalism) الذي توّج انتقاله النظري من التفكير الفلسفي في الليبرالية إلى التفكير من منظور تطبيق الليبرالية السياسية في دولة ديمقراطية على مجتمع تعددي لا يؤمن جميع أطرافه بالضرورة بالقيم الليبرالية، بما فيها تصورات العدالة التي دافع عنها في كتاب
نظرية في العدالة. لا تتدخل الدولة الديمقراطية الليبرالية في عقائد الفاعلين السياسيين ما داموا قابلين بشروط اللعبة السياسية القائمة بغض النظر عن غاياتهم، وقادرين على العمل المشترك، ويقبلون بالتعايش مع غايات الآخرين المصوغة عقلانيًّا. حرّر رولز في هذا الكتاب الليبرالية من المذاهب الفلسفية التي ارتبطت بها، والرؤى الشاملة للخير العمومي التي طرحتها، مقدّمًا ليبرالية سياسية تقوم على مبادئ متفق عليها لإدارة التعددية وحماية الحريات في الدولة، ومدافعًا عن فكرة جوهرية في الديمقراطية الليبرالية، وهو حياديتها تجاه الأيديولوجيات والمذاهب والديانات وغيرها، التي يسمح لها بالمشاركة في الفضاء العمومي إذا كانت قادرة على التواصل العقلاني. ولا تقبل القواعد التي تقترحها لإدارة الشأن العمومي إلا إذا صيغت على نحو يمكّن أتباع مذاهب دينية وفلسفية من قبولها من حيث الاحتمال على الأقل، وإذا لم تمس ممارسة هذه القواعد حريةَ الأفراد (وهذا تعريف الإجماع المتقاطع بإيجاز).
تطرح المذاهب الليبرالية المختلفة رؤيتها للخير العمومي، وقد تحظى بثقة الأغلبية للحكم، ولكن الدولة الليبرالية نفسها، وفقًا لطرح رولز في الليبرالية السياسية، لا تتبنى في دستورها مذهبًا فلسفيًّا شاملًا في الليبرالية شبيهًا بما يُطرح في فلسفة كانط أو مِلْ أو سبنسر أو ليبرالية هوبهاوس الجديدة، ولا تطلب من الأيديولوجيات والديانات المقبولة ضمن التعددية فيها تبنيها، بل يقتضي انخراطهم ضمن هذه التعددية قبولَ قواعد الليبرالية السياسية التي تضمن الحريات والتعددية. لقد أصبحت التعددية التي بدأت يومًا بوصفها تسامحًا دينيًّا مبدأً في العدالة السياسية الليبرالية، من الضروري أن تصبح مكوّنًا في الثقافة السياسية السائدة في دولة العدالة السياسية الليبرالية.
أُسُس مفهوم العدالة السياسية كما يشرحه رولز هي: أولًا، تعيين الحقوق الأساسية والحريات والفرص من النوع المألوف من الديمقراطيات الدستورية؛ ثانيًا، إيلاء الفاعلين السياسيين والاجتماعيين هذه الحقوق والحريات والفرص أولوية على التصورات الكلية الشمولية للخير العام؛ ثالثًا، الخطوات اللازمة لضمان أن يتمكن المواطنون من ممارسة الحريات والفرص المتساوية[41]. هذا وصف لما يريد أن يوفّره أي مفهوم للعدالة وفقًا لليبرالية السياسية.
يرفض رولز إدارة المجتمع لصالح مذهب أخلاقي أو فلسفي بعينه، بل يصرّ على أن الدولة الديمقراطية الليبرالية تتيح المجال لكافة المذاهب والتصورات حول الخير العمومي. وهنا يسأل السؤال: أليست التعددية وحرية التعبير والعدالة قيمًا وفضائل ترفعها الدولة الليبرالية فوق غيرها؟ إنها كذلك فعلًا. وليس في حوزة الفيلسوف الليبرالي تبرير عقلاني لإيثار هذه الفضائل في دستور الدولة، فهو ينطلق من تفضيل قيمي، ويبحث عن العدالة في إطاره. وبهذا المعنى، فإن الدولة الليبرالية ليست محايدة تمامًا من الناحية القيمية.
التحدي الجماعتي (الأهلوي)
واجهت الليبرالية في العقدين الأخيرين من القرن العشرين تحديًا فكريًّا مثّلته
الجماعتيّة (الأهلويّة، Communitarianism). دار هذا النقاش غالبًا على مستوى الجامعات الغربية والدوريات المتخصصة، ولا سيما في الولايات المتحدة. وثمّة فرق بين النقد الأصولي الأهلوي الراديكالي، والنقد الأهلوي المعتدل لليبراليّة؛ وهو الفرق بين الاعتراف وعدم الاعتراف بالحقوق والحريات الفردية للمواطن بوصفها قيمة، فثمّة جماعتيون راديكاليون لا يرون وجاهة في عدها قيمة، ويشددون على الفضيلة الجماعاتية. أمّا النقد الجماعتي المعتدل، الذي يمكن استيعاب بعض مطالبه في الإطار الديمقراطي الليبرالي، فيعترف بالحريّات والحقوق، ولكنّه يرى أنّه من حق الجماعة تقييدها، أو رفع فضيلة أخرى فوقها. ليس الانتماء إلى جماعة عند الأهلويين اتحادًا طوعيًا بين أفراد، ولا يتوسّط التعاقد الانتماء إليها، بل هو انتماء مباشر يرى من خلاله الفرد هويّته الذاتيّة وقيِمَه[42]. يتفق الجماعتيون عمومًا على نقد تشديد الليبرالية على أولويّة الحقوق المدنيّة والسياسيّة للمواطن الفرد، ويعني ذلك في حالة الجماعتية المعتدلة نسبيًّا تبرير تقييدها لصالح فضيلة عموميّة مفترَضة ذات قيمة أعلى من قيمة الحقوق والحريات الفرديّة. أي إنّ تقييدها لا يكون لحماية حريات الآخرين وحقوقهم، بل لصالح قيم جماعتية، كما في حالة ما يُسمى "الإضرار بطريقة حياة الجماعة". أبرزُ ممثلي الجماعتية المعاصرين هم:
ألسدير ماكنتاير (Alasdair MacIntyre، 1929-2025)، وتشارلز تايلور (Charles Taylor، 1931-)، ومايكل زاندل. وجميعهم يعيشون في دول ديمقراطية ليبرالية (الولايات المتحدة وكندا)؛ ويدور نقاشهم في إطارها. إن نقل الخصومة الفكرية الجماعتية الليبرالية إلى خارج هذا السياق بتبني المواقف والحجج الأهلوية في دول الاستبداد هو خطأ فادح ومخاطرة لا داعي لها، إذ من المرجح أن تستخدم حججها ضد الحقوق والحريات من جانب مؤيدي الديكتاتورية خلف عناوين مثل وحدة الأمة، وربما وحدة الطائفة والقبيلة في حالات أخرى.
