معاهدة لشبونة (Treaty of Lisbon)، اتفاقية دولية بين أعضاء الاتحاد الأوروبي لتعديل كلٍّ من معاهدة أمستردام (1997) ومعاهدة نيس (2001). وُقِّعت المعاهدة في 13 كانون الأول/ ديسمبر 2007، ودخلت حيّز التنفيذ في 1 كانون الأول/ ديسمبر 2009، شكّلت نقطةَ تحوُّل في البنية القانونية والمؤسساتية للاتحاد الأوروبي. جاءت المعاهدة استجابةً سياسيةً مدروسةً لفشل التصديق على معاهدة تأسيس دستور الاتحاد الأوروبي عام 2005، وهدفت إلى إدخال إصلاحات شاملة على مؤسسات الاتحاد، من دون المساس بطبيعة المعاهدات القائمة، الأمر الذي جنّب الاتحاد إجراء استفتاءات شعبية في معظم الدول الأعضاء.
أحدثت الاتفاقية تحولات بنيوية ومؤسسية في الاتحاد الأوروبي، فأكسبته شخصية قانونية موحَّدة، وغيّرت في سياسته الخارجية والأمنية، على نحو يُعزّز القدرة على التكامل في الخطاب الخارجي للاتحاد، ودعمَت مبدأ الديمقراطية التشاركية (participatory democracy)، بما يُعزّز من دور المواطن الأوروبي في عملية اتخاذ القرار.
السياق التاريخي السياسي
حفَّزت عملية رفض معاهدة تأسيس دستور الاتحاد الأوروبي الدولَ الأعضاء للتفكير جديًا، بناءً على توصية من المجلس الأوروبي الذي عُقِد في 16-17 حزيران/ يونيو 2005، في المُضي قُدمًا نحو تطوير مؤسسات الاتحاد، فبدأت سلسلة اجتماعات في عام 2007، بعد أن ترأست المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (Angela Merkel، 1954-) المجلس الأوروبي، وتزامن ذلك مع انتخاب نيكولا ساركوزي (Nicolas Sarkozy، 1955-) الذي تولّى بين عامَي 2012-2007 خلفًا لجاك شيراك (1932-2019).
أدّت ميركل دورًا محوريًا في تهيئة الأجواء التي قادت إلى توقيع الدول الأعضاء معاهدة لشبونة، ووضعت نصب عينيها، خلال ترؤّس بلادها المجلس الأوروبي، العملَ على تجاوز تداعيات عدم تصديق مسودّة معاهدة تأسيس دستور الاتحاد، واستئناف التفكير في مسارات جديدة للتعاون والتكامل الأوروبيَّيْن، تُركّز على الإصلاح المؤسساتي، وآليات اتخاذ القرار، مع الأخذ بالحسبان جوهر العملية الديمقراطية التي تُحقق الكفاءة والفاعلية لمؤسسات الاتحاد من ناحية، والرضا الشعبي الأوروبي من ناحية أخرى. هدفت ميركل التي قادت الحوارات الأوروبية، إلى توقيع معاهدة إصلاحية على غرار معاهدتَي أمستردام ونيس، فقد سعى قادة الدول الأعضاء إلى تجنّب الاستفتاءات مجددًا، حتى لا يتكرر ما حدث مع رفض معاهدة الدستور. وفي سبيل ذلك، عُقِد مؤتمر يضمّ رؤساء دول وحكومات أوروبية في 23 تموز/ يوليو 2007، ركّز على الجوانب التقنية والفنية التي قد تقود إلى إصلاح مؤسسات الاتحاد[1].
وبناءً على أن الاتفاق هو اتفاق إصلاح، جرى تجنّب الاستفتاءات، باستثناء دولة واحدة هي إيرلندا، فقد رفض الإيرلنديون المعاهدة في استفتاء أُجرِي في 12 آب/ أغسطس 2008. وأُجرِي استفتاء آخر في 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2009، صوّت فيه أغلبية الإيرلنديين بنحو 67.13 في المئة لمصلحة المعاهدة[2]، فقد مثّلت الأزمة المالية العالمية (2008-2009) جرسَ إنذارٍ نبَّه الناخبَ الإيرلندي إلى ضرورة وجود مظلة اقتصادية أوروبية موحَّدة، تحميه من تداعيات الأزمة الاقتصادية.
تزامَن الاستفتاء الإيرلندي على معاهدة لشبونة مع تصديق الرئيس البولندي ليخ كاتشينسكي (Lech Kaczynski، 1949-2010)، زعيم حزب القانون والعدالة (Law and Justice/ Prawo i Sprawiedliwość - PiS) اليميني المحافظ، المعاهدةَ في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2009، بعد امتناعه عن تصديقها بسبب خلافات مع الاتحاد على قضايا الاستقلال الوطني، ورفضه أن "تحِلَّ بروكسل محلّ موسكو في التحكم في القرار الوطني"، فضلًا عن الخلاف مع الاتحاد في قضايا تتعلق بالاقتصاد والهجرة غير النظامية، وقضايا مجتمعية أخرى كالإجهاض والتلقيح الاصطناعي[3].
