تسجيل الدخول

نظرية الأدب



الموجز

نظرية الأدب (Literary Theory) أحد فروع الدراسات الأدبية إلى جانب النقد وتاريخ الأدب والأدب المقارن، يبحث في الأسس المفاهيمية والمنهجيات العامة في فهم الأدب وعناصره والظواهر المتعلقة به، ويُركز على قضايا تجريدية كلية تتجاوز التفسيرات الانطباعية إلى البحث في ماهية الأدب وحدوده وبناه، ونشأته، وطرائق إنتاجه، والعوامل المُؤثرة فيه، ووظائفه وتأثيره في الجمهور وطبيعة ذلك التأثير. وتتصل نظرية الأدب بحقول معرفية أخرى كالفلسفة، والتاريخ، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، واللسانيات، والاقتصاد، والسياسة، وتتشكل من هذا الاتصال تصورات تُوجه الاهتمام في دراسة الأدب إلى بُعدٍ أو أكثرَ من أبعاده، كالمُؤلف وتاريخه وبيئته، واللغة الأدبية وطبيعتها ومستوياتها، والمعنى وسُبُل التفسير، والوسيط وتأثيره، والقارئ وآليات التلقي ودوره في إنتاج المعنى، والسياقات الثقافية والاجتماعية وطبيعة السلطة.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ظهر مصطلح "نظرية الأدب" بوصفه حقلًا مستقلًا في منتصف القرن العشرين مع نشر كتاب نظرية الأدب لرينيه ويليك وأوستن وارين ثم ظهور البنيوية، إلا أنّ أسئلة هذا الحقل أقدم من ذلك بكثير، إذ بحثت الفلسفة اليونانية القديمة في الشعر وطبيعته وآثاره ودوره، فقدّم أفلاطون نظريته في المُثُل وبنى عليها أن الشعر مرتبط بالعاطفة ويحاكي العالم المنقوص الذي يبعد خطوتين عن الحقيقة، وخالفه أرسطو الذي رأى أن الشعر يحاكي عالمًا مكتملًا بذاته. وفي الحقبة الهلنستية، أصبح مفهوم المحاكاة لدى الرواقيين مرتبطًا بالخيال أكثر من محاكاة العالم الواقعي أو عالم المُثُل كما هو الحال عند أفلاطون وأرسطو، في حين رأت الأبيقورية أن الشعر يجمع العاطفة مع القيم المعرفية. وفي العصور الوسطى، تركز الاهتمام في مسألة التفسير على المعنى الحرفي والأخلاقي والبعد الرمزي الديني بصورة أساسية، إضافة إلى المعاني الروحية، وفي هذه الحقبة انتقل الاهتمام إلى تفسير الرمز أكثر من المحاكاة التي هيمنت في المراحل السابقة. ومع عصر النهضة الذي أُحيي فيه التراث اليوناني والروماني، تطورت الدراسات الأدبية للتعبير عن الهُويات الاجتماعية والقيم المدنية ومكانة الإنسان في الكون، وأُعيد البحث في اللغة ووظيفتها بوصفها خاضعة للتطور التاريخي، بعيدًا عن التصورات الرمزية التي سادت في العصر الوسيط، فنشأت اتجاهات جديدة في التفسير والقراءة أكثر ارتباطًا بالسياقات الاجتماعية، وظهر اتجاه الكلاسيكية الجديدة فاهتمّ بمحاكاة الأعمال الكلاسيكية اليونانية والرومانية وأساليبها وبأن الأدب يخضع للعقلانية والتنظيم والاتزان ويخلق عالمًا مثاليًا مُتفوقًا على الطبيعة. وفي عصر التنوير، أدى التركيز على الذاتية والعقلانية التجريبية وتصور العقل فاعلًا في بناء التجربة لا متلقيًا سلبيًا للعالم الخارجي إلى اهتمام الأدب والدراسات الأدبية بتمثيل التجارب العقلية، كالتعبير عن النفس البشرية وربط الأفكار عقليًا واللغة الحسية وقدرة الشعر على تجسيد علاقة الجزئي والكلي. ثم ظهر الاتجاه الرومانسي الذي جعل الذاتية منطلقًا أساسيًا للرؤية والتفكير، ونظر إلى الخيال والعاطفة بوصفهما مصدرًا للحقيقة أوثق وأقدر على التعبير من العقل.

أما الإرهاصات الفعلية لنظرية الأدب فقد كانت في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ممثلةً في ثلاثة محددات: مذهب الشكّ الذي بدأ مع ديكارت وكانت وهيغل وأخذ نقطة تحول كبيرة مع ماركس ونيتشه وفرويد، فقد رأى ماركس أن الوعي يتحدد بعوامل خارج سيطرته، في حين رأى نيتشه أنّ اللغة تعطّل قدرة العقل على الملاحظة لاعتمادها على مجازات بالية وأن الحقيقية تتشكل انطلاقًا من استعارات ومجازات وتشبيهات، أما فرويد فقد نظّر للعلاقة بين وعي الإنسان ولاوعيه، ورأى أن اللاوعي يمثل تفسيرًا للفكر والسلوك البشريين مخالفًا الاتجاهات الفكرية والفلسفية واللاهوتية التي تعد الإنسان كائنًا عاقلًا يمكنه أخذ قرارات واعية وعقلانية. وقد انعكست هذه التيارات على النظرية الأدبية فظهر عدد من المدارس الأدبية المتأثرة بها؛ كالماركسية والتحليل النفسي، فسعت الماركسية إلى الكشف عما يعكسه الأدب من بنى اجتماعية وأشكال الطبقية والاستغلال والتشوهات الاجتماعية الناتجة عن ذلك، في حين اتخذت المدرسة النفسية الأدبَ وسيلة للكشف عن لاوعي المؤلف والمكبوت المُستشفّ من خلاله.

غير أن اتجاهين نقديين شكلا أهمّ الإرهاصات لظهور النظرية الأدبية بوصفها مجالًا مستقلًّا للدراسة الأدبية هما: الشكلانية الروسية والنقد الجديد. أما الشكلانية الروسية فاهتمت بماهية الأدب وبالخصائص التي تجعله أدبًا وتميزه عن أشكال التعبير الأخرى، وهو ما يُعرَف بأدبية الأدب، في حين توجه النقاد الجدد إلى فصل الدراسة الأدبية عن المصادر والخلفيات الاجتماعية والتاريخ الفكري والتوجهات السياسية، وتبنوا نظرية عضوية في الشعر تنظر إلى القصيدة بوصفها وحدة متماسكة تتعاضد فيها كلمات العمل وعناصره معًا لتشكيل الأثر الكلي له.

شكّل صدور كتاب نظرية الأدب لرينيه ويليك وأوستن وارن عام 1949 لحظة التأسيس لحقل نظرية الأدب، إذ قدم الكتاب تعريفًا للحقل وميزه عن النقد الأدبي وتاريخ الأدب مع بيان الصلات بينها. كذلك أسس إطارًا منهجيًا يُحدد طبيعة الأدب ومفهومه وحدوده العلمية، وبين أن دراسة الأدب موضوع يمتلك خصائصه المُميزة التي تستدعي الدراسة بشكل مُستقِل. فضلًا عن ذلك، تضمن الكتاب المداخل الأساسية لنظرية الأدب، التي تتضمن طبيعته وحدوده، ووظيفته وآثاره، الأمر الذي يُظهر مجال اشتغال نظرية الأدب.

ثم ظهرت البنيوية وما بعدها، فأرست البنيوية ركائز الأدبية وأسسها، وبحثت التفكيكية في كيفيات إنتاج المعنى وآلياته والتأويل ومن يملك سلطة ممارسته، في حين وجهت نظرية التلقي الانتباه إلى دور القارئ في إنتاج المعنى والتفسير، وظهرت اتجاهات أخرى كالنظرية النسوية ودراسات الملونين والتاريخية الجديدة ودراسات التروما وغيرها التي مثلت توسعًا في المرجعيات النظرية لفهم الأدب وتفسيره.

ورغم أن السياق الذي نشأت فيه نظرية الأدب بمعناها المعاصر هو سياق غربي، فقد ظهرت في التراث العربي إسهامات واسعة في الإجابة عن أسئلة نظرية الأدب تتضمن مفاهيم وتصورات بشأن طبيعة الأدب وتعريف الشعر وحدوده وسماته وعلاقاته مع الدين والأخلاق واللغة، ضمن مباحث الفلسفة وعلوم اللغة والبلاغة والتفسير والتاريخ والأخلاق وسواها. وقد احتكم التصور العربي إلى منطلقات فكرية تجعل اللغة مركزية بوصفها وسيلة غايتُها الفهم والإفهام، والبيان والتبيين، وهي غاية يجب أن تتحقق في مختلف الخطابات، سواء منها المقصودة للتفاهم أم الموضوعة للتعبير الأدبي. وانعكست هذه النظرة بأكثر من شكل في التراث العربي؛ من ذلك الحديث عن دوافع الصورة الأدبية التي تمركزت حول المعنى وإثباته وتبيينه، كما هو الحال في تنظير الجاحظ وابن جني وعبد القاهر الجرجاني، ونظرية عمود الشعر التي برزت مكتملة عند المرزوقي وجاءت لتفترض تكامل سبعة عناصر تحيط بعناصر اللغة الشعرية من جهة المعنى واللفظ والوزن والقافية والتصوير والبناء. وبرز كتاب عيار الشعر لابن طباطبا ليقرن مهمة الشعر بظروف المقام وتجعل قواعد صناعة الشعر محتكمة إلى كمال العقل، في حين حاول قدامة بن جعفر تأصيل علمٍ للشعر الذي ركز على تناول مادة الشعر نفسها.

وقد كان لتراث الفلاسفة المسلمين - كالفارابي وابن سينا وابن رشد - أثرٌ بين في التأصيل النظري للأدب، ووجد بعض تراثهم طريقه إلى أوروبا، ولم يكن ذلك الأثر متمثلًا في الترجمات العربية للنصوص اليونانية فحسب، بل كانت لهم إسهامات بالغة في دخول مفهوم "التخيل" إلى أوروبا ليحل محل المحاكاة الأرسطية.

نظرية الأدب: المفهوم والمجال

تدرس نظرية الأدب الإطار أو مجموعة الأُطُر العامة التي يُدرَس الأدب وفقها، سواء أكانت فلسفية أم تاريخية أم اجتماعية أم سياسية أم جمالية أم سواها، فهي بمنزلة العدسة التي يُنظَر إلى الأدب من خلالها. ويتركز مجال اشتغال نظرية الأدب، بوصفها مجالًا يتعلق بمجموعة كبيرة من المناهج أو المدارس أو المداخل التي تنظر إلى الأدب من زاوية خاصة وتُعد من ثَمّ مدارسَ نظرية معينة في الأدب، على الأسئلة المشتركة بين هذه المناهج والمدارس والمداخل[1].

 يشمل مجال نظرية الأدب البحث في: نشأة الأدب، وطبيعته، ووظيفته، بغية "تأصيل مفاهيم عامة تُبين حقيقة الأدب وآثاره"[2]. ويعتمد المجال على عوامل تُنتَج في حقول معرفية خارج الأدب، كالتحليل النفسي والماركسي والتاريخي والثقافي والخطاب [...]، الأمر الذي يجعل الدراسة الأدبية عابرةً للحقول المعرفية من جهة، وتأخذ في الحسبان القيود والمُحددات الفكرية والمنهجية لتلك الحقول من جهة أخرى[3].

