الزجل نوعٌ من النظم العامّيّ، على مثال
الموشحات، يُنظم مخصوصًا للغناء، فلا يُلتذّ به أو تُفهم مقاطع أوزانه، ولزوم قوافيه، حتى يُغنّى به ويصوّت، فيزول اللبس بذلك[1]. والفارق بينه وبين الموشح أنه ملحون عاميّ، فقيل: لحنُ الزجلِ إعرابُهُ، إذ يقول ابن قزمان (ت. 555هـ/ 1160م): "وقد جرّدتُهُ من الإعراب كما يجرّد السيف من القراب"[2]. والزجل سيّد الشعر العاميّ. وقال ابن حجّة الحموي: "كما أن اللفظ المشرقي لا يجوز في الزجل، فاللفظ المغربي لا يجوز في المواليا"[3]. فاللحن هو الأساس، ويأتي الفصيح تملّحًا وتوشية وسط اللفظ الملحون[4]. وجاءت تسميته من رفع الصوت بالتطريب[5].
والزجل أحد الفنون الشعرية السبعة، وهي: الموشّح، والزجل، والدُّوبِيت، والقُوْما، والسِّلْسِلَة، وكان وكان، والمَوَالِيا.
وينقسم الزجل إلى خمسة أنواع، تختلف في موضوعاتها، لا في أوزانها، وهي: غزل وزهر وخمر (زجل)، هزل وخلاعة وإحماض (بُلَّيْق، وجمعها بَلالِيْق)، هجاء ونُكت (قُرْقيّ أو حَماق، واشتهر في بيئة الأندلس)، حكم ومواعظ (مُكَفِّر)، مَلحون ومعرَب معًا مما سبق من الأنواع الأربعة (مُزَنَّم أو مُزَبْلَج)[6]. وقد استمرّ الزجل حاضرًا عبر عصور الأدب، منذ عصر نشأته حتى العصر الحديث، وله في كلّ عصر، وفي كلّ بلد عربيّ أعلام وروّاد.
أوّليّته
يذكر أنّ أوّل زجال هو راشد، أو ابن راشد، وأشهر زجال هو ابن قزمان القرطبيّ، وهو شيخ الصناعة الذي جوّد الأزجال، وعاصره محلف الأسود، وجاء بعده أبو عبد الله أحمد بن الحاج المعروف بمَدْغَلِّيْس {{مَدْغَلِّيْس: هو أحمد بن الحاج ولقبه مدغليس، زجال من أهل المرية في الأندلس، كان سيد أهل الزجل في عصره، وأبرع الزجالين بعد ابن قزمان، وعرف بعنايته بلغة أزجاله.}}، وبعدهم ابن جحدر، ثم أبو الحسن سهل بن مالك، ثم ابن الخطيب، والألوسي. وفي عصر المماليك خلف الغباري، وبدر الدين الفرضي، وأحمد الدرويشي وأحمد الأمشاطي الشامي (ت. 725هـ/ 1324م)[7]. وقد نسب ابنُ قزمان أوليةَ الزجل إلى
أخطل بن نمارة {{أخطل بن نمارة: زجّال أندلسيّ مجيد، وهو أول من وضع للزجل قاعدة الالتزام بالعامية، والبعد عن التفاصح، والإعراب.}}، وربّما لمخلف بن راشد، أو ابن غزلة في المغرب، أو مدغليس[8].
ونشأ في المغرب امتداد للزجل اسمه الأصمعيات، وفي المشرق نشأ الشعر البدوي[9]. أمّا أرق أنواع الزجل فهو البليق، وهو أظرف فنون الشعر الشعبي قاطبة، وهو ابتكار مصريّ، ومن أشهر شعراء مصر في القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي الذين طرقوا هذه الأنواع ابن دقيق العيد، وابن الفارض[10]. ومن أسماء الزجل النبطيُّ، والزهيريّ، والمعنّى[11].
والخلاف في نشأة الزجل كبير، فبعضهم يشير إلى ريادة ابن قزمان، وبعضهم يذكر ابن راشد قبله، وبعضهم يعيد الأزجال إلى أقوام سكنت شبه الجزيرة الأيبيرية قبل العرب[12]. وأولُ ما جُوّدت الأزجال على يد ابن قزمان، ثم اشتهر في الجيل اللاحق مدغلّيس، وهو من أهم رواد الزجل، ثم
أبو الحسن الششتري {{أبو الحسن الششتريّ: (610-668هـ/ 1213-1269م) زاهد، وزجال أندلسي مُجيد، كان وزيرًا، ثم تصوّف، فعرف بزهده، وتوفي في مصر.}} المتصوف[13]. واشتهر كذلك علاء الدين علي بن مقاتل الحموي (ت. 761هـ/ 1359م)، وهو أكبر الزجّالين في عصره، والشيخ المتصوّف ابن عربي، والأمشاطيّ المذكور آنفًا[14].