وظلّت جمهورية التشيك الوحيدة التي لم تصدّق معاهدة لشبونة، وذلك بسبب انتظار قرار المحكمة الدستورية العليا في البلاد، كي تصدر قانونًا يخوّل الرئيس فاتسلاف كلاوس (Vàclav Klaus، 2003-2013) تصديقها. وقد عارض كلاوس وحلفاؤه المعاهدة التي من شأنها أن تقلّص السيادة الوطنية للبلاد، إذ رأوا أنها تحوّل الاتحاد الأوروبي إلى دولة عملاقة من دون سيطرة ديمقراطية تُذكَر. وقد وافق قادة الدول الأعضاء في الاتحاد على إعفاء جمهورية التشيك، من جزءٍ من المعاهدة خاصٍّ بميثاق الحقوق الأساسية، الذي عدّه كلاوس خطرًا على حقوق الملكية لدى المواطن[4]. وأقرّت المحكمة الدستورية العليا في التشيك في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر معاهدةَ لشبونة، ورأت أنها لا تتعارض مع دستور البلاد، فمهّد هذا القرار الطريق أمام إزالة العقبة الوحيدة الباقية أمام دخول المعاهدة حيّز التنفيذ، وهي تصديق الرئيس عليها، وقد جرى ذلك فعلًا بعد عشرة أيام من قرار المحكمة الدستورية.
وقد مثّلت معاهدة لشبونة بديلًا عن مشروع دستور الاتحاد الأوروبي الموحَّد. وجرت المراسم الاحتفالية في دير جيرونيموس (Jerónimos Monastery)، الذي يقع قرب شاطئ أبرشية بيليم (Belém) في العاصمة البرتغالية لشبونة، وحضر إلى جانب قادة الدول الأعضاء في الاتحاد رئيس المفوضية الأوروبية آنذاك خوسيه مانويل بارسو (بالبرتغالية: José Manuel Barroso، 1956-)، ورئيس البرلمان الأوروبي آنذاك هانز غيرت بوترينغ (بالألمانية: Hans-Gert Pöttering، -1945). ويُذكَر أن المستشارة الألمانية ميركل، لقيت ترحابًا خاصًا خلال مراسم التوقيع، عادَّةً أن يوم توقيع المعاهدة هو يوم مهم لأوروبا، ولعملية التعاون والتحديث المؤسساتي للاتحاد[5]. وقد أشاد جميع مَن ألقوا كلمات خلال مراسم الاحتفال بدورها، الذي كان له الأثر الكبير في التوصّل إلى توافقات بين الدول الأعضاء، أفضت إلى توقيع المعاهدة.
التحولات البنيوية والمؤسساتية
الشخصية القانونية الموحَّدة للاتحاد الأوروبي
مع دخول معاهدة لشبونة حيّز التنفيذ، بات الاتحاد الأوروبي يتمتع بشخصية قانونية مستقلة وصارمة، حلّت محلّ الجماعة الأوروبية. ونتيجة لذلك، استُبدِلت بكلمة الجماعة (Community) في كل المعاهدات القائمة كلمةُ الاتحاد (Union)، وأُعيدَت تسمية المعاهدة المُنشِئة للجماعة الأوروبية (Treaty Establishing the European Community)، لتصبح المعاهدة المنظمة لعمل الاتحاد (Treaty on Functioning of Union - TFEU)، وهي تُشكِّل مع معاهدة ماسترخت الأساسَ القانوني للاتحاد، ولهما القيمة القانونية نفسها[6].
إلغاء الركائز الثلاث
أنهت المعاهدة الهيكل الذي أنشأته معاهدة ماسترخت، المتمثل في ثلاث ركائز: الجماعات الأوروبية، والسياسة الخارجية والأمنية، والتعاون القضائي والشرطي. كذلك، طرأت سلسلة من التغييرات على السياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي، أي الركيزة الثانية سابقًا، على نحو يُعزّز القدرة على التكامل في الخطاب الخارجي للاتحاد. وأُدرِج التعاون القضائي في المسائل الجنائية والتعاون الشرطي، اللّذَيْن مثّلا الركيزة الثالثة سابقًا، ضمن إطار وضوابط خاصة بالاتحاد، بوصفه منظمة مستقلة عن الدول الأعضاء، وله آليات فوق وطنية في اتخاذ القرارات (Community/Union method)، من خلال اعتماد الأغلبية المؤهلة في عملية اتخاذ القرار بناء على اقتراحات من المفوضية، وتدعيم دور البرلمان الأوروبي، ودور محكمة العدل الأوروبية[7].
