القناة الأنيونية المعتمدة على فرق الجهد، ويعرف اختصارًا باسم "فيداك" (VDAC, Voltage-Dependent Anion Channel, VDAC) هي بروتين موجود في الغشاء الخارجي للميتوكوندريا، وهي عضيّات {{عضيّات: جسيمات خلوية متخصصة محاطة بغشاء (أو أكثر) تتواجد داخل الخلايا حقيقية النواة (Eukaryotic cells)، تؤدي وظائف متخصصة، مثل النواة (Nucleus) أو الميتوكوندريا (Mitochondria) أو البلاستيدات (Chloroplasts).}} خلوية مسؤولة عن إنتاج الطاقة الحيوية في الخلايا حقيقية النوى.
يعمل فيداك بوصفه قناة أو فجوة تيسّر تبادل الجزيئات بين الميتوكوندريا والعصارة الخلوية (السيتوسول) {{العصارة الخلوية (السيتوسول): المكوّن السائل للسيتوبلازم (Cytoplasm) ويشمل العضيات المحاطة بالغشاء والمكونات غير القابلة للذوبان. يتكون أساسًا من الماء، والأيونات المذابة، والجزيئات الصغيرة، والبروتينات القابلة للذوبان. يُعدّ السيتوسول موقعًا للعديد من التفاعلات الأيضية، بما في ذلك التحلل الغلايكولي وتخليق بعض البروتينات، وهو يُعدّ الوسط الذي يُسهّل نقل المواد والإشارات الكيميائية داخل الخلايا.}} في الخلية. وتشير صفة "المعتمدة على فرق الجهد" في اسم هذه القناة إلى أن نشاط القناة يتأثر بفرق الجهد عبر الغشاء الخارجي للميتوكوندريا.
ويؤدي فيداك – بوصفه بروتينًا - دورًا حاسمًا في تنظيم مرور الجزيئات الحيوية، بما في ذلك الأدينوسين ثلاثي الفوسفات {{الأدينسون ثلاثي الفوسفات: (أو أدينوزين ثلاثي الفوسفات) هو نوكليوتيد (Nucleotide) عالي الطاقة، يعدّ المصدر الرئيس للطاقة الحيوية في الخلية، إذ إن تكسيره يعطي الطاقة الكافية للقيام بالعمليات المختلفة. يتكون من جزيء أدينين (Adenine) مرتبط بسكر الريبوز (Ribose) المرتبط بثلاث مجموعات فوسفات.}}. وتشارك هذه القناة في العمليات الخلوية المختلفة مثل إنتاج الطاقة، والاستماتة الخلوية (موت الخلايا المبرمج)، وتنظيم الكالسيوم. وقد أثبتت الدراسات التطورية أن هيكل فيداك ووظيفته حُفظا بشكل كبير في معظم الكائنات الحية في أطوار التطور المختلفة، الأمر الذي يدلّ على أهميته الأساسية في الفيزيولوجيا الخلوية.
بوابة ما بين الميتوكوندريا والعصارة الخلوية
منذ حوالي ملياري سنة، اندمجت خليّتان حيّتان في خلية واحدة ما أدى في النهاية إلى ظهور مجموعة واسعة من الكائنات الحية الكبيرة ومتعددة الخلايا الموجودة إلى يومنا هذا. وهذه الخلايا هي حقيقيات النوى (Eukaryotes). لا يمكن المبالغة في أهمية هذا الحدث لأن الكائنات التي لم تخضع لهذا الاندماج، وهي بدائيات النوى (Prokaryotes)، بقيت مجهرية في الحجم. تشير الأدلة الحالية إلى أن خلية متحركة بدائية غير قادرة على استخدام الأكسجين قد ابتلعت كائنًا شبيهًا بالبكتيريا كان قادرًا على استخدام الأكسجين، وبدلًا من تناوله على أنه طعام أصبح الكائن المبتلَع متعايشًا داخليًّا (Endosymbiont) مع الخلية المبتلِعة. تُعرف هذه النظرية باسم التعايش الداخلي (Endosymbiosys) والكائن المبتلَع المتعايش داخليًّا يعرف باسم الميتوكوندريا (Mitochondria) (الشكل 1). ومع مرور الوقت، أصبح هذا التكافل متكيفًا إلى الحد الذي تبدو الميتوكوندريا فيه مجرد واحدة من العديد من العضيّات داخل الخلايا، ولكن الميتوكوندريا مميزة إذ أنها تتكاثر وحدها كأنها طفيلي يعيش داخل الخلايا، إضافة إلى أنها تتحكم في حياة الخلية بأكملها وموتها.
