الموجز
الفعل المتعدي من المصطلحات الأساسية في النحو العربي، وهو يُعرَّف إما بمراعاة الدلالة، فيُقال: هو الفعل الذي لا يُفهم معناه إلا بشيء خاص يتعلق به ويدل عليه، وإما بمراعاة التركيب، فيقال: هو الذي ينصب المفعول به بنفسه دون توسط حرف جر. لا يُعرَف بالتحديد متى بدأ النحاة يتداولون مفهوم التعدي بينهم، غير أن أول مصدر نحوي له مصداقية ورد فيه الحديث عن الفعل المتعدي هو الكتاب لسيبويه، وكان معناه عنده أوسع من المعنى الشائع عند المتأخرين، المقترِن بنصب المفعول به فقط.
وضعَ النحاة لتمييز الفعل المتعدي من الفعل اللازم فروقًا بعضها عام، وبعضها خاص، منها ما يختص بالمعنى ومنها ما يختص بالمبنى، وأوردوا وسائل عدة صرفية وتركيبية ودلالية يُعدَّى بها الفعل اللازم، وصنفوا الأفعال، وفقًا لتعديها ولزومها، إلى: متعدٍّ، ولازم، ومتعدٍّ بوجهين، وما لا يوصف بتعدٍّ ولا لزوم، ثم صنفوا الفعل المتعدي، وفقًا لكمّ المفاعيل التي يتعدى إليها إلى ثلاثة أقسام؛ بين متعدٍّ إلى مفعول واحد، أو إلى اثنين، أو إلى ثلاثة. وثمة تصنيف للفعل المتعدي من حيث كيفية وصوله إلى مفعوله، ما بين كونه متعدّيًا بنفسه، أو بواسطة (حرف جر).
وقد استثمر النحاة مفهوم التعدي في تنظيراتهم اللغوية، فجعلوه رائزًا يُستدل به على القواعد، وأداة لتعليل الأحكام والقضايا. أما اللسانيون المعاصرون فقد انتقد بعضهم المفهوم ووصفوه بأنه عصي وغامض، وليست له قيمة علمية أو منهجية، واهتم به آخرون، فربطوه بمفاهيم حديثة كالخصائص المعجمية للفعل وما يرتبط بها من قيود انتقائية يفرضها على موضوعاته والوظائف الدلالية التي تحملها هذه الموضوعات. ويبدو من واقع الدراسات اللسانية الحديثة أن الفعل -منظورًا إليه من زاوية التعدي واللزوم- يؤدي وظائف متنوعة ولا سيما في مجال تعلم اللغة العربية، وفي التطبيقات الحاسوبية.
مصطلح الفعل المتعدي
التعريف والدلالة
الفعل المتعدي[1] أحد المصطلحات الأساسية في النحو العربي، ومعنى "المتعدي" لغةً: المجاوِز أو المتخطي. وعند النحاة: الفعل الذي يتجاوز أثرُه الفاعلَ إلى مفعول به لا يتم معنى الفعل المتعدي إلا به، فيقع عليه، وينصبه. ويقابل الفعلَ المتعديَ الفعلُ اللازمُ، وهو، لغةً، مِنْ لَزِمَ المكانَ: إذا استقر به ولم يبرحه[2]، وفي عرف النحاة: الذي يكتفي بفاعله لا يتعداه إلى مفعول به[3]. ولم يتفق النحاة على تعريف للتعدي ولا على آخر للزوم[4]، فبعض مصادر النحو تعرّف الفعل المتعدي بأنه الفعل الذي يتوقف فهم معناه على شيء يتعلق به تعلقًا صريحًا[5]، مثل: ضَرَبَ، فإنه لا يُفهم معناه إلا بذكر مضروب، ذُكِرَ أو لم يُذكر. ويأخذ بعضهم على هذا التعريف أن الفعل قد يتوقف معناه على متعلَّق صريح من غير أن يكون متعديًا مثل "تضاربَ" في جملة: تَضَارَبَ زيد وعمرو[6].
