وادي مور أحد أكبر الأودية الموسمية في اليمن، ينبع من المرتفعات الوُسطى، ويمتَدّ غربًا ليصبّ في البحر الأحمر. ويُشكّل موردًا مائيًا ومجالًا للأنشطة الزراعية، ويمتاز بتنوّع طبيعي واسعٍ ومجال إنتاجي خصب. وتُشكّل دراسة حوضه مدخلًا لفهم خصائص الأودية الموسمية، بما يعكس التفاعل المتناغم بين النظم الطبيعية والبشرية في البيئة اليمنية.
الموقع والخصائص الطبيعية
يقع وادي مور بين دائرَتي عرض 20′ 15° و55′ 16° شمالًا، وخطَّي طول 40′ 42° و42′ 44° شرقًا، وهو من أكبر الأودية التي تصبُّ في البحر الأحمر. وتبلغ مساحة الحوض نحو 9263 كيلومترًا مربعًا، ويشمل أجزاءً من عدّة محافظات يمنية، منها عمران وصعدة والمحويت، علاوة على أجزاء واسعة من محافظة حجة. ويمتدّ غربًا عبر سهل تهامة، حتى يصل إلى شواطئ البحر الأحمر في محافظة الحديدة.
تتنوَّع التكوينات الجيولوجية ضمن الحوض، إذ ينتشر تكوين عمران الجيري، وتكوين الطويلة الرملي، وتكوين كحلان الطيني في أقصى شرق الحوض، ويظهر تكوين وجيد في أقصى الشمال. وفي وسط الحوض، تنتشر الصخور البركانية الثلاثية، إلى جانب تكوينات كحلان وعمران. وباتجاه الغرب، تُغطّي الرواسب الفيضية والريحية الحديثة أجزاءً واسعةً من سهل تهامة، حتى مصبِّ الوادي عند ساحل البحر الأحمر[1].
يتدرَّج سطح حوض وادي مور من مرتفعات جبلية شاهقة في الشرق إلى سهل ساحلي منخفض غربًا، حيث تتركَّز أعلى القمم الجبلية في منطقة منابع الوادي. ويبلغ أعلى ارتفاع في الحوض عند جبل حضور الشيخ (3350 مترًا)، وجبل مسور (3240 مترًا)، وجبل الأشمور (2850 مترًا). أما من الشمال، فتوجد جبال رازح المرتفعة، وتضمّ جبل الصفة (2890 مترًا)، والجبل الأسود (2880 مترًا) وجبل حرام (2790 مترًا). وتمتدّ مرتفعات شبام كوكبان والطويلة (3000 متر) وجبال المحويت (2360 مترًا) على الجانب الجنوبي للحوض.
ينحدر الحوض بشكل حادٍّ من المنابع الجبلية نحو الوسط، ثم يتخذ انحدارًا لطيفًا باتجاه الغرب عبر مناطق أقدام الجبال (pediments)، ثم ينخفض لأكثر من 2000 متر إلى نحو 500 فوق مستوى سطح البحر، فتبرز التلال الصخرية المنعزلة (Inselberge) التي شكَّلتها التعرية المائية.
ويتَّجه وادي مور غربًا نحو سهل تهامة، ضمن نطاق فيضي يتميَّز بوفرة المياه الجوفية وخصوبة التربة. وبانتهاء التشكيلات الفيضية، يواصل مجرى الوادي مسارَه داخل نطاق تغلُب عليه الكُثبان الرملية التي تُغطِّي الرواسب الفيضية، حتى يصل إلى مصبِّه في ساحل البحر الأحمر[2].
[الشكل 1] حوض وادي مور: الوحدات الجيولوجية الأساسية
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
التربة والمناخ
تُظهِر تربة الحوض تباينًا واضحًا، لاختلاف العوامل الطبيعية المؤثرة، ففي النطاق الشرقي والتضاريس الجبلية الحادّة، تسود تربٌ غيرُ مستقرّة وحديثة التكوين، تُعاني من انجرافها المستمر. أما في مناطق أقدام الجبال والوسط الشرقي للحوض، فتنتشر تربٌ فيضية بقوام غريني - طيني، شكَّلتها العمليات الفيضية. وبالانتقال غربًا إلى السهل الساحلي، تسود تربٌ رملية - غرينية في المناطق الوسطى من الحوض، وتُهيمن الكُثبان الرملية النشطة كلما اقتربنا من الساحل[3]. تعكس الترب نمطًا بيئيًا هشًّا، يتأثر في ممارسات الرعي الجائر والزراعة غير المستدامة.