إن المسار الرئيس لتبادل الجزيئات بين الميتوكوندريا والعصارة الخلوية/السيتوسول (Cytosol) في الخلية هي القناة الأنيونية {{الأنيونية: هو أيون ذو شحنة سالبة، يتكوّن عندما تكتسب ذرّةٌ أو جزيءٌ ما إلكترونًا أو أكثر.}} المعتمدة على فرق الجهد (فيداكVoltage dependent anion channel, VDAC, )[1]. وبناءً عليه، فإن فيداك هو المسار الذي يسمح للميتوكوندريا بالعمل بانسجام مع بقية الخلية.
[الشكل 1] التعايش الداخلي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تحتوي الميتوكوندريا على غشاءين، غشاء داخلي وظيفته الرئيسة استخلاص الطاقة من خلال الحرق المنظم للهيدروجين الموجود في الغذاء لتكوين الماء، وتحويل الطاقة الناتجة عن الحرق إلى طاقة مخزّنة في مركبات الأدينوسين ثلاثي الفوسفات (Adenosine triphosphate, ATP) التي تستخدمها الخلية للقيام بمعظم الوظائف الخلوية. يعمل الغشاء الخارجي إلى حد كبير حاجزًا يفصل الميتوكوندريا عن بقية الخلية، مثل الحدود بين دولة وأخرى، وكما أن السفر من بلد إلى آخر يتطلب المرور عبر معابر خاضعة للرقابة في الحدود بين هذه الدول، فإن بروتين فيداك يُعدّ منفذ الدخول الرئيس في الميتوكوندريا، فهو يشكل قنوات في الغشاء الخارجي تسمح بمرور مجموعة متنوعة من الجزيئات الصغيرة، ومع ذلك، يتحكم فيداك في المرور من حيث كمية المواد التي يمكنها المرور منه ونوعيتها مثل المعابر بين البلدان أيضًا.
ولأن فيداك قناةٌ بروتينية، فإن وظيفتها وتنظيمها مشفّران في بُنية البروتين الهيكلية، مثل باقي البروتينات. هذا التشفير هو تسلسل الأحماض الأمينية {{تسلسل الأحماض الأمينية (Amino acids): يتكوّن الحمض الأميني من ذرّة كربون مركزية حولها 4 ذرات: هيدروجين، وكربوكسيل (COOH)، وأمين (NH2)، وسلسلة جانبية تختلف من حمض أميني لآخر.}} التي تشكِّل البروتين، وكيف تُشكِّل خصائص السلاسل الجانبية للأحماض الأمينية ومواقعها بُنية البروتين العامة. تبرز أهمية فيداك في حياة الخلايا المحتوية على الميتوكوندريا بسبب أن بنيته الأساسية وخصائصه قد حُفِظت بشكل كبير على مدى مليار سنة على الأقل من التطور[2]. فلا يمكن ملاحظة أي فرق عند دراسة الخصائص الأساسية لفيداك المستخرَج من مصدر بشري، أو من القمح، أو من الخميرة {{الخميرة: (Yeast) هي فطريات وحيدة الخلية تؤدي عملية تخمير السكريات منتجة ثاني أكسيد الكربون والكحول، وهي ضرورية في الخبز وعمليات التخمُّر والأبحاث العلمية بصفتها كائنات نموذجية تساعد في التكنولوجيا الحيوية.}}، أو غيرها. وهذا يعني أنه إذا غَيّرت الطفرات تلك الخصائص بشكل كبير، وقامت طفرة واحدة في أماكن حرجة بفعل ذلك، فلن يتمكن هذا الكائن من البقاء على قيد الحياة، لذا فإن خصائص فيداك ضرورية لحياة الكائنات العليا. إضافة إلى أن الجين المُشفِّر لفيداك قد تضاعف مرتين وثلاث مرات بمرور الوقت بحسب متطلبات الكائن الحي مع الاحتفاظ بخصائص النسخة الأصلية. أدى التكيُّف عن طريق الانتقاء الطبيعي {{الانتقاء الطبيعي (Natural selection): هو العملية التي تتكاثر من خلالها الكائنات الحية التي تتمتع بخصائص أفضل تتناسب مع بيئتها بنجاح أكبر وتبقى على قيد الحياة، ما يسمح بتمرير تلك الخصائص إلى الأجيال القادمة.}} إلى ظهور مجموعة متنوعة من قنوات فيداك لملء عدد من الوظائف الحيوية في الخلايا من خلال التحكُّم في كل من العمليات التي تعزِّز حياة الخلية وموتها[3]، عندما يكون موت الخلية ضروريًّا لحياة الكائن الحي بأكمله.
