تسجيل الدخول

الزعامة في الدولة العثمانية

​

الموجز

الزعامة (بالتركية: زعامت، Zeâmet)، مصطلح مالي وإداري عثماني، يُشير إلى الفئة الوسطى في نظام الديرليك {{الديرليك: (Dirlik) مصطلح عثماني يعني لغةً وسيلةَ العيش القائمة على الأرض الزراعية، ويُستخدم اصطلاحًا للدلالة على الإقطاع العسكري.}}، التي تقع تراتبيًا بين فئتي التيمار (Timar) والخاص (Has)، ويتراوح إيرادها السنوي بين 20,000 و99,999 آقجة (Akçe)، وتمنح صاحبها، المُلقب بـ"الزعيم" (Zaîm)، حقّ إدارة الأرض وجباية رسومها، مقابل التزامه بتجهيز قوة عسكرية من الفرسان تتناسب طرديًا مع حجم إيراده السنوي.

تبلورت ملامح هذا النظام مؤسسيًا منذ عام 855هـ/ 1451م، وهو العام الذي تولى فيه السلطان محمد الفاتح (محمد الثاني) الحكم للمرة الثانية (855-886هـ/ 1451-1481م) وبداية التنظيم المؤسسي الفعلي للدولة العثمانية، بوصفه امتيازًا مخصصًا لكبار ضباط السباهية {{السباهية: (Sipahi) سلاح الفرسان العثماني الذي يُشكل الركيزة الأساسية للجيش الإنكشاري.}} والبيروقراطيين.

شهد هذا النظام منذ أواخر القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي تحولات بنيوية، منها انتقال منح الزعامات إلى المنتسبين إلى رجال الدولة في العاصمة، وانتشار نظام الالتزام، وتراجع دور الفرسان أمام المشاة المسلحين بالأسلحة النارية، وانخفاض قيمة الآقجة، إلى أن أُلغي رسميًا في مرحلة التنظيمات الخيرية {{التنظيمات الخيرية: حركة إصلاحية رسمية أُطلقت عام 1839 لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة العثمانية إداريًا وقانونيًا، استهدفت مواءمة الأنظمة العثمانية مع الأنماط الغربية السائدة.}} عام 1839، مع استمرار صرف "بدل الزعامة" لبعض أصحاب الحقوق وورثتهم حتى أواخر عهد الدولة العثمانية.

الدلالة الاصطلاحية والتطور التاريخي

تُعدّ مفردة "زعامة" مصطلحًا ماليًا وإداريًا عثمانيًا ذا أصل عربي، تنطوي دلالاته اللغوية على معاني "السيادة" و"الكفالة"[1]. وقد استندت الإدارة العثمانية إلى معنى "الكفالة" تحديدًا للإشارة إلى منحة من الأراضي الزراعية تُخوّل صاحبها، المُلقب بـ"الزعيم"، حقَّ ممارسة سلطة الحماية والإدارة في الأراضي الخاضعة لسيطرته، ما يمنحه صفة السيادة المحلية[2]. أما في الاصطلاح العثماني، فقد استقر هذا المفهوم للدلالة على فئة محددة من "الديرليك" يتراوح عائده السنوي ما بين 20,000 و99,999 آقجة (Akçe)[3].

وقد حددت مدونات قانون نامه {{قانون نامه: (Kanunnâme) المدونات القانونية والسلطانية الصادرة عن السلاطين العثمانيين لتنظيم شؤون الدولة الإدارية والمالية والجنائية.}} نصابًا ماليًا دقيقًا لهذا الإقطاع، إذ تبدأ عتبته الدنيا من 20,000 آقجة -وهو الحد الذي ينتهي عنده تصنيف "التيمار"- وصولًا إلى سقف أعلاه 99,999 آقجة. أما ما بلغ عائده 100,000 آقجة فما فوق، فيندرج ضمن تصنيف "الخاص"[4].

شملت دلالة هذا المصطلح -إضافة إلى الشق المالي- الشقَيْن الإداري والعسكري أيضًا، إذ بات يُطلق على الحيز الجغرافي الذي ينتشر فيه فرسان "السباهية" الخاضعون لإمرة "الزعيم"، وهو ما يتجسد في نموذج زعامة "كورتون" (Kürtün) التابعة لولاية طرابزون شمال الأناضول[5].

