تسجيل الدخول

معضلة ثوسيديديس

​​​​​​​​​​​​​​

موجز

معضلة ثوسيديديس، أو فخّ ثوسيديديس (Thucydides’s Trap)، مصطلح يُستخدم في حقل العلاقات الدولية للدلالة على احتمالات نشوب صراع بين قوة دولية مهيمنة قائمة وقوة دولية صاعدة، خلال المرحلة الانتقالية التي يشتد فيها التنافس بينهما. يُنسب المصطلح إلى المؤرخ والقائد العسكري اليوناني ثوسيديديس {{471-400ق.م.}}، الذي أرّخ للحروب البلبونيزية (Peloponnesian War، 431-404ق.م.) التي دامت أكثر من ربع قرن بين أثينا وإسبرطة، وأعادها إلى خوف الإسبرطيين من صعود أثينا.

استخدام المصطلح

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

يُستخدم مصطلح معضلة ثوسيديديس في حقل العلاقات الدولية للدلالة على حالة انتقالية في النظام الدولي، يشتد فيها التنافس بين قوة مهيمنة قائمة (Dominant power) وقوة صاعدة (Rising power)، تخشى خلالها الأولى من محاولات الأخرى إزاحتها والحلول محلها، ما يزيد من احتمال وقوع مواجهة بينهما. استُخدم المصطلح لأول مرة من قِبل عالِم السياسة الأميركي، والأستاذ في جامعة هارڤرد، غراهام أليسون {{Graham Allison،​ 1940-}}، في مقال نُشر في صحيفة فايننشال تايمز (FinancialTimes) عام 2012[1].

من هو ثوسيديديس؟

كان ثوسيديديس مؤرخًا وقائدًا عسكريًا أثينيًا، نُفِي مدةَ 25 عامًا بعد فشله في حماية مدينة أمفيبوليس (Amphipolis) من الإسبرطيين[2]. خلال منفاه، ألّف كتابه الشهير عن الحروب البلبونيزية، التي وقعت بين أثينا وإسبرطة في القرن الخامس قبل الميلاد، واستمرت أكثر من ربع قرن، وذهب فيه ثوسيديديس إلى أن سبب الحرب كان الخوف الذي أثاره صعود أثينا لدى إسبرطة. ويُعد كتابه مرجعًا سياسيًا بارزًا لدراسة أسباب الحرب وتحليل العلاقات الدولية، ولا يزال يحظى بأهمية كبيرة حتى اليوم.


يقول ثوسيديديس، الذي يعده الباحثون من رواد المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، في مقدمة كتابه: "إن هدفي في البداية هو إعطاء وصف لأسباب الطرفين {{يقصد أثينا وإسبرطة}} وادعاءاتهما وحججهما ضد بعضهما، لا سيما في الحالات[3] التي وصلت فيها مصالحهما إلى حد التناقض"، إلا أن السبب الحقيقي للحرب، الذي جعلها برأيه أمرًا لا مفر منه، هو "تعاظم قوة أثينا، والخوف الذي زرعه ذلك في نفوس قادة إسبرطة" من أن يؤدي ذلك إلى القضاء على موقعهم المُهيمن بين مدن العالم اليوناني[4]. من خلال هذه المقولة، قدّم ثوسيديديس تحليلًا جديدًا في التنظير الواقعي للحرب، إذ أشار إلى أن التهديدات الأمنية التي تنشأ من صعود قوًى جديدة، تخلق مخاوفَ لدى القوى السائدة أو المهيمنة في نظامها، ما يدفعها إلى اتخاذ كل ما يلزم للحفاظ على مكانتها وتحييد التهديدات التي تواجهها، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية.