الوصف والخصائص
فيداك هو بروتين على شكل برميل يقع في الغشاء الخارجي للميتوكوندريا في جميع الكائنات الحية حقيقية النوى. يتكون من سلسلة مكونة من حوالي 300 حمض أميني وتبلغ كتلته الجزيئية حوالي 32 كيلو دالتون {{الدالتون: وحدة قياس (Da)، المعروفة أيضًا بوحدة الكتلة الذرية الموحدة (amu)، وحدة قياس معيارية لكتلة الذرات والجزيئات. يُعرّف 1 دالتون بأنه واحد على اثني عشر من كتلة ذرة الكربون ذات الوزن الذري 12، ويعادل تقريبًا 1.66053906660 × 10⁻²⁷ كيلوغرام. 1 كيلو دالتون = 1000 دالتون.}} اعتمادًا على الكائن الحي الذي يُحصل عليه منه. وله أشكال مختلفة توجد في معظم الكائنات الحية من فيداك تسمى بـ"النظراء البروتينية" (Protein isoforms)، وذلك بسبب التضاعفات في الجين. يُعدّ أحد النظراء الشكل الأساسي لأن خصائصه محفوظة بشكل كبير بين جميع الكائنات الحية التي تحتوي على الميتوكوندريا. وبناءً عليه، فإن خصائص النظير الأساسي لفيداك تُضبط بحسب الوظائف الرئيسة للميتوكوندريا، مثل إنتاج الطاقة للخلية. بينما تتكيّف النظراء الأخرى مع وظائف متخصصة مثل التحكّم في العملية التي تنهي بها الخلايا حياتها، وهي عملية موت الخلايا المبرمج (Programmed cell death) أو الاستماتة الخلوية (Apoptosis).
يشكل فيداك قناة أو فجوة مملوءة بالماء تسمح لجزيئات صغيرة معينة بعبور الغشاء الخارجي للميتوكوندريا من العصارة الخلوية وإليها. لتكوين الفجوة، تشبه بنية البروتين بنية البرميل، بحيث تكون العصي التي تشكل البرميل عبارة عن سلاسل من الأحماض الأمينية التي تجتاز الغشاء (الشكل 2). يُبطَّن الجزء الداخلي من البرميل بسلاسل جانبية من الأحماض الأمينية القطبية {{الأحماض الأمينية القطبية: المحبّة للماء.}} أو المشحونة، في حين أن الجزء الخارجي من البرميل الذي يواجه الجزء الداخلي من الغشاء غير القطبي فيه السلاسل الجانبية من الأحماض الأمينية غير القطبية {{الأحماض الأمينية غير القطبية: الكارهة للماء (المحبة للدهون).}}. وهكذا تُثبَّت قناة فيداك في الغشاء بحيث يمكنها التحرك بشكل جانبي في المائع ثنائي الأبعاد الذي يمثل الغشاء. لا يمكن للجزيئات الكبيرة جدًا (أكبر من 5 كيلو دالتون) عبور قناة فيداك (قُطر الفجوة مقدَّر بـين 2.5 و3 نانومتر[4]) في حين أن الجزيئات الأصغر ذات الخصائص الفيزيائية الملائمة تعبر بسهولة. إن مواقع الشحنات والهياكل القطبية أو غير القطبية للجزيء المُراد نقله تُعدّ أساسية لقدرته على الانتقال عبر فيداك. إن الانتقاء الطبيعي ضبط البنية الداخلية لقناة فيداك لتسهيل نقل المواد المهمة مثل الأدينوسين ثلاثي الفوسفات والأدينوسين ثنائي الفوسفات {{الأدينوسين: أدينوسين ثنائي الفوسفات (أو أدينوزين ثنائي الفوسفات، Adenosine diphosphate) هو نوكليوتيد (Nucleotide) يتكون من جزيء أدينين (Adenine) مرتبط بسكر الريبوز (Ribose) المرتبط بمجموعتي فوسفات؛ وهو ناتج منخفض الطاقة من تحلل الأدينوسين ثلاثي الفوسفات(ATP) .}} (Adenosine diphosphate, ADP) وثنائي نوكليوتيد الأدنين وأميد النيكوتين (Nicotinamide adenine dinucleotide, NADH) وغيرها ولكن استُبعدت الجزيئات غير الفيزيولوجية التي يتشابه حجمها وشحنتها مع حجم جزيء الأدينوسين ثلاثي الفوسفات[5]. وبالإضافة إلى تحديد ما يمكن الدخول عبر فيداك من خلال خصائص الفجوة وخصائص الجزيء، يمكن لفيداك أيضًا تغيير هيكله إلى هيكل تضيق فيه الفجوة بصورة ملحوظة استجابةً لمجموعة متنوعة من المحفِّزات. إن الجهد الكهربائي (Voltage) عبر الغشاء أحد هذه المحفزات، لذلك يمكن التحكم في حالة فيداك من خلال فرق الجهد عبر الغشاء[6]، فشكلُ فيداك البروتيني مقطع علوي وجانبي لهيكل بروتين فيداك البشري، معبّر عنه بدقة ذريّة توصّل إليها العلماء من خلال دراسة البلورات بالأشعة السينية وبوساطة الرنين المغناطيسي النووي.
