الموجز
أُويس بن عامر القرني، المكنى أبا عمرو، تابعيّ منسوب إلى قبيلة قَرَن اليمانية، يعدّ من الطبقة الأولى من التابعين، وهو معدود أيضًا بين كبار العباد والزاهدين في القرن الأول الهجري.
ومع قلة الأخبار عنه، بل تشكيك بعض المتقدمين والمحدثين في وجوده التاريخي، فإن حضوره المبكر في المصنفات اللغوية والحديثية والنَّسَبية، ثم في كتب الطبقات والزهد والتصوف، جعل عامة المحدثين والمؤرخين يثبتونه ويحتفون به واحدًا من كبار زهاد القرن الأول الهجري. تفيد الروايات الواردة في شأنه بأنه نشأ في اليمن دون ذكر واضح عن مولده وأسرته وحياته الأولى، وتشير إلى أنه أدرك زمن النبي ﷺ ولكنه لم يلقه، ولذلك عُد من التابعين لا من الصحابة، مع تفسير ذلك غالبًا بانشغاله ببر أمه.
تشير الأخبار إلى انتقاله في الشطر الثاني من حياته إلى الكوفة، مع اختلاف في زمن هذا الانتقال وملابساته. وقد صُور هناك زاهدًا فقيرًا، معتزلًا، متقشفًا، لا يُؤبه له بين الناس، حتى نسبه بعضهم إلى غرابة الحال أو الجنون، ولكن صورته في الوقت نفسه، لا تنحصر في العزلة والخفاء، إذ تروي بعض الأخبار حضه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومشاركته في بعض الفتوح، ثم شهوده معركة صفين في صف علي بن أبي طالب (ت. 40هـ/ 661م)، إذ قيل إنه قُتل معه سنة 37هـ/ 657م، مع وجود روايات أخرى متباينة في موضع وفاته ودفنه، يغلب على كثير منها الطابع التبجيلي وأحيانًا الأسطوري لا التاريخي.
نُسبت إليه أقوال كثيرة مبثوثة في كتب الزهد والوعظ والتصوف، تدور حول العزوف عن الدنيا، وإصلاح القلب، ومحاسبة النفس، والخوف من التقصير، وتجنب الشهرة. وتبقى كثرتها محل تفكير لأنها تناقض واقع الأخبار القليلة عن سيرته الشخصية وغموضها. وقد أسهمت هذه الأقوال، مع الأخبار المروية عنه، في ترسيخ صورته نموذجًا للزاهد الخفي والولي المستتر.
وللسيرة المنسوبة إليه ولأقواله أثر في التراث الكلامي والأخلاقي والصوفي، إذ استُدل بقصته على فضل الخفاء، وبر الوالدين، وترك الشهرة، وعدم احتقار المغمورين من الصالحين. وفي التصوف غدا شخصية مركزية، وارتبط به مفهوم مستقل هو "الأُويسية"، يفيد التلقي الروحي الباطني من النبي ﷺ أو من أرواح الأولياء من غير شيخ ظاهر.
حياته وسيرته
أُويس بن عامر بن جزء القرني[1]، كُني أبا عمرو[2]، معدود في الطبقة الأولى من التابعين. يرجع في نسبه إلى قَرَن من بطون قبيلة مراد اليمانية، وهي قبيلة ترجع في أنسابها إلى مذحج[3]. ورغم قلة الأخبار عنه، وإنكار البعض وجوده التاريخي -كما سيأتي- وُصفت ملامحه الخِلقية بدقة غير معهودة بهذا النمط في كتب التراجم، فذُكر أنه أشهل (من الشُهلة، وهي حُمْرة في سواد العين) ذو صُهوبة (وهي حمرة في الشعر يعلوها سواد) مع شدة الأُدْمة (السمرة الداكنة). كذلك تشير الروايات إلى أنه كان معتدل القامة، بعيد ما بين المنكبين (عريض الكتفين)، مع الإشارة إلى وجود لمعة بيضاء في جسده، من أثر برص برأ منه[4].
يرد ذكر أويس القرني في طائفة مبكرة من المصنفات اللغوية والحديثية والنَّسَبية، ومن أوائل موارد ذكره في كتاب العين المنسوب إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت. نحو 170هـ/ 786م) عند الكلام على "قَرَن" بوصفها حيًّا من اليمن[5]، كذلك وردت أخباره في مصنفات الزهد ذات الطابع الحديثي، مثل: الزهد لعبد الله بن المبارك[6] (ت. 181هـ/ 797م)، والزهد للمعافى بن عمران الموصلي[7] (ت. 185هـ/ 801م)، وفي كتب الأنساب، مثل نسب معد واليمن الكبير لهشام بن محمد بن السائب الكلبي[8] (ت. 204هـ/ 819م). ثم تتابع ذكره في كتب الطبقات والسير والتراجم والأخبار، بدءًا من الطبقات الكبيرلمحمد بن سعد (ت. 230هـ/ 845م)، والطبقات لخليفة بن خياط (ت. 240هـ/ 854م)، إلى أن استقر اسمه في تراجم التابعين والزهاد والصوفية وسيرهم. ومع هذا الحضور المبكر، فإن ما ترويه هذه المصادر عن سيرته المبكرة ظل موجزًا، إذ لا تقدم عنه إلا أخبارًا محدودة، يغلب عليها بيان زهده ومكانته العامة، بلا تفصيل وافٍ عن أحواله المختلفة، حتى حُكي أن بعض أهل عصره لم يعرفه، كما نُقل عن شعبة بن حجاج (ت. 160هـ/ 776م)، وبلغ الأمر ببعضهم إلى إنكار وجوده التاريخي، كما نُقل عن مالك بن أنس (ت. 179هـ/ 795م) وغيره، غير أن شهرته في كتب الحديث والمدونات التاريخية جعلت عامة المحدثين والمؤرخين يثبتون وجوده، ويعدونه من كبار الزهاد والتابعين في القرن الهجري الأول/ السابع الميلادي، وفي ذلك يقول ابن عدي الجرجاني (ت. 365هـ/ 976م): "وقد شك قوم فيه إلا أنه من شهرته في نفسه وشهرة أخباره لا يجوز أن يُشك فيه"[9]. وقد تابع التشكيك في وجوده التاريخي –اعتمادًا على مواقف بعض المتقدمين- بعض المؤرخين والباحثين في القرن العشرين، كسهيل زكار (1936-2020)، وعبد العزيز الحميدي[10]. وتفيد الروايات الواردة في هذه المصادر بأن القرني نشأ في اليمن، غير أنها لا تورد معلومات عن تاريخ مولده، ولا عن مكانه أو عن مراحل حياته الأولى في اليمن، ولا