اشتبك الجماعتيون على نحو خاص مع الليبرالية السياسية المتأسسة على مقاربات فلسفية كانطية، كما في حالة رولز. وبموجب الليبرالية الكانطية، ليست الحقوق متعلقة بالمنفعة، ولا بتصورٍ محدد للخير، والدولة لا تفرض طريقة معينة في الحياة على مجمل الأفراد. ويتساءل الجماعتيون: هل يمكن أن تُعدَّ حقوقًا وحرياتٍ معيّنة أساسيّةً أكثر من غيرها من دون تبني منظور ما للحياة الخيّرة؟ ثمّة عنصر من النسبويّة هنا ينفي الليبراليون وجوده. إنهم يفصلون بين الحق (Right) والخير (The good)، ويتمسكون بإطار منظم يضمن الحقوق والحريات، ويسعى الناس إلى تحقيق غاياتهم تحت سقفه بغض النظر عن تصوراتهم للخير الاجتماعي. ولا يُضحّى بالحقوق والحريات لصالح فهم معيّن للخير. في المقابل، يرى الجماعتيون أنه لا توجد ترتيبات سياسيّة بمعزل عن الغايات المشتركة، ولا يمكن الأفراد فهم ذواتهم بمعزل عن دورهم بوصفهم مواطنين ضالعين في حياة مشتركة. وإضافة إلى ذلك، توجد صراعات حتى بين الليبراليين على هذه الحقوق، وهذا يعني وجود معايير قيمية مختلفة في مقاربة الحقوق من منظورات مختلفة حتى في إطار الليبرالية.
لكن الليبراليين يشددون على وجود حقوق أساسيّة للإنسان تتأسّس عليها العدالة، ويمكن تنظيم تعددية الرؤى المختلفة للخير في ظلّها. هذه في رأي الليبراليين قيم غير نسبيّة. وقد انتقدت هذا التصور تيّاراتٌ تُشدّد على المواطنة والجماعة. وإذا كان فهم العدالة هذا، القائم على الاستقلالية الفردية والحقوق وأخلاق الواجب، يستند إلى كانط، فقد استند نقدها في البداية إلى نقد هيغل ضد كانط.
يفترض الليبراليون ذاتًا مستقلة ذات إرادة حرة تحدد غاياتها بنفسها، أي إن الذات سابقة على غاياتها، ويقول الجماعتيون إنّه لا توجد ذات مجردة كهذه، ولا يمكن فهم الذات بوصفها مستقلّة عن الغايات، عدا عن أنها معرّفة بالجماعات التي تنتمي إليها، وبالعلاقات والقيم والتوقعات السائدة فيها. الخير بالنّسبة "لي" هو الخير بالنّسبة إلى من هو في "موضعي" ويقوم بوظائفي في إطار الجماعة نفسها. إنّ قصة حياة الفرد هي قصّة الجماعات التي ينتمي إليها[43].
تتلخص الادعاءات الرئيسة للموقف الجماعتي في نقد الليبراليّة وفقًا لألين بيوكانن (Allen Buchanan) في ما يأتي:
- أنها تفشل في تقدير الجماعة من حيث كونها مكونًا في جودة الحياة (Good life).
- أنها تُقلّل من شأن الحياة السياسيّة والمشاركة في
الجماعة السياسية. والمقصود هو فهمها للحرية بوصفها حرية سالبة لا تحض على الفعل.
- تفشل الليبراليّة في تبيين واجبات الفرد والتزاماته؛ وبعضها غير اختياري، أي لا يتبناها اختياريًّا أو من خلال تعهدات فردية. ومنها الالتزامات العائليّة، والواجبات تجاه جماعة الانتماء أو الوطن.
- وفقًا للجماعتيين، لا يستوعب مفهوم الليبراليّة للذات (Self) مدى انزراع الذات (Embeddedness) في التزامات جماعتيّة وقيم هي ليست مسألة خيار، كما أن الذات تتخلق من خلال هذه الالتزامات والقيم.
- تُخطئ الليبراليّة في عدها العدالةَ فضيلةَ المؤسّسات الاجتماعيّة الأولى كما فعل رولز، في حين أنّها فضيلة علاجيّة، أو تصحيحية (Remedial)، يحتاجها المجتمع لتصحيح الأوضاع التي تسبب بها انهيار فضائله الأعلى شأنًا[44].
ينتقد الجماعتيون فكرة العدالة بوصفها أهم فضائل المؤسسات الاجتماعية والسياسية، لأنّهم يرون أنّ ثمّة فهمًا مشتركًا للخير العمومي (Public good)، لكنّ تعدديّة تصورات الخير العمومي وتحييد الدولة في هذا الشأن هي المشكلة بالنّسبة إليهم؛ فوجود تصور للخير العمومي يعني وجود تجانس على مستوى الجماعة، وغيابه يعني تفكك الجماعة وتحللها. هنا يبدو أنّ الأهلويّة الجماعتيّة نوسطالجيّة إلى ماضٍ اندثر، هيمن فيه فهم مشترك للخير العمومي. وحتى حين وُجد مثل هذا الفهم، فهذا لم يمنع الصراعات على تفسيره وتطبيقه. إن أكثر الليبراليين تأثيرًا لا يؤكدون على استقلالية الفرد فقط، بل على رفاهيته وحسن عيشه (Wellbeing) أيضًا، ونظريًّا، يتسع ذلك ليشمل الانتماء إلى جماعة. فليس ثمة ليبرالي جدي ينكر احتمال (أو حتى رجحان) أن يكون الانتماء إلى جماعة جزءًا من تصوّر الفرد للحياة الحسنة.
يورد رونالد دوركين أربعة ادعاءات جماعتيّة ضد الليبراليّة شبيهة بالادعاءات التي ذكرها بوكنان، ولكنه يصنفها تصنيفًا مختلفًا، ومن ضمنها إصرار الجماعتية على أهمية البيئة الأخلاقية التي توفرها الجماعة. لا تنكر الليبراليّة وجود بيئة أخلاقيّة، لكنها ترفض أن تقيّد هذه البيئة خيارات الأفراد بالإكراه. هذا هو الأساس في النقاش، وليس الاعتراف بوجود بيئة أخلاقيّة أو عدم وجودها. ليس من حق الأغلبيّة تقرير كل شيء في المجتمعات، إن من حقها تقرير بعض الأمور المُحددة في النّظام الديمقراطي، ولكن ثمّة قضايا لا تستطيع حتى الأغلبيّة أن تتخذ قرارات بشأنها. وإذا كان للجماعتية دور مُهم في نقد الليبراليّة، فيجب أن يتجاوز مجرّد افتراض جماعة سياسيّة (الأمة، القومية) تسود فيها الأغلبيّة في حالة النظام الديمقراطي[45]. يرفض الليبراليون أيضًا إكراه شخص على فعل ما هو لمصلحته، فإذا أُجبر الفرد على فعل ما هو لمصلحته وفقًا لتصورات سائدة في الجماعة أو الدولة، فقد لا تتحقق النتائج المرجوة وتكون العواقب مُعاكسة[46].