تشكّل مفهوم "الزعامة" -بوصفها أضخم الحيازات الإقطاعية الممنوحة لفرسان السباهية- تدريجيًا عبر سيرورة تاريخية؛ ففي مرحلة الفتوحات المبكرة، وتحديدًا إبان عهد السلطان مراد الثاني (حكم بين عامَي 824هـ/ 1421م و848هـ/ 1444م، وبين عامَي 850هـ/ 1446م و855هـ/ 1451م)، كان تصنيف الأراضي ينحصر في فئتين رئيستين، هما: "التيمار" و"الخاص"، في حين غابت في تلك الحقبة أي فئة مستقلة تُدعى "الزعامة" عن الدفاتر الرسمية، على الرغم من تداول لقب "الزعيم" في وصف بعض الأفراد، إذ كان لقبًا يُستعمل في العرف الإداري العسكري المبكر بوصفه مرادفًا لوظيفة الصوباشي (Subaşı) أو القائد العسكري للفرسان (Askerî reis)، من دون دلالة على مرتبة مالية مقننة، مع وجود إقطاعات تقع قيمة إيراداتها فعليًّا ضمن نصاب الزعامة[6]. ثم أخذ هذا المصطلح يظهر في السجلات الرسمية، ولا سيما دفاتر التحرير {{دفاتر التحرير: (Tahrir defterleri) السجلات الرسمية العثمانية التي تُقيد فيها مساحات الأراضي وسكانها والضرائب المفروضة عليها لتقدير أنواع الإقطاعات.}} و"دفاتر الروزنامجة" (Rûznâmçe)، بدءًا من حقبة السلطانين محمد الفاتح وبايزيد الثاني (حكم بين عامَي 886هـ/ 1481م و918هـ/ 1512م)[7].

النظام المؤسسي: الهيكلية والالتزامات والحقوق

كانت حيازة الزعامة تُمنح بموجب "براءة سلطانية" (Berat)، تستند في إصدارها إلى وثيقة تعيين أولية تُعرف بـ"رؤوس الزعامة" (Zeâmet Rüusu)[8]. وقد تنوعت الفئات المستفيدة من هذا الإقطاع، فكان يُمنح لفرسان السباهية بمخصص أساسي يُعرف بـ"حق السيف" (Kılıç hakkı)، كذلك اختُصت به نخبةٌ من بيروقراطيي الديوان الهُمايوني {{الديوان الهُمايوني: (Dîvân-ı Hümayun) أهم هيئة لصنع القرار في الإدارة العثمانية منذ منتصف القرن الخامس عشر وحتى النصف الأول من القرن السابع عشر.}}[9]. أما آلية الاستحقاق، فكانت تجري عبر مسارين: أحدهما "الترقي بالتدريج" لأصحاب التيمار؛ والآخر المنح المباشر أو ما يُعرف بـ"دفعة واحدة" (Defaten)، وذلك تقديرًا للخدمات الاستثنائية[10]. ومن أبرز الأمثلة على الفئة الإدارية الحائزة للزعامة: جاويشية الديوان (Divan çavuşları)، ورجال المتفرقة {{المتفرقة: (Müteferrika) فئة من موظفي القصر السلطاني يُنتقون بعناية من أبناء النبلاء والأعيان، ويكلفون بتأدية مهمات إدارية وعسكرية وتشريفية متنوعة تحت الخدمة المباشرة للسلطان والوزراء.}}، وكتّاب الدوائر الرسمية[11].

ويُرجع المؤرّخ التركي خليل إينالجيك الأساس القانوني لهذا النظام إلى مدونات "قانون نامه" في أواخر القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي، فيُبين أنه استند كليًا إلى قاعدة أن ملكية رقبة الأرض والولاية الشرعية على الرعية تعودان إلى السلطان حصرًا، ما حال دون نشوء أي سلطة إقطاعية مستقلة في الولايات خارج التفويض السلطاني المباشر[12]. وضمن هذا الإطار، استوعبت الدولة النبلاء والمقاتلين المحليين في البلقان، وثبّتت مواقعهم بوصفهم فرسانًا سباهية بعد تجريدهم من امتيازاتهم السابقة. وقد ألزم القانون الرعية بالعمل مدة ثلاثة أيام فحسب في السنة لصالح السباهي، وذلك حماية للفلاحين من الاستغلال[13].