ونظرًا إلى أن النظرية –أي نظرية– تطرح الأسئلة الجوهرية والأساسية بشأن الظواهر التي تعاينها، وتحاول في الوقت نفسه أن تبنيَ أنظمة لتلك الظواهر، ومن ثَمّ تمتلك طموحًا للوصول إلى شمولية في الأُطُر والأسس التي يمكن التفكير فيها، فإنها تشترك في ذلك مع الفلسفة التي تفعل الأمر نفسه في تحليلها الظواهر التي تدرسها. غير أنها تختلف عنها في أمر أساسي، وهو اتصافها الدائم "بالشك"؛ فالنظرية لا تتعامل مع ما يبدو "بدهيًا" على أنه كذلك، وإنما تسأل دائمًا "لماذا يجب أن يكون ذلك كذلك؟ [...] وهذا الشك يتخلل النظرية، ويُعد سمة مُميزة لتاريخها الحديث"[4].

من أجل ذلك، تنتمي نظرية الأدب إلى مجال مُتعدد تتصف النظريات المختلفة فيه بالاختلاف، وبالتناقض الحاد أحيانًا، تبعًا لاختلاف المرجعيات الفكرية والفلسفية التي تستند إليها[5]. لذلك، يعد النظر إلى مفاهيم دراسة الأدب بوصفها أدبية خالصة أمرًا غير دقيق، فهي لا تَنتُج من دراسة الأدب بشكل مُجرد، وإنما تُشير إلى مواقف وتصورات وفلسفات معينة، حتى "إن أي ممارسة نقدية متماسكة لا بد أن تكون جزءًا من موقف نظري شامل"، وإن لم يكن ذلك كذلك، فلن يتوصل الناقد إلى "نتائج ذات قيمة"[6].

وتُناقَش في نظرية الأدب جملة واسعة من القضايا غير المتمركزة على خصائص الأدب نفسه، مع أن هذا الأمر جزء من عمل النظرية، وإنما يتسع مجالها ليشمل التاريخ والمجتمع والثقافة والسياسة واللغة وفلسفتها والتكنولوجيا وعلم النفس وتاريخ الفن، وكل منجز من المنجزات النظرية التي اتسمت بالقدرة على تجاوز مجالاتها الخاصة[7]، فكل نظرية تعمل على تفسير النصوص والثقافة وآليات الإدراك وإنتاج المعنى والإنسان في علاقاته المختلفة على المستوى الفردي أو الجمعي قد تكون جزءًا من نظرية الأدب.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ويذكر تيري إيجلتون (Terry Eagleton) نقطة مُهمة عن أهمية النظرية في الأدب، فيُشير إلى أنها بالدرجة الأساسية "تتدخل بين القارئ والعمل"، وهذا يُسبب مواقف كارهةً لها، غير أنه من دون الاعتماد على نظريةٍ ما فلن يُتمكَّن من معرفة كيفية قراءة العمل الأدبي، لذلك فإن طبيعة العداء للنظرية هو في الأساس عداء لنظريات الآخرين[8].

وإذ تبحث نظرية الأدب في أسئلة كلية وعامة مثل: ما الأدب؟ ما الذي يُميزه عن غيره من أساليب التعبير؟ ما اللغة الأدبية؟ وما الذي يُميزها عن اللغة العلمية أو لغة الحياة اليومية؟ ما وظيفته؟ كيف يُقرَأ ويُفسر؟ ما المُؤثرات في عملية القراءة؟ ما المُؤلف؟ ما القارئ؟ ما علاقته بالتاريخ والمجتمع والسلطة؟، فإنها تنقض الأسس التي قد تبدو طبيعية في الإجابة عن أي من هذه الأسئلة، وذلك انطلاقًا من رفض النظرية لما يُطلق عليه جوناثان كالر (Jonathan Culler) "الحس السليم"، فإن بدا، مثلًا، أن وظيفة الأدب هي التعبير عن الحقيقة أو عن ذات الكاتب أو عن غير ذلك، فهذا ناتج عن سياقات تاريخية ورؤية فلسفية مُعينة. وبوصف النظرية في الأساس "نقدًا مشاكسًا لأفكار الحس السليم"، وبحثًا عن "المفاهيم البديلة"، فإنها تنطلق من تحليل الأسس التي أدت إلى مثل هذا التصور ضمن سياقها التاريخي وملابساتها الاجتماعية؛ أي إن نظرية الأدب تحلل "المقدمات المنطقية للدراسة الأدبية وافتراضاتها الأساسية"[9].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وقد رأى كالر أن المسألةَ الأصلية التي يسعى إلى علاجِها في كتابه النظرية الأدبية هي التطرق المُفرِط للمسائل غير الأدبية في أثناء معالجة الأدب، فالتحليل النفسي والنصوص السياسية والفلسفة والأبحاث الأنثروبوجية والسيميائية وعلم اللغة والاجتماع، كل هذه المجالات ليسَت علاقتُها بالأدب علاقة واضحة، أي إن هذا الحديث عن النظرية سيُحيل على مُفكرين من أمثال ميشيل فوكو (Michel Foucault) وجاك دريدا (Jazques Derrida) وجاك لاكان (Jacques Lacan) ولوي ألتوسير (Louis Althusser)، وغيرهم[10]، ولذلك، يعودُ كالر إلى البداية فيقول: "النظرية في الدراسات الأدبية ليست تفسيرًا لطبيعة الأدب أو لمناهج دراسته [...] إنها لفيف من الممارسات في الفكر والتأليف يصعُبُ تعيين حدوده تمامًا"[11].

 ويُعرفُ كالر النظريةَ الأدبيةَ بأنها نسق من الافتراضات والأفكار التي تُناقش طبيعة الأدب والمناهج المُتبعة في تحليلِه، ولكنه يؤكدُ أنها تقومُ على فروع معرفية مُتداخلة، وأن أعمالًا مُعينةً أصبحت نظريةً لأن تصوراتِها كانت ذات أثرٍ كبيرٍ خارج مجالها الأصلي، فبدأ المشتغلون بالأدب والثقافة يرونَها تصورًا ذا معنًى وقيمة، خاصةً معالجتها للغة والعقل والتاريخ والطبيعة والمعنى، فليست النظرية شيئًا خاصًا بالدراسات الأدبية، بل هي كتابات غير محدودة عن كل شيء[12]. ووفق كالر، لن يكونَ سؤالُ "ما الأدب؟" ذا قيمةٍ أو شأن تصوري ذي وزن؛ لأن النظرية عبارة عن إطار فكري مُؤلف من فروع معرفية مُتداخِلة، تكون فيه دراسة النصوص الأدبية وغير الأدبية شأنًا واحدًا دون فرق، ويُؤكد أن بالإمكان أن تُرى "الأدبية" في الظواهر غير الأدبية، وأهم مثالٍ يطرحُه تدعيمًا لهذه الفكرة أن التفسير التاريخي قائمٌ على منطق القصص، والسرد الأدبي، وفيه أدوات بلاغية لا تُعَد زُخرفًا فحسب، بل تُمثل التفكير داخل الخطاب التاريخي[13].

ويُشار إلى أن الاختلاف الذي ظهر في موقف كالر عن الأُطر التي ظهرت في كتاب ويليك ووارن يُمثل أحد أهم التحولات الفكرية في العصر الحديث؛ إذ يُعبر موقفه عن التحول من إمكانية استقلال الحقول المعرفية وتصنيفها مفاهيميًا ووظيفيًا إلى التداخل وانصهار الحدود الفاصلة بينها في ظل رؤية لا تُؤمن بأن المعرفة محايدة أو أن المفاهيم تتسم بالثبات. وهذا يعني أن النقد نفسه أصبح ممارسةَ قراءةٍ مُنتِجة للمفاهيم، وهذا يجعله ميدانًا له وظيفة فلسفية يُنجَز فيه ما تفعله النظرية.

أثر المرجعية الفلسفية في نظرية الأدب

لفهم المرجعية الفلسفية أهمية كبيرة في نظرية الأدب، فبالنظر مثلًا إلى سؤال "وظيفة الأدب" الذي هو من جوهر الأسئلة التي يدرسها مجال نظرية الأدب، فإنّ الإجابة عنه تختلف باختلاف المرجعية الفلسفية للمنظّر، ومثال ذلك الاختلاف في إجابة كلّ من أفلاطون وأرسطو عن هذا السؤال. أما أفلاطون، فقد أحال مصدرية الشعر إلى الآلهة، وقال إن الشاعر لا يتحدث بصوته الخاص، فهو ليس إلا وسيطًا تتحدث من خلاله الآلهة، التي تُلهِم الشاعر، ويحدث ذلك في حالٍ يغيب فيها العقل، والشعر يُحاكي الأشياء في العالم الناقص، الذي هو مُحاكاة لعالم المُثُل. ومع أن هذا التصور يمنح الشاعر شيئًا من القداسة كونه مُلهَمًا من الآلهة، فإنه ينزع منه القدرة الذاتية على الإبداع ويُحيله في نهاية المطاف إلى وسيط ناقلٍ لإلهام الآلهة، ويُخرجه من دائرة العقل الواعي، كما أن هذا التصور يجعل الشعر بعيدًا خطوتين عن الحقيقة، لأن ما يُحاكيه هو العالم الناقص وليس جوهره؛ لذلك فالشعر عند أفلاطون غير مفيد، ومن ثَم أُخرِج الشعراء من الجمهورية. وللوقوف على الأسس التي اعتمد عليها هذا الفهم، لا بد أن يُنظَر إليه بوصفه جزءًا من نظرية المُثُل الأفلاطونية، التي تُعيد الأشياء في العالم الواقعي إلى جواهر غير ماثلة فيه وإنما تُوجد في عالم المُثُل، وهذا مرتبط برفض أفلاطون الرؤيةَ الفوضوية وغير المتماسكة أخلاقيًا للكون، فترجع كل الأشياء عنده إلى نموذج رياضي متعالٍ يُمثل الأصل الكلي للتجربة الإنسانية[14].

أما عند أرسطو، فالشعر يؤدي وظيفة أخلاقية وتعليمية ويوصل إلى المتعة. وعلى الرغم من أن الشعر عنده يعتمد على محاكاة العالم الخارجي كما هو الأمر عند أفلاطون، ومن ثَمّ يكون مصدر الأدب خارج ذات الكاتب، فإنه قادر على إدراك معنى الحقيقة، لأن جواهر الأشياء كامنة فيها لا في عالم آخر كعالم المُثُل، ويمكن إدراك هذه الجواهر عبر التأمل في الأشياء نفسها وتحليل ظواهرها، بالإضافة إلى أن المحاكاة نفسها غريزة في الإنسان وإحدى أهم وسائل التعلم. لذلك، المحاكاة عند أرسطو ليست ابتعادًا عن الحقيقة، وإنما هي سبيل إليها ووسيلة لاكتشافها. والأدب، وفق أرسطو، يحاكي الأفعال القابلة للتكرار وفقًا لقوانين الاحتمال بما يُعبر عن التجربة الإنسانية، وليس تعبيرًا عن أمر مُحدد وقع بالفعل في حقبة وزمان مُعينين، فالشاعر يختار من الأحداث ما يمكنه التعبير عن الأكثر جوهرية، وهذا الاختيار يعطيه إمكانية الإتقان الذي يؤدي إلى المتعة. لذلك، فالشعر أكثر فلسفة من التاريخ، فهو يُعبر عما هو كوني وعام. كما أن بعض أشكال محاكاة الأفعال، كما في التراجيديا، تُؤدي إلى التطهير (Catharsis)، وهو أحد المفاهيم الأساسية في نظرية أرسطو عن وظيفة الأدب، وهو ما يحدث للجمهور بإثارة عاطفتي الخوف والشفقة (الخوف على الذات من مواجهة مصير مشابه للبطل التراجيدي، والشفقة عليه من النهاية التي وصل إليها)، فهو لا يُفسِد النفس كما قال أفلاطون بل يهذِبها ويمنح فهمًا أعمق لعواطفها. من هنا، يكون للشعر وظيفة تعليمية رفيعة تحفظ له مكانة ضمن أنواع المعرفة[15].