أما الحجة التي عدّها دوركين الأكثر تماسكًا في نقد الليبرالية، فتتلخص بالادعاء أنها تحول دون الاندماج الاجتماعي. وليس المقصود الاندماج الاجتماعي كما يفهمه الليبراليون في إطار المواطنة مثلًا، بل باعتبار أن الجماعة وحدة واحدة تتصرف بوصفها فاعلًا اجتماعيًّا واحدًا، كما في حالة الأوركسترا الموسيقية مثلًا، أو فريق كرة القدم، أو غيرها. لا تنكر الليبراليّة وجود جماعات كهذه تتصرف كأنّها جسد واحد أعضاؤه متناسقة ومتكاملة الوظائف، ولكن هذا التصرف يكون في مجالات محددة، فالفرقة الموسيقيّة لا تتصرف بوصفها وحدة واحدة متجانسة في مجالات الأخلاق والحياة الجنسية والمواقف السياسية وغيرها، بل في مجال الموسيقى فقط عند التدريب والعزف؛ وينطبق التوصيف ذاته على فريق كرة القدم. وليست الأمة، أو مجموع المواطنين، جماعة من هذا النوع، ولا يُمكنها أن تتصرّف على هذا النحو، فثمة تنوعات كثيرة فيها وخلافات وصراعات أيضًا. وإذا كان المجتمع يُعد جماعة سياسيّة واحدة، يبرز سؤال عن المجالات المنضوية تحت الجماعة السياسية، فقد تشمل مجال طاعة القوانين وممارسة حق الاقتراع والتجنّد للجيش، ولكن المجتمع ليس مجتمعًا واحدًا في ناحية الحياة الجنسيّة للأفراد مثلًا، أو خياراتهم المهنيّة، أو الاقتصاديّة، أو غيرها من الأمور التي ليس فيها تجانس، ولا يجوز أن يُفرض تجانس كهذا. إن الدولة لا تعيش حياة جماعتية (Communal life)، والدعوة إلى ذلك خطيرة جدًا لناحية استخدام الإكراه في المجتمع الحديث[47]. إن تصور الليبراليّة للاندماج هو تصور محدود له أبعاد محدّدة، وهؤلاء الذين يعتقدون أنّ التضامن في إطار الجماعة يتطلّب تشريعات غير ليبراليّة لا يناقشون من أجل مستوى أعلى من التضامن لا تسمح به الليبراليّة، بل يناقشون تصورًا آخر للحياة الجماعيّة. ويدّعي دوركين أنّ الليبراليّة تُقدّم أساسًا أفضل وأشد أصالة للتماهي مع الجماعة[48].
يتناول نقد الأهلويين، أو الجماعتيين عمومًا، أفكارًا مجرّدة في الفلسفة الليبرالية، بالتشديد على أولويّة الحريّات والحقوق المدنيّة في الليبرالية بوصفها مذهبًا فلسفيًّا، ولا سيّما الفرضيّات الأساسيّة حول الإنسان التي يستند هذا المذهب إليها. مع أنّه يمكن القول إن الليبراليّة قابلة للعيش من دون هذه الفرضيات، وحتى من دون المذهب الفلسفي، التي يقوم عليها. ولا يتناول النقد سلوك الليبراليين في مجتمعاتهم، أأقل التزامًا هم بالعائلة والجماعة والوطن ووفاءً لها أم أكثر. ولا توجد دراسات تثبت ذلك. ليس الخلاف على هذا الموضوع، بل على دور الحقوق والحريات، من حيث أهميتها وخدمتها حرية الفردِ ومدى إسهامها في تماسك الجماعةَ أو في تفكيكها وتغير طابعها. أجابت الصيرورة، المسمّاة عملية التحديث، عن هذا السؤال؛ فقد تفككت جماعات وظهرت أخرى، وتغيرت طبيعة علاقة الفرد والجماعة، وكان دور التيارات الفكرية الأهلوية والليبرالية في هذه الصيرورة أكثر هامشية مما يُعتقَد، ولكنهما يتبنيان مقاربات مختلفة في التعامل مع الواقع الاجتماعي الناجم عنها.
يرى بعض فلاسفة الأخلاق ضرورة تأسيس أفكار تيار مثل الليبرالية على تفسير سيكولوجي للطبيعة البشرية، أو افتراض حالة طبيعيّة، أو حتى على افتراضات ثيولوجية متعلّقة بالخلق وإرادة الله، ولكن لا بديل من القيم والأحكام الأخلاقية في التوصل إلى طروحات الليبرالية أو تقبلها. وتؤثر في تقبلها وانتشارها تجارب النّجاح والفشل في تطبيقها. فمثلًا، يشكّل الفشل في التغلغل في الثقافة الجماهيرية، بتحويل بعض الحريات والحقوق إلى مسلمات، خصمًا كبيرًا لليبراليّة، مثل السلطويّة والعقليّة المحافظة غير المتسامحة وغيرها.
يختلف الليبراليون على مسألة إعادة توزيع الثروة، وهذا نقاش لا ينتهي، مع أنّ مواقف طرفي الخلاف تعدّلت مع الزمن بسبب ضرورات الاقتصاد الحديث واتساع المشاركة الجماهيريّة في السياسة. ولا يعترض الأهلويون على دولة الرفاه عمومًا، ولكنّهم يُصرون على حق الجماعات بالاستفادة من عمليّة إعادة توزيع الثروة[49]. ومن ناحية أخرى، فوفقًا للجماعتية، لا يعمل الفرد لصالح الجماعة انطلاقًا من التزام اختياري، بل لا فرق فيها أصلًا بين "لي" و"لنا". وفي الحقيقة، إنّ الليبرالية لا تُعارض أهميّة الجماعة النفسيّة بالنّسبة إلى الفرد، ولا أهميّتها في المجتمع، فهي ليست نظريّة شاملة عن الإنسان وهويّته.
يرى غلاة النيوليبراليين (الذين يُسمَون ليبرتاريين [Libertarians] أيضًا) أنّه قد يكون من المستحسن أن يُساعد الناس بعضهم، وأن يتبرعوا لمن هم أقل حظًا منهم، ولكن هذا "يجب أن يبقى في حدود البر والإحسان"، لا أن يُجبى باعتباره ضريبة من طرف الدولة، فهذه بالنّسبة إليهم نوع من السرقة[50]. في حين يرى الجماعتيون أنه بوجود شعور بالانتماء للجماعة، وبالواجب تجاهها، لا تجد الدولة مشكلة في سياسات الرفاه الاجتماعي، لأن التضامن الاجتماعي يسهم كثيرًا في هذه العملية، خصوصًا إذا كانت الجماعة جزءًا من عملية إعادة توزيع الثروة. أما الليبراليون المعتدلون المؤيدون لسياسات دولة الرفاه، فيفترضون وجود الشعور بالواجب تجاه الدولة والمجتمع، إضافة إلى توفير الدولة الخدماتِ، ما ينجِح السياسات الضرائبية من دون الحاجة إلى فرضها بالقوة، عدا الحالات الاستثنائية. ولكن التضامن الجماعاتي بحد ذاته ليس بديلًا للضرائب وخدمات الدولة. لا تتطلّب الخدمات التي تُقدّمها الجماعة للفرد، سواء أكانت جماعة محليّة أم جماعة سياسيّة، ضرورة التجانس القيمي داخلها، فيمكن أن تُقدّم الجماعة هذه الخدمات دون أن تكون متجانسة أخلاقيًّا. ولا يوجد إثبات أنّ المجتمعات غير الليبراليّة أفضل في تقديم الخدمات للفرد من المجتمعات الليبراليّة.