قواعده وأصوله
للزجل أصول وقواعد يلتزمها شعراؤه، وأول من قعّد له أخطل بن نمارة[15]. ومن السمات اللغويّة والأسلوبية المعروفة له أنه لا يجوز فيه ما يأتي من مظاهر الفصيحة: فتح كاف الخطاب، واستعمال السين، وسوف، وكاف التشبيه، وإذا، وثم، وهمزة القطع، والتشديد في غير تصغير، والتنوين، وإثبات نون الجمع، وتضمين آيات القرآن، واستعمال الضاد والظاء قافية معًا، والدال والذال، وإظهار حرف النداء، والمضاف، والوقوع في إعراب العامّيّ ويطلق عليه "التزنيم"، وهو اسم للزجل المعْرب، والموشّح الملحون[16]. ومن أسماء الزجل "المعنى" في الشام، و"العتابا" في العراق، وكذلك "الزهيري". وقد أدار الأبشيهي فصلًا خاصًّا في "المستطرف" حول فن الزجل[17].
استعمل الزجّالون بحور الخليل، وابتكروا بحورًا أخرى. وأشهر أوزانه ما كان مثل: "أصبحت مصر نزهة للناظرين"، أو "على داري"، أو "في الهند مكتوبُ"، وتأتي العتابا من الوافر، والزهيري من البسيط[18]. وقد اخترع الشيخ أحمد الدرويش البرلّسيّ موازين زجلية على صورة أربع وعشرين عبارة زجلية سماها "السَّنْج" أو "الصّنْج"، ثمانٍ منها على وزن بحور عروضية، وست عشرة للإيقاعات الزجلية. وربّما سبقه إلى مثل ذلك البنوانيّ[19].
ويعتمد الزجل العربيّ إلى حدّ كبير على قواعد الخليل، مع بعض التعديلات التي تحتّمها العامّيّة، كزيادة مقطع على كل شطر، بما يناسب تسكين أواخر الكلمات والتخلّص من إعرابها[20].
ومن أمثلة أشهر أوزانه، وهو "مستفعلن فعلن فعلن" مكرّرة 4 مرات لكل دور، وربّما قالوا "فعلان" بدل "فعلن" الأخيرة، قول الزجال[21]:
من الكرك جانا الناصر | وجَبْ معه أسدِ الغابهْ |
وركبتك يا شيخ حَنْطش | ما كانت لا كدّابهْ |
مكوّناته
يتألف الزجل كالموشح من بيت أو أكثر، إلى ثلاثة أبيات، تسمّى "المركز" وتأتي بعدها المقطوعات من خمسة إلى ثمانية أبيات من الأغصان، وهي ذات قافية أو قواف مستقلة، وتنتهي ببيت من الشعر يقال له "السمط"، توافق قافيته قافية المركز[22].