يسود الحوضَ مناخٌ شبهُ جافّ، ففي المرتفعات الشرقية والجنوبية الشرقية، تتراوح كميّات الأمطار السنوية بين 350 و600 ملّيمتر، في حين تنخفض مُعدّلاتها تدريجيًا باتجاه الغرب، وتتراوح بين 100 و400 ملّيمتر في سهل تهامة. وتتباين درجات الحرارة تبعًا للاختلاف الطبوغرافي، ففي المرتفعات الشرقية، يبلغ متوسط الحرارة الصيفي نحو 23.4°م، في حين ينخفض في الشتاء إلى نحو 19.2°م. وعلى العكس، تُسجِّل المناطق الغربية في السهل الساحلي درجات حرارة أعلى، إذ يصل متوسّط الصيف إلى 32.7°م، والشتاء إلى نحو 27°م[4]. هذا التباين يُؤثر في نمط الجريان السطحي، وأوقات الجفاف، ومتطلّبات الري، وفاعلية التغذية الجوفية في الحوض.
[الشكل 2] مقطع عام للسهل الترسيبي لوادي مور
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
الأشكال والعمليات الفيضية
يتكوّن حوض وادي مور من شبكة معقدة من أحواض الأودية الفرعية التي تصبُّ في حوض وادي مور الرئيس، أبرزها: وادي لاعة، ووادي الأفراح، ووادي شرس، ووادي حيدان. وقد شهد الحوض عبر تاريخه عمليّات الأسر النهري (River capture)، إذ استطاعت المجاري الأعلى طاقةً، بسبب الانحدار الشديد وقُوّة الجريان، أن تستقطب جريان الأودية المجاورة، ما أدى إلى توسُّع الحوض واندماج أحواض كانت منفصلةً سابقًا. يأخذ الحوض شكلًا أقرب إلى حرف L، فيعكس خصائص هيدرولوجية فريدة، منها أن نسبة الاستدارة المنخفضة 0.04[5]، تسمح ببطء تصريف مياه الأمطار، ما يُعزّز تغذية المياه الجوفية.
وتُصنَّف مجاري وادي مور إلى ستّ رُتب: الرتب من الأولى حتى الرابعة تتركّز في المناطق الجبلية العُليا، وتتميّز بمجارٍ ضيقة وعميقة ومُعلّقة وذات قيعان صخرية؛ أما الرتبتان الخامسة والسادسة، فتسودان في الهضاب المنخفضة وفي سهل تهامة، حيث تتسع المجاري وتقلّ سرعة الجريان، ما يُعزّز من عمليات الترسيب.
تُعَدّ المروحة الفيضية (Alluvial fan) من أبرز الأشكال الفيضية في وادي مور، التي تشكَّلت عند خروج الوادي من نطاق المرتفعات ودخوله إلى سهل تهامة، وهي تمتَدّ من شرق السهل إلى وسطه، وتُشكِّل ترسّبات مخروطيّةَ الشكل، غنيّةً بالمياه الجوفية والتربة الخصبة، ما يجعلها نطاقًا زراعيًا خصبًا، وإن كان مُعرَّضًا بشدة لمخاطر الفيضانات. تشكّلت المروحة بسبب تغيُّرات مناخية قديمة، إذ شهد الحوض تحوّلًا من المناخ الرطب إلى الجاف، ما أدى إلى ترسيب كميات كبيرة من المواد الفيضية. كذلك فإن وجود المدرّجات الفيضية على جانبَي المجرى، يشير إلى دورات من التذبذب المناخي، ترافقت مع نوبات من الفيضانات الشديدة، تخلَّلتها أوقات جفاف[6].