تظهر من هذه المقارنة بين أفلاطون وأرسطو ضرورة البحث في الأسس التي يقوم عليها أي جواب عن الأسئلة التي تطرحها نظرية الأدب، فالرؤية الرومانسية أو الماركسية أو النفسية أو الشكلانية الروسية أو البنيوية أو التفكيكية للأدب تُعبر عن مواقف فلسفية، وانطلقت من سياقات تاريخية لا بد من إدراكها في مناقشة أسئلة النظرية ولفهم طبيعة المنظار الذي يُنظَر من خلاله إلى هذه القضايا، وهذا يجعلها أحد المباحث الصعبة والمُركبة في معالجة الأدب.

نظرية الأدب وتاريخ الأدب والنقد الأدبي

ثمة تداخل بين مفهوم نظرية الأدب ومفهومين آخرين لهما أهميتهما في الدراسة الأدبية؛ هما: تاريخ الأدب، والنقد الأدبي. رغم ذلك فمن الممكن وضع حدود مفصلية تصف مجال اشتغال كل من هذه المفاهيم؛ فيُشار في العموم إلى أن نظرية الأدب تختص بمستوى تجريدي من القضايا في دراسة الأدب تشمل تعريفه ووظيفته وأثره، والمؤلف والقارئ ودورهما فيه، وصياغة نماذج تفسيرية ومساءلة المُسلمات في دراسته. أما تاريخ الأدب فيختص بدراسة التطور الأدبي عبر الحِقَب الزمنية، وما برز من أجناسه وتياراته وتحولاته والمؤثرات فيه عبر العصور. في حين يُركِز النقد الأدبي على الممارسة التحليلية تطبيقيًا على الأعمال الأدبية بشكلٍ محدد بغيةَ تفسيرها وتقويمها، ويجيب عن أسئلة مباشرة عن معنى العمل الأدبي المدروس ويحكم عليه[16].

وقد فَصَل نورثروب فراي (Northrop Frye) بين نظرية الأدب والنقد الأدبي فصلًا تامًا، مستبعدًا النقد عن الدراسة الأدبية، وذلك في إطار استيائه من الأحكام الانطباعية الذوقية، ملحًا على أن النقد هو مجموع ما يتوصل إليه البحث العلمي والذوق الإنساني المُتصل بالأدب[17]. ومِن المُلاحَظِ أنه يتحدثُ عن تصور نظري كُلي، ويُحاول أن يحُل مُشكلة استقلال النقد الأدبي بأن تكون للأدب نظريتُه المُستقلة، فما يُثيرُ استياءَه مُتمثلٌ في أن الماركسية والفرويدية والوجودية ترى أن تصوراتِها هي النقد ذاته، وفي هذه الحالة يُلحَقُ النقدُ بنطاق خارج عن نطاق الأدب. وعوضًا عن ذلك، لا بُد من السعي إلى إطار فكري للنقد يستمد مبادئه ومعاييرَه وفرضياتِه من الأدب نفسه، أي من مادة النقد ذاتها باستعراض يُستَقرأ فيه الأدب[18].

وقد اختلف موقف رينيه ويليك (Rene Wellek) عن موقف فراي، فرأى ويليك أن هذين الحقلين لا ينفصلان، مؤكدًا أنه من أجل تأكيد النظرية والتمثيل لها فلا بُد من استحضار الأعمال الأدبية، ومن ثَمّ فإنّ النظرية الأدبية عنده تقوم على نظامٍ من المبادئ والقيم المُستخلَصة من نقد الأعمالِ الأدبيةِ نفسِها أولًا، والتاريخ الأدبي ثانيًا، لتشكل إلى جانب النقد وتاريخ الأدب مُتلازِمة ثلاثية لا غِنى لأحدِها عن الآخر، وفي الوقتِ نفسِه، لا غِنى عن استقلال كل منها، ذلك أن الواحد منها يستوعِبُ من الأفكار والمعارف ما لا يمكن للحقل الآخر أن يُغطي نطاقَه أو ينوبَ عنه[19].

تاريخ نظرية الأدب

من المعلوم في دراسات الأدب أن مصطلح "نظرية الأدب" ظهر في مرحلة مُتأخرة بوصفه حقلًا مُستقلًا في منتصف القرن العشرين، غير أن أسئلة هذا الحقل المتمركزة حول التفكير النظري في مفهوم الأدب وأجناسه وسماته ووظيفته ومعناه أقدم من ذلك بكثير. فثمة نقاشات واسعة لهذه الأسئلة في دراسات الشعر والفلسفة واللغة والجمال والتخييل والبلاغة والخطابة، لذلك يمكن وصف تطور حقل "نظرية الأدب" بصورة تقريبية في ثلاث مراحل: مرحلة ما قبل ظهور المصطلح، ومرحلة الإرهاصات والتشكل، ومرحلة الظهور والتكريس. ومن المُهم الملاحظة أن هذه المراحل ليست تصنيفًا للنظريات في الأدب، فهي في كل مرحلة متنوعة ومختلفة اختلافًا كبيرًا، وإنما هي تقسيم زمني لتاريخ هذا الحقل.

مرحلة ما قبل المُصطلح

 هذه المرحلة هي أكثر المراحل امتدادًا في الزمن، إذ تشمل العصور القديمة كلها وتمتد حتى القرن التاسع عشر على وجه التقريب. فقد كان التفكير في الأدب جزءًا من مجالات متعددة، وطُرِحت قضايا كثيرة ضمن الفلسفة والبلاغة والفن والجمال والخطابة والسياسة وسواها من المجالات المعرفية، وستُصبح لاحقًا من صلب اشتغالات نظرية الأدب.

الفلسفة اليونانية

بحثت الفلسفة اليونانية في الشعر وطبيعته وآثاره في الجمهور ودوره في الوصول إلى الحقيقة وعلاقته بالأخلاق والسياسة، واختلافه عن أشكال التعبير الأخرى. فالشعر عند أفلاطون يحاكي العالم المحسوس، والعالم هو صورة ناقصة عن المثال الكامل في عالم المُثُل؛ لذلك فهو عنده صورة ناقصة خطوتين عن الحقيقة، والشعر ينتقل إلى الجمهور من خلال المُنشِد، فتزداد المسافة بين مصدره الإلهي ومآله عند المُتلقي. وبما أن المحاكاة عند أفلاطون تتصل بالعالم الذي يحاكيه الشاعر، فهو غير قادر على الوصول إلى الحقيقة المثالية في عالم المُثُل كما هو الأمر في عمل الفيلسوف. ويظهر هنا أن هدف أفلاطون هو جوهر الحقيقة لا جوهر الشعر، فعنده أن الشعر مرتبط بالعاطفة التي تناقض العقل المُوصل إلى الحكمة، فيكون الشعر غير مُفيد في نهاية المطاف، ومن ثَمّ طرد الشعراء من مدينته الفاضلة، نظرًا إلى أثره الأخلاقي والسياسي السلبي، وقصوره عن معرفة الحقيقة[20]. واختلف أرسطو مع رؤية أستاذه أفلاطون في ذلك، وتحول بالتفكير في الشعر إلى رؤية إيجابية تؤدي وظائف تعليمية في كتابه فن الشعر، ووصف خصائص أشكاله كالتراجيديا والكوميديا والبطل والحبكة وسماتها، وميز فن الشعر عن أشكال التعبير الأخرى، ورأى أن المحاكاة تتجه إلى العالم الذي هو عالم مكتملٌ بذاته وليس ظلالًا لعالم آخر. والمحاكاة في التراجيديا عند أرسطو تكون للأفعال لا للعواطف أو الأشخاص، وهذا هو ما يوصل إلى الحقيقة الجوهرية للعالم، الأمر الذي يُعطي الأدب القدرة على إدراك المفاهيم العامة[21].

ويُشار إلى أن أرسطو شكّل مبادئ الكلاسيكية التي سرت في تاريخ الدراسات الأدبية حتى العصر الحديث، وفي جوهرها أن الشعر ليس تعبيرًا عن الخاص في الأشخاص، وإنما يُركز على السمات المُشتركة مع الآخرين، ويُعبر عن الحقائق الكونية من دون التقيد بواقع مُحدد، فيُؤدي بذلك أدوارًا في التعليم وتهذيب الأخلاق[22]. والشعر في بنيته خاضع للعمل العقلي، الذي يتخلص من الجموح غير المُقيد، ويتسم بالاعتدال والتأمل المُتزن، ويشمل هذا كل مكونات الأدب من أقل سمات اللغة إلى أعلى خصائص الحبكة[23].

وعلى الرغم من الأثر الواسع لهذه الأفكار في دراسات الأدب اللاحقة، فإنها لم تكن مجالًا مستقلًا، وإنما ظهرت ضمن الفلسفة والسياسة والأخلاق. وقد عُرِفت تصورات كل من أفلاطون وأرسطو، على الرغم من التباين الكبير بين موقفهما من الأدب، بنظرية المحاكاة، التي تجعل الأدب تعبيرًا عن موضوعات خارجة عن ذات المُؤلف ولا تظهر فيه قيمة كبيرة للخيال بشكلٍ واضح[24].

الحقبة الهلنستية

مع توسع الإمبراطورية المقدونية إلى آسيا الصغرى ومصر وبلاد ما بين النهرين في عهد الإسكندر الأكبر، ظهرت مكتبة الإسكندرية، وتركز العمل فيها على جمع الأعمال الإغريقية وتحقيقها وشرحها، ومال الأدب في ذلك الوقت إلى الأعمال الأقصر، وسيطر على النظر إلى الأدب منطلقُ فقه اللغة والبلاغة والبراعة في التصوير. وبرز كذلك ميلٌ إلى الأدب الممتع والخيالي والمتمركز حول الذات، في ابتعاد عن الأعمال البطولية الملحمية والجادة. وبقي أتباعٌ لأرسطو، كالمشائين، يتتبعون تاريخيًا تطور الأجناس الأدبية مع الاهتمام بسير المُؤلفين وبالجوانب الأخلاقية والبلاغية والتفسير المجازي. وانتفعت الرواقية بالتوازي من أرسطو في التركيز على المحاكاة، ومفهومها لديهم مختلف عن المحاكاة عند أفلاطون وأرسطو بأنه معتمد على الخيال أكثر من محاكاة العالم الواقعي. ورأت الأبيقورية أن الشعر يجمع العاطفة مع القيم المعرفية، وبحثت في الأجناس الأدبية ولا سيما في التراجيديا والملحمة. وبقي تركيز تلك الحقبة في مجملها على المسائل الأسلوبية للأعمال الكلاسيكية، والإعلاء من تقليدها، وبقي كذلك الصراع القديم بين الفلسفة والشعر[25].

القرون الميلادية الخمسة الأولى

يُشار إلى أن البلاغةَ والعلاقةَ بين الأدب والأخلاق وهيمنةَ التقليد للأعمال الكلاسيكية سيطرت على القرون الميلادية الخمسة الأولى، وجاء أبرز تأثير من خلال اتجاهين: السوفسطائية الثانية التي تميزت باللغة المُقننة المُؤثرة في الجمهور، وكثُرت فيها نظريات البلاغة والتفسير؛ والأفلاطونية الجديدة التي عُرِفت بدفاعها عن أفلاطون، وحاولت تخليص إرثه من إدانة الشعر. وتميز هذا الاتجاه بالاهتمام بالتفسير المجازي والرمزي، المعتمد على الإيمان بعالم موازٍ للعالم الحقيقي، الأمر الذي أعاد تُراث أفلاطون للحضور بقوة[26].