في دفاعهم عن أنفسهم، يشدد الليبراليون على النقاط الآتية:
- إنّ غياب الحريّات الفرديّة يُمكِّن الدولة من الإضرار بالجماعة، في حين أن وجودها يسمح للأفراد بالدفاع عن الجماعة، وكأنها خيارهم الفردي، مع أنّها ليست كذلك، أي يمكنهم أن يحوّلوا الانتماء إلى الحق في الانتماء. وقد أتاحت الحريات للأفراد الدفاع عن الجماعة ضد محاولات الدولة، القوميّة المركزية تحديدًا، قمع الجماعات، وصهرها في جماعة انتماء أساسية لها الأولوية، وهي الجماعة القومية.
- الحقوق الفرديّة مُهمّة، وهي تشمل المشاركة الطوعيّة في تعزيز مصالح الجماعة من دون إكراه، فالإكراه مع نشوء الشخصية الفردية، وحتى الفردانية في العصر الحديث، قد يؤدي إلى العزوف عن الجماعة. وليس نشوء الشخصية الفردية صنيعة الليبرالية، بل هو نتاج الحداثة. إنّ التهديد الرئيس للجماعة في العصر الحديث هو النظام الشمولي، وهو نظريًّا أقرب إلى الجماعتيّة المتطرفة غير المتصالحة مع الليبراليّة. ولذلك، يرى الليبراليون أنّ وجود جماعة سياسيّة شاملة، أي تحويل الأمّة إلى ما يُشبه الجماعة أمر خطير، لأنّ من شأنه أن يُبرّر قمع الأفراد، وحتى الجماعات. يرى الجماعتيون أنّ تفكّك الجماعات وتذرير الأفراد وأزمات الهوية يولّد خطر نشوء النّظام الشمولي[51]، لكن النظام الشمولي، وفقًا لبيوكانن، لم ينشأ في دول ذات تقاليد ليبراليّة، بل في دول مثل ألمانيا وروسيا والصين[52]. وربما يخلط الجماعتيون بين اللبرلة والتحديث، فلا شك أنّ التحديث من أعلى في دول تقليديّة ولّد خطر الشموليّة، لكن هذا لم يحصل في الدول الليبراليّة التي توسّعت فيها الحريات بالتدريج.
- إذا كانت الجماعة مهمّة إلى هذه الدرجة للأفراد الذين لا يميزون بين "لي" و"لنا"، يتساءل الليبراليون، ومن ضمنهم بيوكانن، عن سبب حاجة الجماعة إلى تدخل الدولة لدعمها وتعزيزها. لا تكفي إجراءات الليبراليّة لحماية الجماعة ولا الفرد الذي تفترض أن لديه التزامات تجاه الجماعة، هذا ما يقوله الجماعتيون. ولكن هذا غير دقيق، فصحيح أنّه في المجتمعات الليبراليّة تضعف عُرى الروابط الاجتماعيّة، ولكنّ الأفراد قادرون على الالتزام، ويشعرون بالواجب رغمًا عن ذلك. ويمكن أن يصبح الشعور بالواجب والالتزام تجاه جماعة أو تجاه العموم جزءًا من هويّة الشخص في الدولة الليبرالية أيضًا. والمثير أن الليبرالية في هذه الحالة تظهر أكثر ثقة باجتماعية الإنسان وانتماءاته، فلا حاجة عندها إلى تدخل الدولة في تقويتها أو تمثيلها؛ في حين أن الجماعتية هي التي تريد إرساءها في الدولة.
من منظور الجماعتيين، فالجماعة قيمة، ويجب أن تُؤخذ في الاعتبار عند بناء مؤسسات الدولة، قبل حقوق الفرد وحرياته. في حين أن الليبراليين عمومًا، يبدؤون بحقوق المواطن وحرياته وتحديد سلطة الدولة. وأصبحت حقوق الجماعات تَرِد عندهم ضمن الصياغات القانونية، في إطار ما يُسمَّى حقوقًا ثقافية أو إدارات ذاتية. وإذا اعتُرف بحقوق جماعية ما، تكون خاضعة لحق الاختيار وحرية التعبير وغيرها من الحقوق التي لا يجوز أن تخضع لإرادة الأكثرية في أي جماعة، إلا إذا كان خضوعًا طوعيًّا، مثل الالتزام والشعور بالواجب في جماعة طوعية. وحتى لو كان قبول هيمنة الجماعة تلقائيًّا وليس اختياريًّا، فلا يفترض أن تتدخل الدولة طالما لم يُستخدَم الإكراه. ففي غياب الإكراه، يُفترض أن الانتماء طوعي.
لم يدعُ جون ستيوارت مِلْ مثلًا إلى حل الجماعات، وكان واعيًا لقوّة التقاليد، ولكنّه أصرّ لهذا السبب تحديدًا على حريّة الاختيار الفرديّة[53]. لا تتدخل الدولة الليبراليّة في الجماعات إلا إذا قمعت حريّة الفرد بالاختيار، أمّا إذا اعترفت بحقوق الجماعة، فيجب أن تكون حقوق الجماعة محدودة النّطاق ومعرَّفة بصرامة، بحيث تحفظ فيها حرية الأفراد وحقوقهم.
أرسى جميع المنظرين الليبراليين تحليلهم على الفرد بوصفه شخصًا مستقلًا قادرًا على اختيار أهدافه، ويمكنه مراجعتها ونقدها. وتُعزّز الدولة الليبراليّة هذا المثال (Ideal)، وتجعل الانتماء إلى الجماعات طوعيًّا. يمكن تصور الذّات هنا بوصفها مستقلّة غير مُلزَمة بروابط قسريّة، ولذلك أيضًا انتشر هذا التصور في بلدانٍ قام فيها اقتصاد السوق بجزء كبير من مهمّة فك الارتباط، وارتبط فيه السلوك المصلحي الذاتي بحريّة الإرادة[54]. لا يمنع التصور الليبرالي الفرد من أن يعتبر مصلحة الجماعة جزءًا من مصلحته، أو أن يعيش حياة سياسية، بمعنى أن يأبى حياةً شخصية على حساب رفاهيّة الجماعة، أو يتمتّع بالثروات في ظل الفقر والفجوات الاجتماعيّة، بل يمكن أن يتحلى بأخلاقيات سياسيّة ونظريّة نقديّة للمصلحة الشخصيّة، حتى أن ذلك قد يشكل مثالًا ليبراليًّا.