استعادتها لفهم النظام الدولي

شكلت الأزمة المالية التي ضربت الاقتصاد العالمي في عامَي 2008-2009، انطلاقًا من الولايات المتحدة الأميركية، مصدرَ قلقٍ كبيرًا في أوساط النخب الأميركية، إذ عكست تراجعًا نسبيًا في قوتها مقابل تنامي قوة الصين الاقتصادية والعسكرية، التي أخذت تتبدّى بوضوح في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، إذ تحولت الصين إلى ثاني أكبر اقتصاد، وثاني أكبر دول العالم من ناحية الإنفاق العسكري بعد الولايات المتحدة. تعاظمت مخاوف الولايات المتحدة من احتمالات أن تسعى الصين إلى إطاحتها من مكانتها بوصفها قوة عظمى مهيمنة في النظام الدولي، وازداد لديها الجدل بشأن مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة بوصفها قوة مهيمنة قائمة، والصين بوصفها قوة صاعدة، فهل تنتهي بصدام عسكري، أم إن التحول في النظام الدولي، أو انتقال القوة (Power transition)، كما يسميه أبرامو أورغانسكي​[5]، من القوة المهيمنة القائمة التي تحكم النظام الدولي إلى القوة الساعية إلى تعديل الوضع القائم أو غير القانعة به، سيكون سلميًا؟ وقد دفعت محاولة الإجابة عن هذا السؤال غراهام أليسون إلى استعادة مقاربة ثوسيديديس للمعضلة، التي وجدت إسبرطة نفسها فيها مع صعود قوة أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وبناءً عليه، أنشأت جامعة هارڤرد مشروعًا بحثيًا أطلقت عليه اسم معضلة ثوسيديديس، بإشراف أليسون، الذي كان اشتُهر قبل ذلك بكتابه جوهر القرار (Essence of Decision, 1971)، الذي تناول فيه أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، وما زال يُعد من الكتب الرئيسة في تحليل عملية صنع القرار في السياسة الخارجية في أوقات الأزمات. نتج من مشروع جامعة هارڤرد عام 2017، كتابٌ بعنوان حتمية الحرب: بين القوة الصاعدة والقوة المهيمنة، هل تنجح الصين وأمريكا في الإفلات من فخ ثيوسيديديز؟[6].


​​​مشروع هارڤرد البحثي بشأن معضلة ثوسيديديس

استعرض مشروع جامعة هارڤرد خمسةَ قرون من تاريخ النظام الدولي الحديث، منذ أواخر القرن الخامس عشر، إذ انطلقت صراعات القوى الأوربية للسيادة على العالم مع الكشوف الجغرافية، وتعاظمت مع الثورة الصناعية والتطور الكبير الذي طرأ على صناعة السلاح والسفن، وصولًا إلى نهاية الحرب الباردة في أواخر القرن العشرين. حدد المشروع 16 حالةً انتقلت فيها القوة في النظام الدولي، وقد شهدت 12 حالة منها حروبًا بين القوتين القائمة والصاعدة، وشملت الحالاتُ الأربع التي أمكن فيها تفادي الحرب في أثناء انتقال الهيمنة بين القوة الصاعدة والقوة القائمة: حلولَ إسبانيا محلَّ البرتغال بوصفها قوة استعمارية أوروبية أولى في العالم خلال القرن السادس عشر؛ وحلولَ الولايات المتحدة محلَّ بريطانيا بوصفها قوة عظمى عالمية بدءًا من نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين؛ وتفرُّدَ الولايات المتحدة بقيادة العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي مع انتهاء الحرب الباردة أواخر القرن العشرين؛ وصعودَ ألمانيا قوةً مركزيةً أوروبية بعد الوحدة الألمانية عام 1990، في ظل مخاوف بريطانيا وفرنسا من احتمال عودة محاولات ألمانيا للهيمنة على القارة[7].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

