وجيه محيي الدين (1908-1939)، طبيب ومصلح اجتماعي سوري، يُعد من روّاد النهضة المدنية في منطقة الساحل، وأول طبيب من الطائفة العلوية فيها.
ولد في قرية
جورة الجواميس التابعة لمحافظة طرطوس في سورية، وتلقى تعليمه بين
طرابلس ودمشق، حيث نال إجازة الطب عام 1935. تميز محيي الدين برؤية إصلاحية مبكرة هدفت إلى دمج الريف بالمدينة وتجاوز العزلة الاجتماعية عبر التعليم والمؤسسات الثقافية، معتبرًا أن تعزيز الهوية الثقافية لمكونه الاجتماعي هو جسرٌ نحو المواطنة الفاعلة لا الانفصال. أسس مجلة
النهضة عام 1937 لتكون منبرًا فكريًا جامعًا، وساهم في العمل الوطني السري ضد الانتداب الفرنسي عبر
جمعية شباب الإنقاذ. ميدانيًا، حفّز الاستثمار العمراني في طرطوس وسعى إلى مأسسة العمل الخيري والكشفي ودعم حقوق المرأة. تُوفي في ريعان شبابه عام 1939، عن 31 عامًا فقط، بعد إصابته بالتيفوئيد أثناء تطوّعه لعلاج المرضى في جزيرة أرواد.
حياته وتعليمه
ولد وجيه معلَّى محيي الدين عام 1908 في قرية
جورة الجواميس (25 كيلو مترًا من طرطوس)، لأسرة علوية ميسورة. توفي والده في صغره، وتولى شقيقه الأكبر أحمد تربيته. تلقى تعليمه الأولي في القرآن واللغة العربية على يد خطيب في القرية، ثم انتقل إلى مدرسة ابتدائية في
قرية الطليعي، التي أسسها
جابر العباس.
بعد الحرب العالمية الأولى، التحق بمدرسة الفرير في طرابلس عام 1922، ثم بمدرسة
عينطورة في جبل لبنان. عاد بعدها إلى
كلية الشرق الوطنية في طرطوس، حيث حصل على شهادة البكالوريا عام 1929. التحق بالمعهد الطبي العربي في
الجامعة السورية (لاحقًا كلية الطب بجامعة دمشق)[1]. وقد وثقت
جريدة دولة العلويين الرسمية تحت باب "التعليم العام" في عددها السابع والثلاثين من السنة الخامسة الصادر في الرابع عشر من أيلول/ سبتمبر 1929 هذا الحدث بخبر صحفي جاء فيه: "وفقاً للقرار رقم 5003 الصادر في العاشر من أيلول/ سبتمبر عام 1929 سيحصل السيّد وجيه معلَّى محي الدين من صافيتا على منحة بمبلغ 250 ليرة لبنانيّة- سوريّة لمتابعة الدراسة في كليّة الطبّ في دمشق للعام 1929 - 1930"[2]، وتخرج في العام الدراسي 1934-1935[3]. ليصبح أول طبيب من
الطائفة العلوية في منطقة
الساحل السوري، وبعد أن اجتاز فحص الكولوكيوم (Colloquium) في العام التالي اتخذ له عيادة في مدينة طرطوس عام 1937[4].
الاندماج المبكر
كانت طرطوس في مطلع القرن العشرين مدينة ساحلية منفتحة على أبناء الريف، ولا سيما أبناء الطائفة العلوية، بسبب القرب الجغرافي والاعتماد المتبادل في الأنشطة الزراعية والتجارية، وقد سهّل هذا السياق على وجيه محيي الدين الاندماج في بيئة طرطوس خلال عشرينيات القرن الماضي، حيث تطورت شخصيته وأفكاره ومواقفه. وقد وثقت شهادات معاصرة هذا التطور، فقد وصفه الأديب
محمد مجذوب (1907-1999) بأنه "فتى رزين مهذب النفس كريم الخلائق، يستغرقه الجد"[5]. ولاحظ
إبراهيم عثمان صاحب مجلة
الأماني "هدوئه وإخلاصه وتفانيه"، مع "ألم صامت على شعبه"[6]. وأشار إليه الشاعر
أحمد الجندي (1910-1990) إلى أنه شخص قليل الكلام كثير الإنصات، تميز ببُعد نظره الذي تجلى بإصداره مجلة "النهضة" الطرطوسية، واصفًا ذلك بـ"الصمت المنتج، والسكوت المعجب"[7].