يُعرف شيء عن أسرته، كذلك لا تقدم معلومات واضحة عن كونه متزوجًا[11]. وبحسب الروايات المتاحة، كان القرني زاهدًا يقتات في اليمن من رعي الإبل وجمع نوى التمر وبيعه[12]. ولا تُقدم معلومات وافية عن كيفية إسلامه ولا عن ظروف ذلك، وإن كان يُرجح أنه اعتنق الإسلام على أيدي مسلمين قدموا إلى اليمن لدعوة أهلها إلى الإسلام، وبحسب الرواية الشيعية يُذكر أن أويسًا أسلم على يد علي بن أبي طالب حين أوفده النبي محمد ﷺ لتعليم أهل اليمن الإسلام[13]. وتذكر الروايات أنه أدرك زمن النبي محمد ﷺ، غير أنه لم يلتقِ به، وهو ما يفسر عده في طبقات التابعين لا الصحابة[14]، وقد حكى عبد الوهاب الشعراني (ت. 973هـ/ 1565م) في طبقاته أنه قرأ في بعض الكتب أن أويسًا أدرك النبي ﷺ وشارك معه في غزوة أحد، وأن النبي ﷺ لم يكن يصيبه جرح إلا لحق بأويس مثله، غير أن الشعراني ساق هذا الخبر بقدر من التشكك، فضلًا عن أن هذا الخبر لا وجود له أصلًا في المصادر المتقدمة، ولكنه يعطي تصورًا عن استقبال الفكر الصوفي لهذه الشخصية الغامضة ونسجه الأساطير عنها[15]. وترجع بعض الأخبار سبب عدم لقائه بالنبي ﷺ إلى انشغاله برعاية أمه.[16] ويشيع في بعض الموسوعات والكتب الحديثة خبر مفاده أن أويسًا استأذن والدته في لقاء النبي ﷺ لفترة قصيرة، فتوجه إلى المدينة، لكنه لم يلتق به لأنه لم يكن في بيته، فعاد إلى اليمن في اليوم نفسه.[17] وتُساق هذه القصة في سياق تفسير عدم لقائه بالنبي ﷺ، وتبدو من الأخبار الرامية إلى سد بعض الفجوات في سيرته، غير أنه لا وجود لها في المصادر التاريخية المبكرة، ولا حتى في التراجم الصوفية اللاحقة، ويظهر أنها من السيرة الشعبية التي تحيط ببعض الشخصيات، وفي مقابل ذلك، تورد بعض المصادر المتأخرة، ولا سيما ذات النزعة الصوفية، تفسيرًا آخر يتمثل في ما عُبر عنه بـ"غلبة الحال" إلى جانب حق أمه، فتوافر بهذا سببان حالا دون لقائه بالنبي ﷺ[18].
يُشار إلى أن القرني قضى الشطر الثاني من حياته في الكوفة، وقد نُقلت حول انتقاله إليها أخبار متعددة من حيث زمن هذا الانتقال وكيفية حدوثه وأسبابه. ولعل أبرزها ما رواه مسلم بن الحجاج (ت.261هـ/ 875م) في صحيحه، إذ يورد في ذلك روايتين: الأولى أنه كان ضمن وفد بني قَرَن الذي جاء إلى المدينة، فالتقى بعمر بن الخطاب (ت.23هـ/ 644م) وعُرف باسمه وصفته، ثم اختار الكوفة موضعًا لإقامته، والثانية تفيد بأنه قدم الكوفة واستقر فيها قبل أن يُستدل عليه، وأن البحث عنه جرى لاحقًا ضمن وفود أهل الكوفة[19]. كذلك تذكر روايات أنه ظل مقيمًا في اليمن مدة طويلة، وكان الخليفة عمر بن الخطاب يسأل عنه في مواسم الحج ضمن وفود أهل اليمن، إلى أن دُل عليه هناك، وكان راعيًا لإبل قومه. وتشير هذه الأخبار مجتمعة إلى أن الكوفة شكلت المحطة الأكثر بروزًا في سيرته المتأخرة[20].
تنقل المصادر التي تناولت إقامة القرني في الكوفة عددًا من الأخبار المتصلة بحاله المعيشي ووضعه الاجتماعي، وتفيد هذه الروايات بأنه عاش هناك حياة اتسمت بالفقر والعزلة، مع ميل واضح إلى الزهد والتقشف، من غير أن تشير إلى انخراطه في عملٍ أو حرفةٍ معروفة، أو ارتباطه ببنية اجتماعية أو عائلية مستقرة. وتورد بعض الروايات أوصافًا أكثر تفصيلًا لحاله المعيشي، فتذكر أنه كان يقتات مما يجده أو يلتقطه في الخرائب ومواضع القمامات، وأن لباسه كان رثًّا؛ إذ وُصف بأنه ذو طِمرين، أي يلبس ثوبين باليين من الصوف، أو لا يجد ما يستره، ولا ينتعل حذاء، ويضرب ذقنه إلى صدره، راميًا ببصره موضع سجوده، لا يُؤبه له بين الناس، في صورة تعكس سكونه وانصرافه عما حوله[21].
كذلك تعكس بعض الروايات نظرة المجتمع إليه، إذ يُذكر أن بعض من حوله عدوه غريب الأطوار أو مختلًّا مصابًا في عقله، وذكر أبو القاسم النيسابوري (ت.406هـ/ 1015م) في كتابه عقلاء المجانين أنه أول من نُسب إلى الجنون في الإسلام[22]، وأنه تعرض للأذى والسخرية، ولا سيما من الصبيان، إذ كانوا -كما يقول- يؤذونه ويقذفونه بالحجارة[23]. وقد وُصف في بعض الأخبار بأنه متدني المكانة الاجتماعية[24]، وبلغ بعض هذه الأوصاف حد استخدام نعوت قاسية تعكس صورة التهميش الاجتماعي في تلك الروايات[25]. وفي الوقت نفسه، تظهر بعض الروايات مواقفه من الناس ومن الشهرة، حيث كان يتحفظ من أن يُقصد أو يُعرف، ويغادر المواضع التي يُخشى أن يلتف الناس حوله فيها، ومن ذلك أن هرم بن حيان العبدي لما لقيه، وتعرف عليه، طلب منه أن يحدثه، فامتنع على ذلك وقال له: "إني أكره أن أفتح هذا الباب -يعني: على نفسي- أن أكون محدثًا أو قاصًّا أو مفتيًا"[26]، غير أن تلك الألفاظ والمصطلحات (المحدث والقاصّ والمفتي) لم تكن من مصطلحات النصف الأول من القرن الأول الهجري، وهي تنتمي إلى عصور لاحقة[27]. وحين لقي عمر بن الخطاب، وعرض عليه أن يكاتب والي الكوفة في شأنه، قال له: "أكون في غبراء الناس (أي فقرائهم) أحب إلي"[28] وحين فطن أهل الكوفة بشأنه "انطلق على وجهه"[29]. ورُوي أنّه قال أيضًا لعمر: "أشهرتني وأهلكتني"[30].