[الشكل 3] مقطع هيدروجيولوجي للسهل الترسيبي لوادي مور
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
التصريف المائي
يعتمد تصريف وادي مور على الأمطار الموسمية الصيفية، ووفقًا للبيانات الهيدرولوجية، يبلغ المُعدَّل السنوي للتصريف المائي نحو 183 مليون متر مكعب، مع تسجيل أعلى تصريف خلال عام 1993، بنحو 353 مليون متر مكعب. وقد سُجِّل أدنى تصريف عام 1988، إذ بلغ نحو 80 مليون متر مكعب. وقد بلغت نسبة إسهام مياه الأمطار في تصريف مياه الحوض عام 1993 نحو 79 في المئة، وهي النسبة الغالبة في المناطق المرتفعة الشرقية. في المقابل، أسهمت الينابيع والعيون بنسبة 21 في المئة، وهي مصادر تتفاوت أهميتها من عام إلى آخر، إلا أنها تُشكّل رافدًا مستمرًا نسبيًا، ولا سيما في المرتفعات الشرقية.
تُظهِر سجلّات الجريان المائي أن مناطق المنابع الشرقية تحتفظ بتدفق مائي شبه دائم، في حين أن المجاري في القسم الغربي من الحوض، تتعرّض لحالة من الجفاف الموسمي، لانخفاض مُعدَّلات الأمطار وارتفاع معدلات التبخُّر.
نمط الإنتاج الزراعي
يُعَدّ وادي مور مركز نشاط زراعي، ومن أهم الأنماط الزراعية في الحوض[7]:
الزراعة المطرية في المنحدرات الجبلية
في النطاقات الشرقية المرتفعة، تسود الزراعة المطرية، وتنتشر زراعة الحبوب، مثل القمح والشعير والذرة، علاوة على البقوليات والبُنّ والقات. ونظرًا لانحدار التضاريس، طوَّر السُّكّان المحليّون نظامَ
المصاطب الزراعية {{المصطبة الزراعية: (Terraces Farming) نظام لتحويل الأراضي حادّة الانحدار إلى أراضٍ أُفقية، ولحصاد المياه والرواسب القادمة من أعلى المنحدرات نحو مجاري الوادي.}}، التي أسهمت في حصاد مياه الأمطار والحدِّ من انجراف التربة. وتنتشر في الحوض أنماط مصاطب مسارات الجريان، والمصاطب بين الأودية الجبلية، والمصاطب التكتونية[8].
الزراعة المروية بالمروحة الفيضية
تُمثّل المروحة الفيضية بيئة زراعية خصبة، إذ تُزرَع محاصيل تجارية مثل الموز والمانجو والحمضيات والجوّافة، علاوة على الخضراوات. إلا أن هذا النطاق عرضة لمخاطر الفيضانات الموسمية المفاجِئة، ما يتطلّب تدابيرَ وقائية.
الزراعة والرعي في الكثبان الرملية
في أقصى الغرب، تنتشر الكُثبان الرملية النشطة، نتيجة الرعي الجائر وتدهور الغطاء النباتي. وتُستغَلّ هذه المنطقة في زراعة محاصيل بسيطة مثل الذرة الرفيعة والسمسم، وتُستخدَم للرعي كذلك.
النطاقات العشبية الهامشية
تمتَدّ على السفوح شديدة الانحدار في المناطق ذات التربة الفقيرة، وتُستخدَم للرعي، وتربية النحل، والاحتطاب.
الزراعة الساحلية
بالقرب من مصبِّ الوادي، تنتشر زراعة الأشجار التي تتحمّل الملوحة، مثل النخيل والدوم والأراك، نظرًا لارتفاع ملوحة المياه الجوفية.
الاستيطان البشري
يتوزَّع السُّكّان في الحوض تبعًا لتوفّر الموارد الزراعية، حيث تنتشر القرى الريفية الصغيرة في المناطق الجبلية الشرقية، وتزداد الكثافة السكانية في المروحة الفيضية، رغم تعرّضها لمخاطر الفيضان. ويحتضن الحوض عددًا من المدن الرئيسة مثل المحويت وحجة، علاوة على المدن الثانوية، مثل خمر وحوث والمحابشة والزهرة والضحي. وتتراجع الكثافة السكانية تدريجيًا باتجاه الغرب، قرب مَصبِّ الوادي.
التغيُّرات المناخية في الحوض
شهد حوض وادي مور عبر تاريخه المناخي مجموعة من التغيُّرات التي أثرت بوضوح في بنيته الطبيعية، من أبرزها تكوّن المروحة الفيضية، إذ يشير موقعها واتّساعها إلى حدوث نشاط تكتوني أسهم في تشكيل منحدر الوادي باتجاه سهل تهامة، ما مهَّد لتراكم الرواسب خلال الأوقات المناخية الأكثر رطوبة في الماضي[9].