[الشكل 2] شكل فيداك البروتيني
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
فُكَّ تشفير هيكل فيداك من خلال فحص بلورات البروتين المستخلص النقي {{فحص بلورات البروتين المستخلص النقي: تقنية مخبرية لتحديد البنية الذرية لبلورات المواد البيولوجية، عن طريق تحليل أنماط حيود الأشعة السينية عن البلورات البيولوجية (البروتينات أو الأحماض النووية). تكشف عن الترتيب ثلاثي الأبعاد للجزيئات، ما يُمكّن من تحقيق إنجازات في تصميم الأدوية، وفهم الآليات البيولوجية. كانت روزاليند فرانكلين رائدة هذه التقنية في دراستها للولب الحمض النووي.}} وباستخدام الرنين المغناطيسي النووي (Nuclear magnetic resonance, NMR)[7]. نظرًا إلى أن البنية المستخدمة في الدراسات أُنشئت عن طريق إعادة طي البروتين المشوّه، وبما أنه يتعارض مع العديد من الدراسات الوظيفية، فهناك شكوك بأن الهيكل الوظيفي لفيداك هو الحقيقي في الخلايا[8]. ومع ذلك، فإن معظم العلماء مقتنعون بأن البنية التي حُلّت صحيحة.
اكتشافه
اكتُشف فيداك في عام 1975[9] في تجارب لدراسة البروتينات المكوِّنة للقنوات عن طريق إخراجها من الأغشية الطبيعية ووضعها في غشاء اصطناعي مكوَّن من دهون فسفورية {{الدهون الفسفورية (Phospholipids): (أو الفوسفوليبيدات) هي دهون أمفيباتية (ذات طبيعة مزدوجة،Amphipathic ) تتكون من رأس فوسفاتي محب للماء وذيلين من الأحماض الدهنية الكارهة للماء. تشكل الدهون الفسفورية القاعدة البنيوية الأساسية لجميع الأغشية الخلوية.}} معروفة، والقيام بالقياسات الفيزيائية والكيميائية عليها. في أثناء محاولة دراسة البروتينات التي تُنظِّم وظيفة السباحة في خلاياالبراميسيوم (Paramecium) بهذه الطريقة، اكتشف ماركو كولومبيني (Marco Colombini) وستانلي شين (Stanley Schein) بإشراف البروفيسور آلان فينكلستين (Alan Finkelstein) هذه القناة وأطلقوا عليها اسم فيداك بسبب خاصية اعتمادها على فرق الجهد. كان هذا الاكتشاف مهمًا للغاية إذ إن قناة فيداك أول قناة غشائية أُعيد تشكيلها ودراستها على مستوى القناة الواحدة. لم تكن وظيفة فيداك معروفة، وشكَّل وجود هذه القناة في الميتوكوندريا لغزًا. وعندما حُدِّد موضعها في الغشاء الخارجي للميتوكوندريا[10]، عُرف سبب إنفاذ الغشاء الخارجي للجزيئات الصغيرة، وبناءً عليه رُبط وجود فيداك بعمل الميتوكوندريا ووظيفتها. أشار الاعتماد على الجهد الكهربي وقدرة فيداك على الإغلاق إلى ما كان غير متوقع، وهو أن الغشاء الخارجي مهم ويمكنه التحكم في وظيفة الميتوكوندريا، ولم يقبل العلماء المتخصصون في أبحاث الميتوكوندريا هذا الاستنتاج لسنوات عديدة. وفي السياق نفسه وبشكل مستقل ومتزامن وجد العالم كارمن مانيلا (Carmen Mannella) مجموعة من الفجوات (المسام) عند دراسته بلورات ثنائية الأبعاد في الغشاء الخارجي للميتوكوندريا المعزولة من الفطريات بوساطة المجهر الإلكتروني[11]. ومن خلال تعاون علمي بين كولومبيني ومانيلا أُكِّد لاحقًا على أن هذه المسام هي قنوات فيداك.