غير أن صورته واحدًا من الأغمار، والعامة، واعتزاله الناس، لم تكن هي الصورة الوحيدة، إذ نُقل عنه حضه على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتنبيه الأمراء، في صورة مناقضة لصورة المتخفي المعتزل للشأن العام، إذ يُروى عنه قوله مخاطبًا أحد أصحابه: "[...] إن قيام المؤمن بأمر الله لم يبق له صديقًا، والله إنا لنأمرهم بالمعروف وننهاهم عن المنكر فيتخذوننا أعداء، ويجدون على ذلك من الفسّاق أعوانًا، حتى والله لقد رموني بالعظائم"[31].
وتذكر رواياتٌ أن القرني شارك في عدد من المعارك زمن الفتوح الإسلامية، وأنه تنقل في أقاليم مختلفة، منها: سجستان، وأرمينية، وأذربيجان، ونهاوند[32]. كذلك تفيد الأخبار بأنه شهد معركة صفين في صف علي بن أبي طالب[33]، وأنه قُتل فيها على الأرجح سنة 37هـ/ 657م، وإن كانت تفاصيل مقتله وملابساته لا ترد على نحو متفق عليه في المصادر، إذ اختلفت الروايات في تحديد زمن وفاته ومكانها، فتذكر روايات أخرى أنه تُوفي في سياق الفتوح الإسلامية، فقيل: إنه مات في أذربيجان، أو في سجستان أو أرمينية، كذلك وردت أقوال متفرقة بوفاته في مكة أو دمشق أو الحيرة[34]، وتحيط بعامة هذه الروايات تفاصيل ذات طابع عجائبي تتعلق بموضع دفنه، ومن ذلك ما رُوي عن أحمد بن حنبل (ت. 241هـ/ 855م) في كتاب الزهد: "عن عبد الله بن سلمة قال: غزونا أذربيجان زمن عمر بن الخطاب ومعنا أويس القرني. فلما رجعنا -يعني: مرض- علينا، فحملناه فلم يستمسك، فمات، فنزلنا، فإذا قبر محفور وماء مسكوب وكفن وحنوط، فغسلناه وكفناه وصلينا عليه ودفناه، فقال بعضنا لبعض: لو رجعنا فعلَّمنا قبره فنستغفر له. فرجعنا، فإذا لا قبر ولا أثر له"[35]. وهو ما يدفع إلى التعامل معها بحذر من حيث قيمتها التاريخية، إذ هي أقرب إلى أدب القداسة، والسيرة التبجيلية (Hagiography) منها إلى السيرة التاريخية[36]. ولعل في سيرة أويس الكثير من الأخبار ذات الطابع التبجيلي التقديسي، منها -على سبيل المثال- ما رُوي أن أويسًا قلع أسنانه لشدة أحزانه حين سمع أن سن النبي محمد ﷺ كُسرت يوم أحد، ومن جنس هذه الأخبار أن النبي ﷺ أهداه بردته[37].
أقوال ومواعظ منسوبة إليه
أوردت كتب الأخبار والوعظ، وكتب الزهد والتراجم، فضلًا عن المصنفات ذات الطابع الصوفي، عددًا كبيرًا من الأقوال المنسوبة إلى القرني، تناقض كثرتها قلة المروي عن سيرته. وتظهر مواقف أخلاقية وزهدية وتأملات وعظية، بدءًا من المصنفات الحديثية المبكرة، كـالزهد لأحمد بن حنبل، ورسائل ابن أبي الدنيا(ت. 281هـ/ 894م)، مرورًا بكتب التراجم كـحلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني (ت. 430هـ/ 1038م)، وشعب الإيمان لأبي بكر البيهقي (ت. 458هـ/ 1066م)، ثم تذاكر الصوفية ومصنفاتهم كالرسالة القشيرية لأبي القاسم القشيري (ت. 465هـ/ 1072م)، وكشف المحجوبلأبي الحسن الهجويري (ت. نحو 465هـ/ 1072م)، وصولًا إلى الأعمال الوعظية والصوفية المتأخرة، كـإحياء علوم الدينلأبي حامد الغزالي (ت. 505هـ/ 1111م)، وتذكرة الأولياءلفريد الدين العطار (ت. 618هـ/ 1221م)، وروض الرياحين في حكايات الصالحينلأبي السعادات اليافعي (ت. 768هـ/ 1367م). ويُلاحظ أن هذه الأقوال، على تنوع موضوعاتها، تشترك في إبراز معانٍ متكررة، مثل: العزوف عن الدنيا، والاهتمام بإصلاح القلب والنية، والخوف من التقصير، وتجنب الشهرة. كذلك فإن حضورها الكثيف في كتب الوعظ والتصوف أسهم في ترسيخ صورة أويس القرني بوصفه شخصية زهدية مثالية في الذاكرة الدينية، بصرف النظر عن درجة الثبوت التاريخي لكل قول على حدة.
ومن أشهر ما نُقل عنه قوله: "اللهم إني أبرأ إليك من كل كبد جائعة، ومن كل بدن عارٍ، اللهم لا أملك إلا ما ترى"[38]، وتذكر بعض الأخبار أنه كان إذا أمسى تصدق بما فضل في بيته من طعام أو ثياب، ثم يقول: "اللهم من مات جوعًا فلا تؤاخذني به، ومن مات عريانًا فلا تؤاخذني به"[39]، وهو ما يعكس، في تصوير هذه الروايات، ارتباط زهده بالشعور بالمحاسبة والشفقة على الناس. ونُقل عنه في باب الوصايا ما رُوي من مخاطبته هرم بن حيان العبدي، وكان من أصحابه، حين سأله الوصية، إذ قال له: "توسد الموت إذا نمت، واجعله أمامك إذا قمت، ولا تنظر في صغر ذنبك، ولكن انظر من عصيت، فإن صغّرت ذنبك فقد صغرت الله، وإن عظّمت ذنبك فقد عظمت الله"[40]. وقيل: "بينما أويس القرني جالس إذ أتاه هرم بن حيان، فقال له أويس: ما جاء بك؟ قال: جئت لآنس بك. فقال أويس: ما كنت أرى أن أحدًا يعرف ربه فيأنس بغيره"[41]. كذلك نُسبت إليه أقوال قصيرة ذات طابع تأملي، مثل قوله: "كن في أمر الله كأنك قتلت الناس كلهم"[42]، وقوله: "إذا وقع الطلب ذهب الزهد"[43].
