الموجز
وفيقة سلطان العيسى (1952-) فنانة تشكيلية قطرية، تُعدّ من أوائل القطريات اللاتي اتجهن لدراسة الفنون ومارسنها بوصفها مهنة. نالت شهادة البكالوريوس في التصميم الداخلي من كلية الفنون التطبيقية بالقاهرة (التابعة لجامعة حلوان حاليًا)، وذلك في عام 1974. بدأت مسيرتها الفنيّة خلال دراستها الجامعية، وأقامت أولى معارضها الفردية في الدوحة في عام 1984. شغلت العديد من المناصب المتصلة بالفنون التشكيلية، وكانت بين الأعضاء المؤسّسين للجمعية القطريّة للفنون التشكيلية.
تجمع أعمالها بين النزعتين التعبيرية والتأثيرية، وبرز فيها اهتمام خاص بالهوية والتراث الخليجيين، كما عنيت بالنمط المعماري التقليدي في قطر، ذلك قبل أن تنحو بأعمالها صوب رؤية تجريدية. كما عرفت العيسى بالميل لتجريب وسائط غير تقليدية، مثل الفلين والبوليستر. كما اهتمت لاحقًا بالحرف العربي بوصفه عنصرًا تشكيليًا في تكويناتها البصرية.
في عام 2014، حازت وفيقة العيسى جائزة المرأة العربية عن دولة قطر في مجال الفنون، كما أدرج اسمها في قائمة روّاد الفن التشكيلي القطري التي اشتملت على عشرة أسماء فقط، وكانت السيدة الوحيدة فيها.
النشأة والتكوين
وُلِدت وفيقة العيسى في البحرين لأسرة قطريّة وذلك في عام 1952. وقد أظهرت اهتمامًا مبكرًا بالفنون، وهو ما أهلها بعد إتمامها الدراسة الثانوية للحصول على منحة حكومية للدراسة في الخارج، فكانت من أوائل النساء القطريات اللواتي ابتُعِثن للتعليم الجامعي[1]. التحقت العيسى بكليّة الفنون التطبيقية بالقاهرة، وتخصّصت في التصميم الداخلي، وتخرّجت عام 1974.
التحقت بعد تخرّجها للعمل في تلفزيون قطر، الذي تأسس عام 1970، فتولت أعمالًا إشرافية في قطاع الإنتاج به، إلى أن انتقلت عام 1988 للعمل في وزارة الخارجية القطرية، والتحقت بالعمل في سفارة دولتها في القاهرة بصفة باحثة إعلاميّة، واستمرت في العمل الخارجي حتى عام 1992.
منذ 1995، قررت العيسى الاتجاه إلى العمل الفني الاحترافي بوصفها مصممةً متخصصة في فن الديكور. وكانت من بين الروّاد القطريين الذين أسسوا
الجمعيّة القطرية للفنون التشكيلية في عام 1980[2].
المسيرة الفنيّة
شاركت العيسى منذ دراستها الجامعية في الحركة التشكيلية بقطر، ففي 1972، شاركت في أول معرض فني نُظِّم في الدوحة، وكانت بهذا أول امرأة قطريّة تلتحق بالمجال التشكيلي[3]. كما شاركت منذ ذلك الحين في عدة معارض جماعية، منها المعرض الفني العربي الثاني في المغرب في عام 1976، وعدة دورات من المعرض الفني للرسامين في الكويت منذ العام 1977، والمعرض الفني لرسامي الخليج في العراق عام 1982. وبعد مع مرور عقد على تخرجها، أقامت العيسى أول معارضها الخاصة، وكان ذلك في فندق شيراتون بالدوحة في عام 1984[4].
تتابعت بعد ذلك مشاركات العيسى الفنية الدولية، ومن ذلك مشاركتها في بينالي الفن الآسيوي الدولي الثالث في دكا، ببنغلاديش، عام 1986، كما شاركت، قبله، في معرض الفن التشكيلي لفنّاني مجلس التعاون لدول الخليج العربية في الدوحة عام 1983. ثم شاركت في المعرض الفني لأويبسوين (Oepsoin) بالدوحة في عام 1988. ثم أقامت معرضها الخاص الثاني في القاهرة في 1990[5].