​​بحسب مشروع "معضلة ثوسيديديس"، يعود تجنّب الحرب في الحالات الأربع المذكورة إلى أسباب مختلفة. في الحالة الأولى، لم تنشب حرب نتيجةَ اقتناع الطرفين (إسبانيا والبرتغال) بعد سلسلة من الحروب بينهما، بعدم جدوى حرب جديدة تُبدد ما بقي لديهما من قوة، فضلًا عن توسُّط الكنيسة التي كان لها نفوذ كبير على الملِكَيْن الكاثوليكيَّيْن، فأقنعتهما بإبرام معاهدة توردسيلاس (Treaty of Tordesillas) عام 1494، وبناءً عليها قُسِّم العالَم المكتشَف حديثًا بين إسبانيا والبرتغال وفق خط الطول 46، إذ حصلت البرتغال على المناطق الواقعة إلى الشرق من الخط، في حين كانت حصة إسبانيا المناطق الواقعة غربًا. أما في حالة التنافس بين الولايات المتحدة وبريطانيا على الهيمنة في القسم الغربي من الكرة الأرضية (Western Hemisphere)، فلم تندلع حربٌ بينهما بسبب الفجوة الكبيرة في القوة، التي كانت آخذة في الاتساع بمرور الوقت، ما حدا ببريطانيا إلى الاعتراف للولايات المتحدة بالسيادة على القسم الغربي من الكرة الأرضية، بدءًا من عشرينيات القرن التاسع عشر (مع إعلان مبدأ مونرو {{مبدأ مونرو: (Monroe Doctrine) صِيغَ في الرسالة السنوية السابعة للرئيس جيمس مونرو إلى الكونغرس، في الثاني من كانون الأول/ ديسمبر عام 1823. وكانت القوى الأوروبية، وفقًا لمونرو، ملزمة باحترام نصف الكرة الغربي بوصفه مجال مصالح الولايات المتحدة.}} عام 1823)، ثم على مناطق واسعة أخرى من العالم. وفي مراحل لاحقة، اختارت بريطانيا التحالف مع الولايات المتحدة لمواجهة تحديات أكثر خطورة، برزت من قوًى أوروبية أقرب جغرافيًا إليها (ألمانيا)، خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية. أما في الحالة الثالثة، فلم تنشب حربٌ بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وانتهى الصراع بانهيار الاتحاد من دون صراع مسلح، وذلك بسبب امتلاك الطرفين السلاح النووي، وقدرة كل منهما على تدمير الآخر تدميرًا كليًا شاملًا، فتحول الصراع إلى تنافس أيديولوجي واقتصادي وتكنولوجي فازت به الولايات المتحدة. أما في الحالة الرابعة، فقد تمكّنت ألمانيا -بعد استعادة وحدتها عام 1990- من ملء الفراغ الذي تسبب به انهيار الاتحاد السوفياتي، لا سيما في شرق أوروبا، عبر توسيع الاتحاد الأوربي، واعتماد أدوات مالية واقتصادية بدل العسكرية في بسط هيمنتها على القارة الأوربية، وهو ما قلّص المخاوف الفرنسية من انبعاث نزعات الهيمنة الألمانية. وثمة مَن يستدعي نظرية السلام الديمقراطي {{نظرية السلام الديمقراطي (Democratic Peace Theory): نظرية تقول إن الحروب لا تنشب بين الديمقراطيات التي تتبنّى القيم نفسها.}} لتفسير انتقال القوة السلمي في أوروبا إلى ألمانيا بعد توحيد شطرَيْها.


[الجدول 1] - حالات انتقال القوة ونتائجها في النظام الدولي بحسب مشروع هارڤرد البحثي بشأن معضلة ثوسيديديس[8]

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

نقد أطروحة مشروع هارڤرد

رغم أن الصين وأميركا تجدان نفسيهما أمام معضلة ثوسيديديس، الأولى بوصفها قوة صاعدة، والأخرى بوصفها قوة مهيمنة قائمة، فإن أليسون وزملاءه لم يستطيعوا تقديم إجابة قاطعة عما إذا كان هذا التنافس سينتهي بالحرب أم سلميًا، في ظل التداخل الكبير في المصالح على المستوى الدولي، وهذا ما جعل أطروحة أليسون تتعرض لانتقادات، إذ عَدَّ جوزيف ناي {{Joseph S. Nye، 1937-2025}}، وهو أكاديمي أميركي آخر، أن أليسون أساء فهم الحروب البلبونيزية، وأن تلك الحروب لم تأتِ نتيجة صعود أثينا وتحديها لإسبرطة، بل كانت نتيجة الركود الذي أصاب أثينا وأغرى إسبرطة بشن الحرب عليها، مستفيدة من جملة أخطاء ارتكبها الأثينيون[9]. بينما رأى آلان غريلي ميسنهايمر {{Alan Greeley Misenheimer}}، الأستاذ في الجامعة الوطنية للدفاع في واشنطن، أن النص الذي كتبه ثوسيديديس لا يدعم الاستنتاجات التي خرج بها أليسون بشأن حتمية الصدام بين القوة المهيمنة والقوة الصاعدة، كذلك فإن ذلك النص التاريخي القديم لا يستطيع أن يحيط بتعقيدات الوضع السياسي الدولي المعاصر[10]، بما في ذلك الاعتماد المتبادل المُعقّد بين الاقتصادَيْن الأميركي والصيني، وفشل استراتيجية فك الارتباط بينهما (Decoupling).