لقد عكست هذه الملاحظات قدرته على التكيف السريع مع الوسط المدني المثقف، وانتقاله من بيئة ريفية شبه مغلقة إلى عوالم جديدة أكسبته مفاهيم دفعته نحو تحمل مسؤوليات مجتمعية. تجلت هذه البوادر أثناء دراسته في دمشق، إذ نظّم أنشطة أدبية خلال العطلة الصيفية، بهدف "تقوية الفكرة الأدبية" و"تعيين حفلات شهرية نتمرن فيها على الخطابة والشعر"، مما عكس سعيه لتطوير قدرات شباب مجتمعه على التواصل والمشاركة في الفضاء العام[8].
الهوية الطائفية والوطنية
اقتضى انتقال وجيه محيي الدين إلى البيئة المدنية في طرطوس إعادة تعريف الهوية الثقافية لمكونه الاجتماعي بما يتلاءم مع مقتضيات الدولة الحديثة؛ إذ ارتكز مشروعه على أن بلورة هوية ثقافية واضحة ليست تكريسًا للانعزال، بل هي أداة تمكين معرفي تهدف إلى تجاوز تحديات الجهل والمنظومات التقليدية المغلقة[9]. ومن هذا المنطلق، لم يتقاطع سعيه لتعزيز الخصوصية الثقافية مع قيم المواطنة، بل اعتبرها وسيلة لدمج الفرد في النسيج الوطني بفاعلية أكبر، مشكلًا بذلك نموذجًا للهوية المركبة التي توازن بين الجذور الثقافية والانتماء الاجتماعي الشامل[10].
النشاط الوطني والاجتماعي
اختبر وجيه محيي الدين انتماءه الوطني مبكرًا أثناء حياته الجامعية. ففي 20 كانون الثاني/ يناير 1930، شارك في مظاهرة وطنية بدمشق، حيث أنقذ متظاهر مصاب، متجاهلاً خطر إطلاق الرصاص. أدرك وجيه أهمية العمل الجماعي في مواجهة الانتداب الفرنسي. وصفه نقيب المحامين الأسبق في اللاذقية أحمد المحمود (ت. 1988) بأنه "عمدة العصبة وركنها الحصين" لقدرته على توحيد الجهود الوطنية[11].
شارك وجيه في تأسيس جمعية سرية تُعرف بـ"شباب الإنقاذ"، التي كان هدفها محاربة الاستعمار والدفاع عن كرامة أبناء الجبل وقوميتهم العربية. تمثلت أنشطتها في توزيع مناشير مطبوعة بدمشق، ما أدى إلى ملاحقة بعض أعضائها واعتقالهم. كما نقلوا شكواهم إلى لجنة الانتداب في عصبة الأمم، وواجهوا التبشير اليسوعي المدعوم من الفرنسيين[12].
على الصعيد الاجتماعي، سعى وجيه إلى تشجيع أبناء الجبل على النزوح إلى المدينة للعيش والعمل فيها، لكسر العزلة وتحقيق التعايش والوحدة، وشجّع العائدين من المهجر على الاستثمار في شراء الأراضي بطرطوس، مما ساهم في توسع المدينة عمرانيًا وظهور منشآت حديثة مثل الفنادق والمقاهي. كما حدد هدفًا لبناء مستشفى كبير في طرطوس، يساهم في تحويلها إلى مدينة حديثة[13].