أثره
إلى جانب ما أورده المحدثون من أخبار أويس وأقواله، خصص عدد منهم في مصنفاتهم أبوابًا لذكره وبيان فضائله، اشتملت أساسًا على الآثار المرفوعة الواردة في شأنه، كما صنع ابن أبي شيبة (ت. 235هـ/ 849م) في مصنفه، وأحمد بن حنبل في الزهد (ت. 241هـ/ 855م)، ومسلم بن الحجاج في صحيحه. ثم أفرد له بعض المتأخرين كتبًا ورسائل في مناقبه، منها: تذكار اللبيب بمناقب أويس الأريب، المعروف بـمولد أويس القرني، لأبي محمد القادري الويلتوري (1936-2024)، ومناقب أويس القرني لمحمود بن عثمان اللامعي البرسوي، والمعدن العدني في فضل أويس القرني لملا علي القاري (ت. 1041ه/ 1606م). وقد بلغت الأخبار التي جمعها ملا علي القاري في رسالته نحو عشرين خبرًا، مع تفاوتها في الثبوت وفق معايير المحدثين، وتشير هذه الأخبار في جملتها إلى منزلة أويس القريبة من النبي محمد ﷺ، وإلى إثبات الخيرية له في جيل التابعين، وشدة بره بأمه، وكونه مستجاب الدعوة، إذ ورد أن النبي ﷺ أرشد بعض أصحابه إلى طلب الدعاء منه إذا لقوه. كذلك تذكر بعض الروايات أن له شفاعة عند الله، فقد ورد أنه يشفع يوم القيامة في مثل عدد ربيعة ومضر، ولعل أشهر هذه الأخبار، وأكثرها قبولًا عند أهل الحديث، خبر عمر بن الخطاب مع أويس القرني، كما رواه مسلم في صحيحه عن أُسير بن جابر، وفيه: "كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أثنى على أويس، فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم. قال: من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم. قال: فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم. قال: لك والدة؟ قال: نعم. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن، من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل. فاستغفر لي! فاستغفر له، فقال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة. قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال: أكون في غبراء الناس أحب إلي. قال: فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم فوافق عمر، فسأله عن أويس، قال: تركته رث البيت قليل المتاع. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن، من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل. فأتى أويسًا فقال: استغفر لي! قال: أنت أحدث عهدًا بسفر صالح، فاستغفر لي. قال: استغفر لي! قال: أنت أحدث عهدًا بسفر صالح، فاستغفر لي. قال: لقيت عمر؟ قال: نعم. فاستغفر له، ففطن له الناس فانطلق على وجهه، قال أُسير: وكسوته بردة، فكان كلما رآه إنسان قال: من أين لأويس هذه البردة؟"[44].
وقد أثارت السيرة المذكورة لأويس القرني، والأقوال المنسوبة إليه، جملة من المسائل الكلامية والأخلاقية في التراث الإسلامي، من ذلك ما حكاه أبو القاسم الأصبهاني تعليقًا على لقاء أويس بعمر بن الخطاب: "[...] وفي الحديث دلالة أن خيار عباد الله أكثرُهم أخفياء، وفيه دلالة أنه لا يجوز احتقار أحد من المسلمين، وفيه أن الشهرة من الثياب تُكره، وفيه أن الإحسان إذا كُتم كان أرجى، والعزلة خير من المخالطة، وفيه أن الاستغفار مرغوب فيه من الرجل الصالح"[45]، وينبه القاضي عياض (ت.544هـ/ 1149م) على "أن في التابعين والقرن الثاني من يفضل بعض من في القرن الأول، وفيه فضل بر الوالدين، وعظيم أجر البر بهما، فيه رجاء قبول من جاء من جهاد أو حج أو سفر طاعة"[46]. وقد خصص أبو بكر البيهقي بابًا في كتابه دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة ساق فيه قصة أويس، وعدّ إخبار النبي محمد ﷺ ووصفه إياه من أعلام نبوته ودلائلها[47]. ويشير إليه أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (ت. 728ه/ 1328م) في سياق مناقشته للتوسل وأحكامه[48].
القرني في الفكر الصوفي
ويحضر أويس القرني في الفكر الصوفي شخصية روحية مركزية، حتى لا يكاد يخلو كتاب من كتب تراجم الصوفية، أو مجموعات حِكَمهم، أو مصنفاتهم النظرية والحِكَمية، من ذكر له، سواء في سياق الزهد، أو الولاية، أو المعرفة، أو التلقي الروحي. فيرد عند محيي الدين بن عربي (ت. 638هـ/ 1240م) في رسالة روح القدس في محاسبة النفس، في سياق مقارنة يجريها بين أويس وبين أبي منصور الحلاج (ت. 309هـ/ 922م) وأبي يزيد البسطامي (ت. 261هـ/ 875م)، ضمن محاورة متخيلة يعقدها مع نفسه، ولا يأتي ذكر أويس هنا في إطار ترجمي مناقبي، بل بوصفه نموذجًا نظريًّا يُستثمر لتقرير فروق دقيقة في مقامات الصوفية وأنماط التجربة العرفانية، فيعرض أويسًا مثالًا للعارف المتمكن في مقامه، والمستقر في أحواله، ويقابل حاله بحالَي أبي يزيد والحلاج، بعدّهما دونه في المقامات والأحوال[49].
