يحيى بن خلدون (734هـ/1333م-780هـ/ 1378م)، المولود في تونس لأسرة وافدة من إشبيلية. كان شبه مغمور، خلافًا لشقيقه عبد الرحمن بن خلدون الذي حظي باهتمام الباحثين، حتى إن جلّ أوقات حياته تميّزت بالضبابية. في البدء، تعلّم مثل أخيه عند والده، وعلى علماء مدينة تونس، ثمّ التقى بعلماء تِلِمْسان وفاس الوافدين مع أبي الحسن المَرِيني، وذلك قبل أن يشدّ الرحال إلى الغرب، وينتقل بين فاس وبجاية وتِلِمْسان، ويتولّى الخطط المخزنية فيها، ويغوص في مشكلات السياسة. ولما حظي بمكانة لدى السلطان الزَّيَّاني، أثار حفيظة مناوئيه، الذين دبّروا حيلة للتخلّص منه، وهو في سنّ 46 عامًا. ولَئِن ألّف رسائل ديوانية لم تصلنا، فإن الأثر الوحيد الذي تركه هو كتاب عن تاريخ بني عبد الواد في تِلِمْسان، وقد أضحت له مكانة متميّزة بين مصادر تاريخ المغرب والأندلس في عصر ما بعد الموحّدين.
نشأته وتعليمه
أبو زكريا يحيى بن محمّد بن محمّد بن خلدون، مؤرّخ وأديب وشاعر، أندلسي الأصل، وتونسي النشأة والقرار. له "معرفة بالتاريخ، القديم منه والحديث، واقتدار على سبك الكلام الرائق، وحوك النظام الفائق"، حسب عبارة أبي الوليد بن الأحمر[1]. وهو الشقيق الأصغر لعبد الرحمن بن خلدون، وينتمي إلى أسرة وافدة من بيوتات إشبيلية {{بيوتات إشبيلية: تمثل نخبة الأسر الأندلسية التي برزت منذ القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، وامتد نفوذها حتى سقوط المدينة في أواخر القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي. وقد أدت هذه البيوتات دورًا مهمًا في تاريخ إشبيلية السياسي والاجتماعي، إذ تولّى كثير من رجالها مناصب القضاء والإدارة والجيش.}}، عريقة في العلم والجاه، وقد انتقلت إلى مدينة تونس بعد سقوط إشبيلية عام 636هـ/ 1238م، فأحسن الأمير أبو زكريا الحفصي {{أبو زكريا يحيى بن أبي محمّد عبد الواحد بن أبي حفص عمر الهنتاتي: (625/ 647هـ-1228/ 1249م) مؤسس الدولة الحفصية وأول ملوكها. تولّى ولاية تونس بدعم من الموحّدين، ثم أعلن استقلاله وأسس الدولة الحفصية عام 625هـ/ 1228م.}} استقبالها، وتولّت الخطط المخزنية، والمناصب العلمية في عهده وعهد خلفائه[2].
وُلِد في مدينة تونس بعد أخيه عبد الرحمن بنحو عامين، أي عام 734هـ/ 1333م، وعاش في وسط علمي، فعلّمه أبوه مبادئ اللغة العربية والحديث والفقه، ثم جلس في حلقات شيوخه[3]. فقد اشترك مع الأخ الأكبر في الأخذ عن عدد من مشاهير العلماء في مدينة تونس، وهم: أبو عبد الله محمّد بن بُرّال القُرشِي (ت. 736هـ/ 1362م)[4]، وأصله من بلنسية، وضلع في القراءات؛ وأبو العبّاس أحمد بن محمّد بن القصّار (ت. 800هـ/ 1397م)، وهو نحويّ بارع؛ وأبو عبد الله بن العربي الحصائري، وهو نحويّ؛ وأبو عبد الله محمّد بن يحيى الذي درّس الشعر العربي[5].