أما على الصعيد الهيكلي، فيتألف القوام المالي للزعامة من ركنين أساسيين: الأول النواة الثابتة البالغة 20,000 آقجة، وتُعرف اصطلاحًا بـ"حق السيف" أو "زعامة السيف" (Kılıç Zeâmet)، وهو الحد الأدنى لصحة التعيين؛ والآخر ما يطرأ على هذا النصاب من زيادات، ويُصطلح على تسميته بـ"الحصة" (Hisse). وفي إطار التمايز التراتبي بين هذه الإقطاعات، يكتسب الإقطاع صفة "الزعامة الثقيلة" (Ağır Zeâmet) في حال تجاوز إيراده السنوي عتبة الـ50,000 آقجة[14].

وتنعكس هذه الملاءة المالية بصورة مباشرة على الالتزامات العسكرية الملقاة على عاتق "الزعيم"، إذ تمحورت وظيفته حول الجاهزية القتالية التامة، وكان لزامًا على "الزعيم" -بموجب القانون- إعداد فارس كامل العدة والعتاد يُعرف باسم الجبه لو {{الجبه لو: (Cebelü) الخيّال أو الفارس كامل العدة والعتاد والدروع، الذي يتعهد صاحب الإقطاع بتجهيزه من ماله الخاص للقتال.}}، وذلك عن كل 5 آلاف آقجة تفيض عن الـ5 آلاف الأولى من إيراده، باعتبار أن المبلغ الأخير مخصص لمعيشته الشخصية[15].

أما على الصعيد الميداني، فيتولى الزعيم قيادة فرسان السباهية في الأراضي الخاضعة لسيطرته، وقد يرتقي ليحمل رتبة آلاي بكي {{آلاي بكي: (Alay beyi) رتبة عسكرية عثمانية تعني قائد اللواء أو مفرزة الفرسان السباهية في السنجق.}} منضويًا تحت راية بك السنجق {{السنجق: (Sancak) مصطلح إداري وعسكري عثماني، يعني لغةً "الراية" أو "اللواء". تطورت دلالته من رمزيته العسكرية السابقة على العثمانيين ليصبح وحدة إدارية رئيسة.}} في أثناء الحملات السلطانية[16].

وبالتوازي مع ذلك، تمتعت بعض الزعامات -ولا سيما تلك المخصصة لكبار البيروقراطيين من كُتّاب الديوان (Hâcegân)- بوضع المناطق الحرة (Serbest)، الأمر الذي منح أصحابها استقلالية في جباية الرسوم العرفية (Rüsum-ı örfiye) والشرعية (Rüsum-ı şer'iyye)، فضلًا عن ممارسة سلطة الضبط القضائي، بما في ذلك حفظ الأمن وإلقاء القبض على المجرمين، داخل حدود إقطاعهم بمنأى عن تدخل "الصوباشية" في شؤونهم[17].

وفيما يتعلق بمآلات هذه الإقطاعات عند الشغور أو الانحلال (Mahlûl)، أقر القانون تمييزًا بين نوعين: الأول "الزعامة" الأصلية المثبتة بتذكرة، والمصطلح على تسميتها بـ"الزعامة ذات التذكرة" (Tezkireli Zeâmet)، وهي المسجلة في "دفتر الإجمال" (İcmal Defteri)، إذ هي وحدة إدارية لا تقبل التجزئة، وتُمنح كاملة لزعيم جديد، ولا يجوز تجزئتها عند الشغور؛ أما النوع الآخر، فهو ما اكتسب صفة "الزعامة" نتيجة تراكم "ترقيات" (Terakki) على أصل تيماري، ففي هذه الحالة تسقط الإضافات ليعود الأصل إلى تصنيفه الأولي بوصفه تيمارًا[18].