ويقدم بعض المتصوفة قراءة روحية لحديث النبي ﷺ: "إني لأجد نَفَسَ الرحمن من قِبَل اليمن"[50]، وهو حديث ارتبط في عدد من التفاسير الصوفية بشخصية أويس القرني، بوصفه تعبيرًا عن قرب باطني لا يتقيد بالمسافة المكانية ولا بالحضور الظاهر. ومن ذلك ما ذهب إليه حيدر آملي (ت. 787هـ/ 1385م)، إذ رأى أن الحديث يدل على بلوغ أويس مرتبة روحية متقدمة في سيره إلى الله، حتى إن النبي ﷺ شعر بقرب منزلته وعلو درجته، على الرغم من البعد المادي بين اليمن والمدينة[51]. وفي السياق نفسه، عبّر جلال الدين الرومي (ت. 672هـ/ 1273م) عن هذا المعنى تعبيرًا رمزيًّا في المثنوي، حين قال:
"وذلك الذي يشمّ رائحة الحق من اليمن،
كيف لا يشمّ رائحة الباطل منّي؟
وكيف شمّ المصطفى الرائحة من الطريق البعيد،
ولا يشمّ رائحة البخور من أفواهنا"[52]
في إشارة إلى أن الإدراك الروحي محكوم بصفاء القلوب، وليس بالقرب الحسي. ويرى سنائي الغزنوي (ت. 545هـ/ 1150م) في أويس القرني نموذجًا نادرًا للعارف الذي يتكون عبر قرون من الاصطفاء، لا في عمر واحد:
"وتلزم أعمار لكي يصير طفل موهوب
عالمًا فاضلًا أو شاعرًا حلو الكلام،
وتلزم قرون حتى تصير نطفة من ظهر آدم
عارفًا كأبي الوفاء الكردي أو أويس القرني"[53].
وفيه يقول أبو السعادات اليافعي (ت. 768هـ/ 1367م):
سقى الله قومًا من شراب وداده | فهاموا به من بين بادٍ وحاضر |
يظنهم الجهال جنوا وما بهم | جنون سوى حب على القوم ظاهر |
سقوا بكؤوس الحب راحًا من الهوى | فراحوا سكارى بالحبيب المسامر |
يناجونه في ظلمة الليل عندما | به قد خلوا منهم أويس بن عامر |
شهير يماني حوى المجد والعلا | لنا فيه عالي الفخر عند التفاخر[54] |
غير أن الأثر الأبرز لأويس القرني في التراث الصوفي يتمثل في مفهوم "الأُويسية"، وهو مصطلح يشير إلى منهج روحي وتربوي في التصوف الإسلامي، استُخدم للدلالة على الصوفية الذين قيل: إنهم تلقوا الإرشاد الروحي مباشرة من النبي ﷺ أو من أرواح الأولياء من غير شيخ حي ظاهر، عبر اتصال باطني لا يُدرك بالحواس[55]. وتجسد هذه الفكرة إمكان وجود إرشاد روحي مباشر وغير مرئي، يُنظر إليه في الأدبيات الصوفية بوصفه معادلًا في أثره للتربية الطُّرُقية التقليدية، وتعبيرًا عن أن سلوك الطريق لا يحتاج بالضرورة إلى وسيط ظاهر، وأن الحضور الروحي للولي في حياة السالك قد يتحقق عبر صلة غير مادية[56].
المراجع
العربية
آملي، حيدر. جامع الأسرار ومنبع الأنوار: في علم التوحيد وأسراره وحقائقه وأنواره. تحقيق محسن عقيل. بيروت: دار المحجة البيضاء، 2007.
إبراهيم، محمد مؤيد وميسون خلف البدري. "خير التابعين أويس القرني: دراسة تحليلية لسيرته الشخصية". مجلةالدراسات التاريخية. العدد 13 (2012). ص 164–196.
ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة. تحقيق ربيع بن هادي عمير المدخلي. عجمان: مكتبة الفرقان، 2001.
ابن الحجاج، مسلم. صحيح مسلم. خدمه واعتنى به محمد زهير الناصر. بيروت: دار طوق النجاة؛ جدة: دار المنهاج، 2011.
ابن حنبل، أحمد. الزهد. وضع حواشيه محمد عبد السلام شاهين. بيروت: دار الكتب العلمية، 1999.
ابن سعد، محمد. الطبقات الكبير. تحقيق علي محمد عمر. القاهرة: مكتبة الخانجي، 2001.
ابن عبد الحق، عبد المؤمن. مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع. بيروت: دار الجيل، 1991.
ابن عربي، محيي الدين. روح القدس في محاسبة النفس. قرأه وعلّق عليه محمود بيجو. دمشق: دار البيروتي، 2005.
ابن عساكر. تاريخ مدينة دمشق: وذكر فضلها وتسمية من حلها من الأماثل أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها. تحقيق ودراسة محب الدين أبو سعيد عمر بن غرامة العمروي. بيروت: دار الفكر، 1995.
ابن عياض، أبو الفضل عياض بن موسى. إكمال المعلم بفوائد مسلم. تحقيق يحيى إسماعيل. القاهرة: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، 1998.
الأصبهاني، أبو القاسم. التحرير في شرح مسلم. تحقيق إبراهيم أيت باخة. الكويت: دار أسفار، 2021.
الأصبهاني، أبو نعيم. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء. القاهرة: مطبعة السعادة، 1974.
البُستي، ابن حبان. الثقات. تحقيق محمد عبد المعيد خان. حيدر آباد: دائرة المعارف العثمانية، 1973.
البلاذري، أحمد بن يحيى. جمل من أنساب الأشراف. حققه وقدم له سهيل زكار ورياض زركلي. ج 13. بيروت: دار الفكر، 1996.
البلخي، أبو القاسم. قبول الأخبار ومعرفة الرجال. تحقيق حسين خانصو. عمان: دار الفتح، 2018.
البيهقي، أبو بكر. دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة. تحقيق عبد المعطي قلعجي. بيروت: دار الكتب العلمية، 1985.
________. شعب الإيمان. حققه وخرج أحاديثه عبد العلي عبد الحميد حامد. أشرف على تحقيقه وتخريج أحاديثه مختار أحمد الندوي. الرياض: مكتبة الرشد؛ بومباي، الهند: الدار السلفية، 2003.
الجرجاني، أبو أحمد بن عدي. الكامل في ضعفاء الرجال. تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض. بيروت: دار الكتب العلمية، 1997.
الجوهري، أبو نصر إسماعيل. الصحاح: تاج اللغة وصحاح العربية. تحقيق أحمد عبد الغفور عطار. ط 4. بيروت: دار العلم للملايين، 1987.
الحلبي، أبو الفرج. السيرة الحلبية: إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون. ط 2. بيروت: دار الكتب العلمية، 2006.
حميدي، عبد العزيز. البرق اليمني بنقد مرويات قصة أويس القرني. مكة المكرمة: [د. ن.]، 2008.
الدوغاني، رحيم عبيد جفجير فادي. "التابعي أويس القرني المرادي". واسط للعلوم الإنسانية. مج 21.، العدد 3 (2005). ص 370-348.