يلتقي الجماعتيون والليبراليون في المواقف من قضايا متعدّدة أُثيرت في الديمقراطيات الليبراليّة في النّصف الثاني من القرن العشرين، وفي القرن الحادي والعشرين، من منطلقاتهم المختلفة، ويختلفون على أخرى للأسباب ذاتها. فقد دعم كل منهم حقوق الأميركيين من أصل أفريقي، إذ دعمه الأوائل حرصًا على المواطنة المشتركة والجماعة الوطنية، ودعمها الأخيرون دفاعًا عن حقوق المواطن وحرياته. ولكنّهم يختلفون بالتأكيد على قضايا أخرى، مثل تقييد الحرية الجنسية، وحق الإجهاض، وغيرها من المجالات من المنطلقات المختلفة نفسها.
في بداية التسعينيات، نشأ انطباع مفاده أن انهيار
الاتحاد السوفياتي ونهاية
الحرب الباردة كرسا هيمنة الليبرالية على الساحة الدولية، فعادت أقوى مما كانت عليه. وروّج لذلك
فرانسيس فوكوياما (Francis Fukuyama، 1952-) في كتابه
نهاية التاريخ والإنسان الأخير (The End of History and the Last Man, 1992)، بدأه بمقال نشره عام 1989، جادل فيه أن تطور التاريخ البشري من منظور الصراع بين الأيديولوجيات قد وصل إلى نهايته إلى حدٍ كبير، مع استقرار العالم على الديمقراطية الليبرالية الغربية، وما تُمثله من مبادئ الرأسمالية (مع أن الرأسمالية ليست من مبادئ الليبرالية) والسوق الحرة والحقوق والحريات المدنية والسياسية، بعد نهاية الحرب الباردة وسقوط جدار برلين في عام 1989. وتوقع فوكوياما انتصار الليبرالية السياسية والاقتصادية على الصعيد العالمي في نهاية المطاف. لقد فشلت البدائل الشمولية. هُزمت الفاشية في الحرب العالمية الثانية، وما دمّر الفاشية بوصفها فكرة لم يكن الثورة الأخلاقية والنفور الأخلاقي منها، بل هزيمتها في الحرب، فما يقوم على الحرب والتوسّع الدائم ينتهي إلى التدمير الذاتي حين يتوقف تمدده. أما التحدي الشيوعي، فقد اعتبر الديمقراطية الليبرالية رأسماليةً استغلاليّة، وطَرح نموذج المساواة في مقابلها، لكن الدول الديمقراطية الليبرالية تقوم على مبدأ المساواة في الحقوق وفقًا للمنظور الليبرالي. صحيح أنه توجد في بلدٍ مثل الولايات المتحدة فجوات كبيرة، ولكن أسبابها لا علاقة ضرورية لها بالبنيّة القانونية للنظام الذي يَبقى مساواتيًّا، ولا يُمانع بسياسة توزيعيّة معتدلة، بل بالسياسات؛ كما أن الفقر بين الأميركيين من أصول أفريقية ليس منتجًا أصيلًا لليبرالية، بل موروث من فترة العبودية والعنصرية[55]. ولا تعني نهاية التاريخ أن جميع المجتمعات ستُصبح ليبرالية، بل تعني أن الأيديولوجيات التي تدعي أنها تُمثّل نموذجًا أسمى من الليبرالية للمجتمع الإنساني أفلست وغادرت المسرح العالمي. ولم تعد تطرح بدائل كونية على مستوى الإنسانية جمعاء، وما يعرض من بدائل ضد الليبرالية هو غالبًا طروحات محلّوية أو إقليمية مرتبطة بهويات محددة.
عبد الرحمن الكواكبي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
طه حسين
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أحمد لطفي السيد
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
على الرغم من ذلك، فإن تحديات الديمقراطية الليبرالية المحققة الآن ما زالت قائمة في الدول الديمقراطية ذاتها، بما تطرحه الشعبوية اليمينية، كما بيّنت ذلك الانتخابات الأميركية في عامَي 2016 و2024، وصعود اليمين المتطرف والحركات العنصرية في شرق أوروبا وغربها. ويركز اليمين المتطرف نقده عادة على نخبوية الليبرالية وتعاليها على ما يُعَد ثقافة شعبية، وعدم التقدير الكافي للهوية الجمعية، وتسامحها الفائض مع الأقليات واستخفافها بقضايا اللجوء والتهديد الذي تمثله لهوية البلاد، وتنازلها عن حماية المنتجات المحلية أمام التجارة الخارجية. وثمة انتقادات خاصة بالاتحاد الأوروبي، والتنازلات عن بعض عناصر السيادة الوطنية المترتبة على العضوية فيه. أما نقد اليسار، الذي بات حليفًا لأغلبية المبادئ الليبرالية السياسية بعد الإصلاحات التي مر بها، فيركز على العلاقة بين الليبرالية والسوق الحرة، وتوسّع الهوة بين الأغنياء والفقراء نتيجة لعدم وضع القيود اللازمة عبر السياسات الضرائبية، كما يشدد على ضرورة منح صلاحيات إدارة ذاتية أوسع للجماعات المحلية لتمارس ما بات اليسار يعدّه ديمقراطية مباشرة. ولم يكن هذا في الماضي من مميزات التفكير اليساري، ولكنه أصبح كذلك تحت عناوين مثل الديمقراطية القاعدية.
وذكّرت انتكاسات
الثورات العربية بعد عام 2013 بعقبات كبرى تقف في وجه
الانتقال الديمقراطي، تتمثل بمقاومة قوى النظام القديم العنيفة، ومقاومة قوى من داخل المجتمع أيضًا ضد الحريات المدنية، ما يؤكد أن الليبرالية هي خيار سياسي أخلاقي تطوّرَ وتعدّل مع الزمن. وفي صلب هذا الخيار الحرية وصيرورة التوفيق بينها وبين فكرة المساواة لتحقيق العدالة التي لا تتحقق في غياب أحد ركنيها هذين.
ولأن الخيار هذا أخلاقي، فإنه حتى حين كانت قوى ليبرالية حاكمة تتنكر لحريات المرأة والعمال والملونين وحقوقهم، وظلت تتنكر للحريات في المستعمرات مدة أطول، كان هناك دائمًا ليبراليون يقاومون هذا الانفصام ويتمسكون بقيم الحرية والكرامة، ويدافعون عن حقوق الإنسان وحرياته على نحو مثابر.
لقد أسيء فهم الليبرالية عربيًّا لأربعة أسباب رئيسة:
- الأول، هو ربطها بالغرب الاستعماري في الأذهان، خصوصًا أن مبادئ الليبرالية في أوروبا في المرحلة الاستعمارية لم تطبَّق في المستعمرات لناحية الحقوق والحريات بغض النظر عن أسباب ذلك؛ وكذلك بسبب تطبيق السلطات الاستعمارية ونصف الاستعمارية (الانتدابية) سياسات موجهة للتحديث الاجتماعي من جهة، وأخرى موجهة إلى تقوية القوى التقليدية من جهة ثانية، بوصفها حليفة للاستعمار، وسياسات موجهة نحو العلمنة من أعلى من جهة ثالثة، وتعزيز الانقسام الطائفي من جهة أخرى.