أما على صعيد الانتقال الوراثي (İntikal)، فقد سُمح بانتقال جزء من الزعامة إلى الابن المؤهل للخدمة الحربية، مع تباين في مقدار الحصة الممنوحة بناءً على سبب الشغور، إذ ترتفع حصة الابن إذا كان الأب "مقتولًا" (Maktul) في ساحة الحرب، أي شهيدًا، مقارنة بموته ميتة طبيعية (Mevte)[19]. وفي المقابل، نصت القوانين على سحب الزعامة وعزل صاحبها في حال تخلّفه عن الالتحاق بالحملات العسكرية من دون إبدائه عذرًا شرعيًا[20].

التحولات البنيوية والمآلات

أفضت إلى سقوط نظام الزعامة تدريجيًا عدة تحولات بنيوية، فمنذ أواخر القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، آلت الزعامة الشاغرة إلى وزراء المركز وكبار رجال الدولة، فوزعوها على أتباعهم عوضًا عن الفرسان المحاربين الذين وُجد النظام في الأصل لخدمتهم، وبذلك تحولت الزعامة من ركيزة عسكرية إلى أداة لتعزيز النفوذ البيروقراطي[21].

ويُرجع المؤرخ التركي إبراهيم متين كونت الجذور المؤسسية لهذا التحول إلى تغير طرأ على بنية الإدارة الإقليمية العثمانية بين عامَي 957هـ/ 1550م و1060هـ/ 1650م، تمثّل في إحداث تبدل في هيكلية وظائف النخبة الحاكمة، أو ما يُصطلح عليه بـ"مرتبة الأمراء" (The Umerā Status)[22]، ففي حين اتسم العصر الكلاسيكي في منتصف القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي بمسار مهني يعتمد على الترقي الميداني المتدرج لأمراء الأقاليم -بدءًا من انخراطهم بوصفهم فرسانًا سباهيين، مرورًا بحيازتهم الزعامات وتوليهم وظيفة "الصوباشي"، ووصولًا إلى بلوغهم منصب "بك السنجق"[23]- شهدت هذه البنية التنظيمية تفككًا بحلول القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي، إذ تداخلت مسارات التعيين، واستأثر حاشيةُ القصر والمسؤولون في المركز بحيازة الرتب العليا في الولايات[24].

وقد أظهرت البيانات الإحصائية المقارنة التي أعدها كونت انخفاضًا في نسبة شاغلي منصب "بك السنجق" من ذوي الخلفية العسكرية الإقليمية، فبعد أن كان قطاع الإدارة في الولايات يرفد الدولة بقرابة ثلثي الحكام الإقليميين (67.8 في المئة) في الربع الأخير من القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، انخفضت هذه النسبة إلى الربع (25.4 في المئة) بحلول أواسط القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي، في حين صار ما يقارب ثلاثة أرباع المُعيَّنين الجدد في منصب "بك السنجق" (نحو 74.6 في المئة) يأتون من خارج سلك الإدارة الإقليمية، بما في ذلك رجال الحاشية والمركز، وفي عدادهم غلمان الأندرون {{أندرون: (Enderun) المؤسسة التعليمية داخل القصر العثماني التي أُنشئت لتدريب الكوادر الإدارية والعسكرية العليا وتأهيلها.}} الذين ارتقوا مباشرة إلى المناصب الإقليمية العليا من دون خبرة سابقة في إدارة الولايات[25].