وشاع في المصادر النحوية المتأخرة تعريف الفعل المتعدي بأنه: "ما نصبَ المفعول به"[7]، مثل: ضربت زيدًا، فالفعل ضَرَبَ متعدٍّ، و"زيدًا" مفعول به تعدى إليه الفعل، فنصبه.
ويعزو بعض الدارسين التباين في التعريف إلى زاوية النظر إلى التعدي نفسه هل هو مفهوم تركيبي يُحدَّد بقدرة الفعل على نصب المفعول به مباشرة، أم هو مفهوم دلالي يقوم على افتقار الحدث إلى متعلَّق يقع عليه أثره أو يتم به معناه؟
ووفقًا لتحليلات النحاة فإن الدلالة ليست مستقلة عن التركيب، بل تتجسد من خلاله، فالمتعلَّق الذي يقتضيه الفعل المتعدي دلاليًا يعكسه التركيب في صورة مفعول به منصوب. فإن لم ينتصب فإن الفعل لا يُصنَّف متعديًا بإطلاق، بل يُصنّف لازمًا، أو متعدّيًا بالحرف. ومثاله: شَرُفَ عبدُ الله، ورغب محمد في الأمر.
نشأة المصطلح
غلاف كتاب سيبويه
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
من العسير تحديد الزمن الذي تبلور فيه مفهوم التعدي وأوّل النحاة استخدامًا له، لأن "كتب التراث تتساهل في نسبة المصطلحات، ويؤثر بعضها التعميم بدل التخصيص"[8]. يرى بعض الباحثين أن التعدي من أقدم مصطلحات النحو العربي، لصلته القوية بما يُعرف بنظرية العامل[9] غير أن أول عمل نحوي موثَّق ظهر فيه المفهوم هو الكتاب لسيبويه.
ويبدو من معالجة التعدي في الكتاب أن سيبويه كان يفهمه فهمًا واسعًا، فهو عنده مستويات:
- تعدي الفعل إلى المفعول به[10]: وكان التبويب فيه للفاعل -أو ما يقوم مقامه- لا للفعل، خلافًا لما استقر عليه الحال في عُرْف النحاة لاحقًا. يقول سيبويه -مبوِّبًا للأفعال المتعدية-: "هذا باب الفاعل الذي يَتعداه فعلُه إلى مفعول، وذلك قولك: ضَرَبَ عبدُ الله زيدًا"[11]. فالباب عُقد للفاعل، والحديث إنما هو عن الفعل.
- تعدي الفعل إلى مدلولاته: وتشمل تلك المدلولات المصدر، والزمان، والمكان. وينطبق هذا التعدي على كل فعل دل على سِمتيه المعياريتين: الحدث والزمن. وهو أبرز مستويات التعدي لكثرته وقوته. أما الكثرة فلكونه في جميع الأفعال المتصرفة متعديها ولازمها. وأما القوة فلكون الفعل يدل عليه دلالة أكبر من دلالته على المفعول به. وقد قال سيبويه -مبينًا هذا الضرب من التعدي-: "واعلم أنَّ الفعل الذي لا يَتعدّى الفاعل يتعدى إلى اسم الحَدَثان الذي أُخذ منه [...] وذلك قولك ذهَب عبدُ الله الذهابَ الشدِيد [...] ويَتعدّى إلى الزَّمان [...] وذلك قولك قَعد شهرين [...] ويتعدّى إلى ما اشتُقّ من لفظه اسمًا للمكان وإلى المكان [...] وذلك قولك ذَهبتُ المذهبَ البعيدَ، وجَلستُ مجلسًا حسنًا، وقَعدْتُ مقعدًا كريمًا، وقعدْتُ المكانَ الذي رأيت[12]". وبعد المقارنة بين الفعل المتعدي عُرْفًا، والفعل المتعدي إلى مدلولاته، يبين سيبويه أن الأول أقوى في الدلالة على المتعدَّى إليه من الثاني[13].