العصور الوسطى

ثمة خلاف واسع بشأن أثر العصور الوسطى من القرن الخامس إلى الخامس عشر في نظرية الأدب والنقد الأدبي، بين من يُقلل -وأحيانًا يُلغي- وجود اتجاهات مؤثرة، ومن يراها حقبة تتضمن العديد من الاتجاهات المُؤثرة في الحقَب اللاحقة من تاريخ النظرية والنقد، فيُشار إلى الأجناس الأدبية واللغات المحلية في أوروبا وتفسير الكتاب المُقدس والفرق بين الأدبي والنصوص الدينية، وعلاقة الأدب المحلي باللغة اللاتينية، وأثر المواعظ الدينية في اللغة الأدبية، وبشكل خاص الدراسات النحوية والبلاغية والتفسير المُتعلق في المقام الأول بالكتاب المُقدس. وقد تركز الاهتمام في مسألة التفسير على المعنى الحرفي والأخلاقي والبعد الرمزي الديني بصورة أساسية، بالإضافة إلى المعاني الروحية، وهو ما سيكون ذا تأثير كبير في حركة التأويل اللاحقة. وفي هذه الحقبة انتقل الاهتمام إلى تفسير الرمز أكثر من المحاكاة التي هيمنت في المراحل السابقة، بالإضافة إلى أهمية البلاغة واللغة في التفسير والتأويل، وإلى تأثير كتاب أرسطو فن الشعر المُترجم إلى اللاتينية في القرن الثالث عشر نقلًا عن نسخة ابن رشد مع تعليقاته وشروحاته[27].

مع ذلك، هيمنت مفاهيم أفلاطون خلال العصور الوسطى حتى القرن الخامس عشر، وهو القرن الذي ظهرت فيه شروح عدة لكتاب أرسطو، فترسخت بذلك مفاهيم أرسطو في الدراسات الأدبية، وبشكلٍ أكبر في نظرية الدراما وممارساتها، إلى أن تراجعت هذه المفاهيم لاحقًا مع الرومانسية لصالح مفاهيم أفلاطون ولونجينوس (Longinus)، ثم عادت مفاهيم أرسطو بعد ذلك في مراحل مختلفة من الدراسات الأدبية[28].

عصر النهضة

أُحْيِيَ في هذه الحقبة التراثُ اليوناني والروماني بعد انقطاع ألف عام خلال العصر الوسيط، واستُبدِلت برؤى العصر الوسيط اللاهوتية تصوراتٍ أكثر إنسانية وعلمانية تتركز حول العالم المادي والعلمي والإنسان الفرد. ومن أهم المُؤثرات في هذا العصر مفهوم النزعة الإنسانية (humanism) الذي يتجاوز عن الانتماءات السياسية والعرقية، ويُشير إلى أن الإنسان مركز الكون لا الإله، بالتركيز على الطبيعة البشرية ومنجزات الإنسان وإمكاناته عوضًا عن العقائد والقضايا اللاهوتية. في هذا السياق، أصبحت أفعال الإنسان مركزية بذاتها من دون ارتباطها بالدين أو بالوراثة، الأمر الذي أثّر في مختلف مجالات الحياة سياسيًا واقتصاديًا وأخلاقيًا، وأخذ الإقطاع وطبقة النبلاء بالتراجع لصالح الطبقة الوسطى، وازدهرت التجارة والثقافة ودراسة الطبيعة علميًا، واهتُمّ بأدب اللهجات المحلية مقابل اللاتينية، والتركيز على الأساليب الفنية والجمال عوضًا عن اللاهوت والمنطق[29].

إضافة إلى ذلك، تراجعت مكانة اللغة اللاتينية في الأدب والبحث، ودُرِست الأعمال الكلاسيكية بلغاتها الأصلية من دون الاعتماد على الشروح والتعليقات المكتوبة في العصر الوسيط. كذلك تخلصت هذه الحقبة من النفور من الأدب، ونُظِر إليه مصدرًا أخلاقيًا يتعلق بحياة الناس، وكُيفت الأساليب اللاتينية باللغات العامية، وتطور من ذلك الشعر الرعوي والروايات الرومانسية، ونأى الأدب عن المثالية والأخلاقية كما كانت في أعمال القرون الوسطى لصالح الاهتمام بالأسلوب واللغة والبلاغة والتصوير الواقعي للشخصيات، إضافة إلى ظهور رغبة في إخضاع العالم للعقل والإبداع الإنسانيَّيْن[30]. ومن المسائل المُهمة في فلسفة النزعة الإنسانية ظهور مفهوم الإرادة الحرة والشك حتى في الحواس والعقل نفسِه، وتراجع البحث عن الحقيقة المُطلقة، التي لا سبيل إليها إلا بالشك[31].

من هذا السياق، تطورت الدراسات الأدبية للتعبير عن الهُويات الاجتماعية والقيم المدنية ومكانة الإنسان في الكون، وأُعيد البحث في اللغة ووظيفتها بوصفها خاضعة للتطور التاريخي، بعيدًا عن التصورات الرمزية التي سادت في العصر الوسيط، فنشأت اتجاهات جديدة في التفسير والقراءة أكثر ارتباطًا بالسياقات الاجتماعية، بالإضافة إلى ظهور جماهير جديدة للأدب بفضل انتشار الطباعة، وكُرست جهودٌ كبيرة للدفاع عن الشعر والأدب واستخدام اللغات المحلية، وللأجناس الأدبية، ولعلاقة الأدب بمجالات معرفية مختلفة كالفلسفة الأخلاقية والتاريخ[32].

وجاء اتجاه الكلاسيكية الجديدة (Neoclassicism) فاهتمّ بمحاكاة الأعمال الكلاسيكية اليونانية والرومانية وأساليبها (مع إقرار بعضهم بالعبقرية الفردية كعبقرية شكسبير وميلتون)، وبالوحدات الأرسطية (الزمان والمكان والحدث)، وبأن الأدب يخضع للعقلانية والتنظيم والاتزان ويخلق عالمًا مثاليًا مُتفوقًا على الطبيعة، وباستقلال الأنواع الأدبية والفصل بين لغة الشعر والنثر، وبأن القدرة البشرية محدودة على العكس من رؤية عصر النهضة والرومانسية لاحقًا. وعادت الكلاسيكية الجديدة إلى مفهوم أرسطو عن المحاكاة، محاكاة العالم الخارجي والفعل الإنساني بغية الموضوعية والتجرد على العكس من النزعة الفردية واستكشاف الذاتية في عصر النهضة. وفي هذا السياق في القرن السابع عشر، تبلور النقد الأدبي حقلًا مُستقلًا في البحث والدراسة، مُتجهًا إلى جمهور كبير من النبلاء والصالونات الأدبية والطبقة الوسطى من البرجوازية. ورُكز بشكل واسع على أهمية الوضوح اللغوي بتأثير من رينيه ديكارت (René Descartes) وجون لوك (John Locke) اللذين أكدا على ضرورة أن تُحدد الفلسفة مصطلحاتها ومعانيها بدقة[33].

عصر التنوير

يوصف هذا العصر بعصر العقل، ويمتد من نهاية القرن السابع عشر إلى نهاية الثامن عشر، برزت خلاله تيارات مختلفة في الفكر والفلسفة والأدب والفن والدين والسياسة والاقتصاد. وعلى الرغم من الاختلافات الكبيرة بين مُفكري التنوير، ساد إيمان بقدرة العقل على فهم العالم والطبيعة والذات الإنسانية فهمًا تحليليًا، وتخليص الفكر من النزوع غير العقلاني والخرافي ومن التحيزات الطبقية والإقطاعية والتعصب الديني والسياسي، سعيًا إلى بناء مجتمع يتخذ فيه الإنسان خياراته على أسس الحرية والعقلانية. وبرزت في هذا العصر الليبرالية ووصلت البرجوازية إلى السلطة بفضل الثورة الفرنسية عام 1789، بالإضافة إلى العديد من الثورات الأخرى على امتداد أوروبا. وتأثر التنوير بعمق بعالم الرياضيات إسحق نيوتن (Isaac Newton) من خلال تأكيد تصوره للكون بأنه ميكانيكي مُنظمٌ وقابلٌ للتحقق علميًا. كذلك ظهر مفهوم العقل الحر والفردي القادر على إدراك العالم باستقلالٍ عن أي سلطة دينية أو سياسية أو سلطة التقاليد أو أصحاب النفوذ[34].

وبالمجمل، أخذت الاتجاهات الفلسفية في عصر التنوير أشكالًا عدة، أبرزها العقلانية والتجريبية والبراغماتية، وهي الاتجاهات التي تُشكل جوهر الفكر الليبرالي البرجوازي. وفي جوهرها جميعًا يُنظَر إلى العالم على أنه مُكون من عناصر منفصلة مُتعددة، وأن الوعي الإنساني والعالم مختلفان، ومن ثَمّ فإن العالم مستقلٌ عن إدراك البشر له، والأفكار في العقل غير موجودة بالضرورة في العالم، والمجتمع مُكون من أفراد منفصلين، والفرد كائنٌ عاقلٌ ومُستقِلٌ وحر. كذلك إن الاعتماد على العقل والتجربة سيمكن الإنسان من فهم العالم والذات البشرية، وسيقود إلى التقدم التاريخي إنسانيًا وأخلاقيًا وسياسيًا ودينيًا[35].

ألقت هذه التطورات الكبيرة -ولا سيما المناهج العلمية، والمساواة السياسية، وتزايد العقلانية التجريبية، واتساع جمهور القراء، وتقدم البرجوازية على حساب رجال الدين والنبلاء والسلطة السياسية المُطلقة- بكثير من التأثيرات على دراسات الأدب والنقد الأدبي، ولا سيما على دراسات لغة الشعر ومفاهيم الذَوق والخيال. فبرزت في هذه الحقبة دراسات فلسفية للغة، بتأثير خاص من جون لوك ومنهجه التجريبي، وظهر ذلك في كتابة الشعر بالتركيز على التفاصيل الحسية والوصف، وظهر مبدأ الخصوصية الذي أطاح بالتصور الكلاسيكي القاضي بأن الشعر يتحدث لغة عالمية ويُعبر عن حقائق عامة. وأدى التركيز على الذاتية والعقلانية التجريبية وتصور العقل فاعلًا في بناء التجربة لا متلقيًا سلبيا للعالم الخارجي إلى اهتمام الأدب والدراسات الأدبية بتمثيل التجارب العقلية، كالتعبير عن النفس البشرية وربط الأفكار عقليًا واللغة الحسية وقدرة الشعر على تجسيد علاقة الجزئي والكلي. ويُلتمَس أثر جون لوك التجريبيِ في مفهوم معيار التجربة في المعايير الأدبية، بمعنى تأثير الأدب في حواس القارئ. وأثّر الشك في الحقيقة المُطلقة في رؤية العلاقة بين الكلمات والمعاني على أنها اصطلاحية وغير طبيعية، وفي تخلي النقد عن المُطلقات والاعتماد على التاريخ لا على القواعد لأنه مُعتمِد على الوعي البشري المُقيد بالزمان والمكان. ووُجهت الكثير من الانتقادات لهذه الرؤى، منها الانتقادات لضرورة وضوح اللغة والتقنين الصارم لها[36].

واستمرارًا لبعض أفكار عصر التنوير، وردّ فعلٍ عليها في الوقت نفسه، ظهرت الرومانسية بوصفها اتجاهًا واسع التأثير في تاريخ الفكر والفن والأدب[37] امتد من القرن الثامن عشر إلى منتصف التاسع عشر، ورأى في الذاتية منطلقًا أساسيًا للرؤية والتفكير، والخيال والعاطفة مصدرًا للحقيقة أوثق وأقدر على التعبير من العقل، وتعددت أشكال الرومانسية حتى قيل إن هناك "أنواعًا من الرومانتيكية بعدد الرومانتيكيين"[38]. تتناقض الفردية في الرومانسية تناقضًا جوهريًا مع التقاليد والمعايير الثابتة المُسبقة والمُستقاة من خارج الذات التي تُعد في الفكر الرومانسي مقياس كل شيء، وهذا المقياس الذاتي نفسه قابل للتغير والتبدل تبعًا لتغير الذات[39].