آلية التحكم بفرق الجهد
عندما يكون الجهد عبر الغشاء الخارجي للميتوكوندريا منخفضًا أو غير موجود، تكون قناة فيداك في الحالة المفتوحة، ويكون منفِّذًا للأدينوسين ثلاثي الفوسفات والأنيونات الأيضية الصغيرة الأخرى، ما يسمح بمعدلات التمثيل الغذائي (الاستقلاب Metabolism) العالية التي تُعدّ حاسمة ومهمة في الخلايا النشطة. أما إذا ارتفع فرق الجهد إلى 20 أو 30 مللي فولت، فإن قنوات فيداك تُغيّر شكلها إلى الحالة المغلقة، ما يُثبِّط النشاط الخلوي. يستشعر هذا البروتين الغشائي التغيرات في الجهد عبر الغشاء ويغير بنيته وفقًا لذلك بسبب حركة بعض أحماضه الأمينية. تشعر الأحماض الأمينية المشحونة الموجودة في الغشاء بقوة المجال الكهربائي الموجود عبر الغشاء نتيجة لفرق الجهد بين جانبي الغشاء، خاصة وأن المجال الكهربائي قوي جدًا لأن الغشاء رقيق للغاية. تتسبب القوة الناتجة في تحرك مناطق خاصة على البروتين (تسمى مستشعر الجهد الكهربي Voltage sensor)، وبناءً عليه يمكن تغيير بنية البروتين الذي يمكن أن يتواجد في أشكال بنيوية مختلفة. ثمة مناطق على جدران قناة فيداك تحمل شحنة موجبة، وعندما تُسحب من القناة إلى سطح الغشاء يصغر حجم القناة. في حالة عدم وجود فرق جهد عبر الغشاء الخارجي للميتوكوندريا، تكون قناة فيداك ذات حجم كبير (الحالة المفتوحة) ولكن مع وجود فرق في الجهد، تصغر مساحة القناة (الحالة المغلقة) ما يمنع الجزيئات التي تمر بالعادة مثل الأدينوسين ثلاثي الفوسفات من التدفق خلالها[12]. وفي الوقت نفسه، فإن إزالة تلك الشحنات الموجبة من وسط القناة يؤدي إلى تكوين شحنة سالبة مُحصِّلة، لذا فإن هذه البيئة غير مواتية لمرور المستقلَبات (المواد الأيضية Metabolites) التي تحمل شحنة سالبة مثل الأدينوسين ثلاثي الفوسفات. على الرغم من أن انتقائية قناة فيداك أكثر تعقيدًا من مجرد التغييرات في الشحنة، إلا أن التغيير الكبير في الشحنة يسهم بالتأكيد في أن تصبح القناة غير قادرة على مرور الأدينوسين ثلاثي الفوسفات. إضافة إلى أن مجرد حركة المنطقة المشحونة إيجابًا من جدار القناة إلى سطح الغشاء تعمل بوصفها حركة مستشعر الجهد بوساطة المجال الكهربائي وعلى أنها تغيير هيكلي ينتج عنه تغيير في وظيفة فيداك، أما في غيرها من القنوات التي تعتمد على فرق الجهد فثمة حاجة إلى بنيتين منفصلتين لتنفيذ هذين الإجراءين. عند إغلاق القناة، يتحرك مستشعر الجهد الكهربي المشحون إيجابيًّا إلى سطح الغشاء. تصاحب هذه العملية تقليص قطر الفجوة وتعكس انتقائية القناة من الأيونات السالبة إلى الموجبة. في الحالات المغلقة، تصبح القناة غير نفاذة لتدفق الأدينوسين ثلاثي وثنائي الفوسفات، ولكنها تظلّ قادرة على نقل الأيونات الصغيرة والكالسيوم (الشكل 3).