وقد أضاف المُبرِّد إلى مدلولات الفعل، التي أوردها سيبويه، الحالَ، لأن الفعل يدل عليها. يقول المبرد -متحدثًا عن التعدي إلى مدلولات الفعل-: "فأما المصدر والحالات والظروف فلا يمتنع منها فعل البتة"[14].
- التعدي على السعة: والمراد به: تسليط الفعل على الظرف لينصبه -من غير تقدير لحرف الظرفية (في)- مفعولًا على السعة، فيبدو كأنه مفعول به. يقول سيبويه: "تقول على هذا الحد: سرقتُ الليلةَ أهلَ الدار، فتُجرى الليلةَ على الفعل في سعة الكلام [...] والمعنى إنما هو في الليلة [...] غير أنهم أوقعوا الفعل عليه لسعة الكلام"[15]. وهذا الضرب من التعدي تعدٍّ شكلي محض.
ومع ورود التعدي بمستوييه الثاني والثالث عند جل قدامى النحاة -لصلته بالصناعة النحوية والتقعيد اللغوي-، فإن مصطلح التعدي -عند الإطلاق- لا يقع عليه.
ضوابط الفعل المتعدي
وضع النحاة لتمييز الفعل المتعدي من اللازم ضوابط متعددة، بعضها عام، وبعضها خاص.
الضوابط العامة
- الضابط الأول: السؤال بـ "مَن" الاستفهامية، مسبوقة بباء الجر، ومصدر الفعل المراد معرفة تعديه أو لزومه، عمَّنْ حل به الفعل. فإن ساغ السؤال، واستقام الأسلوب، فالفعل متعدٍّ، لأن طبيعة السؤال مستبطِنة وجودَ المفعول به، وإن لم يسغ، فالفعل لازم. يشرح ابن السراج هذا بقوله -متحدثًا عن المفعول به-: "واعلم أن هذا إنما قيل له مفعول به لأنه لما قال القائل: (ضَرَبَ) و(قَتَلَ) قيل له: هذا الفعل بمَن وقع؟ فقال: بزيد أو بعمرو. فهذا إنما يكون في المتعدي نحو ما ذكرنا، ولا يقال فيما لا يتعدى، نحو (قام) و(قعد) لا يقال: هذا القيام بمن وقع؟ ولا هذا القعود بمن حل؟ إنما يقال: متى كان هذا القيام؟ وفي أي وقت؟ وأين كان؟ وفي أي موضع؟ والمكان والزمان لا يخلو فعل منهما متعديًا كان أو غير متعد"[16].
وقد أخذ بعض الدارسين على هذا الضابط أنه لا يغطي جميع طبقات الفعل، لأن من بين الأفعال المتعدية ما تُمانِع طبيعة اتجاه حدثه الدلالية في السؤال عنه بالصيغة المذكورة، مثل: "سَمِعَ" و"بَلَغَ". فالقائل إذا قال: سمعت صوتًا، فالصوت هو الواقع بالمتكلم، وهو الذي أثر فيه، لذلك يتعذر أن يسأل سائل: هذا السمع بمن وقع؟ وأن تكون الإجابة: "بالصوت". وكذلك لو قال: "بلغ الفيضانُ القريةَ" فغير سائغ أن يكون السؤال: هذا البلوغ بمن وقع "أو حل"؟ لأن الحدث في هذا المثال يصف اتجاهًا مكانيًا ماديًا تقتضي طبيعته أن يسأل عنه بالأين، لا بـ "مَن"[17].
- الضابط الثاني: أن يقبل الفعل اتصال ضمير، كالهاء، يعود على اسم سابق ليس مصدرًا ولا ظرفًا، فإذا صحّ التركيب واستقام المعنى، دلّ ذلك على أن الفعل متعدٍّ[18]. مثال ذلك: الكتاب قرأتُه، والرسالة كتبتُها، فعودة الضمير على الاسم السابق مع صحة المعنى تدل على أن الفعلين "قرأ" و"كتب" متعديان. وإن لم يصح التركيب فالفعل لازم. مثال ذلك: الكرسي جلستُه. فالجملة غير مستقيمة، والسبب أن الفعل جَلَسَ لازم. فإن كان الضمير عائدًا إلى مصدر الفعل أو ظرف له فلا يُعتد به، لأنه يتصل بالمتعدي واللازم. مثاله: المشي السريع مشيتُه.