جاءت الرومانسية ردة فعل على الكلاسيكية الجديدة وفكر عصر التنوير وهيمنة الروح العلمية، وعُرِفت بتركيزها على العاطفة، فهي ترفض إخضاعها للعقل وأحكامه ومعاييره كما هو الأمر في الكلاسيكية، التي تقضي بضرورة كبح جماح العاطفة وتخليصها من الجموح، وذلك لكونها فردية ولا تُعبر عن العام والكلي، فما ينبغي التعبير عنه في الكلاسيكية هو العام والمشترك[40]، أما الرومانسية فرأت أحكام العقل رؤية سلبية، وقد صور جان جاك روسو (Jean-Jacques Rousseau) العقل مُفسِدًا للحياة الإنسانية ولحقيقة الحياة، ودعا عوضًا عن ذلك إلى الاعتماد على المشاعر الطبيعية القادرة على هداية الإنسان، ونموذج هذه المشاعر يتمثل في الحياة البدائية البسيطة، قبل أن تفسدها الحضارة[41].

أصر الرومانسيون على استقلال الفن والأدب من أي غاية نفعية أو أخلاقية، فبرزت الرومانسية في الفلسفة والأدب بوصفها رد فعل على قيم عصر التنوير والكلاسيكية الجديدة. وتُعد علاقتها مع تقاليد الطبقة البرجوازية الصاعدة مُعقدة، فهي من ناحية ردة فعل على نمط الحياة البرجوازية، واستمرار لها من ناحية أخرى. فقد رأى العديد من الرومانسيين، مثل ويليام بليك (William Blake) وويليام ووردزورث (William Wordsworth) وفريدرك هولدرلين (Friedrich Hölderlin)، وفريدرك شيلر ( Friedrich Schiller) ويوهان غوته (Johann Goethe) وڨيكتور هيغو (Victor Hugo) وآخرين، أن الثورة الفرنسية بشارة عصر جديد من التحرر الفردي والاجتماعي، ومجدوا الجهود الساعية إلى الحرية الإنسانية والإتقان المعرفي والعدالة والتخلص من الأعراف الاجتماعية والأنظمة السياسية القمعية[42].

في المقابل، ثار الرومانسيون أنفسهم على بعض المظاهر الجوهرية في البرجوازية على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، إذ وقفوا ضد القيم الآلية في المدن الحديثة وما خلفته من بؤس وآلية في الحياة الإنسانية، وسعوا في رفض هذا العالم إلى الراحة الروحية في التصوف، وظهر هذا الموقف ضد قيم البرجوازية في دعوة ووردزورث الشعراء إلى محاكاة "لغة الحياة الواقعية"، وفي تمجيد صموئيل كولريدج (Samuel Coleridge) وبليك حالةَ الطفولة والبراءة غير المُلوثة بالتعليم التقليدي. كذلك خرج مفهوم الطبيعة عند الرومانسيين عن مفاهيم الكلاسيكيين الجدد الذين رأوها نظامًا ثابتًا وهرميًا للكون ومعيارًا للفكر البشري، بتأثير من مفاهيم نيوتن عن الكون بوصفه آلة هائلة[43] ومن المفاهيم المسيحية عن العناية الإلهية[44].

وأعلى الرومانسيون من شأن الطبيعة (التي يتضمن معناها في القرنين السابع عشر والثامن عشر الحياة كاملة[45]) إلى الحد الذي تحولت معه إلى قضية جوهرية في التعريف بالرومانسية والفنون والآداب التي أنتجتها، وارتبط مفهوم الطبيعة لديهم بالخيال ارتباطًا عميقًا؛ فالطبيعة مجال يعمل فيه الخيال ويأخذ منه الصور والتشكيلات الجمالية، في تعبير عن الخلاص والطمأنينة والأشكال البسيطة، وتصورات تُمثل تناغمها مع حياة الإنسان[46]. إضافة إلى ذلك، آمنت الرومانسية بأن الكون يقوم على وحدة وتكامل يمكن إدراكهما عبر أهم الملكات البشرية وهي الخيال، وهو قدرة تستطيع مواءمة طبقات الإدراك البشري كالحس والعقل. وبتأثر بفلسفة هيغل، رفع الرومانسيون من مكانة الخيال وعدوه "وسيلة لبلوغ حقائق تتجاوز العالم الظاهري وقدرة العقل وحدَه"، ومن هنا يكون "الخيال الثانوي" عند كوليردج، وهو الخيال الخاص بالشاعر، قادرًا على التوفيق بين العام والملموس، والكوني والخاص. ورأى شيلي أن للخيال وظيفة أخلاقية تُمكن الذات من التموضع ضمن مجال تعاطفي أوسع متجاوزًا العقل الذي "يُعبر عن القيود الأنانية للذات الليبرالية"[47].

إن الرومانسية، وفق رينيه ويليك، تمتلك مقومات النظرية الشعرية بوجود تصور فلسفي في الممارسة الشعرية، ومن ذلك أن العديد من الباحثين "توصلوا إلى اتفاق في الآراء حول النظرة الأساسية التي تميز بها الرومانسيون بشأن الواقع والطبيعة، وبشأن الوسائل الرئيسة التي استخدمها الشعراء الرومانسيون في شعرهم"، ومن ذلك أن الاستعارة في الرومانسية عنصر مُنظم للقصيدة عن الطبيعة، وحين تكون الطبيعة في الخلفية في إحدى القصائد فإنها تستدعي الذكريات وتُوجه الاستعارات التي تُوصف بها، كما أن القصائد الرومانسية تمحو "الفرق بين المعاني الحرفية والمعاني اﻟﻤﺠازية، لأن الشاعر يريد أن يقرأ معنى ما في الخلفية الطبيعية، ويريد أيضًا أن يجد المعنى فيها"[48].

امتدت تأثيرات الرومانسية في العديد من الحركات الأدبية اللاحقة، فأخذت الرمزية الإيمان الكبير بالخيال والحدس والاستغراق في المعنى الباطني، وحوّلت هذه المفاهيم من التعبير عن الذات إلى الإيحاءات اللغوية والرموز. وفي حين أخذت الواقعية موقفًا معارضًا للرومانسية بتركيزها على الواقع اليومي والاجتماعي، حافظت على الاهتمام بالفرد والتجربة الإنسانية محورًا في التعبير الأدبي. وبالمقابل، طور اتجاه الفن للفن توجهًا مُتشددًا لبعض أفكار الرومانسية عن استقلال الفن والخيال عن أي قضية أخلاقية أو اجتماعية لتُعطَى القيمة الجمالية البحتة الأولوية المُطلقة[49]. من جانب آخر، هناك تاريخ طويل من الهجوم على الرومانسية وأفكارها، لم يتوقف حتى القرن العشرين[50]؛ ومن ذلك أن ت. س. إليوت (T. S. Eliot) يرفض مقولات الرومانسية عمومًا، فيذهب إلى أن المشاعر والانفعالات والانطباعات الشخصية لا مكان لها في الشعر[51]، وأن للقصيدة حياتَها الخاصة المُستقلة عن معاني الشاعر وسيرته وغاياته[52].

إرهاصات نظرية الأدب

 ظهرت إسهامات نظرية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مَثّلت إرهاصات مركزية لنظرية الأدب، وهو ما يمكن تحديده بثلاثة محددات كما يلي:

مذهب الشك

 شكل الشك المُنطلق الأساسي لظهور العديد من النظريات التي أثرت تأثيرًا عميقًا في مُختلَف المجالات الإنسانية، ومن ضمنها الدراسات الأدبية. وأساس هذا التأثير هو الشك في قدرة الوعي الإنساني على معرفة الشيء كما هو، وهو شك له تاريخ طويل قبل القرن التاسع عشر، وله أصول في الفلسفة الحديثة منذ ديكارت الذي طرح أسئلة عن كيفية معرفة البشر لأي شيء، وأرسى فكرة أساسية عن وجود مسافة بين العقل والأشياء التي يُفكر فيها، الأمر الذي تُوج في ضرورة وجود مسافة مناسبة بين المُدرِك والمُدرَك للوصول إلى الموضوعية العلمية. وإذ أشار إيمانويل كانت (Immanuel Kant) إلى عدم إمكانية معرفة الشيء في ذاته، فقد توصل إلى الطرائق التي يمكن للعقل الإنساني أن يُحدد موقع الشيء والوصول إلى فهم غير مباشر له[53].

برز ذلك – أيضًا - مع مفهوم الاغتراب عند جورج فليهلم هيغل (Georg Wilhelm Hegel) في كتابه فينومينولوجيا العقل عام 1807، الذي يُعبر عن "وعيٍ سيئ" في التاريخ الحديث بفعل اغتراب الإنسان عن الأشياء التي ينظر إليها، حتى بات غير مُتأكد مما ينظر إليه، ومن ثَمّ يشعر بالاغتراب.

ورغم ما قدمه ديكارت وكانت وهيغل، فلم يكن الشك يمس حتى تلك اللحظة من التاريخ سلطة الوعي في التفكير، إذ ما زال هناك أساس مقبول نسبيًا للتفكير، إلا أن نقطة التحول المركزية حدثت بعد ذلك مع ثلاث شخصيات محورية قدمت طروحات عقدت قضية الوعي بشكل جوهري، وهم: كارل ماركس (Karl Marx)، وفريدريك نيتشه (Friedrich Nietzsche)، وسيغموند فرويد (Sigmund Freud)، فمع هؤلاء الثلاثة، أصبحت مشكلة الوعي أنه "مُغترِبٌ عن أسسه، وأنه لا يملك أي إحساس بمصدره، كما هو الأمر مع ما ينظر إليه؛ بمعنى أن الوعي ليس مُغترِبًا عن العالم فحسب، لكنه منزوع من مصادر أفكاره"[54].

أما ماركس، فقد بين أن الوعي (الطريقة التي يؤمن من خلالها الإنسان بالأشياء) يتحدد بعوامل خارج سيطرته، وهي العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تُكوّن ما يُفترض أنها أفكاره، وهو ما يُطلق عليه الأيديولوجيا. وبذلك، تصبح المُشكلة التي تُواجِه الوعي مزدوجة، فالمسألة لا تقتصر على أن علاقة الوعي بما ينظر إليه غير أصيلة، وإنما المشكلة كذلك في أن علاقة الوعي بأسسه غير أصيلة، بمعنى "الظروف القائمة الحقيقية"[55].

وما يجعل عمليات الوعي غير أصلية عند الشخصية المحورية الثانية؛ نيتشه، هو طبيعة اللغة، لكونها تعتمد على مجاز بالٍ، فالحقيقة تتشكل في الوعي انطلاقًا من استعارات ومجازات وتشبيهات، الأمر الذي يعني أن العلاقات الإنسانية بمجموعها أصبحت "مُكثفة شعريًا وبلاغيًا [...] ولم تَعد ذات قيمة، وإنما أصبحت مُبتذلة"[56]. فاللغة على ذلك غير قادرة على تسمية الواقع، إذ هي ملأى بالصور البالية التي تملي على الوعي الإنساني ما يظنّ أنّه صحيح، ومن ثَمّ فإن اللغة تُعطل قدرة الوعي على الملاحظة، وتُحدد ما يمكن أن يُفكّر فيه[57].

والمسألة بالنسبة إلى فرويد، وهو الشخصية المحورية الثالثة، كامنة في العلاقة بين الوعي واللاوعي، فالأول مُتصل بما يظن المرء أنه يُفكر فيه ويقوله، والثاني يُزعزع ذلك التفكير والقول. يقع الوعي بشكلٍ دائم تحت تأثير اللاوعي، بمعنى أن العقل يخضع دائمًا للرغبة[58]. ويُشكل اللاوعي بوصفه تفسيرًا للفكر والسلوك البشريين تحولًا عن الاتجاهات الفكرية والفلسفية واللاهوتية والأدبية التي تَعدّ الإنسان كائنًا عاقلًا يمكنه اتخاذ مواقف وقرارات حرة في الفكر والأخلاق، فضلًا عن أن الإبداع الأدبي قد يكون عملية عقلانية[59].

