معاهدة روما (Treaty of Rome) هي معاهدة وقّعت عليها دول الجماعة الأوروبية (فرنسا وألمانيا الغربية وإيطاليا وهولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ) في 25 آذار/ مارس 1957، ودخلت حيّز التنفيذ في الأول من كانون الثاني/ يناير 1958. تعد واحدةً من المحطات الأساسية في مسيرة التكامل الأوروبي، فقد أسست هذه المعاهدةُ السوقَ الأوروبية المشتركة (European Common Market - ECM) والجماعة الأوروبية للطاقة الذرية (European Atomic Energy Community - EAEC / EURATOM)، وكانت امتدادًا وتوسيعًا لنجاح الجماعة الأوروبية للفحم والصلب (European Coal and Steel Community - ECSC) التي تأسست بموجب معاهدة باريس لعام 1951. وقد مثلت معاهدة روما تحولًا من التعاون القطاعي المحدود (الفحم والصلب) إلى مشروع تكاملي أوسع، يسعى إلى تحقيق الوحدة الاقتصادية والسياسية ضمن دول الجماعة الأوروبية.
السياق التاريخي والسياسي
أخفقت دول الجماعة الأوروبية عام 1954 في تحقيق مشروع الجماعة الأوروبية للدفاع (European Defence Community)، وذلك نتيجة رفض البرلمان الفرنسي التصديق عليه، ما أدّى إلى إعادة التفكير في طبيعة التعاون الأوروبي، والتركيز على التكامل الاقتصادي عوضًا عن العسكري في تلك المرحلة.
بناء على ذلك، حرك جان مونيه (Jean Monnet، 1888-1979)، رئيس الهيئة العليا في الجماعة الأوروبية للفحم والصلب، المياه الراكدة في عملية التكامل الأوروبي، بتشجيع التعاون بين الدول الأعضاء في مجال الطاقة النووية. أيّد وزيرُ الخارجية البلجيكي باول-هنري سباك (Paul-Henri Spaak، 1899-1972) فكرةَ مونيه، وتبعه وزيرُ الخارجية الهولندي جان وليام بيان (Jan Willem Beyen، 1897-1976)، معيدًا التشديد على خطته التي طرحها قبل عامين في وجوب بناء الدول الست الأعضاء في الجماعة الأوروبية للفحم والصلب، اتحادًا جمركيًا (Custom Union) يكون اللبنة الأولى في جدار الاندماج الاقتصادي الكامل. آنذاك، أيدت ألمانيا الغربية وبلجيكا المشروع، في حين تحفّظت فرنسا التي أيّدت السياسات الاقتصادية الحِمائية (Protectionism)، على أن السياسيين الفرنسيين تمسكوا بمشروع الوحدة الأوروبية[1].
في ظل هذه الأفكار والمبادرات، واختلاف وجهات نظر الدول الأعضاء بشأنها، أُطلِق حوارٌ معمق في مؤتمرٍ جمَع وزراءَ الدول الأعضاء الست للجماعة الأوروبية للفحم والصلب بمدينة ميسينا (Messina) الإيطالية في (1 و2 حزيران/ يونيو 1955). كان الغرض من المؤتمر إعادة تقييم تجربة التكامل الأوروبي، واستحداث أدوات ووسائل تعزز التعاون بين الدول الأعضاء في مجالات الطاقة النووية، وإقامة سوق مشتركة تلغي الحدود والحواجز التي تَعوق حرية انتقال البضائع والأفراد، وتعالج المسائل الاجتماعية التي تنجم عنها.
أدى وزير الخارجية البلجيكي سباك ((Spaak دورًا محوريًا في إقناع الفرنسيين وتبديد مخاوفهم من التحولات التي قد تنجم عن التعاون في مجالات الطاقة النووية، وبذَل جهودًا كبيرة في إقناعهم بأنه يجب أن تكون لأوروبا أهداف طموحة في مجالات التعاون المختلفة، منها السوق المشتركة[2].
توصل المجتمعون في ميسينا (Messina) إلى اتفاق يضمن تطوير مؤسسات العمل الأوروبي المشترك، مع التكامل التدرّجي لاقتصادات الدول الأعضاء عبر سوق مشتركة، وتحقيق الانسجام في سياساتها الاجتماعية. كذلك، مهّد الاجتماع الطريق أمام تأسيس جماعة أوروبية مشتركة، تكون مسؤولة عن استخدام الطاقة النووية وتطويرها سلميًا. ودخلت الدول الأعضاء في حوارات ونقاشات بشأن مخرجات اجتماع ميسينا (Messina)، فشُكّلت لجنة حملت اسم وزير الخارجية البلجيكي "لجنة سباك" (Spaak Committee)، مهمتها الوقوف على سبل تحقيق تلك الأهداف. ودعت اللجنة بريطانيا إلى حضور اجتماعاتها، بوصفها عضوًا في اتحاد أوروبا الغربية (Western European Union)، وعَقدت اللجنة اجتماعها الأول في (تموز/ يوليو 1955). ولم يكن ضمن دائرة اهتمام سباك Spaak)) تأسيس اتحاد سياسي أوروبي مشترك، بقدر ما ركز على أهمية ابتكار إجراءات عملية تضمن حرية حركة الأفراد والبضائع والخدمات ورؤوس الأموال، إذ إنها حجر الأساس في تحقيق التقدم على مستوى السوق المشتركة، التي ستُفضي في نهاية المطاف إلى تعاون سياسي مشترك. عارضت بريطانيا طرحَ اللجنةِ تأسيسَ اتحاد جمركي؛ وطالبت بإقامة منطقة تجارة حرة، وانسحب المندوب البريطاني في حين استكملت اللجنة أعمالها.