- الضابط الثالث: إمكان صياغة اسم مفعول تام (لا يحتاج إلى جار ومجرور) من الفعل المراد معرفة تعديه أو لزومه. فإن أدى اسم المفعول معناه كان الفعل متعديًا[19]، مثل: الكتاب مقروء، والمشروع معتمد. صحة هذه الصياغة دلت على أن الفعلين "كتب" و"اعتمد" متعديان، وإن احتاج اسم المفعول عند صياغته إلى متمم من جار ومجرور عُلم أن فعله لازم، مثل: المكانُ مُجلوسٌ فيه، والغرفة مقعود فيها. فالفعلان "جلس" و"قعد" لازمان وفقًا للضابط المذكور.
الضوابط الخاصة
ترتبط بصيغ أو معانٍ بعينها، فمنها ما لا يكون الفعل معه إلا لازمًا، ككونه على وزن: "فَعُل" كـ"ظَرُفَ" و"شَرُفَ" لأنه وقف على أفعال السجايا وما أشبهها مما يختص بالفاعل ولا يتجاوزه، أو وزن "انفعل" مثل "انتفش" و"انطلق"، وكونه رباعيًا مزيدًا، مثل: "تدحرج" و"تزلزل"، وأن يدل على عرَض، مثل "فَرِح" و"بَطِر"، أو على لون، مثل: "احمرّ" و"اخضرّ"؛ أو على طهارة أو دنس[20]، مثل: "قَذِر" و"نَجِس". ومنها ما لا يكون الفعل معه إلا متعديًا كصيغة "فاعَلَ" الدالة على المشاركة، مثل: جالستُ العالِم، وصيغة "استفعل" الدالة على الطلب، مثل: استوقفتُ سعيدًا.
أنواع الفعل المتعدي
يصنف النحاة الأفعال من حيث تعديها ولزومها إلى أربع مجموعات (الجدول 1)[21].
[الجدول 1]
تصنيف الأفعال من حيث التعدي واللزوم
م | المجموعة | الأمثلة |
|---|
1 | أفعال متعدية | فتح، قرأ، نصب، فهم |
2 | أفعال غير متعدية (لازمة) | نجح، قعد، نام، مرض |
3 | أفعال متعدية بوجهين (تُستعمل متعدية ولازمة)
| بدأ، رجع، زاد، غاض |
4 | أفعال واسطة، لا توصف بتعدٍّ ولا لزوم | كان ونحوها من الأفعال الناقصة |
ويُصنَّف الفعل المتعدي أيضًا، وفقًا لكمّ المفاعيل التي يتعدى إليها، إلى ثلاثة أقسام: فعل يتعدى إلى مفعول به واحد، مثل: قرأ محمد الكتاب؛ وفعل يتعدى إلى مفعولين إمّا أن يكون أصلهما مبتدأ وخبرًا، وهذان المفعولان قد يكونان من أفعال القلوب، فيدلان على الظن مثل: ظننت خالدًا عالمًا، أو على اليقين، مثل: وجدت محمدًا كريمًا، وقد يكونان من أفعال التحويل، مثل: صيَّرَ المجدُّ النجاح الصعب سهلًا؛ وإما أن يكون أصلهما ليس مبتدأ وخبرًا، مثل: منح المدير الفائز جائزة. وفعل يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، مثل: أنبأت يوسف محمدًا قادمًا[22].
كذلك يُصنَّف المتعدي بحسب كيفية وصول الفعل إلى مفعوله إلى: متعدٍّ بنفسه، وهو الذي يصل إلى المفعول به من غير واسطة. ويسمى مفعوله مفعولًا صريحًا؛ وإلى متعدٍّ بواسطة، وهو الذي لا يصل إلى مفعوله إلا بواسطة حرف جر، مثل: رغبت عنه، وزهدت فيه. ويسمى مفعوله مفعولًا غير صريح.