- الثاني، ارتباط التعددية الحزبية بعد الاستقلال بالفوضى، وفشل النظم العربية في المرحلة التي سُمّيت ليبرالية (بحق وبغير حق بسبب التعددية الحزبية) في مواجهة تحديات التنمية الاقتصادية، وفرض الاستقلال السياسي الكامل، ومواجهة إسرائيل. واصطفاف القوى القومية واليسارية الحديثة ضد تلك النظم لا سياسيًّا فقط، بل فكريًّا أيضًا.
- الثالث، ربطها بالعلمانية. إن الليبرالية محايدة دينيًّا، وتدافع عن حرية الضمير والحق في ممارسة العبادة، ويمكن أن يتبناها مؤمنون من جميع الديانات، والأهم أن الدولة الليبرالية محايدة دينيًّا. وتقوم فكريًّا على فصل الدين عن الدولة، وليس عن المجتمع. لقد تبنى الفكر الليبرالي علمانيون منفعيون، وآخرون يؤمنون بأخلاق الواجب، ومتدينون أرادوا الحفاظ على الدين في مواجهة إملاءات الدولة، واشتراكيون ديمقراطيون، وأصحاب نظريات ومناهج بحثية وظيفية وبنيوية، وأتباع
الفلسفة البراغماتية. وفي كل مرة رُبطت الليبرالية بأيديولوجية أولئك الذين تبنوها، لكن ثبت تاريخيًّا أنها تحتمل عدة أيديولوجيات وفلسفات ونظريات، طالما احترم حاملوها قيمها الأساسية. ولذلك أيضًا لم يُتطرَّق إلى هذه المدارس المختلفة وعلاقتها بالليبرالية، فلا علاقة ضرورية تربطها بها.
- الرابع، أساء إليها في العالم العربي صمتُ بعض من يسمون أنفسهم ليبراليين عن قمع الحريات، مثل حرية التعبير عن الرأي وحرية الوصول إلى المعلومات وحرية الاجتماع والاتحاد والتنظيم، وتجاهلهم التعذيب في السجون وامتهان جسد الإنسان وكرامته، وتعاونهم مع أنظمة حكم ديكتاتورية وانقلابات عسكرية. تسمية الليبراليين لا تنطبق على هؤلاء، فلا يمكن أن يكون الشخص ليبراليًّا من دون قيم النواة التي تميز الليبرالي، فضلًا عن الافتقار إليها جميعها. يكتفي بعض من يسمون أنفسهم ليبراليين ويتحالفون مع أنظمة الاستبداد، التي يعارضها الليبراليون فعلًا في المجتمعات العربية، بالعناصر الآتية:
- نمط الحياة الشخصي المتحرر، وغالبًا الاستهلاكي المتحلل من القيم الاجتماعية السائدة، الذي يقتصر غالبًا على فئات من الطبقات العليا وأبنائهم؛ وأحيانًا تُعَد مناهضة الحركات الإسلامية (التي تعادي أغلبيتها الليبرالية بدورها) كافية لتقمص شخصية الليبرالي والعلماني؛ مع أن العلمانية والليبرالية ليستا معاديتين للدين، فالليبرالية قامت تاريخيًّا على أساس دعم حرية الخيار الإيماني الديني، وحرية الضمير ورفض تدخل الدولة فيه، وهذا بعيد كل البعد عن الأنظمة الاستبدادية التي تستخدم الدين وتتدخل في حرية الضمير. والحقيقة أن الليبرالية ترفض محاولة الحركات الدينية فرض عقيدة أو شريعة على الدولة، ولكنها ترفض أيضًا الطغيان وقمع الحريات بحجة التصدي لها.
- الدفاع عن حرية الاستثمار، وتحرير السوق من القيود، والنفور من دفع الضرائب، ورفض الإسهام في الخير العام للمجتمع. ولكن من يسمون أنفسهم ليبراليين، ممن عارضوا التحول الديمقراطي عربيًّا، قد لا يخلصون حتى لهذا المبدأ، إذ لا يقاومون الفساد، ولا تدخل الجيش في الاقتصاد، مثلًا، على الرغم من أنهما مناقضان للسوق الحرة، وللتنافس الحر حتى بمنطقهم.
لا يذكّر هذا التساوق مع الاستبداد والطغيان بالليبراليين العرب الأوائل، ومنهم متدينون وغير متدينين، فعبد الرحمن الكواكبي (1855-1902)، الذي لم يُعرّف نفسه بأنه ليبرالي، كتب في دحض الاستبداد مثلما يكتب أي ديمقراطي ليبرالي في عصره، وطه حسين (1889-1973) مثّل موقفًا أخلاقيًّا في دفاعه عن الحرية، بما فيها حرية التعبير والبحث العلمي، وكذلك
أحمد لطفي السيد (1872-1963) الذي عدَّ نفسه ليبراليًّا. هؤلاء شاركوا في السياسة في عصرهم، واحتل بعضهم مناصب رسمية في أنظمة ملكية غير ديمقراطية. لم تمنعهم ليبراليتهم من ذلك، فلم تكن المشاركة الشعبية همهم، بل نشر الثقافة المتنورة والعلم، وبناء الدولة الحديثة والدفاع عن الحريات.
لم تكمن مشكلة الليبرالية العربية ما قبل الحرب العالمية الثانية، في العصر الذي سماه ألبرت حوراني العصر الليبرالي في كتابه بهذا الاسم، في الموقف من الحريات، بل في نخبوية الليبراليين العرب في حينه، وبُعدهم عن قضايا الناس البسطاء اليومية، وفشلهم في التصدي لقضايا حارقة مثل المسألة الزراعية، والصهيونية وقضية فلسطين، وقضايا أخرى، ما سهل التحشيد ضدهم من جانب قوى راديكالية شعبوية. ومنذ هزيمة عام 1948 ونكبة الشعب الفلسطيني، وما تلاهما من انقلابات عسكرية، لم يُتَمكّن من تشكيل بديل سياسي منظم في مواجهة التيارات غير الديمقراطية وغير الليبرالية على الساحة العربية.
المراجع
العربية
رولز، جون.
محاضرات في تاريخ الفلسفة السياسية. تحرير صامويل فريمان. ترجمة يزن الحاج. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020.
ساندل، مايكل ج.
الليبرالية وحدود العدالة. ترجمة محمد هناد. مراجعة الزبير عروس وعبد الرحمن بوقاف. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009.
كيملشكا، ويل.
مدخل إلى الفلسفة السياسية المعاصرة. ترجمة منير الكشو. مراجعة صالح مصباح. تونس: المركز الوطني للترجمة، 2010.
لوك، جون.
بحثان في الحكم. ترجمة عبد الكريم ناصيف. الشارقة/ دمشق: دار الفرقد، 2022.
محمود، محمد عثمان.
العدالة الاجتماعية الدستورية في الفكر الليبرالي السياسي المعاصر: بحث في نموذج رولز. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014.
الأجنبية
Bentham, Jeremy.
An Introduction to the Principles of Morals and Legislation. New York: Dover Publications, 2007.
Berlin, Isaiah.
Four Essays on Liberty. Oxford: Oxford University Press, 1969.
Buchanan, Allen E. “Assessing the Communitarian Critique of Liberalism.”