الرومي، جلال الدين. المثنوي. ترجمة إبراهيم الدسوقي شتا. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1996.
زكار، سهيل. "دروس من معركة صفين". الثقافة الإسلامية. العددان 75-76 (1997).
الشعراني، عبد الوهاب. الطبقات الكبرى المسمى لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية. تحقيق وضبط أحمد عبد الرحيم السايح وتوفيق علي وهبة. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2005.
شيمِل، آنا ماري. الأبعاد الصوفية في الإسلام. ترجمة محمد إسماعيل السيد ورضا قطب. ألمانيا: منشورات الجمل، 2006.
الصحاري، أبو المنذر. الأنساب. تحقيق محمد إحسان النص. ط 4. عُمان: وزارة التراث والثقافة العمانية، 2006.
الطبراني، سليمان بن أحمد. المعجم الكبير. تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي. ط 2. القاهرة: مكتبة ابن تيمية، 1994.
العبيدان، أحمد بن حسين. أويس القرني: حقيقة تاريخية. ط 2. العراق: [د. ن.]، 2014.
العطار، فريد الدين. تذكرة الأولياء. ترجمة محمد الأصيليّ الوسطاني. تحقيق محمد أديب الجادر. دمشق: دار المكتبي، 2009.
الغزالي، أبو حامد. إحياء علوم الدين. بيروت: دار المعرفة، 1982.
الغزنوي، سنائي. حديقة الحقيقة وشريعة الطريقة. ترجمة إبراهيم الدسوقي شتّا. القاهرة: دار الأمين، 1995.
الفراهيدي، الخليل بن أحمد. كتاب العين. المحقق مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي. القاهرة: دار ومكتبة الهلال، [د. ت.].
القاري، ملا علي. مجموعة رسائل العلامة الملا علي القاري المتوفي سنة 1014ه. تحقيق ماهر أمير حبوش [وآخرون] ج 2. تركيا: دار اللباب، 2016.
القشيري، عبد الكريم. الرسالة القشيرية. تحقيق عبد الحليم محمود ومحمود بن الشريف. القاهرة: دار المعارف، 1994.
الكلبي، أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب. نسب معد واليمن الكبير. تحقيق ناجي حسن. بيروت: عالم الكتب، 1988.
المروزي، عبد الله بن المبارك. الزهد والرقائق لابن المبارك من رواية الحسين المروزي. حققه وعلق عليه حبيب الرحمن الأعظمي. الهند: نشر محمد عفيف الزعبي، [د. ت.].
الموصلي، المعافى بن عمران. الزهد. تحقيق عامر حسن صبري. بيروت: دار البشائر الإسلامية، 1990.
النيسابوري، أبو القاسم الحسن بن محمد. عقلاء المجانين. تحقيق محمد السعيد زغلول. بيروت: دار الكتب العلمية، 1985.
الهجويري، أبو الحسن. كشف المحجوب. دراسة وترجمة وتعليق إسعاد عبد الهادي قنديل. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2007.
اليافعي، أبو السعادات. روض الرياحين في حكايات الصالحين. القاهرة: مكتبة زهران، [د. ت.].
الأجنبية
Aigle, Denise. “Aṭṭār’s Taḏkirat al-awliyāʾ and Jāmī’s Nafaḥāt al-uns: Two Visions of Sainthood.” Oriente Moderno. vol. 96, no. 2 (2016). pp. 271–315.
Blann, Gregory. The Garden of Mystic Love: Sufism and the Turkish Tradition. Nashville, Tennessee: Four Worlds Publishing, 2005, pp. 47–65.
Ernst, Carl W. The Shambhala Guide to Sufism. Boston & London: Shambhala, 1997.
Hussaini, Shafiqa. “UWAYS AL‐QARANI AND THE UWAYSI SUFIS.” The Muslim World. vol. 57, no. 2 (1967). pp. 103–113.
Lizzio, Kenneth P. Embattled Saints: My Year with the Sufis of Afghanistan. Wheaton, Illinois – hennai, India: Theosophical Publishing House, 2014.
Tosun, Necdet. “Veysel Karanî (Ebû Amr Üveys b. Âmir b. Cez’ b. Mâlik el-Karanî).” TDV İslâm Ansiklopedisi. vol. 43. İstanbul: Türkiye Diyanet Vakfı, 2013. pp. 74–77.
Zakharia, Katia. “Uways al-Qaranī, visages d'une légende.” Arabica. vol. 46, no. 2 (1999). pp. 230–258.
[1] ورد في بعض المصادر خلاف في اسم أويس القرني، وكنيته، غير أن هذا الخلاف مما لا يُعتد به، ويرجع في غالبه إلى التصحيف أو إلى الخلط بين الأسماء المتقاربة لفظًا، مثل: عمر وعمرو وعامر، أو إلى تقديم بعض الأسماء وتأخيرها في سلاسل النسب. يُنظر: أحمد بن حسين العبيدان، أويس القرني: حقيقة تاريخية، ط 2 (العراق: [د. ن.]، 2014)، ص 25-40؛ محمد مؤيد إبراهيم وميسون خلف البدري، "خير التابعين أويس القرني: دراسة تحليلية لسيرته الشخصية"، مجلةالدراسات التاريخية، العدد 13 (2012)، ص 164–196.
[2] يُلاحظ أن هذه الكنية لا ترتبط بوجود عقب له، إذ لم يُعرف له ولد، وهو ما يجعل الكنية في حالة أويس من باب الكُنى الشائعة في التقاليد العربية، لا من باب الدلالة النَّسَبية المباشرة.
[3] محمد بن سعد، الطبقات الكبير، تحقيق علي محمد عمر، ج 8 (القاهرة: مكتبة الخانجي، 2001)، ص 281–285. وقد وقع خلط في بعض المصنفات اللغوية والجغرافية في نسبة أويس القرني، إذ نسبه الجوهري في الصحاح إلى ميقات أهل نجد المعروف بـ "قَرْن" بسكون الراء، غير أن نسبة القرني هي نسبة قبلية لا مكانية على المشهور عند أهل السير والتراجم، إذ يرجع إلى بني قَرَن -بفتح الراء- بطن من مراد من اليمن. يُنظر: أبو نصر إسماعيل الجوهري، الصحاح: تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، ج 6، ط 4 (بيروت: دار العلم للملايين، 1987)، ص 2181؛ عبد المؤمن بن عبد الحق، مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، ج 3 (بيروت: دار الجيل، 1991)، ص 1082.