تعلّم الفقه من أبي عبد الله محمّد بن جابر الوادي آشي (ت. 749هـ/ 1348م) الذي درَّس الحديث والفقه، وهو صاحب كتاب البرنامج المخصّص لمشيخته[6]؛ ومن محمّد بن عبد السلام الهَوَّاريّ (ت. 749هـ/ 1348م)، قاضي الجماعة في تونس، ومن أبرز فقهاء المذهب المالكي في بلاد المغرب، وهو كذلك شيخ ابن عرفة (ت. 803هـ/ 1401م)، وعبد الرحمن بن خلدون (ت. 808هـ/ 1406م)، وأبي القاسم محمّد بن القصير الذي درّس كتاب التهذيب في اختصار المدوّنة للبَرادِعِيّ (ت. بعد 430هـ/ 1039م)[7].
شيوخه
مثلما كان للعلماء المرافقين لأبي الحسن المَرِيني أثر كبير في أخيه عبد الرحمن، فالأمر كذلك بالنسبة إلى أبي زكريا يحيى. ومِن الذين التقى بهم في مدينة تونس: أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم الآبُليّ (ت. 757هـ/ 1356م)، وهو شيخ المعقول والمنقول، نشَأ بتِلِمْسان{{تِلِمْسان: مدينة تاريخية عريقة في المغرب الأوسط (الجزائر حاليًا)، أدّت دورًا محوريًّا في تاريخ المغرب الإسلامي منذ الفتح الإسلامي في القرن الأول الهجري. ازدهرت في العهد المرابطي والموحدي، ثم بلغت مجدها في عهد الدولة الزيانية التي جعلتها عاصمة لها، فصارت مركزًا سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا بارزًا.}} وكان له الأثر الكبير في تكوين الشقيقين: عبد الرحمن، ويحيى. قال عنه: "وشيخنا العالم الأعلى [...] فاق أهل زمانه في العلوم العقلية كلّها"[8]؛ وأخذ بمرّاكش من ابن البنّاء، وارتحل إلى العراق، ولا ريب أن تأثيره فيه كان كبيرًا، ولا يقل أهمية عن مكانته المتميزة لدى أخيه عبد الرحمن؛ وأبو عبد الله محمّد السَّطِّي (ت. 750هـ/ 1349م)، وهو فقيه من مدينة فاس، درَّس الفقه المالكي، وأقام في تونس بين عامي 348هـ/ 959م و350هـ/ 961م[9]؛ وأبو محمّد بن عبد المهيمن الحضرمِيّ (ت. 749هـ/ 1348م)، الذي وُلِد في سبتة {{سبتة: مدينة ساحلية تقع في أقصى شمال المغرب على الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق، موقعها الاستراتيجي جعلها محطة للتبادل التجاري ومعبرًا بحريًّا بين أوروبا وأفريقيا. تعاقبت عليها حضارات متعددة، ثم ازدهرت في العهد الإسلامي منذ الفتح في القرن الثامن الميلادي، قبل أن تخضع للمرابطين والموحدين.}}، وهو أديب بارع، أقام مدّة ببيت محمّد بن خلدون[10].
وإلى جانب الآبلي، ذكر بتِلِمْسان أبا علي منصور الزّواويّ (731هـ/ 1331م)، وهو فقيه مُفتٍ وخطّاط بارع. وقد أخذ عن أبي البركات محمّد بن الحاج البِلْفِيقيّ (773هـ/ 1372م)، وعن أبي محمّد عبد المهيمن الحضرمي (ت. 749هـ/ 1348م)[11]. كذلك التقى في فاس، وربما كذلك في تِلِمْسان، بأبي عبد الله محمّد بن أحمد الشريف الحسني (ت. 771هـ/ 1370م)، الذي وُلِد في تِلِمْسان، ودرس على يد الآبلي، ثمّ انتقل مع أبي عنان إلى فاس، حيث التقى به الأخوان ابنا محمّد بن خلدون، وأخذا عنه. وهو حسب يحيى بن خلدون، "لا يعزب عن علمه فنّ عقلي ولا نقلي إلا وقد أحاط به"[12].