تعدية الفعل
التعدية جعل الفعل غير المتعدي متعديًا بتغيير في بنيته ودلالته. وأبرز صورها ما يُصيَّر فيها الفاعل في الأصل مفعولًا، مثل: خرج عبد الله، وأخرج الحارسُ عبدَ الله. فالفعل "خرج" في الجملة الأولى لازم، وفي الثانية متعدٍّ، وقد تغيرت بنيته من "خرج" إلى "أخرج". وكان "عبد الله" في الأولى فاعلًا، فأصبح في الثانية مفعولًا به. فإن كان الفعل متعديًا أكسبته التعدية الزيادة في مدى التعدي[23] بحيث يصبح المتعدي إلى مفعول به واحد متعديًا إلى مفعولين، والمتعدي إلى مفعولين متعديًا إلى ثلاثة مفاعيل. تكون التعدية بوسائل صرفية وتركيبية ودلالية متعددة، أشهرها: الهمزة، (صيغة أفعَل)، مثل: أكرمت محمدًا، فقد عَدّت الهمزة الفعل اللازم "كَرُمَ"؛ وتضعيف عين الفعل (صيغة فَعَّل)، مثل: فرَّحت الطفلَ، فقد عدى التضعيفُ الفعل اللازم "فَرِحَ"[24].
تعدي الفعل بين النحاة واللسانيين
التعدي من المفاهيم المركزية التي تجاوزت وظيفتها الوصفية إلى أداء دورٍ تأسيسي في بناء النظرية النحوية والصرفية والدلالية، إذ اتخذه النحاة معيارًا لتقنين الظواهر اللغوية وتعليل الأحكام، والكشف عن العلاقات القائمة بين البنية الصرفية والوظيفة النحوية والدلالة. ولم يقتصر أثره على بيان علاقة الفعل بمفعوله، بل امتد إلى تقعيد الأبنية، واستنباط الأصول، وتوجيه الظواهر الصوتية والصرفية. وهو ما يدل على أن التعدي كان عندهم مفهومًا كاشفًا عن انتظام النظام اللغوي في مستوياته المختلفة، لا مجرد سمة تركيبية للفعل.
ويتجلى البعد الصرفي لهذا المفهوم في توظيفه ضابطًا لعدد من القواعد، فقد جعل النحاة التعدي معيارًا لمعرفة أبنية بعض مصادر الفعل الثلاثي، فغلَّبوا في مصدر الفعل المتعدي وزن "فَعْل"، نحو: النصر، والضرب، والقتل، وجعلوا الغالب في مصدر الفعل اللازم وزن "فُعُول"، نحو: القعود، والجلوس، والسكوت[25]. كذلك استدلوا به على أصول بعض الأفعال، فقرروا أن أصل "قالَ" هو "فَعَل" لا "فَعُل"، لأن الفعل متعدٍّ، وصيغة "فَعُل" لا تكون إلا لازمة، وهو ما أشار إليه سيبويه بقوله: "ويدلك على أن أصله فَعَلْت أنه ليس في الكلام فَعُلْتُه".
وكذلك جعلوا التعدي أساسًا في توجيه بعض الظواهر الصرفية، فقرروا أن الفعل الثلاثي المُضعَّف تُضمّ عين مضارعه إذا كان متعديًا، نحو: رَدَّه يَرُدُّه، وتُكسر إذا كان لازمًا، نحو: ضَلَّ يَضِلُّ. وعللوا أيضًا حذف الواو من مضارع الفعل المثال الواوي بالتعدي، فقالوا: إن كان الفعل متعديًا حُذفت الواو، نحو: وَعَدَ يَعِدُ ووَزَنَ يَزِنُ، وإن كان لازمًا بقيت، نحو: وَجِلَ يَوْجَلُ[26].