سياسيًا، دخل وجيه المجال العام بعد تخرجه، ما أدى إلى خلاف مع زعامة عشيرته في عام 1937 على خلفية "الحركة الإصلاحية" التي قادها. كما ترشح للانتخابات النيابية عام 1937 منافسًا لقريبه
منير العباس (1909- ؟)، زعيم
عشيرة الخياطين. ورغم أن "شباب العشيرة" أقنعوه بالعدول عن الترشح، فإن موقفه عكس تراوحًا بين مرونة العمل السياسي لـ"زعامة العشيرة" والموقف المبدئي لـ"شباب العشيرة"[14].
أعماله
مساهمات مدنية وثقافية
بعد انسحابه من الترشح للبرلمان، ركّز محيي الدين جهوده على إطلاق مجلة
النهضة بالتعاون مع زملائه. رأى أن مجلة ثقافية شهرية غير كافية لتنوير الجمهور وإشراكه في الشأن العام، ما دفعه إلى التفكير في إصدار جريدة سياسية يومية في طرطوس لتكون منبرًا لمعالجة القضايا المحلية. ضمن هذا التوجه نحو المطبوعات، أدرك أهمية امتلاك مطبعة، وهو مشروع كان قيد التنفيذ بدعم من مؤيديه. كان يهدف من خلال المطبعة إلى نشر أعمال الشباب وتراث الطائفة الفكري على الصعيد الاجتماعي، كما خطط لتأسيس نادٍ في طرطوس لتعزيز التفاعل بين مختلف الطبقات والطوائف[15].
عمل محي على إنشاء جمعية خيرية وتولى رئاستها. يُنسب إليه أيضًا، وفقًا ليوسف أحمد علي، تأسيس مدرسة وجامع في
قرية حمين[16]. دعمًا للنشاط المدني، رحبت مجلة "النهضة" بالحركة الكشفية في طرطوس، وخصصت صفحاتها لتغطية أنشطتها ورحلاتها الاستكشافية[17].
الاندماج التفاعلي
في منتصف العقد الثاني من القرن العشرين، كانت طرطوس تتميز بخصائص محدودة للمدن، تقتصر على دور العبادة وبعض المحلات، مع تعليم أساسي غائب عن المرأة[18]. ومع بدء الانتداب الفرنسي وإعلان دولة العلويين، أصبحت الهجرة من الريف إلى المدينة ظاهرة ملحوظة، على سبيل المثال، وصف محمد ياسين عبد الرحمن، الذي هاجر إلى طرطوس عام 1934، المدينة بأنها لم تختلف كثيرًا عن قرية كبيرة متقدمة[19].
انتقل محيي الدين إلى طرطوس في منتصف العقد الثالث، وبعد دراسته في الجامعة السورية، عاد إليها عام 1936 طبيبًا وفاعلًا ثقافيًا بارزًا. ساهمت مشاريعه، سواء المنجزة أو المخطط لها، في تطوير المدينة. كان من أوائل من افتتح عيادة طبية حديثة، مما منحه دورًا رياديًا في نشر التوعية الصحية ومكافحة الممارسات الطبية التقليدية غير العلمية. وساهمت المجلة الثقافية التي أصدرها في بلورة الهوية الوطنية، ونشرت أعمال شعراء وكتاب من جميع الطوائف والمناطق. كما خصصت قسمًا للأقلام النسائية، مما يدل على دورها في دعم حقوق المرأة وتمكين صوتها. أدّى وجيه دورًا مهمًا في إقناع العائدين من المهجر بالاستثمار في طرطوس، مما ساهم بشكل كبير في توسعها العمراني واندماجهم في نسيجها المجتمعي. شكّلت هذه المساهمات، من وجيه وآخرين من الوافدين، نموذجًا للاندماج المجتمعي التفاعلي، إذ تبادلت الأطراف الأخذ والعطاء في عملية التطور الحضري لطرطوس[20].