الرحلة إلى الغرب
لم تقتصر هذه المرحلة على حملة أبي الحسن المرِيني على إفريقيّة، بل اجتاح البلاد الطاعون الجارف، وأودى بحياة والديه عام 749هـ/ 1348م، لقد مثّلت هذه الأحداث منعطفًا في حياة الأخ الأكبر عبد الرحمن، الذي اتّبع مسار شيخه الآبلي في شدّ الرحال والانتقال من بلد إلى آخر. ويبدو أن أبا زكريا يحيى كان رفقة أخيه في أوائل عام 753هـ/ 1352م، في تغريبة بدأها بمرافقة السلطان الحفصي أبي إسحاق إبراهيم (ت. 770هـ/ 1369م) في حملة عسكرية هُزِم فيها، فانتقل عبد الرحمن وأخوه إلى تِبِسَّة، فقَفْصة، وانتهى بهما القرار في بَسْكرة حيث أقاما في حماية أمرائها من بني مزني. ولما كانت الرغبة تحدوهما للالتحاق بالعلماء الذين وفدوا مع أبي الحسن المَرِيني، ولا سيما الآبلي، فقد اختارا الغرب وجهة لهما، فنزلا بتِلِمْسان، التي سيطر عليها السلطان أبو عنان المريني {{السلطان أبو عنان المريني: (ت. 759هـ/ 1358م) هو أبو عنان فارس بن السلطان أبي الحسن المريني، أحد أبرز سلاطين الدولة المرينية في المغرب الأقصى. تولى الحكم بعد اضطرابات داخلية، وتمكّن من بسط نفوذه على المغرب الأقصى وإفريقية وحتى أجزاء من الأندلس.}} عام 754هـ/ 1353م. ثم تولّى عبد الرحمن خطة الكتابة في البلاط المَرِيني بفاس عام 755هـ/ 1354م، بيْدَ أن مصير أبي زكريا يحيى طيلة المدة التي عقبت رحيل الآبلي عن تونس عام 752هـ/ 1351م ظلّت غامضة، والراجح أنه التقى بأبي البركات محمّد بن الحاج البِلْفيقيّ في فاس قبل عام 757هـ/ 1356م[13].
كذلك التقى الأخوان بلسان الدين ابن الخطيب {{لسان الدين ابن الخطيب: (ت. 776هـ/ 1374م) هو شاعر وأديب ومؤرخ وطبيب وفيلسوف أندلسي بارز، وُلد في مدينة لوشة قرب غرناطة، ويُعدّ من أعلام الثقافة الأندلسية في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي. تقلّد مناصب رفيعة في دولة بني الأحمر، ترك آثارًا فكرية وأدبية مهمة في السياسة والتاريخ والطب والفلسفة. من مؤلفاته كتاب الإحاطة في أخبار غرناطة.}} الذي غادر غرناطة واستقرّ في فاس ابتداءً من عام 761هـ/ 1359م، واستفادا منه. وفي ذلك العام، تولّى يحيى خطة الكتابة بديوان الإنشاء في فاس[14]، وهناك في البلاط المريني، التقى بأمير بجاية السابق أبي عبد الله محمّد الحفصي.
تولّي الخطط السياسية
الانتقال من فاس إلى بجاية
بدأ النشاط السياسي في مدينة فاس، منذ أن تولّى خطة كاتب بديوان الإنشاء بفاس، ولمّا تحرّك السلطان المريني أبو سالم إلى تِلِمْسان عام 761هـ/ 1359م، رافقه الأخوان عبد الرحمن ويحيى، فسرّح أبا عبد الله محمّد بن أبي زكريا الحفصي وحثّه على الاستيلاء على إمارة بجاية، للتصدّي لسلطان تونس، أبي إسحاق إبراهيم[15].