يُعدّ تأثير ماركس ونيتشه وفرويد كبيرًا للغاية في التأسيس لأُطر النظرية عمومًا، وهو ما سيظهر في الفكر الحديث عمومًا والنظرية الأدبية الحديثة خصوصًا؛ إذ شكلوا أساسًا للشك في المعرفة الإنسانية، الأمر الذي قوض إمكانية الوثوق بأي شكلٍ من المعرفة العقلانية والفكر الإنساني. وانعكس هذا بأشكال مختلفة في الدراسات الأدبية، ومن ذلك البحث عن المُؤلف وتأثيره في عمله، فميشيل فوكو (Michel Foucault) يُبين أن الأمر ليس عدمَ وجود مُؤلف، وإنما أن وجوده يُعد مسألة خطيرة[60]. إن طبيعة الرؤى المُتصلة بالنظرية الأدبية قائمة جوهريًا على تصور المعرفة الإنسانية عمومًا، وهي معرفة نَظَر إليها كثيرون على أنها تُقوض، مثلما تُهدد، العقلانية المنبثقة من الأوساط الأكاديمية[61].

هذه المفاهيم العامة في دراسة المعرفة الإنسانية أثرت تأثيرًا عميقًا في الدراسات الأدبية، وهو تأثير غير محصور في الاتجاه الماركسي أو النفسي في قراءة الأدب، وإنما يتسع مداه في الشك في مبدأ المعرفة التي يمكن الوصول إليها من دراسة الأدب في أي جانب منه. على سبيل المثل، إذا كان اللاوعي ذا تأثير كبير في الفكر، فمن غير الممكن الحديث عن قصد المُؤلف، أو عن أن تأثير العمل الأدبي في الجمهور يمكن توقعه أو أن القراء يمكنهم السيطرة على ردود أفعالهم[62]. وعلى ذلك، من غير الممكن الوثوق باستقلالية الوعي ما دام أن هناك احتمالًا للخضوع لقوى ومُؤثرات خفية[63].

وعُززت مسألة الشك بتأثير الحتمية الناتجة عن مفاهيم تشارلز داروين (Charles Darwin)، مثل الانتخاب الطبيعي والتركيب الجيني؛ إذ أدى انتقال هذه الأفكار إلى دراسة الفاعلية الإنسانية والاستقلال والموضوعية في الحكم وبناء التصورات، إلى مزيد من الشكِ في القدرة على امتلاك الإرادة الحرة والموضوعية، فالبشر محكومون بظروف لا يمتلكون سيطرة عليها، وأفكارهم تنتج عنها، كالسياق الاجتماعي والظروف الاقتصادية، وكذلك اللغة وأنظمتها ومستوى المعرفة[64].

وفي ظل تصاعد هذا التأثير للشك، ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر وفي النصف الأول من القرن العشرين العديد من المدارس الأدبية، كالمدرسة النفسية والماركسية والتصويرية، غير أن اتجاهين أدبيين شكلا أحد أهم الإرهاصات لظهور النظرية الأدبية بوصفها مجالًا للدراسة الأدبية بحد ذاته، وهما الشكلانية الروسية والنقد الجديد؛ فقد غيرتا النظرة التي رأت الأدب تمثيلًا لما هو خارج الأدب كالواقع أو التعبير عن الشخصيات أو قضايا أخلاقية أو تاريخية. وقدمت الشكلانية الروسية والنقد الجديد الأدب على أنه كيان مستقل بذاته وله قوانينه وأهدافه الخاصة. وما يظهر في الأدب لدى المدرستين غير قابل لإعادة الصياغة ولا يُعبر عنه بوسيلة أخرى؛ فالأدب شكل فريد من التعبير مُستقلٌ عن التاريخ والفلسفة والقضايا الاجتماعية والنفسية.

الشكلانية الروسية

تُعد الشكلانية الروسية أحد أكثر الاتجاهات تأثيرًا في دراسات الأدب في العصر الحديث، فمثلت تحولًا جذريًا عن نظرية الفن القائمة على المحاكاة، فقد رفض الشكلانيون الروس أن "الأدب فيض من روح المُؤلف، أو وثيقة تاريخية اجتماعية، أو تجلٍّ لمنظومة فلسفية ما"[65]. وشملت اهتمامات الشكلانيين الروس اللغة والأساليب الشعرية، والشعرية التاريخية والنظرية، والعروض والألحان، والتأليف، والحبكة، والأنواع الأدبية، وهذه الأمور لا تُشكل منهجًا جديدًا في دراسة الأدب، وإنما تُعبر عن هدف "إقامة علم أدبي مُستقلٍ، مُؤسس على خصائص مُحددة للمادة الأدبية"[66].

وانطلاقًا من سعي الشكلانيين الروس إلى فصل الدراسات الأدبية عن التخصصات الأخرى كعلم النفس والاجتماع والتاريخ، كرسوا جهودهم على بحث السمات المميزة للأدب وعلى أساليبه، وقد عبر رومان ياكبسون (Roman Jakobson) عن ذلك بقوله: "إن موضوع الدراسات الأدبية ليس الأدب في مُجمله، وإنما الأدبية، أي ما يجعل من عملٍ ما عملًا أدبيًا"[67]. ينبغي على دراسة الأدب، وفق الشكلانيين الروس، أن تُركز على "الاستراتيجيات اللفظية التي تجعله أدبًا، والعناية بصدارة اللغة ذاتها، وإضفاء الغرابة على التجربة التي يُنجزونها". وبهذا نقلوا الاهتمام من المُؤلف إلى ما يوظفه من أدوات لفظية، وقد رأوا أن "بطل الأدب الوحيد هو الأداة"[68].

وبالتركيز على الأدبية، لا تعود اللغة بديلًا عن شيء ما أو وسيلة للتواصل، وإنما تصبح كيانًا قائمًا بذاته ومصدرًا فريدًا للمتعة، وتتضافر في الفن مجموعة من الأدوات كالإيقاع والتناغم والصور لإضفاء طابع درامي على نسيجه المُعقد. ومن أكثر القضايا التي أولاها الشكلانيون الروس اهتمامًا ما يُعرف بـنظرية العروض الشعري، فالشعر لا يُعد عندهم مجموعة من الزخارف الخارجية تُضاف إلى الكلام العادي، كالوزن والقافية والجناس، وإنما هو نوع متكامل من الخطاب يختلف نوعيًا عن النثر، وله قوانينه الداخلية الخاصة تتسلسل فيه العناصر تسلسلًا هرميًا، فهو "كلامٌ مُنظم في نسيجه الصوتي"، وخصائصه البنيوية تعمل على جميع مستويات اللغة الشعرية. وهذا وجّه الاهتمام إلى قضية العلاقة بين الصوت والمعنى في الشعر[69].

في مقال "الفن بوصفه تقنية" الذي كتبه ڨيكتور شكلوفسكي (Victor Shklovsky)، وهو أحد مُؤسسي الشكلانية الروسية، يُقدم الأدب ما يبدو في الحياة أمرًا طبيعيًا، ويستقبله الناس نتيجة لذلك بصورة آلية، تقديمًا فريدًا وخاصًا ليكسر تلك الآلية والاعتياد في التلقي، وهو ما يُطلق عليه نزع الألفة (defamiliarization)، وتقنية الفن تجعل الأشياء غريبة وكأنها تبدو لأول مرة، فتظهر صعبة ويحتاج الإدراك إلى وقت أطول لفهمها، وهذا التبطيء هو غاية جمالية بحد ذاتها، ويُظهر البراعة في العمل، ويبقى الهدف في إظهار الشيء بصورة بارعة وليس الشيء نفسه[70].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

حاول الشكلانيون الروس تغيير التوجهات المختلفة في دراسة الأدب ليكون أقرب إلى النموذج العلمي، وذلك بتحديد مجال الدراسة الأدبية بمميزات الأدب نفسه، وفصله عما سواه من المجالات المعرفية، وكذلك بالابتعاد عن "الالتزام الميتافيزيقي" الذي يُوجه الدراسة الأدبية "فلسفيًا أو جماليًا أو سيكولوجيًا"، فما ينبغي التركيز عليه هو "الحقائق الأدبية بشكل مباشر، ودون افتراضات مُسبَقة"[71]، وأثرت هذه التصورات على العديد من الاتجاهات الأدبية اللاحقة، منها بنيوية براغ، فالصلات بينهما "لا تُنكر"[72]، كذلك أثرت الشكلانية الروسية في العديد من المُنظرين لاحقًا مثل رولان بارت (Roland Barthes) وجيرار جينيت (Gérard Genette) بالإضافة إلى رواد نظرية التلقي مثل هانز روبرت ياوس (Hans Robert Jauss) الذين استندوا إلى مفهوم شكلوفسكي "نزع الألفة"[73].

النقد الجديد

تُعد مدرسة النقد الجديد التطور المركزي في النقد الأنجلوأمريكي في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، وقد أرسى هذا الاتجاه المفاهيم الأساسية في الدراسات الشكلية للأدب في شكل مؤسَّسي عبر المجلات العلمية وكتب منشورة في أقسام الأدب والمناهج الجامعية[74]. ويُوصف النقد الجديد بأنه لا يستند إلى نظرية واضحة في علم الجمال، باستثناء أعمال إ. اي ريتشارد (I. A. Richards)، وكان النقاد الجدد يعون هذا النقص ويُفضلونه، لأنهم يُقدمون حساسيتهم الفردية من دون قيود نظرية سابقة[75].

رفض النقاد الجدد بحزم المناهج والاتجاهات السائدة في النقد الأكاديمي، بما في ذلك فقه اللغة والبحث التاريخي، فتوجههم شكلي يفصل الدراسة الأدبية عن المصادر والخلفيات الاجتماعية والتاريخ الفكري والتوجهات السياسية، ويُؤكدون أن دراسة الأدب يجب أن تُركز عوضًا عن الاهتمامات الخارجية على "الموضوع الأدبي نفسه". وكذلك تبنى النقد الجديد نظرية عضوية في الشعر تنظر إلى القصيدة بوصفها وحدة متماسكة تتعاضد فيها كلمات العمل وعناصره معًا لتشكيل الأثر الكلي له، وتتجاوز هذه الرؤية عن المواقف التي تفصل اللفظ عن المعنى[76]. ويفصل النقاد الجدد الأدب عن الدين والأخلاق، وكان لمعظمهم رؤى دينية واضحة ولم يتصوروا أن أيًا من مجالات الدين أو الأخلاق أو الأدب قد يُؤدي وظيفة المجال الآخر[77].

وقف النقاد الجدد موقفًا رافضًا للرومانسية ولتصورها أن الشعر يُعبر عن المشاعر الفردية وأنه نابع من القلب، وأسسوا خلافًا لذلك رؤية موضوعية غير شخصية في العمل الأدبي، فقد تخدم المشاعر التي لم يعرفها المُؤلف العمل الأدبي مثلما تفعل تلك التي عرفها[78]. ويفصل النقاد الجدد العمل الأدبي عن مُؤلفه، فيدرسون بنية العمل الأدبي لا الحالة النفسية والعقلية للكاتب ولا قصده أو مُراده من العمل، ويُطلقون على البحث عن قصد المُؤلف مغالطة القصدية (The Intentional Fallacy)، كذلك لا يُعيرون اهتمامًا لردة فعل القارئ أو لطبيعة تأثره بالعمل الأدبي، ويُسمون البحث عن ذلك مغالطة التأثير (The Affective Fallacy)[79].

ورأى النقاد الجدد العلم الحديث خطرًا يُهدد الروح والتاريخ الإنسانيين، فالعلم يجب أن يقتصر دوره على أبعاد محايدة أو وظيفية، والعلم جعل الإنسان كائنًا مُغتربًا، مُقتَلَعًا من جذوره، مُفنصِلًا عن الإله، وجعله يظن أنه يمكن أن يصل إلى مرحلة الكمال[80].