[الشكل 3]
رسم كرتوني يوضّح طريقة فتح قنوات فيداك وإغلاقها
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
الأدوار البيولوجية
لا تشكّل قناة فيداك ممرًّا سلبيًّا يسمح للمركبات الأيضية بالانتقال من سيتوبلازم {{سيتوبلازم (Cytoplasm) :(أو الوسط الخلوي) هو ما يوجد داخل الخلية باستثناء النواة في الخلايا حقيقية النوى (Eukaryotic cells)، وكل ما يوجد داخل الخلية في الخلايا غير حقيقية النوى (Prokaryotic cells).}} الخلية إلى حجرات الميتوكوندريا فحسب، بل تتحكم في تدفُّق هذه المواد. ولكي يكون هناك تحكّم فإن التعرف على احتياجات الخلية تصبح حاجة ضرورية لأنها يمكن أن تتغير من لحظة إلى أخرى. وبناءً عليه، ومثل أي آلية تحكّم، يجب أن يكون هناك جهاز استشعار يكتشف التغيير وجهاز استجابة يستجيب للتغيير ويفعل ذلك بطريقة تعمل على تحسين حياة الكائن الحي بأكمله. يُعدّ تدفّق الجزيئات الزائد أو القليل جدًا عبر فيداك أمرًا ضارًا. وبعض هذا التحكّم يأتي بسبب الخصائص الفيزيائية والكيميائية الأساسية لفيداك، مثل انتقائية النفاذ عبر القناة والتحكم في فرق الجهد (راجع 2 و4)، ولكن هناك تحكمًا كثيرًا يأتي من الجزيئات التي ترتبط وتتفاعل مع فيداك. ويوجد قائمة طويلة ومتنامية من الجزيئات الخلوية والجزيئات الكبيرة التي ترتبط بفيداك وتتحكم في وظيفته وتؤثر فيه. وقد لُخّص هذا الموضوع جيدًا في مراجعة علمية نُشرت في كتاب دليل أكسفورد للميتوكوندريا عام 2021[13]. وفي ما يلي تُعرض بعض الأمثلة:
- مكونات الهيكل الخلوي {{الهيكل الخلوي (Cytoskeleton): عبارة عن شبكة من الخيوط البروتينية (الأنابيب الدقيقة، والخُيَيْطيَّات، والخيوط المتوسطة) التي تحافظ على شكل الخلية، وتُسهل حركتها، وتُنظم حركة العضيّات ووظائفها. كما تُمكّن من المقاومة الميكانيكية، والنقل داخل الخلايا، وانقسام الخلايا. تُحرك عمليات إعادة الترتيب الديناميكية عمليات مثل هجرة وانقسام الخلايا، وانتقال الإشارات.}}: يجب ضبط إنتاج الطاقة وفقًا لاستخدام الخلية لها. تحتاج الخلية إلى الحد من إنتاج الطاقة في ظل ظروف معينة. يوجد أوقات تكون هناك حاجة إلى المزيد من الطاقة ولكن تولَّد كميات أقل منها، إذا كان الغذاء نادرًا، على سبيل المثال. إن التحكم في قدرة فيداك على نقل الجزيئات يحدّ من إنتاج الطاقة. فعندما تكون الخلايا نشطة، تتواجد هياكل متخصصة في داخل الخلية بكثرة. تعرف هذه الأشكال بالهيكل الخلوي ومن مكوناته الأنيبيبات الدقيقة {{الأنيبيبات الدقيقة (Microtubules): هياكل أسطوانية مكونة من بروتين التيوبيولين (Tubulin)، توفر الدعم الهيكلي، وتسهم في النقل داخل الخلايا، وتؤدي دورًا أساسيًّا في انقسام الخلايا والحفاظ على شكلها.}} والخيوط الدقيقة {{الخيوط الدقيقة (Microfilaments): هياكل رفيعة تشبه الخيوط مكونة من بروتين الأكتين (Actin)، تدعم شكل الخلية، وتمكنها من الحركة، وتساعد في انقسام الخلايا.}}. تشارك هياكل الأنيبيبات الدقيقة في حركية الخلية والنقل داخل الخلايا وفي الخيوط المغزلية (Spindle fibers) التي تسحب الكروموسومات وقت الانقسام الخلوي. وهذه الهياكل تتفكك إلى وحدات أحادية عندما تكون الخلايا أقل نشاطًا وتتجمع مرة أخرى في هياكل طويلة عندما تكون الخلايا نشطة. ترتبط الأشكال الأحادية بفيداك ما يقلل من تدفق الجزيئات الخلوية عبره. تسد بعض هذه البروتينات القناة، ويتسبب البعض الآخر في دخول قنوات فيداك إلى حالتها المغلقة. ومن ثم عندما تكون الخلايا أقل نشاطًا، فإن إغلاق فيداك يقلل من توصيل الطاقة إلى العصارة الخلوية وإنتاج الطاقة في الميتوكوندريا.