لم يتمكّن أبو عبد الله محمّد الحفصي من استعادة بجاية إلا عامًا 765هـ/ 1363م، وقد ساعده في ذلك يحيى بن خلدون، الذي تحوّل إلى تِلِمْسان طلبًا لدعم السلطان أبي حمّو موسى (ت. 791هـ/ 1388م)، ولمّا لم يجد منه استجابة، اتّجه إلى القبائل البدويّة، من الذواودة وسدويكش. وقد تولّى يحيى بن خلدون في إثر ذلك خطة الحجابة في بجاية، وإنْ صمت عن ذكر ذلك[16].
الاستقرار في تِلِمْسان وفاس
حلّ في شهر رجب 769هـ/ 1368م في تِلِمْسان، إذ عيّنه السلطان أبو حمّو موسى في خطة كتابة السرّ بديوان الإنشاء. وقد ذكر عبد الرحمن بن خلدون ذلك في قوله: "وكان أخي يحيى قد خلص من اعتقاله ببونة، وقدم عليَّ ببسكرة، فبعثته إلى السلطان أبي حمّو كالنائب عنّي في الوظيفة، متفاديًا عن تجشّم أهوالها [...] فوصل إليه الأخ، فاستكفى به في ذاك ودفعه إليه"[17].
ولمّا علم بأن تِلِمْسان مهدّدة من السلطان عبد العزيز المريني، وقد سيطر عليها في أواخر محرّم عام 772هـ/ 1370م، غادرها إلى البلاط المريني في فاس، متخلّيًا عن السلطان أبي حمّو يحيى، وقد اعترف في كتابه بهذه الزلّة[18]، ولم يتمكّن أبو حمّو من استرجاع سلطته إلا بعد وفاة السلطان عبد العزيز (ت. 774هـ/ 1372م). وفي فاس، التقى يحيى من جديد بابن الخطيب، الذي كان له الأثر الكبير في أسلوب الكتابة الذي اتّبعه في بغية الروّاد. وإذ ساعد يحيى ابن الخطيب في إيصال رسالة إلى أبي حمّو موسى، ليشفع له عند السلطان المريني الغنيّ بالله {{الغني بالله: هو أبو محمد عبد العزيز المريني، تولى عرش المغرب الأقصى بعد مقتل السلطان أبي سالم إبراهيم عام 760هـ/ 1359م، في فترة اتسمت بالفوضى السياسية والصراع على الحكم داخل البيت المريني. لم يدم حكمه طويلًا، فقد واجه معارضة قوية من الأمراء المرينيين والمنافسين على العرش.}}، فإنه غادر فاس تجاه تِلِمْسان، ما أن علم بمقتل صاحبه في السجن عام 776هـ/ 1374م[19].
ثم عاد من جديد إلى تِلِمْسان، وتولّى الخطة نفسها لدى السلطان أبي حمّو موسى، وقد حظي بثقته، حتى أثار حسد أتباعه، ولا سيما ابن السلطان - أبو تاشفين الثاني - الذي حسب أن يحيى هو من عرقل تعيينه على ولاية وهران، فأراد التخلّص منه، ودسّ له من قتله في شهر رمضان عام 780هـ/ 1378م[20].
وفي النهاية، شهدت حياته طيلة ثلاثة عقود زخمًا في الأحداث والتجارب السياسية، فكان متنقّلًا فيها بين تونس، وفاس، وبجاية، وتِلِمْسان، وبين بلاط السلطان، ومجتمع المدن والبوادي في المجال المغربي، ما أهّله لتأليف كتاب عن تاريخ بني زيّان {{بني زيّان: يُعرفون أيضًا بالزيانيين، أسرة أمازيغية زناتية حكمت مملكة تلمسان في المغرب الأوسط (الجزائر حاليًا) بين عامي 1235 و1557م.}}.