وأكثر الزجّالون منه في أغراض النقد الاجتماعيّ، والسياسيّ، والاقتصاديّ، والرثاء، والمديح الديني[23]:
باسم الطاهره مريمْ | يحلو لي المديحْ |
وليس يوجدْ اسمَ اعظمْ | كاسمِ ابنها المسيحْ |
لهذا كلْ متكلِّمْ | يكْرزْ فيها ويْصيحْ |
دائمْ شرفْها لجيلْ وجيلْ | هيَّ فريدَه بلا مثيلْ |
لها الكرامه والتبجيلْ | والشكر والتسبيح |
ومن الزجل قول المنيّر[24]:
أعدّ بيوتْ مع قصدانْ | وأخبركم بما قد كان | طول الليالي وانا قلقانْ |
| | واصبح جلدي كالجربانْ | |
جا البرغوث وانا نايم | وصار على صدري حايم | وقال لي من شهرين صايمْ |
| | في حسابي خلص رمضانْ | |
قال لي ما هو عا كيفكْ | وهلّليْ لي أنا ضيفكْ | عيبْ عليك يا حيفكْ |
| | أكون عندك وابات جيعانْ... | |
ومنه قول ابن قزمان[25]:
وعريشْ قام على دكانْ | بحالِ رُواقْ |
وأسدْ ابتلعْ ثعبانْ | في غُلظِ ساقْ |
وفتحْ فمُّو بحالْ إنسانْ | فيهِ الفواقْ |
وانطلقْ يجري على الصُّفاحْ | ولقي الصباحْ |
ومن مشاهير الزجالين شهاب الدين أحمد بن عثمان الأمشاطيّ قيّم عصره في الأزجال، وهو القائل[26]:
لك خد ما آحْ | قد جاز مُلَحْ |
روضو اصطبحْ | فيه واغتبقْ |
خال من سبجْ | أسبى المهج |
زهرو خرجْ | واظهر فرجْ |
ومن زجل ابن قزمان[27]:
لا نسيتِ إذْ زارني جِنّيْ وانجلى همّي وزال كربي قلتُ لهْ وقتًا أخذ قلبي
قال متى تجينِ، قل غدًا وغدًا للناظرينَ قريبْ
ومن البلاليق، التي تتسم بالموضوعات الخفيفة السائرة الفكاهية والساخرة قول الزجّال[28]:
سُلطاننا رُكينْ | | ونائبو دُقينْ |
| | يجنا الماء منينْ | |
هاتولنا الأعرجُ | | يجي الماء يدّحرج |
وقال ابن مولاهم من البُلّيق أيضًا[29]:
من قال إني جندي خلَقْ | فقدْ صدقْ |
عندي قبا من عهد نوحْ | على الفتوحْ |
لو صادْفتُو شمس السطوحْ | كان احترقْ |
استمراره عبر عصور الأدب العربيّ
استمرّ الزجل حاضرًا عبر عصور الأدب العربيّ المشرقيّ، ففي القرن الثالث عشر الميلادي برز، كما مرّ سابقًا، شهاب الدين أحمد بن عثمان الأمشاطيّ، وابن مقاتل الحموي، وفي نهاية القرن الخامس عشر وبداية السادس عشر لمع من الزجالين ابن القلاعي (ت. 1516)، وفي القرن السادس عشر لمع عيسى الهزاز، وفي بدايات السابع عشر برز ميخائيل حاتم، وفي القرن الثامن عشر عبد الله قراعلي صاحب الأفراميات والمدائح الزجلية، وكذلك المطران يواصاف البسكنتاوي، والقسّ حنانيا المنيّر صاحب زجليّة "البرغوث" المذكور آنفًا[30].
واستمرّ الزجل في العصر الحديث، فكان من أعلام الزجالين عبد الله نديم (ت. 1896)، ومحمد عثمان جلال (ت. 1898)، والشيخ القوصيّ (ت. 1877)، والشيخ محمد النجار، وإمام العبد (ت. 1911)، وخليل نظير (ت. 1920)، وبيرم التونسي (ت. 1961) من مصر[31]، ويوسف الحسون، وأبو سيف الصرواتي، وأبو بسام الجلماوي، وعبد اللطيف العجاوي من فلسطين، وأسعد الخوري الفغالي، وزغلول الدامور، وموسى زغيب، وخليل روكز من لبنان، وفي كلّ قطر عربيّ زجّالون ذوو شهرة.
المراجع
الأبشيهي، شهاب الدين.
المستطرف في كل فن مستظرف. القاهرة: مطبعة مصطفى البابي الحلبي، 1952.
باشا، عمر موسى.
الأدب في بلاد الشام عصور الزنكيين والأيوبيين والمماليك. ط 2. دمشق: المكتبة العباسية، 1972.
التونجي، محمد.
الاتجاهات الشعرية في بلاد الشام في العهد العثماني. دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 1993.
حسين، علي صافي.
الأدب الصوفي في مصر في القرن السابع. القاهرة: دار المعارف، 1964.
الحلو، سليم.
الموشحات الأندلسية: نشأتها وتطوّرها. بيروت: دار مكتبة الحياة، 1965.
الحمصي، نعيم.
نحو فهم جديد منصف لأدب الدول المتتابعة وتاريخه. اللاذقية: منشورات جامعة تشرين، 1989.
ابن حجّة الحموي، تقي الدين أبو بكر.
بلوغ الأمل في فن الزجل. تحقيق رضا محسن القريشي. دمشق: منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1974.
خفاجي، محمد عبد المنعم.
البناء الفني للقصيدة العربية. القاهرة: مكتبة القاهرة، 1900.
خلوصي، صفاء.
فن التقطيع الشعري والقافية. ط 5. بغداد: مكتبة المثنى، 1977.