[4] يُنظر ترجمته في: أبو نعيم الأصبهاني، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج 2 (القاهرة: مطبعة السعادة، 1974)، ص 79–87؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق وذكر فضلها وتسمية من حلها من الأماثل أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها، تحقيق ودراسة محب الدين أبو سعيد عمر بن غرامة العمروي، ج 9 (بيروت: دار الفكر، 1995)، ص 408–455.
[5] يُنظر: الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، المحقق مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، ج 5 (القاهرة: دار ومكتبة الهلال، [د. ت.])، ص 142.
[6] يُنظر: عبد الله بن المبارك المروزي، الزهد والرقائق لابن المبارك من رواية الحسين المروزي، حققه وعلق عليه حبيب الرحمن الأعظمي (الهند: نشر محمد عفيف الزعبي، [د. ت.])، ص 59.
[7] يُنظر: المعافى بن عمران الموصلي، الزهد، تحقيق عامر حسن صبري (بيروت: دار البشائر الإسلامية، 1990)، ص 183.
[8] يُنظر: أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي، نسب معد واليمن الكبير، تحقيق ناجي حسن، ج 1 (بيروت: عالم الكتب، 1988)، ص 334.
[9] يُنظر: أبو أحمد بن عدي الجرجاني، الكامل في ضعفاء الرجال، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، ج 2 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1997)، ص 111؛ أبو القاسم البلخي، قبول الأخبار ومعرفة الرجال، تحقيق حسين خانصو، ج 1 (عمان: دار الفتح، 2018)، ص 89؛ ابن حبان البُستي، الثقات، تحقيق محمد عبد المعيد خان، ج 4 (حيدر آباد: دائرة المعارف العثمانية، 1973)، ص 53؛ يُنظر: سهيل زكار، "دروس من معركة صفين"، الثقافة الإسلامية، العددان 75-76 (1997)، ص 63 وما بعدها؛ عبد العزيز حميدي، البرق اليمني بنقد مرويات قصة أويس القرني (مكة المكرمة: [د. ن.]، 2008).
[10] يُنظر: زكار، ص 63 وما بعدها؛ حميدي، مرجع سابق.
[11] نقل أحمد بن يحيى البلاذري خبرًا أدبيًّا أن أويسًا تقدم لخطبة أم الشماخ بن ضرار من بني شيبان، وأن أبناءها تعرضوا له بالسخرية، فأنكر عليهم، غير أن هذا الخبر يرد في سياق أخبار الشعراء، ولا ينهض معطىً تاريخيًّا كافيًا لإثبات زواج أويس على وجه يمكن الجزم به. يُنظر الخبر في: أحمد بن يحيى البلاذري، جمل من أنساب الأشراف، حققه وقدم له سهيل زكار ورياض زركلي، ج 13 (بيروت: دار الفكر، 1996)، ص 144.
[12] ابن عساكر، ص 422، 432.
[13] يُنظر: العبيدان، ص 41-48.
[14] أبو نعيم الأصبهاني، ج 2، ص 87؛ ابن عساكر، ج 9، ص 412.
[15] يُنظر: عبد الوهاب الشعراني، الطبقات الكبرى المسمى لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية، تحقيق وضبط أحمد عبد الرحيم السايح وتوفيق علي وهبة (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2005)، ص 53-54؛ أبو الفرج الحلبي، السيرة الحلبية: إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون، ج 2، ط 2 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2006)، ص 347-348؛ العبيدان، ص 51-70؛ إبراهيم والبدري، ص 164–196.
[16] يُنظر: أحمد بن حنبل، الزهد، وضع حواشيه محمد عبد السلام شاهين (بيروت: دار الكتب العلمية، 1999)، ص 279.
[17] يُنظر على سبيل المثال: العبيدان، ص 42-44؛ إبراهيم والبدري، ص 164–196؛ رحيم عبيد جفجير فادي الدوغاني، "التابعي أويس القرني المرادي"، واسط للعلوم الإنسانية، مج 21، العدد 3 (2005)، ص 348-370؛ وكذلك:
Necdet Tosun, “Veysel Karanî (Ebû Amr Üveys b. Âmir b. Cez’ b. Mâlik el-Karanî),” TDV İslâm Ansiklopedisi, vol. 43 (İstanbul: Türkiye Diyanet Vakfı, 2013), pp. 74–77; Gregory Blann, The Garden of Mystic Love: Sufism and the Turkish Tradition (Nashville, Tennessee: Four Worlds Publishing, 2005), pp. 47–65.
[18] أبو الحسن الهجويري، كشف المحجوب، دراسة وترجمة وتعليق إسعاد عبد الهادي قنديل (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2007)، ص 291. ويُلاحظ أن هذا النوع من التفسير ينتمي إلى الكتابة التبجيلية اللاحقة أكثر من انتمائه إلى الرواية التاريخية المبكرة.
[19] مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، خدمه واعتنى به محمد زهير الناصر، ج 7 (بيروت: دار طوق النجاة؛ جدة: دار المنهاج، 2011)، ص 188–189.
[20] يُنظر هذه الروايات في: أبو نعيم الأصبهاني، ج 2، ص 79–87؛ ابن عساكر، ج 9، ص 408–455؛ إبراهيم والبدري، ص 164–196.
[21] يُنظر في ذلك: عبد الكريم القشيري، الرسالة القشيرية، تحقيق عبد الحليم محمود ومحمود بن الشريف (القاهرة: دار المعارف، 1994)؛ أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج 3 (بيروت: دار المعرفة، 1982)، ص 222؛ أبو نعيم الأصبهاني، ج 2، ص 79–87؛ ابن عساكر، ج 9، ص 408–455؛ إبراهيم والبدري، ص 164–196.
[22] أبو القاسم الحسن بن محمد النيسابوري، عقلاء المجانين، تحقيق محمد السعيد زغلول (بيروت: دار الكتب العلمية، 1985)، ص 44.
[23] يُنظر: العبيدان، ص 41-48.
[24] وصف في بعض الأخبار بأنّه "وضيع الشأن" حكاية عن بعض أهله. يُنظر: ابن عساكر، ج 9، ص 431.
[25] وصف في بعض الأخبار بأنه "فاسد نذل" حكاية عن بعض أهله. يُنظر: ابن حنبل، ص 278.
[26] ابن سعد، ج 8، ص 285.
[27] ورد مصطلح المحدث نحو سنة 40هـ، والمفتي سنة 11 هـ، والقاص سنة 74هـ، ينظر معجم الدوحة التاريخي للغة العربية.