مؤلّفاته
المؤلّفات الضائعة
نظرًا إلى تولّيه خطة الكتابة، فقد حرّر رسائل ديوانية موجّهة إلى الولاة داخل البلاد، أو إلى الدول المجاورة والمتوسّطية، ولكنها لم تصلنا. ونظم كذلك قصائد شعرية، ولا سيما بمناسبة المولد النبوي والأحداث السياسية، وقد ذكر المقّرِي بعضها، وهي تُعبِّر عن يسر في نظم الشعر، من دون أن يبلغ مرتبة كبار الشعراء[21].
بغية الرواد في أخبار بني عبد الواد وأيّام أبي حمّو الشامخة الأطواد
ذُكِر أيضًا تحت عنوان: بغية الرواد في ذكر الملوك من بني عبد الواد وما حازه أمير المسلمين. وورد في بعض النسخ المخطوطة: "نجعة الرواد". وهو مصنّف في التاريخ السياسي، ألّفه ليُظهِر ولاءه لبني عبد الواد، ويشيد بخصال السلطان أبي حمّو موسى. يُرجَّح أنه شرع في تأليفه بين عامي 769هـ/1367م و775هـ/1373م، أو في أثناء تولّيه خطة الكتابة في المرة الأولى، وإبان العودة مرة أخرى، بين عامي 774هـ/ 1372م و775هـ/ 1373م. وقد كتبه بطلب من السلطان أبي حمّو، مثلما ذكر ذلك في المقدّمة، وتقرّبًا منه عند عودته مرة أخرى إلى تِلِمْسان عام 775هـ/ 1373م. قال: "وكنت ممّن يأمره، أعلى الله مقامه بذلك، فأهاوي علمًا بما عندي من قصور الباع". ويُرجَّح أنه أنهى الجزء الأول في بداية عام 776هـ/ 1374م، والثاني في أوائل عام 777هـ/ 1375م، بعد وفاة ابن الخطيب. وتبعًا لذلك، فقد التزم المؤلّف بالولاء لأبي حمّو موسى، وانحاز إليه دون غيره. ولا يخلو الكتاب من الإشادة ببني عبد الواد ومدحهم بأسلوب سجعي، لا يخلو من الاستعارة والتشبيه ومختلف عناصر البلاغة. ولئِن حاول تكييف الأحداث، وغضّ الطرف عن كثير من الهزائم التي مُنِي بها السلطان، فإن ذلك لم يمنع من اتّباع المؤلّف منهج المؤرّخ في سرد الأحداث وذكر الحقائق. وقد قدّم صورة دقيقة عن البلاط زمن أبي حمّو، مُتّبعًا في ذلك منهج سلفَيْه: عبد الواحد المرّاكشي، وابن الخطيب في التقديم الجغرافي للكتاب[22].
ولا ريب أن حذقه في علم التاريخ قد حصل في أثناء ملازمته - مع أخيه عبد الرحمن - لابن الخطيب في فاس، بين عامي 773هـ/ 1372م و775هـ/1373م، وقد اقتصر على تخصيص بغية الروّاد لتاريخ الدولة الزيّانية بتِلِمْسان، منذ نشأتها إلى حدِّ عصر المؤلِّف.