ومع توظيف النحاة القدماء لمفهوم التعدي، فإن ارتباط المفهوم بنظرية العامل النحوية وما يترتب على ذلك من تأويل وتقدير وتفاوت بين التنظير النحوي والمعطيات اللغوية التي يتداولها الناطقون باللغة العربية سهَّل الطريق أمام نقد المعاصرين له. يقول أحدهم: "فكرة التعدي واللزوم في الأفعال يجب أن نسحبها من النحو، لأنها تدل على العمل وترتبط به"[27].
وقد شكك بعض اللسانيين في مسلّمة تصنيف الفعل إلى متعدٍّ ولازم، إذ طبقًا لمبادئ النحو التأليفي "فإن كل كلام عن الفعل المتعدي والفعل اللازم سيكون خلطًا في التحليل وسوء فهم، أو سوء استعمال للنظرية والمنهج معًا"[28]، وبعبارة أخرى فــ "إن أي تصنيف للأفعال على أساس التعدية واللزوم سيقود إلى مغامرة منهجية لا ترجى من ورائها أية نتيجة"[29].
وبالرغم من تلك الانتقادات فإن للتعدي حضورًا مهمًا في الدراسات اللسانية[30] وإن بأدوات تحليلية جديدة تنسجم مع المناهج المعاصرة، إذ يدرس اللسانيون التعدي في إطار البنية المحورية والأدوار الدلالية، فلا يُنظر إليه بوصفه مجرد خصيصة نحوية تحدد انتقال أثر الفعل إلى المفعول به، بل بوصفه عاكسًا للبنية الدلالية للحدث وعدد المشاركين فيه وطبيعة أدوارهم، مثل: المنفذ، والضحية[31] [...]. وترتبط تلك المفاهيم بالخصائص المعجمية للفعل بوصفه مدخلًا معجميًا يفرض قيودًا انتقائية على الوحدات اللغوية المرتبطة به في التركيب[32].
ويرى بعض الدارسين اللغويين أن أهمية الفعل المتعدي تتجلى في تعليم اللغة العربية، والتنظير اللساني والبلاغي[33]، وفي التطبيقات الحاسوبية الخاصة بمعالجة اللغة الطبيعية، إذ تعتمد أنظمة التحليل النحوي والترجمة الآلية واستخراج المعلومات على معرفة بنية الفعل وعدد مفاعيله.
المراجع
العربية
الأنباري، أبو البركات عبد الرحمن بن محمد. الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين. تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. القاهرة: مطبعة السعادة، 1380هـ [1960م].
ابن السراج، أبو بكر محمد بن السري. الأصول في النحو. تحقيق عبد الحسين الفتلي. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1990–1991.
ابن عقيل، بهاء الدين عبد الله. المساعد على تسهيل الفوائد. تحقيق محمد كامل بركات. دمشق: دار الفكر، 1400هـ [1980م].
ابن مضاء القرطبي، أحمد بن عبد الرحمن. الرد على النحاة. تحقيق شوقي ضيف. القاهرة: دار المعارف، 1982).
ابن هشام الأنصاري، عبد الله بن يوسف. شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب. تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. (صيدا/ بيروت: المكتبة العصرية، 1992).
الجزولي، عيسى بن عبد العزيز البربري المراكشي (أبو موسى). المقدمة الجزولية في النحو. تحقيق وشرح شعبان عبد الوهاب محمد. مكة المكرمة: مطبعة أم القرى، 1408هـ [1988م].
حسان، تمام. اللغة العربية: معناها ومبناها. ط 5. القاهرة: عالم الكتب، 1427هـ [2006م].
الحناش، محمد. "النحو التأليفي: مدخل نظري". مجلة دال. العدد 1 (خريف 1985).
الرضي الإستراباذي، رضي الدين محمد بن الحسن. شرح الرضي على الكافية لابن الحاجب. تحقيق يوسف حسن عمر. بنغازي: جامعة قاريونس، 1395هـ [1975م].