Ethics. vol. 99, no. 4. The University of Chicago Press (July 1989). pp. 852-882.
Collini, Stefan, Donald Winch & John Burrow.
That Noble Science of Politics: A Study in Nineteenth-Century Intellectual History. Cambridge: Cambridge University Press, 1983.
Dworkin, Ronald. “Liberal Community.”
California Law Review. vol. 77, no. 3. Symposium: Law, Community, and Moral Reasoning (May 1989). pp. 479-504.
Esdaile, Charles J.
Spain in the Liberal Age: From Constitution to Civil War, 1808-1939. Oxford: Wiley-Blackwell, 1999.
Fawcett, Edmund.
Liberalism: the Life of an Idea. Princeton: Princeton University Press, 2014.
Freeden, Michael.
Liberalism: A Very Short Introduction. Oxford: Oxford University Press, 2015.
Friedman, Milton (with the Assistance of Rose D. Friedman).
Capitalism and Freedom. Chicago: University of Chicago Press, 1962.
“From John Adams to James Sullivan, 26 May 1776.”
Founders Online. National Archives. accessed on 10/7/2024. at:
https://acr.ps/1L9BPRo
Fukuyama, Francis. “The End of History?.”
The National Interest. no. 16 (Summer 1989).
Gaus, Gerald F. & Chandran Kukathas (eds.).
Handbook of Political Theory. London: Sage Publications, 2004.
Girvetz, Harry K.
Democracy And Elitism: Two Essays with Selected Readings. New York: Charles Scribner's Sons, 1967.
Hamburger, Joseph. “James Mill on Universal Suffrage and the Middle Class.”
The Journal of Politics. vol. 24, no. 1 (February 1962). pp. 167-190.
Hayek, Friedrich.
The Constitution of Liberty. Chicago: University of Chicago Press, 1960.
Hobhouse, Leonard.
Hobhouse: Liberalism and Other Writings. James Meadowcroft (ed.). Cambridge: Cambridge University Press, 1994.
Locke, John.
Locke: Two Treatises of Government. Peter Laslett (ed.). Cambridge: Cambridge University Press, 1988.
MacIntyre, Alasdair.
After Virtue: A Study in Moral Theory. 3rd ed. Notre Dame: Noter Dame University Press, 2008.
Mackintosh, James.
The Miscellaneous Works of the Right Honourable Sir James Mackintosh. London: Longman, Brown, Green and Longmans, 1854.
Mill, John Stuart.
The Collected Work of John Stuart Mill, vol. XVIII: Essays on Politics and Society. John M. Robson (ed.). London: Routledge & Kegan Paul, 1977.
Milton, John R. & Philip Milton (eds.).
John Locke: An Essay on Toleration, And Other Writings on Law and Politics, 1667-1683. Oxford: Oxford University Press, 2010.
Nozick, Robert.
Anarchy, State, and Utopia. New York: Basic Books, 1974.
Przeworski, Adam. “Self-enforcing Democracy.”
Department of Politics at the New York University. 28/6/2005. accessed on 10/7/2024. at:
https://acr.ps/1L9BPOs
Rawls, John. “Justice as Fairness: Political not Metaphysical.”
Philosophy & Public Affairs. vol. 14, no. 3 (Summer 1985). pp. 223-251.
Rawls, John. “The Idea of an Overlapping Consensus.”
Oxford Journal of Legal Studies. vol. 7, no. 1 (Spring 1987). pp. 1-25.
Rawls, John.
A Theory of Justice. Cambridge, Mass.: Harvard University Press 1971.
Ryan, Alan.
The Making of Modern Liberalism. Princeton and Oxford: Oxford University Press, 2012.
Sandel, Michael (ed.).
Liberalism and Its Critics. New York: New York University Press, 1984.
The Collected Works of John Stuart Mill. John M. Robson (ed.). vols. VII & VIII. Toronto: University of Toronto Press, 1963.
[1] يُميَّز بين الجماعتية، وهو المذهب السياسي الذي ينطلق من مركزية الجماعة في حياة الأفراد والدول، وبين الجماعاتية، وهو المصطلح المشتق من الجماعات، الذي يصور سلوك الجماعات وما يتعلق به. فمثلًا، يمكن أن يسيطر على الحكم في بلد ما المذهبُ الجماعتي الذي يؤمن بأولوية الجماعة على الفرد (وقد تكون الجماعة القومية ذاتها أو جماعات فرعية)، ولكن يمكن أن يكون نظام الحكم محاصصة جماعاتية من دون أن يسيطر حزب ذو مذهب جماعتي، أو أهلوي بتعبير آخر.
[2] للمزيد عن إسبانيا والليبرالية في تلك الحقبة التاريخية، يُنظر:
Charles J. Esdaile,
Spain in the Liberal Age: From Constitution to Civil War, 1808-1939 (Oxford: Wiley-Blackwell, 1999).
[3] جون لوك،
بحثان في الحكم، ترجمة عبد الكريم ناصيف (الشارقة/ دمشق: دار الفرقد، 2022)، ص 180-181. وفي النسخة الإنكليزية، يُنظر:
John Locke,
Locke: Two Treatises of Government, Peter Laslett (ed.) (Cambridge: Cambridge University Press, 1988), pp. 270-271.
[4] يخصص لوك الفصول الإحدى عشرة من البحث الأول، "في الحكم"، لدحض نظرية الأبوية، التي طرحها روبرت فيلمر (Robert Filmer، حوالي 1588-1653) في كتابه
البطريركية، أو القوة الطبيعية
للملوكPatriarcha, or the Natural Power of Kings (1680)، بداية من قصة آدم وحواء في سفر التكوين عبورًا بالوراثة إلى الملوك.
[5] John Stuart Mill, “On Liberty,” in:
The Collected Work of John Stuart Mill, vol. XVIII: Essays on Politics and Society, John M. Robson (ed.) (London: Routledge & Kegan Paul, 1977), p. 276.
[6] لوك، ص 194-196.
[7] ورد حول هذا الموضوع في محاضرات جون رولز الثلاثة عن فلسفة لوك السياسية، إذ يدافع عن كونه ليبراليًّا في فلسفته وانخراطه المباشر في المجال السياسي، في ذلك السياق التاريخي. يُنظر: جون رولز،
محاضرات في تاريخ الفلسفة السياسية، تحرير صامويل فريمان، ترجمة يزن الحاج (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص 157-164. وعن عدم التسليم بكونه فيلسوفًا ليبراليًّا، يُنظر:
Alan Ryan,
The Making of Modern Liberalism (Oxford: Oxford University Press, 2012), p. 233.
[8] John R. Milton & Philip Milton, “General Introduction,” in:
John Locke: An Essay on Toleration, And Other Writings on Law and Politics, 1667-1683, John R. Milton & Philip Milton (eds.) (Oxford: Oxford University Press, 2010), pp. 28-29, 40-41.
[9] Jeremy Bentham,
An Introduction to the Principles of Morals and Legislation (New York: Dover Publications, 2007), p. 3.