وقد تنوّعت مصادره، مراوحة بين المصنفات التاريخية والفقهية من ناحية، والوثائق المعاصرة والروايات الشفوية والمشاهدة من ناحية أخرى. ومن أهمّ المصادر: تاريخ الطَّبَري، والمَسْعودي، والقُضاعي، ومسالك البَكْري، وجغرافية الزُّهْري في وصف مدينة تِلِمْسان. كذلك أحال على ابن الأبَّار، وابن عبد الملك المَرّاكُشي، وابن الزيَّات في تراجم الأعلام وبشأن أصول البربر. ولم يعدم ذكر مصنّفات المحدّثين، مثل مسلم، والدَّارقُطْني، والهَرَوِيّ. واعتمد أيضًا على مصادر ووثائق زيّانيّة. ولئِن لم يكن مجدّدًا مثل أخيه، فقد سار على منوال مؤرّخي القرنين السابع والثامن الهجريَّيْن/ الثالث عشر والرابع عشر الميلاديَّيْن، مثل: عبد الواحد المَرّاكُشي، وابن الخطيب، وذلك في التوطئة بفصل يتناول فيه الإطار الجغرافي والوسط الاجتماعي الثقافي. وفي الجملة، سعى إلى التوفيق بين عمل المؤرّخ الناقل للأخبار بموضوعية، وبين رجل البلاط التابع للسلطان. وبدا تأثير ابن الخطيب جليًّا في دقة الوصف وبديع العبارة، من دون استعمال مفرط للسجع.
احتوى الكتاب على ثلاثة أقسام، وتفرّع كل قسم إلى أبواب، وكل باب إلى فصول. تعرّض في القسم الأول إلى قبيلة بني عبد الواد التي انحدر منها بنو زيّان، وإلى مدينة تِلِمْسان، قاعدة البلاد، واصفًا فيها المدينة. وتعلّق الفصل الثاني بتراجم علماء تِلِمْسان وصُلحائِها، وانتهى بتعاقب الدول السابقة لبني عبد الواد. وتناول في القسم الثاني بداية نشأة الإمارة، في عهد يَغْمراسِن بن زيّان (ت. 680هـ/ 1282م) وأبنائه، وصولًا إلى استيلاء أبي الحسن المريني على المدينة. على أنه لم يولِ اهتمامًا لمرحلة سيطرة المرينيين، ما دام أنه خصّص الكتاب لأمجاد الزيانيين. أما القسم الثالث، فقد خصّ حقبة أبي حمّو موسى الثاني إلى حدّ عام 776هـ/ 1375م، فتحدّث عن خصاله وآبائه، ثمّ استعرض تاريخ السلطان وفق نظام الحوليات، وقد تخلّلت ذلك استطرادات وأشعار[23].
المراجع
العربية
ابن الأحمر، أبو الوليد. روضة النسرين في دولة بني مرين. تحقيق عبد الوهاب بن منصور. الرباط: المطبعة الملكيّة، 1962.
________. مستودع العلامة ومستبدع العلامة. تحقيق محمّد طاهر التونسي ومحمّد بن تاويت. تطوان: كلية الآداب في جامعة محمد الخامس، 1964.
ابن الخطيب، لسان الدين. كنّاسة الدكّان بعد انتقال السكّان. تحقيق محمّد كمال شبانة. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينيّة، 2003.
ابن خلدون، عبد الرحمن. التعريف بابن خلدون ورحلته غربًا وشرقًا. تحقيق محمّد بن تاويت الطنجي. القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1951.
________. كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيّام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر. بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1983.
ابن خلدون، يحيى. بغية الروّاد في ذكر الملوك من بني عبد الواد. تحقيق عبد الحميد حاجيّات. الجزائر: المكتبة الوطنيّة، 1980.
السرّاج، محمّد الوزير. الحلل السندسيّة في الأخبار التونسيّة. تحقيق محمّد الحبيب الهيلة. تونس: الدار التونسيّة للنشر، 1970.
المقّري، شهاب الدين أحمد بن محمد. نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب. تحقيق إحسان عباس. بيروت: دار صادر، 1968.
_________. أزهار الرياض في أخبار عياض. تحقيق محمّد بن تاويت وسعيد أعراب. الرباط: اللجنة المشتركة لنشر التراث، [د. ت.].
الوادي آشي، محمّد بن جابر. برنامج. تحقيق محمّد محفوظ. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1980.