- الاستماتة الخلوية: في الكائنات متعددة الخلايا توجد عملية مستمرة يُتخلص بوساطتها من الخلايا التالفة أو التي تعرضت لأضرار لا يمكن إصلاحها أو تلك التي لا حاجة لها، وهو ما يُعرف بـ "موت الخلايا المبرمج" أو "الاستماتة الخلوية" أو "انتحار الخلايا" إذ تحول هذه الخلايا نفسها إلى غذاء لخلايا أخرى. ومن الأمثلة على ذلك إزالة الخلايا المكونة للشبكة بين الأصابع في الأطفال قبل الولادة، وقضاء الجهاز المناعي (Immune system) على الخلايا التي قد تؤدي إلى المناعة الذاتية (Autoimmunity). هناك حاجة ملحّة لمسارات موت الخلية المبرمج، فالخلايا التي لا يمكن إصلاحها بسبب تراكم الأضرار والطفرات يمكن أن تصبح خلايا ورم خبيثة (Malignant tumor cells). في معظم الحالات، وفي العادة تخضع هذه الخلايا للاستماتة الخلوية ويُتخلص منها، ولكن إذا تضررت عملية موت الخلايا المبرمج، فإن هذه الخلايا تفقد القدرة على الانتحار وتصبح خلايا سرطانية. تشارك قناة فيداك في بعض الخطوات المبكرة التي تؤدي إلى موت الخلايا المبرمج، بحيث يؤدي إغلاق فيداك إلى إطلاق البروتينات من الميتوكوندريا من خلال آلية متخصصة معلنةً بدء عملية موت الخلايا المبرمج التي لا رجعة فيها.
- الكالسيوم: الكالسيوم أيون صغير ثنائي الشحنة الموجبة، يسهم في تنظيم العديد من الوظائف الخلوية، وخاصة تقلُّص العضلات وإفراز الحويصلات خارج الخلايا وطرق الإشارة الخلوية. عندما تُغيِّر قناة فيداك هيكلها مُشكِّلةً فجوةً أصغر (الحالة المغلقة) تصبح في الواقع أكثر نفاذيةً لأيونات الكالسيوم بسبب تغيير نفاذيتها الانتقائية. يؤثر هذا التغيير في تدفق أيونات الكالسيوم، فيؤدي إلى التأثير في قدرة الكالسيوم على العمل في الخلايا العضلية، مثل خلايا القلب وغيرها من الخلايا. ونتيجةً لكل ذلك، فإن فيداك يؤدي دورًا مهمًا في انتقال الإشارات الخلوية وانقباضات العضلات وغيرها من العمليات الحيوية المعتمدة على أيون الكالسيوم.
يُعدّ الانتقال من تغييرات محددة في خصائص بروتين واحد مثل فيداك إلى تغييرات في الكائن الحي بأكمله مهمة صعبة ومعقدة إلى حد كبير. ولكن ما يزال بإمكان الباحث المتخصص أن يلاحظ تأثيرات واسعة النطاق، ويتساءل عن السبب. ومن الأمثلة على ذلك الإزالة التجريبية لنظير واحد فقط من الأشكال الثلاثة لفيداك في الفئران، فعندما أُزيل بروتين فيداك 3، لاحظ الباحثون أن الفئران الذكور الناتجة عن هذه العملية كانت عقيمة لأن خلايا الحيوانات المنوية لم تكن قادرة على السباحة[14]. إضافة إلى أن الفئران أيضًا كانت مفرطة النشاط سريريًّا، ربما بسبب بعض التغيرات في بنية الدماغ أو وظيفة الخلايا العصبية.
المراجع
Colombini, M. “A candidate for the permeability pathway of the outer mitochondrial membrane.” Nature. vol .279) 1979(. pp. 643‑645.