________. شرح شافية ابن الحاجب. تحقيق محمد نور الحسن ومحمد الزفزاف ومحمد محيي الدين عبد الحميد. بيروت: دار الكتب العلمية، 1975.
سيبويه، عمرو بن عثمان. الكتاب. تحقيق عبد السلام محمد هارون. بيروت: دار الجيل، [د. ت.].
الصبان، محمد بن علي. حاشية الصبان على شرح الأشموني لألفية ابن مالك. بيروت: دار الفكر، [د. ت.].
الفهري، عبد القادر الفاسي. المعجم العربي: نماذج تحليلية جديدة. الدار البيضاء: دار توبقال، 1986.
القوزي، عوض حمد. المصطلح النحوي: نشأته وتطوره حتى أواخر القرن الثالث الهجري. الرياض: عمادة شؤون المكتبات، جامعة الرياض، 1401هـ [1981م].
المبرد، محمد بن يزيد. المقتضب. تحقيق محمد عبد الخالق عضيمة. بيروت: عالم الكتب، [د. ت.].
الأجنبية
Chad, M. “Les constructions intransitives de l’arabe classique.” D.E.S. Université Paris 7, 1981.
________. “Système verbal arabe: Régime des constructions transitives.” D.E. Université Paris 7, 1988.
Moumni, M. “Esquisse de la théorie syntaxique d’Al-Mubarrid d’après son Kitāb al-Muqtaḍab.” Mémoire de maîtrise. Université de Provence, 1982–1983.
[1] ويسمى واقعًا ومجاوزًا، ونافذًا، وواصلًا [...] والحديث عنه يقتضي بالضرورة الحديث عن الفعل اللازم، لعلاقة التقابل بينهما.
[2] "جذر لزم"، معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، شوهد في 24/8/2026، في: https://acr.ps/hByaQtG
[3] المفعول به: اسم منصوب يمثل أحد مكملات الجملة الفعلية، ويدل على من وقع عليه فعل الفاعل أو تعلق به أثره، ويأتي لإتمام معنى الفعل المتعدي.
[4] Mohamed Chad, “Les constructions intransitives de l’arabe Classique,” Thèse de troisième cycle, Université Paris 7, 1981, p. 26.
[5] رضي الدين محمد بن الحسن الرضي الإستراباذي، شرح الرضي على الكافية لابن الحاجب، تحقيق يوسف حسن عمر، ج 2 (بنغازي: جامعة قاريونس، 1395هـ [1975م])، ص 272.
[6] رضي الدين محمد بن الحسن الرضي الإستراباذي، شرح شافية ابن الحاجب، تحقيق محمد نور الحسن ومحمد الزفزاف ومحمد محيي الدين عبد الحميد، ج 4 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1975)، ص 135.
[7] عيسى بن عبد العزيز البربري المراكشي (أبو موسى) الجزولي، المقدمة الجزولية في النحو، تحقيق وشرح شعبان عبد الوهاب محمد (مكة المكرمة: مطبعة أم القرى، 1408هـ [1988م])، ص 79.
[8] عوض حمد القوزي، المصطلح النحوي: نشأته وتطوره حتى أواخر القرن الثالث الهجري (الرياض: عمادة شؤون المكتبات، جامعة الرياض، 1401هـ [1981م])، ص ج.
[9] نظرية العامل في النحو هي إطار تفسيري وضعه النحاة لتفسير الظواهر الإعرابية، ويقوم على أن التغير في العلامات الإعرابية لأواخر الكلمات ناشئ عن مؤثر لفظي أو معنوي يسمى العامل، يقتضي نوعًا معينًا من الإعراب، ويحدد العلاقات التركيبية والوظيفية بين مكونات الجملة العربية.
[10] وهو الذي يتوجه إليه الذهن عند الإطلاق. ويمكن تسميته -مقارنة بغيره- "التعدي العرفي".