سلام، محمد زغلول.
الأدب في العصر المملوكي. مصر: دار المعارف، 1971.
الشيبي، كامل مصطفى.
ديوان الكان وكان. بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1987.
ضيف، شوقي.
عصر الدول والإمارات: الأندلس. القاهرة: دار المعارف، [د. ت.].
الظفاري، جعفر.
الشعر الحميني في اليمن. صنعاء: مركز عبادي للدراسات والنشر، 2014.
عانوتي، أسامة.
الحركة الأدبية في بلاد الشام خلال القرن الثامن عشر. بيروت: منشورات الجامعة اللبنانية، 1971.
العزب، يسري.
أزجال بيرم التونسي: دراسة فنية. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1981.
الكريم، مصطفى عوض.
الموشحات والأزجال. مصر: دار المعارف، 1965.
الهاشمي، السيد أحمد.
ميزان الذهب في صناعة شعر العرب. ط 14. القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى، 1963.
[1] كامل مصطفى الشيبي،
ديوان الكان وكان (بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1987)، ص 12.
[2] تقي الدين أبو بكر بن حجّة الحموي،
بلوغ الأمل في فن الزجل، تحقيق رضا محسن القريشي (دمشق: منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1974)، ص 54.
[3] المرجع نفسه، ص 53؛ محمد التونجي، الاتجاهات الشعرية في بلاد الشام في العهد العثماني (دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 1993)، ص 491.
[4] محمد زغلول سلام،
الأدب في العصر المملوكي، ج 1 (مصر: دار المعارف، 1971)، ص 306، 309.
[5] يُنظر: أسامة عانوتي،
الحركة الأدبية في بلاد الشام خلال القرن الثامن عشر (بيروت: منشورات الجامعة اللبنانية، 1971)، ص 81.
[6] يُنظر: سلام؛ عمر موسى باشا،
الأدب في بلاد الشام عصور الزنكيين والأيوبيين والمماليك، ط 2 (دمشق: المكتبة العباسية، 1972)، ص 12، 313، 566.
[7] محمد عبد المنعم خفاجي،
البناء الفني للقصيدة العربية (القاهرة: مكتبة القاهرة، 1900)، ص 139-143.
[8] نعيم الحمصي،
نحو فهم جديد منصف لأدب الدول المتتابعة وتاريخه، ج 1 (اللاذقية: منشورات جامعة تشرين، 1989)، ص 345.
[9] خفاجي، ص 143.
[10] علي صافي حسين،
الأدب الصوفي في مصر في القرن السابع (القاهرة: دار المعارف، 1964)، ص 177.
[11] أمين نخلة،
معنّى رشيد نخلة (صيدا: المكتبة العصرية، 1945)، ويُنظر: جعفر الظفاري،
الشعر الحميني في اليمن (صنعاء: مركز عبادي للدراسات والنشر، 2014)، ص 66.
[12] مصطفى عوض الكريم،
الموشحات والأزجال (مصر: دار المعارف، 1965)، ص 50.
[13] شوقي ضيف،
عصر الدول والإمارات: الأندلس (القاهرة: دار المعارف، [د. ت.])، ص 165–167.
[14] باشا، ص 567.
[15] ضيف، ص 165.
[16] التونجي، ص 492.
[17] شهاب الدين الأبشيهي،
المستطرف في كل فن مستظرف، مج 2 (القاهرة: مطبعة مصطفى البابي الحلبي، 1952)، ص 278–283.
[18] صفاء خلوصي،
فن التقطيع الشعري والقافية، ط 5 (بغداد: مكتبة المثنى، 1977)، ص 341-342.
[19] الشيبي، ص 297.
[20] يُنظر: يسري العزب،
أزجال بيرم التونسي: دراسة فنية (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1981)، ص 105.
[21] التونجي، ص 493.
[22] سليم الحلو،
الموشحات الأندلسية: نشأتها وتطوّرها (بيروت: دار مكتبة الحياة، 1965)، ص 76.
[23] التونجي، ص 491–494.
[24] عانوتي، ص 86.
[25] السيد أحمد الهاشمي،
ميزان الذهب في صناعة شعر العرب، ط 14 (القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى، 1963)، ص 132.
[26] باشا، ص 566.
[27] ضيف، ص 170.
[28] سلام، ص 316. ورُكين تصغير ركن، ودُقين تصغير ذقن.
[29] سلام، ص 316.
[30] عانوتي، ص 82-85.
[31] العزب، ص 22.