الأجنبية
Ghrab, Saad. Ibn ‘Arafa et le Mâlikisme en Ifrîqiya au VIIIe-XIVe siècles. Tunis: Faculté des Lettres de la Manouba, 1992.
[1] أبو الوليد بن الأحمر، مستودع العلامة ومستبدع العلامة، تحقيق محمّد طاهر التونسي ومحمّد بن تاويت (تطوان: كلية الآداب في جامعة محمد الخامس، 1964)، ص65؛ أبو الوليد بن الأحمر، روضة النسرين في دولة بني مرين، تحقيق عبد الوهاب بن منصور (الرباط: المطبعة الملكيّة، 1962)، ص 93.
[2] عبد الرحمن بن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيّام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، ج 7 (بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1983)، ص 803-807.
[3] المرجع نفسه، ج 7، ص 809-812.
[4] محمّد الوزير السرّاج، الحلل السندسيّة في الأخبار التونسيّة، تحقيق محمّد الحبيب الهيلة، ج 1 (تونس: الدار التونسيّة للنشر، 1970)، ص 632-636؛
Saad Ghrab, Ibn ‘Arafa et le Mâlikisme en Ifrîqiya au VIIIe-XIVe siècles (Tunis: Faculté des Lettres de la Manouba, 1992), pp. 232-233.
[5] ابن خلدون، كتاب العبر، ج 7، ص 811؛ أبو زكريا يحيى بن خلدون، بغية الروّاد في ذكر الملوك من بني عبد الواد، تحقيق عبد الحميد حاجيّات، ج 1 (الجزائر: المكتبة الوطنية، 1980)، ص 12.
[6] محمّد بن جابر الوادي آشي، برنامج، تحقيق محمّد محفوظ (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1980).
[7] يحيى بن خلدون، ج 1، ص 13، 23؛
Ghrab, p. 276.
[8] يحيى بن خلدون، ج 1، ص 120.
[9] ابن خلدون، التعريف بابن خلدون ورحلته غربًا وشرقًا، تحقيق محمّد بن تاويت الطنجي (القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1951)، ص 19-20، 30-31.
[10] المرجع نفسه، ص 20، 38-41؛ يحيى بن خلدون، ج 1، ص 14-15، 120.
[11] يحيى بن خلدون، ج 1، ص 132.
[12] المرجع نفسه، ج 1، ص 120.
[13] ابن خلدون، التعريف، ص 60-61؛ لسان الدين بن الخطيب، كنّاسة الدكّان بعد انتقال السكّان، تحقيق محمّد كمال شبانة (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينيّة، 2003)، ص 153-156.
[14] ابن خلدون، كتابالعبر، ج 7، ص 636-642؛ يحيى بن خلدون، ج 1، ص 21.
[15] ابن خلدون، كتابالعبر، ج 6، ص 851-852.
[16] المرجع نفسه، ج 6، ص 854-855.
[17] ابن خلدون، التعريف، ص 102-103.
[18] ابن خلدون، كتابالعبر، ج 7، ص 274-277؛ يحيى بن خلدون، ج 2، ص 238-239.
[19] ابن خلدون، التعريف، ص 242؛ يحيى بن خلدون، ج 2، ص 307.
[20] ابن خلدون، كتابالعبر، ج 7، ص 292-293.
[21] شهاب الدين أحمد بن محمد المقري، نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب، تحقيق إحسان عباس، ج 9 (بيروت: دار صادر، 1968)، ص 211-215، 218-219، 340-341؛ شهاب الدين أحمد بن محمد المقري، أزهار الرياض في أخبار عياض، تحقيق محمّد بن تاويت وسعيد أعراب، ج 1 (الرباط: اللجنة المشتركة لنشر التراث، [د. ت.])، ص 193-242، 246-247.
[22] يحيى بن خلدون، ج 1، ص 80؛ يحيى بن خلدون، ج 2، ص 170.
[23] يحيى بن خلدون، ج 1، ص 80-81.