وفاته
في شتاء عام 1939، وأثناء اجتياح مرض التيفوئيد
جزيرة أرواد، شارك في علاج المرضى وأصيب بالعدوى وتوفي في أحد مشافي طرابلس، عن عمر ناهز الثلاثين عامًا. وقد أثرت حياته القصيرة وجهوده في مجالي الطب والمشاريع المدنية في الأجيال اللاحقة. واستمر مشروعه التنموي من خلال مبادرات أخرى، إذ اعتبر حسن الحسن (مواليد 1919) وجيه محيي الدين قدوته عندما فتح عيادته في طرطوس مطلع عام 1953[21]. وتواصل التطور العمراني في طرطوس، وشهدت المدينة بناء أول مشفى خاص بها، مشفى الحكمة، الذي بناه ابن أخي وجيه، عدنان محيي الدين.
المراجع
العربية
الحسن، حسن،
المنار مذكرات. طرطوس: دار قرطاج، 2004.
حسن، معاذ.
الاندماج الاجتماعي والتشكل المدني الحديث في الساحل السوري حتى منتصف القرن العشرين. طرطوس: أرواد للطباعة والنشر، 2022.
رفيق، محمد ومحمد بهجت.ولاية بيروت. ج 2. ط 3. بيروت: دار لحد خاطر للطباعة والنشر والتوزيع، 1987.
القالش، حسان.
قطار العلويين السريع: الوعي السياسي عند العلويين: النشأة والتطور (1822-1949). بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2017.
مجلة النهضة، السنة 2، ص. 85.
محيي الدين، عدنان (إشراف).
وجيه محي
الدين عنوان يقظة ووجه جيل. جمع وتحقيق أحمد علي الحسن. طرطوس، طبعة خاصة، [د. ت.].
الأجنبية
Journal Officiel de l'État des Alaouites, Cinquième année - Nº 37 .Lattaquié: 14 Septembre 1929.
[1] عدنان محي الدين (إشراف)،
وجيه محي الدين: عنوان يقظة ووجه جيل، جمع وتحقيق أحمد علي الحسن (طرطوس: طبعة خاصة، [د. ت.])، ص 19- 21.
[2] Journal Officiel de l'État des Alaouites, Cinquième année - Nº 37 )Lattaquié: 14 Septembre 1929(.
[3] محي الدين، ص 21.
[4] المرجع نفسه، ص 181.
[5] المرجع نفسه، ص 158.
[6] المرجع نفسه، ص 174.
[7] المرجع نفسه، ص 184-186.
[8] المرجع نفسه، ص 22.
[9] المرجع نفسه، ص 31.
[10] للتوسع في السياق العام والخلفية التاريخية لتلك الفترة، يراجع الفصلان الثاني والثالث في: حسان القالش،
قطار العلويين السريع: الوعي السياسي عند العلويين، النشأة والتطور (1822-1949) (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2017).
[11] محي الدين، ص 144.
[12] المرجع نفسه، ص 224-226.
[13] المرجع نفسه، ص 234.
[14] المرجع نفسه، ص 36.
[15] المرجع نفسه، ص 141.
[16] المرجع نفسه، ص 181.
[17] مجلة النهضة، السنة 2، ص 85.
[18] محمد رفيق ومحمد بهجت، ولاية بيروت، ج 2، ط 3 (بيروت: دار لحد خاطر للطباعة والنشر والتوزيع، 1987)، ص 368.
[19] معاذ حسن،
الاندماج الاجتماعي والتشكل المدني الحديث في الساحل السوري حتى منتصف القرن العشرين (طرطوس: أرواد للطباعة والنشر، 2022)، ص 82-83.
[20] المرجع نفسه، ص 234.
[21] حسن الحسن،
المنار. مذكرات، (طرطوس: دار قرطاج، 2004)، ص. 57.