تشير ظاهرة الأسر النهري (River Capture) في حوض وادي مور إلى مرحلة تطوّر ديناميكي، رافقه تغيُّر في معدلات الجريان السطحي، نتيجة التذبذبات المناخية. وتُعَدّ المُدرّجات الفيضية القديمة المنتشرة في مواضع عدة في قاع مجرى الوادي، دليلًا إضافيًا على تفاوت فترات الجفاف والرطوبة وتكرارها، ما أثَّر في كثافة الترسيب، ومن ثَمّ أعاد تشكيل المجاري المائية على مرِّ الزمن. في العصر الحديث، تتواصل التأثيرات المناخية، ومن أبرز شواهدها فيضان عام 2022 الذي ضرب أجزاءً واسعة من المروحة الفيضية، وتحديدًا مدينة الضحي وقراها المجاورة، مُسبّبًا أضرارًا، ومُبرِزًا هشاشة المنطقة أمام الأحداث المناخية المتطرِّفة.
المراجع
العربية
الزيادي، صادق محمد علي. "هيدرولوجية واستغلال المياه في حوض وادي مور شمال غرب اليمن: دراسة جغرافية"، رسالة ماجستير. جامعة صنعاء. صنعاء. 2001.
اللهبي، ناجي علي. "تأثير متغيرات المنحدر على الأبعاد القياسية للمدرجات الزراعية اليمنية".
مجلة الجزيرة للعلوم التربوية والإنسانية. مج 10، العدد 1 (2013). ص 139-162.
________. "السهل الترسيبي لوادي رماع: دراسة في جيومورفولوجية المناطق الجافة وشبه الجافة"، رسالة ماجستير. جامعة الخرطوم. الخرطوم. 2001.
________. "جيومورفولوجية مروحتي وادي زبيد ووادي سردود بالسهل الفيضي الساحلي للجمهورية اليمنية"، أطروحة دكتوراه. جامعة الخرطوم. الخرطوم. 2005.
الأجنبية
AL-Ahdel, A. O. "Geophysical Studies on the Wadi Surdud Area, Tihama Plain, Y.A.R.," M. S. Thesis. Sana’a University. Sana’a. 1988.
French, R. H.
Hydraulic Processes on Alluvial Fans. Amsterdam: Elsevier, 1987.
Grolier, M. J. & W. C. Overstreet, “Geologic map of the Yemen Arab Republic.” at:
https://acr.ps/1L9F3ad
- W. Halcrw et al.
Wadi Surdud, Development on the Tihama: Soils and Land Capability. A. R.: 1978.
[1] M. J. Grolier & W. C. Overstreet, “Geologic map of the Yemen Arab Republic,” at:
https://acr.ps/1L9F3ad
[2] ناجي علي اللهبي، "جيومورفولوجية مروحتي وادي زبيد ووادي سردود بالسهل الفيضي الساحلي للجمهورية اليمنية"، أطروحة دكتوراه، جامعة الخرطوم، الخرطوم، 2005، ص 67.
[3] صادق محمد علي الزيادي، "هيدرولوجية واستغلال المياه في حوض وادي مور شمال غرب اليمن: دراسة جغرافية"، رسالة ماجستير، جامعة صنعاء، صنعاء، 2001، ص 88.
[4] المرجع نفسه، ص 45.
[5] المرجع نفسه، ص 105.
[6] اللهبي، "جيومورفولوجية مروحتي وادي زبيد ووادي سردود"، ص 217.
[7] ناجي علي اللهبي، "السهل الترسيبي لوادي رماع: دراسة في جيومورفولوجية المناطق الجافة وشبه الجافة"، رسالة ماجستير، جامعة الخرطوم، الخرطوم، 2001، ص 149.
[8] ناجي علي اللهبي، "تأثير متغيرات المنحدر على الأبعاد القياسية للمدرجات الزراعية اليمنية"،
مجلة الجزيرة للعلوم التربوية والإنسانية، مج 10، العدد 1 (2013)، ص 148.
[9] R. H. French,
Hydraulic Processes on Alluvial Fans (Amsterdam: Elsevier, 1987), p. 52.