واكب هذا التغير في مسارات الترقية تبدّل في شروط الخدمة، إذ انخفضت مدد بقاء الحكام في مناصبهم، فبحلول أواسط القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي، بلغت نسبة حكام السناجق المعزولين أو المنقولين في غضون عام أو عامين على الأكثر نحو 89 في المئة[26]، وأدى ذلك إلى إطالة فترات بقاء الحكام خارج الخدمة -وهي الحالة المعروفة بـ"المعزولية" (Ma'zûliyet)- ما دفع الدولة إلى ابتكار حلول مالية لتعويض كبار البكلربكيين {{البكلربكي: (Beylerbeyleri) منصب عثماني رفيع، يُلقَّب شاغلوه بـ"باشا"، ويتولون إدارة الإيالات الكبرى في الدولة، ويرتقي بعضهم إلى مرتبة الوزارة. انقسم إلى بكلربكي الروملي وبكلربكي الأناضول، وتحول إلى رتبة مدنية عالية في عصر التنظيمات.}} عبر منحهم سناجق على سبيل الأربالق {{الأربالق: (Arpalık) مصطلح يُستخدم في الدولة العثمانية للدلالة على الإيرادات المخصصة لكبار موظفي الدولة، وتُمنح إضافة إلى رواتبهم في أثناء الخدمة، أو بوصفها راتب تقاعد بعد مغادرتهم المنصب.}} لتكون بمنزلة شبكة أمان مالي لهم في أثناء فترات انتظار تعيينهم في مناصب جديدة[27]. وبسبب هذه التحولات، فَقَدَ السنجق مكانته بوصفه الوحدة العسكرية والإدارية الأساسية في الدولة لصالح الإيالة (Eyalet) الكبرى[28]، وبات الولاة وأمراء السناجق ينظرون إلى مناصبهم بوصفها حيازات مالية مؤقتة، يتعين عليهم استخلاص عوائدها نقدًا، بهدف تغطية نفقات معيشتهم الشخصية وحاشيتهم، وسداد الديون التي تراكمت عليهم لمتنفذي العاصمة[29].

وفي هذا السياق، يرى إينالجيك أن رغبة رجال البلاط والحاشية في الاستحواذ على الحيازات الشاغرة وتحويلها إلى ملكيات خاصة وأوقاف عائلية، أدّت إلى تقليص إجمالي أراضي التيمار والزعامة المتاحة للجيش، وأن ذلك تزامن مع تغلغل فئات الرعية -الخاضعة للضريبة- في سلك الفرسان عن طريق تقديم الرشا[30]. واقترن ذلك بتحولٍ طرأ على النظم العسكرية وأساليب القتال، عجز في إثره فرسان السباهية -بأسلحتهم التقليدية من سيوف ورماح ودروع- عن مواجهة المشاة الأوروبيين المنظمين والمزوّدين بالأسلحة النارية[31]. أثّر ذلك في السقوف المالية التي حددها القانون، ففي حين كان الحد الأعلى لإيراد الزعامة يقف نظريًا عند 99,999 آقجة (وسقف كُتّاب الديوان 40,000 آقجة)، رُصدت حالات استثنائية استحوذ فيها موظفو المركز على زعامات بلغت إيراداتها السنوية بين 150,000 و300,000 آقجة، متجاوزة بذلك حدود "الخاص"[32].

تزامن ذلك مع شيوع نظام الالتزام (İltizam) في جباية ضرائب الزعامات، ما أسهم في إفراغ الزعامة من مضمونها العسكري. وقد صدرت العديد من الفرمانات السلطانية التي حاولت الحد من هذه الممارسات، والتأكيد على سحب الزعامة ممن لا يلتحقون بالحملات أو يزاولون مهنًا أخرى، ولكنها لم تحُل دون هذا التحوّل[33]. ويربط إينالجيك هذا التحول بالانعكاسات المالية المباشرة على بنية الدولة، إذ فرض التوسع في تسليح مشاة الإنكشارية وتجنيد الشبان الريفيين في صفوف قوات من الجنود المشاة المأجورين المسلحين بالبنادق يُعرفون بالساريجة {{الساريجة: (Sarıca) قوات مشاة عسكرية عثمانية مأجورة وغير نظامية، جُندت من شبان الأناضول، وسُلِّحت بالبنادق النارية لمواجهة المشاة الأوروبيين وسد العجز العسكري للفرسان الإقطاعيين.}} والسكبان {{السكبان: (Sekban) فئة من المشاة العثمانيين حملة الأسلحة النارية، نشأت تاريخيًا بوصفها جزءًا من الإنكشارية، ثم تحولت إلى قوات ريفية مأجورة تُجند في أزمنة الحروب مقابل رواتب نقدية.}}، أعباءً نقدية على الخزينة المركزية لتأمين رواتبهم النقدية السائلة، ما دفع الإدارة إلى سحب الحيازات من الفرسان وإحالتها إلى متعهدي الالتزام لجباية عوائدها نقدًا[34].