مثّلت العيسى قطر في العديد من الفعاليات الفنية في دول العالم؛ في فرنسا، وبريطانيا، وتونس، واليابان، وكوريا الجنوبية، وباكستان، والهند، وتركيا وغيرها[6]. وأقيم لها معرض خاص في العاصمة الأميركية واشنطن في عام 2003. كما شاركت في معرض قصر اليونسكو في بيروت في عام 2009.
أما في الدوحة، فقد أقامت العيسى معرضًا في مركز إبداع الفتاة في الدوحة عام 2005، وشاركت كذلك في معرض الوفد للفنون في الدوحة في عام 2010. وفي عام 2012، شاركت في معرض "صالون أول" بقاعة الرواق للمعارض الفنية في الدوحة، تلاه معرض "لمع المناظر"
بجاليري المرخية في عام 2013. وفي الأعوام اللاحقة، احتفى بأعمالها معرض "الفن التشكيلي" بالجمعية القطرية للفنون التشكيلية في عام 2014، ومعرض "إبداعات شبابية"
بالمركز الشبابي للإبداع الفني في عام 2015. كما شاركت في معرض الجمعية القطرية للفنون التشكيلية بالدوحة في مارس 2017. ومعرض "عندي سوالف" في
الحوش جاليري في الدوحة في عام 2020[7].
انضمّت العيسى إلى "برنامج الفنانين الرواد 2021-2022" الذي ينظّمه جاليري ومتحف المطافي بالدوحة، الذي هدف إلى برنامج دعم الفنانين المتمرّسين في قطر. وفي عام 2011، عُرضت أعمالها في متحف الفن العربي الحديث والمعاصر (MATHAF)، الذي يقتني العديد من أعمالها ضمن مجموعته الدائمة. وتوجد أعمالها في مقتنيات العديد من المؤسسات العامة والأفراد في قطر وخارجها[8]. كما عرضت بعض أعمالها في معارض حظيت برعاية أميرية، أقيمت في سياق زيارات رسمية لأمير قطر إلى الخارج[9].
الأسلوب الفني
اتسمت تجربة العيسى بالميل نحو التجريب. وقد أثّرت خبرتها العملية في مجال التصميم الداخلي على إنتاجها البصري، وأثرت مصادر معرفتها المختلفة في قدرتها على الابتكار والتجديد. فقد وجّهت الفنانة جهدها للبحث في التراث الخليجي منذ بدء مسارها العملي في تلفزيون قطر في سبعينيات القرن الماضي، وقد ساعدها ذلك في استلهام عناصر الديكور للبرامج المحليةـ ما عرّفها بشكل جيد بأصول التراث الوطني القطري وهويته البصرية[10]. وكان من أثر ذلك في لوحاتها أن برزت عناصر الطبيعة والبيئة القطرية القديمة، واستلهام ذاكرة المكان في غالبية عملها، وبخاصة أشكال البيوت القديمة وعادات سكّانها في عهد ما قبل النفط، مازجة في ذلك بين النزعتين التأثيرية والتعبيرية[11].
دفعتها دراستها للديكور إلى استخدام خامات وتقنيات غير تقليدية، مثل الفلين والبوليستر، وخاصة في أعمالها التي أنجزتها بعد عودتها من القاهرة. فكانت من أوائل الفنانين القطريين الذين يجربون مثل هذه الخامات في الأعمال التشكيلية[12]. كما عنيت العيسى بتصوير المرأة الخليجية في لوحاتها التي نحت لوجهة تعبيرية، وشتها بخلفيات زخرفية وعناصر معمارية محلية، وكذلك عناصر الزيّ التراثي الذي يعكس الشخصية الخليجية في بيئتها وسياقها[13].
