يوسف لنيادو (1874-1944)، سياسي ومصرفي دمشقي، ينتمي إلى عائلة يهودية ثرية وذات نفوذ، إذ كان والده يحيى أغنى يهودي في
دمشق. انخرط يوسف في أعمال والده المصرفية، ونشط خلال الحرب العالمية الأولى في مساعدة اليهود المرحّلين من فلسطين إلى دمشق. انُتخِب عضوًا في المؤتمر السوري الأول عام 1919، ثم نائبًا في البرلمان عامي 1928 و1932، وكان ضمن فريق كتابة الدستور. وفي العامين 2008 و2009، كَشَفت وثائقُ رُفِعت السرية عنها في الأرشيفات الإسرائيلية عن دور محوري ليوسف في الاتصالات التي أجرتها
الوكالة اليهودية مع بعض الزعامات السورية لمحاصرة
الثورة الفلسطينية الكبرى.
نشأته
ولد يوسف بن يحيى لنيادو في دمشق عام 1874، لعائلة من أكثر عائلات يهود دمشق ثراءً ونفوذًا، فوالده يحيى كان أغنى يهودي في دمشق في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وكسب احترام السلطة المحليّة وبقيّة الجماعات[1]. وفي عام 1899 أصبح عضوًا في مجلس الولاية[2]، وتجدّدت هذه العضوية عام 1909. أمّا والدته بوليسا نعيمة، فكانت أحد أعضاء أوّل جمعية نسائية يهودية عُنيت بالتعليم الحديث للبنات اليهوديات، وافتتحت أوّل مدرسة من مدارس الأليانس للبنات عام 1883. ووالدها، أي جدّ يوسف، هو الحاخام
إسحق أبو العافية، المعروف بانحيازه إلى التعليم الحديث على حساب التعليم التوراتي التقليدي، فهو الذي أسّس أوّل مدرسة للأولاد من مدارس الأليانس في دمشق عام 1880. وهو ابن
موسى أبو العافية الذي كان أحد المتّهمين بقضية البادري
توما الكوبوشي عام 1840، وأسلَم خلالها[3].
أعماله وأنشطته
كان يوسف من أوائل من سُجّلوا في مدرسة الأليانس، وفي شبابه، انضم مع أخوَيه إلى أعمال والدهما ضمن الشركة المصرفية "يحيى لنيادو وأولاده"، الكائنة في خان المرادية غرب الجامع الأموي. وفي عام 1909، بعد وصول
جمعية الاتحاد والترقي إلى السلطة، انتَخب جدّه إسحق أبو العافية، الذي كان
حاخامباشي دمشق وقتها، لجنةً تمثيلية للطائفة اليهودية من 13 شخصًا، وكان يوسف من بينهم. نشط يوسف في مساعدة اليهود المرحّلين من فلسطين إلى دمشق في سنوات الحرب العالمية الأولى. وفي عهد الأمير
فيصل الأول، انضم يوسف إلى
الحزب الوطني المحافظ، إلى جانب
عبد الرحمن اليوسف ومحمد فوزي العظم، وانتُخِب في
المؤتمر السوري الأول عام 1919 ممثلًا عن دمشق، وهي السنة التي مات فيها أبوه يحيى[4].
تبوّأ يوسف مكانة موثوقة لدى سلطات الانتداب الفرنسي، التي نظرت إليه بوصفه حليفًا استراتيجيًا في إدارة شؤون الجالية اليهودية وتحديثها. وقد تجلى هذا التوافق في دعمه التعليمَ الحديث عبر
مدارس الأليانس، مواجهًا بذلك التيار المحافظ الذي نادى بالتعليم الديني التوراتي التقليدي المدعوم من
الحركة الصهيونية. وقد تعزز موقف يوسف هذا مع اتخاذ السلطات الفرنسية قرارَ ـحظرِ نشاط الحركة في دمشق في منتصف العشرينيات، ما أدى إلى خفوت حدة الانقسام داخل الجالية وترسيخ هيمنة التوجه الحداثي الذي تبناه[5].