والعمل الأدبي عندهم مُكتفٍ بذاته مُستقِل عن أي غاية خارجية، وهو وحدة متكاملة وذو طبيعة غامضة. ونتيجة لهذه السمات، يحتاج العمل الأدبي إلى قراءة فاحصة (close reading)، وهي أحد الإجراءات المحورية التي اتخذها النقاد الجدد في معالجة العمل الأدبي، وتهدف إلى الكشف عن وحدة العمل ووظائف مكوناته في الأثر الكلي الذي يتركه. والقراءة الفاحصة لا تبحث عن جانب واحد دون الجوانب الأخرى، كالمعنى دون اللفظ والبناء، فليس مهمًا للقصيدة أن تعني، المهم أن تُوجد، والمعنى واللفظ شيء واحد في الشعر ولا يمكن معالجة أحدهما دون الآخر، إذ إن الشعر إنجاز أسلوبي[81].

ووصف النقاد الجدد القصيدة بأنها كقطعة الحلوى أو كالآلة أو كالأيقونة، وتهدف هذه الأوصاف إلى إضفاء طابع موضوعي على القصيدة، لتكون كيانًا مستقلا عن الكاتب والقارئ، ومُهمة الناقد هي الحكم على القصيدة كما يحكم على أي شيء موضوعي كالآلة، ليتأكد إذا كانت تعمل بصورة جيدة، وتُشارك جميع الأجزاء في هذا العمل، وكيف يظهر الحضور الآلي للمعنى داخل الأسلوب، ويُتوصل إلى المعنى عبر تحليلات عدة ومُكثفة تُؤدي إلى طابع الموضوعية في نهاية المطاف[82].

وعلى الرغم من انفصال النقد الجديد والشكلانية الروسية والاختلافات بينهما من نواحٍ عدة، فإنهما رسخا الدراسة الأدبية بوصفها حقلًا مُستقلًا، غرضه وموضوعه بالأساس المادة الأدبية وليس أي شيء خارجها بما في ذلك الأديب أو القارئ. والشكل الأدبي والأسلوب واللغة في الأدب هو ما يُشكل موضوع الدراسة الأدبية المعتمدة على دراسة مُتفحصة للعناصر المُكونة للعمل الأدبي، الأمر الذي جعل الدراسة الأدبية أقرب إلى النموذج العلمي.

تكريس مُصطلح نظرية الأدب

 أثر النموذج العلمي لدراسة الأدب كما ظهر في النقد الجديد والشكلانية الروسية في التأسيس لنظرية الأدب وظهورها مجالًا مُستقلا في الدراسة الأدبية، وتمثل ذلك بشكلٍ أساسي بصدور كتاب نظرية الأدب لرينيه ويليك وأوستن وارين، وتشكل الحقل فعليًا بظهور البنيوية التي اجتمعت فيها مجالات عديدة من الفكر الإنساني الحديث.

كتاب نظرية الأدب لويليك وأوستن

مثّل صدور كتاب نظرية الأدب لرينيه ويليك وأوستن وارين عام 1949 لحظة حاسمة في تأسيس حقل نظرية الأدب، فقد قدم الكتاب تعريفًا للحقل وميزه عن النقد الأدبي وتاريخ الأدب والأدب المقارن مع بيان الصلات بينها. كذلك أسس إطارًا منهجيًا يُحدد طبيعة الأدب ومفهومه وحدوده العلمية، وبين أن دراسة الأدب موضوع يمتلك خصائصه المُميزة التي تستدعي الدراسة بشكل مُستقِل. فضلًا عن ذلك، تضمن الكتاب المداخل الأساسية لنظرية الأدب، التي تتضمن طبيعته وحدوده، ووظيفته وآثاره، الأمر الذي يُظهر مجال اشتغال نظرية الأدب[83].

ووضح الباب الثاني من الكتاب الإجراءات اللازمة في دراسة الأدب، وكيفية التعامل مع البيانات في الدراسة، فيلزم التخلص من المواد الأولية خلال جمع البيانات الخارجة عن الأدب نفسه، كالمعلومات التاريخية والمُؤلف وتحقيق النصوص والتمييز بين الشرح والتفسير وسوى ذلك مما يخرج عن المادة الأدبية نفسها، فهذه المعلومات على أهميتها، ينبغي أن تكون تمهيدًا للدراسة الفعلية للأدب[84].

وتناول الكتاب في بابه الثالث المداخل الخارجية لدراسة الأدب، كالسيرة الذاتية وعلم النفس والأدب والمجتمع وعلاقته بالفكر وبالفنون الأخرى، مع استعراض واسع لمواقف الاتجاهات الأدبية السابقة. وعلى الرغم من أن المُؤلفَيْن يشيران إلى أن الأدب والأديب ونفسيته وتاريخ الأفكار تُؤثر في الأدب، فإنهما أكدا ضرورة استقلال الأدب، لأن له قوانينه الخاصة، ولا تُشكل المعلومات الخارجة عن العمل الأدبي، مع أنها مُفيدة، مفتاحه وأساس تحليله، وهذا يُظهر الميل للشكل الأدبي مع الاحتفاظ بفائدة الأبعاد الخارجة عن الأدب نفسه. وقد يتضمن الأدب العديد من الأفكار، التي لا تعتمد قيمتها في الأدب على مدى صحتها، وإنما أهمية الأمر تكمن في الطريقة التي تظهر فيها هذه الأفكار داخل الأدب، فهناك فرق بين القيمة الفكرية والقيمة الجمالية[85].

وتناول الباب الرابع المداخل الداخلية لدراسة الأدب، من تحليل العمل الأدبي نفسه ومُكوناته، والإيقاع والوزن، والأساليب المُوظفة فيه، والصور والمجاز والرمز، والأجناس الأدبية، وطبيعة الفن الروائي، وتقويم العمل الأدبي، وصولًا إلى التاريخ الأدبي. كذلك استعرض الباب القضايا التي تبرز خلال الدراسة الداخلية للأدب، من اللغة الأدبية والفرق بينها وبين اللغة العادية، والدلالة والخيال والمستوى الجمالي، مع التأكيد أن هذه المستويات تتفاعل معًا لتشكيل الأدب من دون انفصال[86].

يُمثل الكتاب في الجملة تأسيسًا لدراسة الأدب حقلًا مُستقلًا، له مُصطلحاته وفروعه المُتميزة، وتشمل ثلاثة أبعاد: البعد النصي الذي ينظر إلى الأدب بوصفه عملًا لغويًا وبناء أسلوبيًا جماليًا، والبعد التاريخي الذي يدرس الأدب وفق سياقه الزماني، والبعد الاجتماعي الذي يشمل العلاقات بين الأدب والمُؤسسات الاجتماعية والمُؤلف وتاريخ الأفكار. جعل هذا التصور الشامل لهذه القضايا المُختلفة كتاب نظرية الأدب مرجعًا أساسيًا في الدراسات الأدبية الحديثة، وفتح المجال لنقاشات واسعة لإعادة النظر في طبيعة النظرية الأدبية، ولا سيما بعد ظهور البنيوية التي شكلت نقطة تحول في النظرية.

البنيوية

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

تُعرّف البنيوية بأنها "دراسة ظواهر مختلفة كالمجتمعات والعقول والآداب والأساطير، فتنظرُ لكل ظاهرة من هذه الظواهر بوصفها نظامًا تامًّا، أو كلَّا مترابطًا، أي بوصفها بنية، فتدرسُها من حيثُ نسقُ ترابطِها الداخليّ لا من حيث تعاقبها وتطوّرها"[87]. وتعددت أصول البنيوية من الاتجاهات السابقة عليها، وانبثقت من اللسانيات والدراسات الأنثروبولوجية، وشملت بعد ذلك العديد من المجالات من ضمنها الأدب. وقد وصف العديد من الدارسين البنيوية بأنها "موضة فكرية" قد شاعَت في فرنسا خاصة وابتداءً[88]، واتَخذها الناس شعارًا ووجدوا فيها أفكارًا مُثيرة تمسكوا بها إلى حد أن ذلك الانتشار أزعج بعض كِبار البنيويين من مثل كلود ليفي شتراوس (Claude Lévi-Strauss)[89]. ومثل هذا الاحتفاء بالبنيوية يدُل على فهمٍ كُلي يتجاوز بالبنيوية أن تكون مُجرد منهج أو وسيلة معرفية إلى كونها طريقةً في النظر إلى الذات ومُعطيات الوجود، ويُردّ ذلك إلى الظرف التاريخي الذي عايشته فرنسا بعد الغزو الألماني النازي، إذ مر الفكر الفرنسي بمنعطفٍ قاسٍ "منذ الحرب العالمية الثانية، وإذا كانت الماركسية قد شغلت تفكير المُثقفين الفرنسيين خلال فترة مقاومة الاحتلال النازي وفي أعقاب التحرير، فإن وجودية سارتر الإنسانية قد ظهرت في مناخ يتسم بتزايد الشك في الاتحاد السوڨياتي والشيوعية منطوية على وعد بتحقيق الذات في المجتمع الحديث"[90].

ولم تلبث الوجودية نفسها أن تعرضت للشك، نظرًا إلى استمرار سارتر في دعم الشيوعية مُتجاهلًا القمع الذي قام به الاتحاد السوڨيتي، وهنا وجدت البنيوية طريقها إلى حد أنها زودت اليسار الفرنسي بنظرية شبه سياسية بصورة غير مباشرة، فلم يكن بالإمكان تجاوز الواقع للشيوعية بالنسبة لهم، وكان التحول عن مُحالفة السوڨيات الشيوعيين يعني أكثر من مُجرد انشقاق أيديولوجي[91]. وبالقدر نفسه حدث التباعد عن الوجودية بسبب الذاتية المُفرِطة التي كانت تُفرق بين مُنظريها وإن جمعهم بُغضُ النازيين، فيعترف سارتر مُتحدثًا عن نفسه وعن موريس ميرلو بونتي (Maurice Merleau-Ponty): "كان كُل منا يحسب نفسه قد فهم معنى الفينومينولوجيا ويرى في الآخر تجسيدًا لغموضِها وعدم فهمِها"[92]. وبذلك كانت البنيوية "فرارًا فكريًا" مُتاحًا لفرنسا لمواجهة عجز الوجودية عن التغلب على الحيرة السياسية والاجتماعية والحيرة الفكرية بعد القطيعة مع الشيوعية[93].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ونتيجةً لهذا الظرف التاريخي والحيرةِ الفكرية، تحدثت إديث كريزويل (Edith Kurzweil) عن البنيويين بوصفهم "جماعة" تتلاقى أفكارهم ويستخدمون المفاهيم ذاتها (النسق، البنية، النظام، الحضور الغياب، [...]) بحكم الثقافة الفلسفية العميقة التي يصدرون عنها، وانشغالهم جميعًا بالعلوم الإنسانية والتاريخ[94]، وذلك رغم خلافاتهم الإيديولوجية والسياسية وتغايُر الأسس المعرفية بينهم تقريبًا، أو أن بعضهم "أكثر بنيوية من بعضهم الآخر"[95]، والمقصود بهذه الجماعة كبار البنيويين من أمثال كلود ليفي شتراوس وميشيل فوكو وجاك لاكان (Jacques Lacan) ورولان بارت، ومن يُحسَب على ما بعد البنيوية مثل جاك دريدا (Jacques Derrida)، فإذا كان شتراوس يُعلِن بنيويته صراحةً في عنواناتِ كُتُبه من مثل الأنثروبولوجيا البنيوية والبنى الأولية للقرابة، فإن بارت وفوكو يرفضان أن يوصفا بالبنيوية لأن ذلك هدمٌ لما يُنظِّران له من التحرك بحرية وعدم مركزية أي شكل من أشكال الفكر والمعرفة، ولاكان –الذي يُريد أن يُقدم فرويد من جديد- يرفض أن يُوصف بالتابع لأي مُفكر، ثُم كان اسم دريدا مُرتبطًا بما عُرف بما بعد البنيوية، وهو مثل بارت وفوكو يرفض فكرة النظُم المتعالية التي تُقدم معرفةً مُسبقة للظواهر[96].