[28] ابن حجاج، ج 7، ص 188-189.
[29] المرجع نفسه.
[30] أبو المنذر الصحاري، الأنساب، تحقيق محمد إحسان النص، ط 4 (عُمان: وزارة التراث والثقافة العمانية، 2006)، ص 335.
[31] ابن سعد، ج 8، ص 285.
[32] ابن عساكر، ج 9، ص 408–455.
[33] ابن سعد، ج 8، ص 283.
[34] يُنظر كافة هذه الأقوال في: ابن عساكر، ج 9، ص 408–455.
[35] ابن حنبل، ص 280.
[36] يُنظر:
Denise Aigle, “Aṭṭār’s Taḏkirat al-awliyāʾ and Jāmī’s Nafaḥāt al-uns: Two Visions of Sainthood,” Oriente Moderno, vol. 96, no. 2 (2016), pp. 271–315; Katia Zakharia, “Uways al-Qaranī, visages d'une légende,” Arabica, vol. 46, no. 2 (1999), pp. 230–258; Shafiqa Hussaini, “UWAYS AL‐QARANI AND THE UWAYSI SUFIS,” The Muslim World, vol. 57, no. 2 (1967), pp. 103–113.
[37] تنسب الذاكرة الدينية الشعبية والصوفية اللاحقة إلى هذه الروايات آثارًا مادية، منها بردة يُعتقد أنها محفوظة إلى اليوم في مسجد خرقة الشريف بحي الفاتح في إسطنبول وتُزار في شهر رمضان، ومنها سنان مكسورتان معروضتان في قسم التبركات المقدسة في فناء مسجد بادشاهي في لاهور بباكستان، غير أن هذه الأخبار والانتسابات تظل جزءًا من تقاليد التبجيل والذاكرة الرمزية، ولا يمكن التعامل معها بوصفها معطيات تاريخية مثبتة. يُنظر:
Tosun, pp. 74–75.
[38] أبو بكر البيهقي، شعب الإيمان، حققه وخرج أحاديثه عبد العلي عبد الحميد حامد، أشرف على تحقيقه وتخريج أحاديثه مختار أحمد الندوي، ج 2 (الرياض: مكتبة الرشد؛ بومباي، الهند: الدار السلفية، 2003)، ص 283؛ ابن عساكر، ج 9، ص 444.
[39] أبو نعيم الأصفهاني، ج 2، ص 87؛ ابن عساكر، ج 9، ص 444.
[40] ابن عساكر، ج 9، ص 449.
[41] الغزالي، ج 2، ص 227.
[42] البيهقي، شعب الإيمان، ج 1، ص 523.
[43] الغزالي، ج 4، ص 228.
[44] يُنظر: ابن الحجاج، ج 7، ص 188-189؛ ملا علي القاري، مجموعة رسائل العلامة الملا علي القاري المتوفي سنة 1014هـ، تحقيق ماهر أمير حبوش [وآخرون] ج 2 (تركيا: دار اللباب، 2016) ص 341-369.
[45] أبو القاسم الأصبهاني، التحرير في شرح مسلم، تحقيق إبراهيم أيت باخة (الكويت: دار أسفار، 2021)، ص 666؛ أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض، إكمال المعلم بفوائد مسلم، تحقيق يحيى إسماعيل، ج 5 (القاهرة: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، 1998)، ص 584.
[46] عياض، ج 5، ص 584.
[47] أبو بكر البيهقي، دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، تحقيق عبد المعطي قلعجي، ج 6 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1985)، ص 375.
[48] أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، تحقيق ربيع بن هادي عمير المدخلي (عجمان: مكتبة الفرقان، 2001)، ص 284.
[49] محيي الدين ابن عربي، روح القدس في محاسبة النفس، قرأه وعلّق عليه محمود بيجو (دمشق: دار البيروتي، 2005) ص 50 وما بعدها.
[50] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ونصه: «[...] وقال وهو مولٍّ ظهرَه إلى اليمن: إني أجدُ نَفَسَ الرحمن من ههنا». يُنظر: سليمان بن أحمد الطبراني، المعجم الكبير، تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي، ج 7، ط 2 (القاهرة: مكتبة ابن تيمية، 1994)، ص 52.
[51] حيدر آملي، جامع الأسرار ومنبع الأنوار: في علم التوحيد وأسراره وحقائقه وأنواره، تحقيق محسن عقيل (بيروت: دار المحجة البيضاء، 2007)، ص 126.
[52] جلال الدين الرومي، المثنوي، ترجمة إبراهيم الدسوقي شتا، ج 3 (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1996)، ص 35.
[53] سنائي الغزنوي، حديقة الحقيقة وشريعة الطريقة، ترجمة إبراهيم الدسوقي شتّا، ج 1 (القاهرة: دار الأمين، 1995)، ص 10.
[54] أبو السعادات اليافعي، روض الرياحين في حكايات الصالحين (القاهرة: مكتبة زهران، [د. ت.])، ص 163-164.
[55] وأصل التسمية بهذه اللفظة نسبةً إلى أويس القرني، لأنه في التراث الصوفي يُنظر إليه كنموذج لمن يتلقى الهداية والعرفان دون صحبة ظاهرة لشيخ، أو لقاء فعلي بالنبي ﷺ، وإنما ارتباطه الروحي كان باطنيًّا. وتشير كينيث ليزيو أن اسم "أويس" يعني "الذئب"، وهو ما يمكن قراءته رمزيًا في بعض السياقات الصوفية النقشبندية بوصفه دالًا على الطابع الانفرادي والخفي لمثل هذه اللقاءات الروحية. يُنظر:
Kenneth P. Lizzio, Embattled Saints: My Year with the Sufis of Afghanistan (Wheaton, Illinois – hennai, India: Theosophical Publishing House, 2014), p. 67.
[56] للمزيد يُنظر: فريد الدين العطار، تذكرة الأولياء، ترجمة محمد الأصيليّ الوسطاني، تحقيق محمد أديب الجادر (دمشق: دار المكتبي، 2009)، ص 49؛ آنا ماري شيمِل، الأبعاد الصوفية في الإسلام، ترجمة محمد إسماعيل السيد ورضا قطب (ألمانيا: منشورات الجمل، 2006)، ص 121؛ وكذلك:
Carl W. Ernst, The Shambhala Guide to Sufism (Boston & London: Shambhala, 1997), p. 133; Blann, pp. 47–65; Lizzio, p. 67; Aigle, pp. 271–315; Zakharia, pp. 230–258; Hussaini, pp. 103–113.