وبينما يستمر الجدل بشأن طبيعة انتقال القوة في النظام الدولي (سلمًا أم بالعنف) خلال المرحلة القادمة، يبرز بين مؤرخي العلاقات الدولية تيارٌ قوي يجزم بانتهاء خمسة قرون من الهيمنة الغربية في العالم لصالح صعود القوى الآسيوية (لا سيما الصين والهند). ويُعَد أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة هارڤرد، نيال فيرغسون {{Niall Ferguson، 1964-}}[11]، إلى جانب المؤرخ البريطاني بول كنيدي {{Paul Kennedy، 1945-}}[12]، من أبرز القائلين بحتمية انتقال القوة بعيدًا عن الغرب، وإن كانا لا يُناقشان ما إذا كان هذا الانتقال سيكون سلميًا أم عنيفًا.

المراجع

العربية

أليسون، غراهام. حتمية الحرب: بين القوة الصاعدة والقوة المهيمنة، هل تنجح الصين وأمريكا في الإفلات من فخ ثيوسيديديز؟ تعريب وتعليق إسماعيل بهاء الدين سليمان. بيروت: دار الكتاب العربي، 2018.

الأجنبية

Allison, Graham. Destined for War: Can America and China Escape Thucydides’s Trap?. Boston, MA: Houghton Mifflin Harcourt, 2017.

Ferguson, Niall. Civilization: The West and the Rest. London: Allen Lane, 2011.

Kennedy, Paul. The Rise and Fall of the Great Powers: Economic Change and Military Conflict from 1500 to 2000. New York: Vintage Books, 1989.

Misenheimer, Alan Greeley. “Thucydides’ Other ‘Traps’: The United States, China, and the Prospect of the ‘Inevitable’ War.” Institute for National Strategic Studies, National Defence University, 4/6/2019. at: https://acr.ps/hByaRh1

Nye, Joseph. “The Kindleberger Trap.” Project Syndicate, 9/1/2017. at: https://acr.ps/hByaR1o

Organski, A. F. K. World Politics. 2nd ed. New York: Alfred A. Knopf, 1968.

Thucydides. The History of the Peloponnesian War. Richard Crawley (trans.). New York: E.P. Dutton and Company INC.; London: J. M. Dent and Sons, Limited, 1950.

“Thucydides’s Trap Case File.” Harvard Kennedy School - Belfer Center, at: https://acr.ps/hByaQId

“Thucydides’s trap has been sprung in the Pacific.” Financial Times, 21/8/2012. at: https://acr.ps/hByaQXQ

[1] “Thucydides’s trap has been sprung in the Pacific,” Financial Times, accessed on 2/8/2025, at: https://acr.ps/hByaQXQ

[2] Thucydides, The History of the Peloponnesian War, Richard Crawley (trans.) (New York: E.P. Dutton and Company INC; London: J. M. Dent and Sons, Limited, 1950), pp. 65-66.

[3] يقصد بهذه الحالات الأسبابَ المباشرة للصراع.

[4] Ibid, p. 16.

[5] A. F. K. Organski, World Politics, 2nd ed. )New York: Alfred A. Knopf, 1968(.

[6] Graham Allison, Destined for War: Can America and China Escape Thucydides’s Trap? (Boston, MA: Houghton Mifflin Harcourt, 2017(.

وللاطلاع على الترجمة العربية للكتاب، يُنظر: غراهام أليسون، حتمية الحرب: بين القوة الصاعدة والقوة المهيمنة، هل تنجح الصين وأمريكا في الإفلات من فخ ثيوسيديديز؟ تعريب وتعليق إسماعيل بهاء الدين سليمان (بيروت: دار الكتاب العربي، 2018).

[7] “Thucydides’s Trap Case File,” Harvard Kennedy School - Belfer Center, accessed on 2/8/2025, at: https://acr.ps/hByaQId

[8] Ibid.

[9] Joseph S. Nye, “The Kindleberger Trap,” Project Syndicate, 9/1/2017, accessed on 2/8/2025, at: https://acr.ps/hByaR1o

[10] Alan Greeley Misenheimer, “Thucydides’ Other ‘Traps’: The United States, China, and the Prospect of the ‘Inevitable’ War,” Institute for National Strategic Studies, National Defence University, 4/6/2019, accessed on 2/8/2025, at: https://acr.ps/hByaRh1

[11] Niall Ferguson, Civilization: The West and the Rest (London: Allen Lane, 2011).

[12] Paul Kennedy, The Rise and Fall of the Great Powers: Economic Change and Military Conflict from 1500 to 2000 (New York: Vintage Books, 1989).


المحتويات

الهوامش