________. “Mitochondrial outer membrane channels,” Chemical Reviews, vol. 112, no. 12) 2012(. pp. 6373-6387.
________. “The Published 3-D structure of the VDAC channel: native or not?” Trends in Biochemical Sciences. vol .34) 2009(. pp .382-389.
Rostovtseva, T. & Marco Colombini. “ATP flux is controlled by a voltage-gated channel from the mitochondrial outer membrane.” Journal of Biological Chemistry. vol. 271, no. 45) 1996(. pp. 28006-28008.
Rostovtseva, T. K. et al. “VDAC channels differentiate between natural metabolites and synthetic molecules.” Journal of Membrane Biology. vol. 187 (2002). pp .147-56.
Hiller, S. et al. “Solution structure of the integral human membrane protein VDAC-1 in detergent micelles.” Science. vol .321) 2008(. pp .1206-1210.
Mannella, C. A. “Structure of the outer mitochondrial-membrane - ordered arrays of pore-like subunits in outer-membrane fractions from Neurospora-crassa mitochondria.” Journal of Cell Biology. vol. 94) 1982(. pp .680-687.
Rajendran, Megha, Sergey M. Bezrukov & Tatiana K. Rostovtse. “Voltage-Dependent Anion Channel (VDAC) in Health and Disease.” in: Elizabeth A. Jonas (ed.). The Oxford Handbook of Mitochondria (Oxford Academic: 2021). at: https://acr.ps/1L9F30q
Sampson, Margret J. et al. “Immotile sperm and infertility in mice lacking mitochondrial voltage-dependent anion channel type 3.” Journal of Biological Chemistry. vol. 27,6 no. 42 (2001). pp .39206-39212.
Schein, S. J., Marco Colombini & Alan Finkelstein. “Reconstitution in planar lipid bilayers of a voltage‑dependent anion‑selective channel obtained from Paramecium mitochondria.” Journal of Membrane Biology. vol .30) 1976(. pp. 99‑120.
[1] Marco Colombini, “A candidate for the permeability pathway of the outer mitochondrial membrane,” Nature, vol .279 (1979), pp. 643‑645.
[2] Marco Colombini, “Mitochondrial outer membrane channels”, Chemical Reviews, vol. 112, no. 12 (2012), pp. 6373–6387.
[3] Ibid.
[4] نانومتر: 1 نانومتر = 1/1.000.000 ملّيمتر.
[5] Tatiana Rostovtseva et al., “VDAC Channels Differentiate between Natural Metabolites and Synthetic Molecules,” Journal of Membrane Biological, vol. 187 (2002), pp. 147-56.
[6] Colombini, “A candidate for the permeability pathway”.
[7] Sebastian Hiller et al., "Solution structure of the integral human membrane protein VDAC-1 in detergent micelles", Science, vol .32 (2008), pp .1206-1210.
[8] Marco Colombini, “The Published 3-D structure of the VDAC channel: native or not?,” Trends in Biochemical Sciences, vol .34 (2009), pp .382-389.
[9] S. J. Schein, Marco Colombini & Alan Finkelstein, “Reconstitution in planar lipid bilayers of a voltage‑dependent anion‑selective channel obtained from Paramecium mitochondria,” Journal of Membrane Biology, vol .30 (1976), pp. 99‑120.
[10] Colombini, “A candidate for the permeability pathway”.
[11] C. A. Mannella, “Structure of the outer mitochondrial-membrane - ordered arrays of pore-like subunits in outer-membrane fractions from Neurospora-crassa mitochondria,” Journal of Cell Biology, vol. 94 (1982), pp .680-687.
[12] T. Rostovtseva & Marco Colombini, “ATP flux is controlled by a voltage-gated channel from the mitochondrial outer membrane,” Journal of Biological Chemistry, vol. 271, no. 45 (1996), pp. 28006-28008.
[13] Megha Rajendran, Sergey M. Bezrukov & Tatiana K. Rostovtseva, “Voltage-Dependent Anion Channel (VDAC) in Health and Disease,” in: Elizabeth A. Jonas (ed.), The Oxford Handbook of Mitochondria (Oxford Academic, 2021), accessed on 19/11/2024, at: https://acr.ps/1L9F30q
[14] Margret J. Sampson et al., “Immotile sperm and infertility in mice lacking mitochondrial voltage-dependent anion channel type 3,” Journal of Biological Chemistry ,vol. 27,6 no. 42 )2001,( pp .39206–39212.