وقد زاد من هذه الأزمة المالية، في أواخر القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، التضخمُ النقدي العالمي الناجم عن انتشار الفضة المكسيكية في الأسواق عبر أوروبا، ما أسفر عن تضاعف الأسعار وانخفاض قيمة الآقجة، فاختار كثير من الفرسان التخلي عن إقطاعاتهم لعجزهم عن تمويل نفقات الحملات الطويلة[35]. وقد انخفض عدد السباهية من 87,000 فارس في عهد السلطان سليمان القانوني (حكم بين عامَي 926هـ/ 1520م و974هـ/ 1566م) إلى 45,000 في عام 1018هـ/ 1609م، وتقلص لاحقًا إلى نحو 8,000 فارس فقط عام 1040هـ/ 1630م، وفق تقرير الكاتب كوچي بك (Koçi Bey، توفي نحو 1060هـ/ 1650م)، في حين تضخم عدد الإنكشارية في المقابل من 16,000 إلى 37,000 مقاتل[36].

وتشير البيانات الإحصائية لتلك الحقبة إلى تضخم كمي في عدد الزعامات واختلال في توزيعها الجغرافي، ففي أواخر القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، بلغ إجمالي عدد الزعامات في الدولة قرابة 2,375 زعامة، كان لإيالة الروملي {{الروملي: (Rumeli) مصطلح جيوسياسي عثماني مُركب من لفظين، هما: "Rum" ويعني "الروم"؛ و"Eli" ويعني "أرض" أو "بلاد"، أي "بلاد الروم". يُستخدم للدلالة على شطر البلقان، وقد عُدّت إداريًا الإيالة الأهم، وشكلت منذ تأسيسها في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، قاعدة الانطلاق للفتوحات العثمانية غربًا.}} النصيب الأكبر منها بـ914 زعامة، نظرًا إلى طبيعتها باعتبارها جبهة عسكرية متقدمة، تلتها "إيالة الأناضول" بـ195 زعامة. وما إن حل القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي، حتى بلغ عدد الزعامات -وفق تقديرات الرحالة أوليا جلبي (Evliya Çelebi، 1020-1095هـ/ 1611-1684م)- 4,877 زعامة[37].

أُلغي نظام "الزعامة" رسميًا في عام 1839، وهو العام الذي شهد تنظيمات خط شريف كُلخانه {{خط شريف كلخانه: (Gülhane Hatt-ı Şerifi) هو مرسوم سلطاني أصدره السلطان عبد المجيد، تلاه مصطفى رشيد باشا عام 1839، إيذانًا بانطلاق عصر التنظيمات والإصلاحات المدنية.}}[38]، غير أن إلغاء الصفة الإدارية والعسكرية للنظام لم يُسقط الحقوق المالية المكتسبة لأصحابه على الفور، إذ واصلت الدولة دفع مخصصات نقدية عُرفت بـ"بدل الزعامة" (Bedel-i Zeâmet) لبعض ذوي الحقوق وورثتهم، وظل هذا البند ساريًا في الدفاتر المالية حتى السنوات الأخيرة من عمر الدولة العثمانية[39].

المراجع

العربية

صابان، سهيل. المعجم الموسوعي للمصطلحات العثمانية التاريخية. الرياض: مكتبة الملك فهد الوطنية، 2000.

صالح، صالح سعداوي. مصطلحات التاريخ العثماني: معجم موسوعي مصور. الرياض: دارة الملك عبد العزيز، 2016.

صباغ، عباس وحسان حلاق. المعجم الجامع في المصطلحات الأيوبية والمملوكية والعثمانية ذات الأصول العربية والفارسية والتركية: المصطلحات الإدارية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والعائلية. بيروت: دار العلم للملايين، 1999.

الأجنبية

Afyoncu, Erhan. “Zeâmet.” TDV İslâm Ansiklopedisi. at: https://acr.ps/hBya1eA

Inalcık, Halil. The Ottoman Empire: The Classical Age 1300-1600. New York: Praeger Publishers, 1973.

Kunt, I. Metin. The Sultan's Servants: The Transformation of Ottoman Provincial Government, 1550-1650. New York: Columbia University Press, 1983.