تعزيز الديمقراطية والرقابة
دعمت معاهدة لشبونة مبدأ الديمقراطية التشاركية، وهدفت الدول الأعضاء من خلال المعاهدة، إلى إقامة نظام مؤسسي أوروبي مستقر وفعّال في إصدار القرارات والتوجيهات الجماعية، مع ممارسة مزيد من الرقابة والشفافية، وتعزيز دور المواطنين الأوروبيين في عملية اتخاذ القرار، وذلك من خلال السماح لهم بتقديم مبادرة تشريعية للاتحاد في إطار التوجّه الذي هدفت إليه المعاهدة، وهو إضفاء الديمقراطية على عمل المؤسسات الأوروبية من ناحية، وتدعيم دور البرلمانات الوطنية للدول الأعضاء، التي تُعدّ جزءًا من عملية صنع القرار في الاتحاد الأوروبي من ناحية أخرى.
اعتماد نظام التصويت بالأغلبية المزدوجة
أدخلت المعاهدة نظام الأغلبية المزدوجة (double majority) في مجلس الاتحاد، إذ يُشترَط تمرير القرارات بموافقة 55 في المئة على الأقل من الدول الأعضاء، بشرط أن تُمثّل هذه الدول 65 في المئة من سكان الاتحاد، ما يضمن توازنًا بين الدول الكبرى والصغرى.
أعادت معاهدة لشبونة تعريف الاتحاد الأوروبي بوصفه كيانًا مؤسسيًا موحَّدًا وفاعلًا، من خلال تبسيط عملياته، وتعزيز فاعلية مؤسساته، وتوسيع نطاق الرقابة الديمقراطية. وعلى الرغم من الانتقادات التي طالتها بوصفها دستورًا مقنَّعًا، فقد مكّنت الاتحاد من التكيّف مع متطلبات القرن الحادي والعشرين، سياسيًا واقتصاديًا.
المراجع
العربية
"الاتحاد الأوروبي يُرحّب بإقرار المحكمة الدستورية التشيكية لمعاهدة لشبونة". DW. 3/11/2009. في: https://acr.ps/1L9B9le
حسين، أحمد قاسم. الاتحاد الأوروبي والمنطقة العربية: القضايا الإشكالية من منظور واقعي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021.
"قادة الاتحاد الأوروبي يوقّعون على معاهدة الإصلاح الأوروبية الجديدة". DW. 13/12/2007. في: https://acr.ps/1L9B9Qn
الأجنبية
Deloy, Corinne. “The Irish Ratify the Lisbon Treaty.” Analysis, La Fondation Robert Schuman. 2/10/2009. at: https://acr.ps/1L9BafB
Diana, Desmon. “Governance and Institutional Developments: Ending the Constitutional Impasse.” Journal of Common Market Studies. vol. 46 (2008).
Official Journal of the European Communities. Consolidated Versions of the Treaty on European Union and the Treaty on the Functioning of the European Union. no. C 115 .9/5/2008. at: https://acr.ps/1L9Bai1
Ott, Anera. “Depillarisation’: The Entrance of Intergovernmentalism through the Backdoor?” Maastricht Journal of European and Comparative Law. vol. 15, no. 1 (2008).
[1] Desmon Diana, “Governance and Institutional Developments: Ending the Constitutional Impasse,” Journal of Common Market Studies, vol. 46 (2008), p. 80.
[2] Corinne Deloy, “The Irish Ratify the Lisbon Treaty,” Analysis, La Fondation Robert Schuman, 2/10/2009, accessed on 17/8/2025, at: https://acr.ps/1L9BafB
[3] للمزيد، يُنظَر: أحمد قاسم حسين، الاتحاد الأوروبي والمنطقة العربية: القضايا الإشكالية من منظور واقعي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021).
[4] "الاتحاد الأوروبي يُرحّب بإقرار المحكمة الدستورية التشيكية لمعاهدة لشبونة"، DW، 3/11/2009، شوهد في 16/8/2020، في: https://acr.ps/1L9B9le
[5] "قادة الاتحاد الأوروبي يوقعون على معاهدة الإصلاح الأوروبية الجديدة"، DW، 13/12/2007، شوهد في 17/8/2020، في: https://acr.ps/1L9B9Qn
[6] للمزيد من التفصيلات عن الاتفاقية المؤسسة للاتحاد الأوروبي (معاهدة ماسترخت) والمعاهدة المنظمة لعمل الاتحاد الأوروبي، يُنظَر:
Official Journal of the European Communities, Consolidated Versions of the Treaty on European Union and the Treaty on the Functioning of the European Union, no. C 115 (9/5/2008), accessed on 17/8/2025, at: https://acr.ps/1L9Bai1
[7] Anera Ott, “‘Depillarisation’: The Entrance of Intergovernmentalism through the Backdoor?,” Maastricht Journal of European and Comparative Law, vol. 15, no. 1 (2008), p. 41.