[11] عمرو بن عثمان سيبويه، الكتاب، تحقيق عبد السلام محمد هارون، ج 1 (بيروت: دار الجيل، [د. ت.])، ص 34. ومثله قوله: "هذا باب الفاعل الذي يَتعَّداهُ فعلُه إلى مفعولين"، وقوله: "هذا باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلى ثلاثة مفعولينَ".
[12] المرجع نفسه، ص 35.
[13] المرجع نفسه، ص 34-36.
[14] محمد بن يزيد المبرد، المقتضب، تحقيق محمد عبد الخالق عضيمة، ج 3 (بيروت: عالم الكتب، [د. ت.])، ص 188. وعند المبرد أن الفعل لا ينصب شيئًا إلا وفي الفعل دليل عليه، ولا ينتصب شيء إلا لأنه مفعول أو مشبه بالمفعول في لفظ أو معنى. ولكثرة المفعول وقلة الفاعل في اللغة أعطي الفاعلُ الضمةَ لثقلها، وأعطي المفعولُ الفتحةَ لخفتها -طلبًا للتوازن- إذ الفتحة أخف الحركات على الإطلاق. يُنظر:
- Moumni, “Esquisse de la théorie syntaxique d’Al-Mubarrid d’après son Kitāb al-Muqtaḍab,” Mémoire de maîtrise, Université de Provence, 1982-1983, pp. 110-112.
[15] سيبويه، ج 1، ص 176.
[16] أبو بكر محمد بن السري ابن السراج، الأصول في النحو، تحقيق عبد الحسين الفتلي، ج 1 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1990–1991)، ص 171.
[17] Mohamed Chad, “Système verbal arabe: Régime des constructions transitives,” Thèse d’État., Université Paris 7, 1988, p. 28.
[18] محمد بن علي الصبان، حاشية الصبان على شرح الأشموني لألفية ابن مالك، ج 1 (بيروت: دار الفكر، [د. ت.])، ص 438.
[19] المرجع نفسه.
[20] عبد الله بن يوسف بن هشام الأنصاري، شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد (صيدا/ بيروت: المكتبة العصرية، 1992)، ص 354. فقد أورد 20 ضابطًا للزوم الفعل، هذه فقط نماذج منها.
[21] هذا التصنيف شائع عند المتأخرين، يُراجع مثلًا ابن عقيل: بهاء الدين عبد الله بن عقيل، المساعد على تسهيل الفوائد، تحقيق محمد كامل بركات، ج 1 (دمشق: دار الفكر، 1400هـ [1980م])، ص 427.
[22] سيبويه، ج 1، ص 33–41.
[23] بشروط توردها مصادر النحو.
[24] يضاف إلى هذين المُعدِّييْنِ التضمين غير أنه أقل شيوعًا منهما، وكذلك الباء في مثل (ذهبَ، وذهبت به) غير أن التعدي بالباء ليس إلى المفعول به الصريح.
[25] سيبويه، ج 4، ص 12.
[26] أبو البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ج 2 (القاهرة: مطبعة السعادة، 1380هـ [1960م])، ص 644.
[27] أحمد بن عبد الرحمن بن مضاء القرطبي، الرد على النحاة، تحقيق شوقي ضيف (القاهرة: دار المعارف، 1982)، (من مقدمة المحقق)، ص 55-56.
[28] محمد الحناش، "النحو التأليفي: مدخل نظري"، مجلة دال، العدد 1 (خريف 1985)، ص 156.
[29] المرجع نفسه، ص 158.
[30] عبد القادر الفاسي الفهري، المعجم العربي: نماذج تحليلية جديدة (الدار البيضاء: دار توبقال، 1986)، ص 131.
[31] المرجع نفسه، ص 131 وما بعدها.
[32] المرجع نفسه، ص 136.
[33] التعدي تخصيص لعلاقة الإسناد. ويمثل إحدى القرائن التي بها يفهم نظام اللغة العربية، يُنظر: تمام حسان، اللغة العربية: معناها ومبناها، ط 5 (القاهرة: عالم الكتب، 1427هـ [2006م])، ص 95.