[10] John Stuart Mill, “A System of Logic: Ratiocinative and Inductive,” [1872], in: John M. Robson (ed.),
The Collected Works of John Stuart Mill, vols. VII & VIII (Toronto: University of Toronto Press, 1963), p. 879.
[11] Mill, “On Liberty,” p. 223.
[12] Ibid., p. 267.
[13] Ibid., p. 230.
[14] Ibid., pp. 260-275.
يُنظر أيضًا:
Michael Freeden,
Liberalism: A Very Short Introduction (Oxford: Oxford University Press, 2015), pp. 73-74.
[15] يُنظر:
Harry K. Girvetz,
Democracy And Elitism: Two Essays with Selected Readings (New York: Charles Scribner's Sons, 1967), p. 50.
[16] “From John Adams to James Sullivan, 26 May 1776,”
Founders Online, National Archives, accessed on 10/7/2024, at:
https://acr.ps/1L9BPRo
والمرجع الأصلي:
Robert J. Taylor (ed.),
The Adams Papers, Papers of John Adams, vol. 4: February-August 1776 (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1979), pp. 208-213.
[17] ترجمَتُه بالعربية إلى "نظام التفاهة" هي ترجمةٌ غير دقيقة.
[18] Edmund Fawcett,
Liberalism: the Life of an Idea (Princeton: Princeton University Press, 2014), p. 148.
[19] Ibid., p. 156.
[20] James Mackintosh, “On the Right of Parliamentary Suffrage,” in:
The Miscellaneous Works of the Right Honourable Sir James Mackintosh, vol. 3 (London: Longman, Brown, Green and Longmans, 1854), p. 214-218; Adam Przeworski, “Self-enforcing Democracy,”
Department of Politics at the New York University, 28/6/2005, p. 2, accessed on 10/7/2024, at:
https://acr.ps/1L9BPOs; Stefan Collini, Donald Winch & John Burrow,
That Noble Science of Politics: A Study in Nineteenth-Century Intellectual History (Cambridge: Cambridge University Press, 1983), p. 98.
[21] تتفاوت التفسيرات لمقالة جيمس مِلْ حول الحكومة، "An Essay on Government"، التي أكد فيها على حق الاقتراع، ولكنه بالغ في تقديره لدور الطبقة الوسطى، الكبيرة الحجم وفقًا لتعريفه الموسَّع لها، لناحية قدراتها وحنكتها وحكمتها، بما في ذلك قدرتها على تمثيل مصالح الأمة، والتأثير فكريًّا في الطبقات الأدنى، إلى درجة دفعت الكثير من المحللين إلى الاعتقاد أن المفكر الليبرالي، ابن المدرسة المنفعية، لم يدعُ إلى توسيع حق الاقتراع لكي يشمل الطبقات الدنيا، في مقابل آخرين اعتقدوا أن تحليله كله في المقالة لا يقود إلا إلى مثل هذه النتيجة، وإن صاغها بلغة غامضة تجنبًا للصراعات مع فئة المثقفين من أبناء الطبقات العليا التي كتب لها. يُنظر:
Joseph Hamburger, “James Mill on Universal Suffrage and the Middle Class,”
The Journal of Politics, vol. 24, no. 1 (February 1962), pp. 167-171.
[22] Ibid., p. 172.
[23] Ibid., p. 175.
[24] Freeden, p. 26.
[25] Fawcett, p. 151.
[26] Isaiah Berlin, “Two Concepts of Liberty,” in:
Four Essays on Liberty (Oxford: Oxford University Press, 1969), pp. 118-172.
[27] James Meadowcroft, “Introduction,” in: James Meadowcroft (ed.),
Hobhouse: Liberalism and Other Writings (Cambridge: Cambridge University Press, 1994), p. xv.
[28] Ibid.
[29] Leonard Hobhouse, “The Growth of the State,” [originally as a chapter in his
Social Evolution and Political Theory in 1911], in: James Meadowcroft (ed.),
Hobhouse: Liberalism and Other Writings (Cambridge: Cambridge University Press, 1994), p. 22.
[30] Meadowcroft, “Introduction,” p. xv.
[31] Gerald F. Gaus, “The Diversity of Comprehensive Liberalisms,” in: Gerald F. Gaus & Chandran Kukathas (eds.),
Handbook of Political Theory (London: Sage Publications, 2004), p. 101.
[32] Freeden, pp. 47-48.
[33] مايكل ج. ساندل،
الليبرالية وحدود العدالة، ترجمة محمد هناد، مراجعة الزبير عروس وعبد الرحمن بوقاف (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص 35-36.
[34] للاطلاع على مصدر باللغة العربية عن فكر جون رولز، يُنظر: محمد عثمان محمود،
العدالة الاجتماعية الدستورية في الفكر الليبرالي السياسي المعاصر: بحث في نموذج رولز (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014).
[35] ويل كيملشكا،
مدخل إلى الفلسفة السياسية المعاصرة، ترجمة منير الكشو، مراجعة صالح مصباح (تونس: المركز الوطني للترجمة، 2010)، ص 93.
[36] المرجع نفسه، ص 95.
[37] المرجع نفسه، ص 96-97.
[38] John Rawls,
A Theory of Justice (Cambridge, MA: Harvard University Press 1971), p. 302.
[39] John Rawls, “Justice as Fairness: Political not Metaphysical,”
Philosophy & Public Affairs, vol. 14, no. 3 (Summer 1985), p. 225.
[40] Ibid.
[41] John Rawls, “The Idea of an Overlapping Consensus,”
Oxford Journal of Legal Studies, vol. 7, no. 1 (Spring 1987), p. 18.
[42] Allen E. Buchanan, “Assessing the Communitarian Critique of Liberalism,”
Ethics, vol. 99, no. 4, The University of Chicago Press (July 1989), p. 856.
[43] Alasdair MacIntyre,
After Virtue: A Study in Moral Theory, 3rd ed. (Notre Dame: Noter Dame University Press, 2008), pp. 250-255.
[44] Buchanan, pp. 852-853.
[45] Ronald Dworkin, “Liberal Community,”
California Law Review, vol. 77, no. 3, Symposium: Law, Community, and Moral Reasoning (May 1989), p. 484.
[46] Ibid., p. 486.
[47] Ibid., pp. 496-497.
[48] Ibid., p. 499.
[49] Buchanan, p. 854.
[50] ساندل، ص 332. يُنظر أيضًا:
Robert Nozick,
Anarchy, State, and Utopia (New York: Basic Books, 1974); Milton Friedman (with the Assistance of Rose D. Friedman),
Capitalism and Freedom (Chicago: University of Chicago Press, 1962); Friedrich Hayek,
The Constitution of Liberty (Chicago: University of Chicago Press, 1960).
[51] Michael Sandel, “Introduction,” in:
Liberalism and Its Critics, Michael Sandel (ed.) (New York: New York University Press, 1984), p. 7.
[52] Buchanan, p. 858.
[53] Mill, “On Liberty,” pp. 226-227.
[54] Buchanan, p. 866.
[55] Francis Fukuyama, “The End of History?,”
The National Interest, no. 16 (Summer 1989), p. 9.