في عام 1925، وعلى خلفية أحداث
الثورة السورية الكبرى، كان يوسف عضوًا في وفد من 25 شخصية سورية؛ للتفاوض مع المندوب السامي. وفي عام 1928، ترشّح يوسف إلى البرلمان ضمن قائمة الجناح المعتدل بقيادة الشيخ
تاج الدين الحسني، وتمكن من الحصول على المقعد البرلماني. وفي البرلمان كان ضمن الفريق المكلف بكتابة دستور البلاد. وتكرّر نجاحه في انتخابات عام 1932 برضى الوطنيين والمعتدلين، إذ حصل على "أكبر عدد من الأصوات"[6]. لكنّ توجهات يوسف تغيرت بعد ذلك، فأصبح مواليًا للوطنيين الممثَّلين بالكتلة الوطنية، ووصل معهم إلى برلمان عام 1936 بعد المفاوضات مع الفرنسيين؛ للتوصل إلى معاهدة عام 1936 (معاهدة الاستقلال)[7].
علاقته بالوكالة اليهودية
بعد أن مضى عليها ثلاثون عاماً، رُفِعت السرية عن وثائق الوكالة اليهودية المحفوظة في الأرشيفات الإسرائيلية، المتعلقة بالاتصالات التي كانت تجريها مع بعض الشخصيات السورية، وتشمل تقارير قادة القسم العربي في الدائرة السياسية للوكالة ومحاضر اجتماعاتهم، إضافة إلى تقارير العملاء السوريين الذين جندتهم الوكالة. وظلت هذه الوثائق سرية لعقود، إلى أن درسها ونشر نصوصها الباحث الفلسطيني
محمود محارب في كتاب كشف فيه الأهداف الحقيقية للوكالة وللوسائل التي استخدمتها لتحقيق أهدافها الصهيونية، إذ بيّنت الوثائق أن يوسف كان عرّابَ هذه الاتصالات الهادفة إلى تقويض
الحركة الوطنية الفلسطينية. ولم تكن هذه الاتصالات بهدف السلام، كما ادّعت بعض الكتابات الإسرائيلية، بل سعت الوكالة إلى إضعاف الفلسطينيين وعزلهم عن محيطهم العربي، ونفي حقوقهم القومية، وحشد الدعم للمشروع الصهيوني، مع الحفاظ على ضعف الدول العربية وتفككها. وتُظهِر الوثائق أن يوسف جنّد عددًا من السياسيين السوريين، كان أبرزهم
نسيب البكري؛ للعمل ضد الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939). وكان هذا التجنيد جزءًا من اهتمام الوكالة اليهودية الكبير بسورية في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين؛ إذ رأت فيها قاعدة دعم أساسية للثورة الفلسطينية، فهدفت من خلال اتصالاتها إلى وقف الدعم السوري للثورة، وإحداث انقسام بين القيادات السورية والفلسطينية، والحصول على تأييد لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين[8].
وفاته
حلّ المرض بيوسف منذ عام 1936 وأخذ مرضه يشتدّ، فتقاعد عن السياسة، وتوفي في 3 كانون الأول/ ديسمبر 1944[9].
المراجع
العربية
خوري، فيليب.
سوريا والانتداب الفرنسي: سياسة القومية العربية 1920–1945. ترجمة مؤسسة الأبحاث العربية. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1997.
محارب، محمود.
العلاقات السرية بين الوكالة اليهودية وقياداتسورية: في أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى. بيروت: جسور للترجمة والنشر، 2021.
مكتوبي ولايتك.
سالنامة ولاية سورية 1316هـ/ 1899م. دمشق: سورية ولايتي مطبعة، 1899.
الأجنبية
Ran, Yaron.
The Last Rich Jew in Damascus: Yossef Laniado: Banker, Businessman, and Politician. New York: Israel Academic P
[1] Yaron Ran,
The Last Rich Jew in Damascus: Yossef Laniado: Banker, Businessman, and Politician (New York: Israel Academic Press, 2023), pp. 11-30.
[2] مكتوبي ولايتك،
سالنامة ولاية سورية 1316هـ/ 1899م (دمشق: سورية ولايتي مطبعة، 1899)، ص 97.
[3] Ran, pp. 11-30.
[4] Ibid., pp. 31-50.
[5] Ibid., p. 51.
[6] فيليب خوري،
سوريا والانتداب الفرنسي: سياسة القومية العربية 1920-1945، ترجمة مؤسسة الأبحاث العربية (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1997)، ص 421.
[7] Ran, pp. 66, 70, 77, 88-90.
[8] محمود محارب،
العلاقات السرية بين الوكالة اليهودية وقياداتسورية: في أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى (بيروت: جسور للترجمة والنشر، 2021)، ص 47، 56، 61، 66، 90، 104-105، 107، 110-116، 119، 123-124، 136، 148.
[9] Ran, p. 93.