كما واصلت العيسى بحثها التجريبي عن أساليب ووسائط مختلفة، لتُعالج بها تصوّرها عن البيئة العمرانية الخليجية الأصيلة، وكان ذلك ظاهرًا في رسم البيوت القديمة، وطابعها المعماري، والأشكال المختلفة للأبواب والنوافذ وفناء الدار وزواياها، وحِلياتها من الزخارف والنقوش الجصّية المستمدة من الطبيعة، مثل السعف (ورق النخيل)، أو المِهفة (المروحة البدوية). واستلهمت المفردات الإسلامية، مثل العقود، والبَوَاكِي، والمقرنصات، والزخارف الهندسية والنباتية. وفي أعمالها تلك مالت إلى كسر التماثل والرتابة والإيقاع المنتظم. مُوجّهةً تركيزها على خلق قيم لونية تماثل ألوان الصحراء، مع إضافة ملمس ناعم أو خشن لتعزيز الحس الواقعي. كما أظهرت عنصر الزمن من خلال التلاعب بالضوء والظل، ما أضفى على لوحاتها طابعًا زخرفيًا تأثيريًا[14].
ومع الألفية الجديدة، اتجهت أعمال العيسى لرؤية تجريدية، تعتمد الحرف العربي وزخارفه الموروثة، متأثرة بموجة المدرسة الحروفيّة التي كانت قد صعدت في خلال تلك الفترة في العديد من البلدان العربية. وقد استلهمت العيسى الحروف بصفتها عنصرًا زخرفيًّا في البداية، ثم حرّرتها لتصبح الأساس البنائي في اللوحة، مستخدمة خلفيات ورقية أو جلدية أو قماشية، كما في أعمال، مثل "دعاء"، و"بسم الله الرحمن الرحيم"، و"من وحي القرآن"[15]. ومنذ عام 2005، مالت أكثر إلى المزيد من الحسّ التأثيري، مستدعية في أعمالها المزج المعماري بين الطابع الساحلي في الخليج والطابع الريفي المصري، فظهرت في أعمالها العمارة مازجة بين ملامح المجتمعين، وذلك من خلال تصوير مبان ومناظر بحرية تجمع بين عناصر معمارية وزخرفية وطبيعية من البيئتين[16].
المراجع
البغدادي، خالد.
الفن التشكيلي القطري: تتابع الأجيال. الدوحة: المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث، 2007.
غانم، طارق(محرر).
سوالف: الفن القطري بين الذاكرة والحداثة. قطر: دار بلمزبري- مؤسسة قطر للنشر، 2011.
الملا، حسن عبد الرحمن وعبدالله ناظم الحامدي.
الفن التشكيلي في دولة قطر: ستون عامًا من الإبداع 1960-2020. الدوحة: دار كتارا للنشر، 2020.
المناعي، خولة.
العشر الأوائل من رائدات الفن التشكيلي في قطر. الدوحة: المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث، 2008).
[1] حسن عبد الرحمن الملا وعبد الله ناظم الحامدي،
الفن التشكيلي في دولة قطر: ستون عامًا من الإبداع 1960-2020 (الدوحة: دار كتارا للنشر، 2020)، ص82.
[2] "عن وفيقة"، وفيقة سلطان العيسى، شوهد في 8/10/2025، في:
https://acr.ps/hBxRYkz
[3] خالد البغدادي،
الفن التشكيلي القطري: تتابع الأجيال (الدوحة: المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث، 2007)، ص129.
[4] "عن وفيقة".
[5] المرجع نفسه.
[6] خولة المناعي،
العشر الأوائل من رائدات الفن التشكيلي في قطر (الدوحة: المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث، 2008)، ص19.
[7] "عن وفيقة".
[8] البغدادي، ص141.
[9] طارق غانم (محرر)،
سوالف: الفن القطري بين الذاكرة والحداثة (قطر: دار بلمزبري- مؤسسة قطر للنشر، 2011)، ص36.
[10] غانم، ص36.
[11] المناعي، ص22.
[12] البغدادي، ص140.
[13] المناعي، ص23.
[14] المرجع نفسه، ص24.
[15] المرجع نفسه.
[16] المرجع نفسه، ص27.