انتهت المفاوضات بين الدول الأعضاء في الجماعة الأوروبية للفحم والصلب إلى توقيع معاهدة روما في (25 آذار/ مارس 1957)، وهي المعاهدة المؤسِّسة للجماعة الاقتصادية الأوروبية (European Economic Community - EEC) التي نقلت عملية التكامل الأوروبي نقلة نوعية.
إقامة سوق أوربية مشتركة
حددت المادة الثانية من معاهدة روما أهداف الجماعة الاقتصادية الأوروبية، وهي: تأسيس سوق مشتركة، وتشجيع التنمية الاقتصادية المتوازنة، وزيادة الاستقرار، ورفع مستوى المعيشة، وتعزيز العلاقات بين الدول الأعضاء[3]. ووعدت الدول الست في الجماعة الاقتصادية الأوروبية بتذليل العقبات التي تحول دون حرية حركة الأفراد والخدمات والبضائع بينها، ووضعت جدولًا زمنيًا في حدود اثني عشر عامًا، بوصفها مدة انتقالية تقود إلى تأسيس اتحاد جمركي في نهاية المطاف. نصّت معاهدة روما أيضًا على مجموعة من المبادئ التوجيهية الأساسية التي تسعى إلى ضمان عمل السوق المشتركة بعدل وتوازن، ومنها: ترسيخ مبدأ حرية المنافسة، ومنع تكوين الاحتكارات والممارسات الاحتكارية التي تضر بالسوق[4].
سعت المعاهدة كذلك إلى تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية متوازنة بين الدول الأعضاء، من خلال دعم المناطق الأقل نموًا، وتقليص الفجوات بين المناطق المتقدمة والفقيرة بما يعزز تكامل الاقتصاد الأوروبي. ومن الأهداف الجوهرية للمعاهدة أيضًا، تعزيز التقارب الاقتصادي التدريجي من خلال تنسيق السياسات الاقتصادية وضمان تقسيم المكاسب العادل. علاوة على ذلك، أولت المعاهدة اهتمامًا خاصًا بـحماية مصالح المستهلكين والعمال، من خلال ضمان حقوقهم في بيئة اقتصادية شفافة ومستقرة تقوم على العدالة الاجتماعية والاقتصادية[5].
السياسة الزراعية المشتركة
نصّت بنود المعاهدة أيضًا على تأسيس السوق المشتركة للمنتجات الزراعية (Common Market in Agricultural Product)، التي كانت تهدف إلى زيادة الإنتاج الزراعي واستقرار السوق، ووصول المحاصيل الزراعية إلى المستهلك الأوروبي بأسعار مناسبة، وهذا ما شجّعته فرنسا التي كانت ترغب في إقامة شراكات أوروبية في هذا المجال، ولكن مع التأكيد على سياساتها في الحماية. ولولا وجود سياسات زراعية مشتركة، لأصبح مصير معاهدة الجماعة الاقتصادية الأوروبية مثل مصير الجماعة الأوروبية للدفاع[6].
الهيكل المؤسسي للجماعات الأوروبية
فيما يتعلق بالهيكل المؤسسي للجماعة الاقتصادية الأوروبية، نصّت المادة الرابعة من المعاهدة على أن يتكوّن الهيكل من مفوضية (Commission)، ومجلس وزراء (Council of Ministers)، ومحكمة عدل (Court of Justice) وجمعية مشتركة (Assembly).
أما فيما يخص الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية، فقد كان لها بناء مؤسسي يشبه بناء الجماعة الاقتصادية الأوروبية، من حيث وجود مفوضية ومجلس وزراء، والاشتراك مع الجماعة الاقتصادية الأوروبية في الجمعية ومحكمة العدل.
وتهدف الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية إلى: تعزيز البحوث ونشر المعلومات الفنية، ووضع معايير موحَّدة للسلامة بين الدول الأعضاء في مجال الصناعات النووية، وتشجيع الاستثمار في المحطات النووية السلمية، مع الإشراف على الاستخدام المناسب للمواد الخام التي تدخل في صلب الصناعات النووية[7].
المراجع
Laurent, Pierre-Henri. “Paul-Henri Spaak and the Diplomatic Origins of Commons Market.” Political Science Quarterly. vol. 85, no. 3 (September 1970).
Marjolin, Robert. Architect of European Unity: Memoirs 1911-1986. London: Weidenfeld & Nicolson, 1989.
Spaak, Paul-Henri. The Continuing Battel: Memoirs of a European, 1926-1966. London: Weidenfeld & Nicolson, 1971.
“Treaty Establishing the European Community.” Eur-Lex. 31/8/1992. at: https://acr.ps/1L9Ba2a
[1] لمزيد من التفاصيل في هذا الموضوع ينظر في:
Paul-Henri Spaak, The Continuing Battel: Memoirs of a European, 1926-1966 (London: Weidenfeld & Nicolson, 1971), pp. 58-227.
[2] Pierre-Henri Laurent, "Paul-Henri Spaak and the Diplomatic Origins of Commons Market,” Political Science Quarterly, vol. 85, no. 3 (September 1970), p. 387.
[3] للاطلاع على نص اتفاقية الجماعة الاقتصادية الأوروبية، ينظر:
“Treaty Establishing the European Community,” Eur-Lex, 31/8/1992, accessed on 25/7/2025, at: https://acr.ps/1L9Ba2a
[4] Ibid.
[5] Ibid.
[6] Robert Marjolin, Architect of European Unity: Memoirs 1911-1986 (London: Weidenfeld & Nicolson, 1989), p. 303.
[7] “Treaty Establishing the European Community.”