Pakalın, Mehmet Zeki. Osmanlı Tarih Deyimleri ve Terimleri Sözlüğü. Istanbul: Milli Eğitim Bakanlığı Yayınları, 1971.

Sertoğlu, Mithat. Osmanlı Tarih Lugatı. Istanbul: Enderun Kitabevi, 1986.

[1] عباس صباغ وحسان حلاق، المعجم الجامع في المصطلحات الأيوبية والمملوكية والعثمانية ذات الأصول العربية والفارسية والتركية: المصطلحات الإدارية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والعائلية (بيروت: دار العلم للملايين، 1999)، ص 107؛

Mehmet Zeki Pakalın, Osmanlı Tarih Deyimleri ve Terimleri Sözlüğü, vol. 3 (Istanbul: Milli Eğitim Bakanlığı Yayınları, 1971), p. 649.

[2] Pakalın, p. 649.

[3] Erhan Afyoncu, “Zeâmet,” TDV İslâm Ansiklopedisi, accessed on 2/12/2025, at: https://acr.ps/hBya1eA;

سهيل صابان، المعجم الموسوعي للمصطلحات العثمانية التاريخية (الرياض: مكتبة الملك فهد الوطنية، 2000)، ص 130.

[4] Afyoncu, op. cit.; Mithat Sertoğlu, Osmanlı Tarih Lugatı (Istanbul: Enderun Kitabevi, 1986), p. 372;

صالح سعداوي صالح، مصطلحات التاريخ العثماني: معجم موسوعي مصور، مج 2 (الرياض: دارة الملك عبد العزيز، 2016)، ص 679.

[5] Afyoncu, op. cit.

[6] Ibid.; Pakalın, p. 649.

[7] Ibid.

[8] Pakalın, p. 649; Afyoncu, op. cit.

[9] Pakalın, p. 649.

[10] Sertoğlu, op. cit.;

 صالح، ص 679.

[11] Afyoncu, op. cit.; Sertoğlu, p. 373. 

[12] Halil Inalcık, The Ottoman Empire: The Classical Age 1300-1600 (New York: Praeger Publishers, 1973), p. 73.

[13] Ibid., p. 13.

[14] صالح، ص 679.

[15] Sertoğlu, p. 373;

 صالح، ص 679.

[16] Afyoncu, op. cit.; Sertoğlu, p. 373. 

[17] Ibid.

[18] Ibid.

[19] Afyoncu, op. cit.;

صالح، ص 679.

[20] Afyoncu, op. cit.

وفي سياق التفريق بين النظامين الإقطاعيين العثماني والأوروبي من الناحيتين المالية والقضائية، يُبين المؤرّخ التركي مدحت سيرت أوغلو أن الإقطاعيين الأوروبيين تجاوز نفوذهم حدودَ جباية عوائد الأراضي إلى التمتع باستقلال شامل، إداريًا وقضائيًا وماليًا، فلم يعترفوا بالملك أو الحاكم إلا بوصفه سيدًا كبيرًا وفارسًا أول، ما جعل سلطة الحكومة المركزية ضعيفة أمامهم، في حين كانت حقوق الإقطاعيين كافة تنتقل بالوراثة. يُنظر:

Sertoğlu, pp. 338-339.

[21] Afyoncu, op. cit.

[22] I. Metin Kunt, The Sultan's Servants: The Transformation of Ottoman Provincial Government, 1550-1650 (New York: Columbia University Press, 1983), p. 31.

[23] Ibid., p. 34.

[24] Ibid., p. 68.

[25] Ibid., p. 64.

[26] Ibid., p. 71.

[27] Ibid., p. 76.

[28] Ibid., pp. 90, 96.

[29] Ibid., pp. 88-89, 93.

[30] Inalcık, p. 47.

[31] Ibid., p. 48.

[32] Afyoncu, op. cit.

[33] Ibid.

[34] Inalcık, p. 48.

[35] Ibid., p. 49.

[36] Ibid., p. 48.

[37] Afyoncu, op. cit.

[38] Pakalın, p. 649.

[39] Afyoncu, op. cit.

المحتويات

الهوامش