ولكن البنيوية ليست قطيعةً تامة مع الماركسية والوجودية، فقد تسربتا إلى البنيوية والسيمولوجيا في كثير من أعمال بارت وفوكو وشتراوس ولاكان، على الرغم من أنهم كانوا ينظرون إلى أنفسهم بوصفهم مُعادين للشيوعية[97]، بل يذهب ليونارد جاكسون (Leonard Jackson) بصورة واضحة إلى تقرير أن الماركسية والظاهراتية والفرويدية والألسنية والمثالية الألمانية كانت تيارات فكرية مُستقلة، ثم جاءت الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين لتجتمع في النظرية الأدبية الحديثة المُسماة بالبنيوية الفرنسية[98]، ويرى أن هذه التسمية مُضللة، وأن الظهور التدريجي لما يُعرف بما بعد البنيوية دال على إخفاق تلك الحركات الفكرية الخمس في الاتحاد معًا ومحاولة تشكيل إطار فلسفي عام للعلوم الإنسانية[99].

ويتضح ذلك التكوين الذي تتألف منه البنيوية عند أديث كريزويل في توضيحها عملَ شترواس، إذ تربطه بماركس وفرويد فتقول: "بدأ ليفي شتراوس في تطوير الجوانب المنهجية التي كان عليها أن تُفسر الوعي بالحياة، كما فعل ماركس من قبل"، وتساعد في "كشف الوعي اللاجمعي الفرويدي بمساعدة السيمولوجيا، وهي العلم الذي يدرس حياة العلامات في المجتمع"[100]، وهكذا يُفهم ليونارد جاكسون حين يُعبر عن رأيه باختصار ووضوح فيقول إن البنيوية ليست إلا إعادة تفكير بمقولات كارل ماركس وسيغموند فرويد وفريدنان دي سو سوسير (Ferdinand de Saussure)[101]، واصفًا إياهم بأنهم مجرد شُراح ومُعلقين، مع ملاحظة اختلاف التوجه والرؤية لدى كل من جاكسون وكريزويل، ففي حين ترى الأخيرة أن البنيوية امتداد تطوري لتلك الفلسفات، لا يرى جاكسون فيها إلا قَلبًا وسوء فهم لمقولاتِ ماركس وفرويد ودي سوسير[102].

قامَت البنيوية على مظهرٍ من العلمية الساعية إلى القوانين الكُلية التي يعمل بها الذهن البشري، ولذلك يُعدد جان بياجيه (Jean Piaget) ميزات البنية ويذكر من بينها الضبط الذاتي الذي يُتيح نوعًا من الانغلاق والمحافظة على القانون الذي تعمل به البنية. وعلى ذلك، أي تحول في أي عنصر من العناصر أو أي تولد لها لن يكون إلا داخل حدود البنية، وهذا التغيير الذي لا يتم إلا داخل سكونية البنية كان يُعزز الثقة بالبنيوية لدى مُنظريها والمؤمنين بها في جميع المجالات المعرفية والعلمية[103]، وهذا هو ما عبر عنه جان بياجيه بالأمل الضمني للبنيوية، إذ كانت تأمل في "إرساء البنيات نهائيًا على أسس لازمنية كما هو الحال بالنسبة للأنظمة المنطقية الرياضية"[104].

في مُقابل ذلك، قدم جاكسون كتابه بؤس البنيوية دفاعًا عن ماركس وفرويد وسوسير، ذلك أن العلمية التي تبدو البنيوية حريصةً عليها قد ضاعَت، بينما كان المقصد العلمي الواضح في الماركسية والفرويدية والسوسيرية هو ما يجمعهم[105]، وهذه هي ميزتهم التي يُقدرهم جاكسون لأجلها ويرى أن النظرية الأدبية الحديثة قد أضاعتها، ويُفسر سبب وقوعها في عدم العلمية بإهدارِها هدفًا أساسيًا علميًا في الأصل، وهو "تقديم تفسيرات وشروح لكيفية عمل الأدب والاستعاضة عن ذلك بمطامح أيديولوجية عريضة وغائمة ورافضة، وبانتقادات للرأسمالية والميتافيزيقيا الغربية والبطريركية ولإمكانية القراءة ذاتها [...] غيرَ أنها لا تُفسر شيئًا"[106].

وبصورة عامة، كانت هذه هي الأسس الفكرية التي قامت عليها البنيوية، علمية في ظاهرها، تحتوي على ما يُضعِف هذه العلمية في الوقت ذاته وينقضها، وقد كانت نظرية دي سوسير بالذات الأساسَ التنظيري الذي قامت عليه، وخلاصةُ أهميتها تأكيدها أن اكتشاف قوانين البنية اللغوية يعني الكشف عن القوانين التي تحكم العلاقات في النشاط الإنساني كله، ومن ثَم "الكشف عن نوع من الشمول الإنساني تتكون أنساقه من أبنية عقلية مفترضة"[107]. ويقول جان بياجيه: "تُشكلُ اللغة كونها مُستقلة عن القرارات الفردية، وحاملة تقاليد ألوف السنين، بالإضافة إلى كونها أداة ضرورية للتفكير [...] تُشكل فئة ذات امتياز في الحقائق الإنسانية، ومن هنا، فالتفكير بأنها مصدر بنيات مُهمَة من ناحية عمرها بشكل خاص (تفوق عمر العلوم بكثير) ومن ناحية شموليَتها وقدرتها هو أمر طبيعي جدًا"[108].

إن مشكلة اللغة تحتل المرتبة الأولى في اهتمام الفكر البنيوي، فلم تعُد واسطةَ الفكر، بل تُساويه إلى حد أن البنيوي ينظر في كيفية اكتسابها واستعمالها[109]، وهذا سبب شمولية هذه النظرة وهيمنتها على مختلف المجالات المعرفية[110]. وقد كان كلود ليفي شتراوس أول من كيّف التنظير اللساني الذي جاء به سوسير ليُطبـقه في العلوم الاجتماعية، إذ يُوصف بأنه درس الظواهر الأنثروبولوجية كما لو أنها لغات، أي بنيات ونُظُم تتكون من وحدات بينها علاقات: نظام القرابة ونظام الأساطير ونظام الطوطمية، فالوحدةُ تختلف قيمتها باختلاف علاقتها بالعناصر المجاورة والنظام الذي تدخل فيه، مثلًا: يجب أن نسمح لنظام الأسطورة ذاتِه أن يُمليَ علينا معناه، لا أي عنصر خارجي[111]. أراد شتراوس أن يُفسر إدراك الفرد للواقع الاجتماعي والمعنى الذي تحمله الأساطير في أميركا الشمالية والجنوبية من خلال التركيز على علاقات التضاد اللغوي والتحوُلات في اللغة المنطوقة ليتوصل منها إلى تفسير التحوُلات الثقافية[112].

أما جاك لاكان، فكان يرى اللاوعي نصا مُتجذرًا في بنية اللغة لا بُد من النَبش فيه، وأن النص خطاب مادي لا يقع ضمن إرادة الذات[113]، وقد ركز في جميع أعماله على أنه لا شيء اسمه الذات الحقيقية الفاعلة المُستقلة ذات السلطة على الكلام أو الفعل[114]. وبالوصول إلى ميشيل فوكو، فقد تركزت أعماله على تغير البنية الذهنيَة التي تُسيطر على مجتمع ما، بتبدل المفاهيم المرتبطة بالانحراف، أو العقل والجنون، وفي تنظيره للجنون والجنس والجريمة والعقاب والطب العيادي، اهتم بالتحوُلات البنيوية، ورأى أن مُمتلكي القوة في المجتمع يُراقبون الخطابات والنظم المعرفية التي تُخفي القمع في المجتمعات البرجوازية الحديثة، فالنفس الفردية لا تملك ما تقول حقًا، بل النفس عند فوكو مجرد فكرة لاهوتية زائفة[115].

وقد هاجم رولان بارت كل ما يتصل بمعتقدات ثابتة في النقد الأدبي، واتخذ البنيوية منهجًا في درس السيمولوجيا، وحتى حينما أصدر أعمالًا تقوم على شيء من النزعة الفردية في النقد سماها "النقد الشهوي" فإن البنيوية ظلــت حاضرة[116]. وما يلفت النظر هو أن جميع من سبق ذكرهم يرفضون السلطة والميتافيزيقا وأي معنًى نهائي يُفسر كل شيء، باختصار، إنهم يرفعون سيادة الدال على المدلول، الدال موجود ثابت، أما المدلول ففيه نظر، يختلف من شخص إلى آخر، وترى البنيوية أن طرح معنًى نهائي تأويلٌ مُتعسف للرموز[117]، فالمناهضة للبرجوازية مناهضة للفردية والسلطة، وهذه خلفية البنيويين.

هذه النظرة التي تُهمش الذات الفردية تزداد وضوحًا في الأدب، ولذلك يقول جاكسون: "غريب أمر النظرية الأدبية، فإذا كنَا ننتظر منها ما ننتظر من النظريات الأخرى، فلا بد من القول إن ما ننتظره منها هو أن تُفسِر لنا الكيفية التي يعمل بها الأدب، وما يمتلكه من بنية لغوية معينة، وعلاقته بالمجتمع والتاريخ، تفسيرًا تنسجم فيه الظاهرة مع الأدلة، ولكن الحقيقة عند جاكسون أن هذه النظريات لم تُقدم معنًى لأي شيء"[118]، فالبنيويون يرون أن المستوى الثاني من اللغة مُتمثلًا بالأدب أو الخطاب تُقيده أعراف وتقاليد تحد من الفردية، ولذلك يهتمون به، لأنهم يرون أن الإنسان فيه لا يكون إلا "حدثًا"، ولذلك كثرت الكتابات عن اختفاء الإنسان وإرادة الذات وإنكار (الجوهرية) إلى حد النظر إلى الإنسان بوصفه جزءًا من نظام، كائنًا بلا روح، لا قيمة له في ذاته[119]. وهكذا لا يهتم البنيويون بالنقد التَقليدي، وهذا أهم ما ينتقدهم به جاكسون ويصرح برأيه: "أرى أن النقد الأدبي التقليدي هو نظرة واقعية ومادية رصينة، في حين أن كثيرًا من النظريَات النصية الحديثة ليست سوى ضرب من الصوفية المثالية التي تهدف إلى القفز فوق الإشكاليات الجدية المطروحة في الفكر والسياسة"[120].

ويعود جاكسون إلى القول: "إنَنا لا نستطيع الاستغناء عن ماركس وفرويد وسوسير في بناء نظرية أدبية علمية، وأن ما نريده منها هو تفسير الأدب كما نُفسر ظواهر العالم، بدلًا من أن تكون عائقًا عن الفهم كما كانت في النظرية الأدبية الحديثة"[121]، ويرفض أن يكون النقد أدبًا يُقرأ كما يُقرأ الأدب وأن يُنظر إلى أعمال فرويد لا بوصفها نظريات تفسيرية، بل أعمالًا أدبية[122]. وبسبب هذه الثغرات، تخلى عن البنيوية منظروها أنفسُهم، وتجاوزوها إلى ما عُرِف خاصة بما بعد البنيوية[123]. وكان تهميش الذات الفردية إلى حد الامحاء في اختلاف المجالات المعرفية، وأبرزها ما عُرف بموت المُؤلف تصورًا أدى إلى انهيار البنيوية بثورة طلابية عام 1968، دعَت إلى سقوط البنيوية لتتخلص الذَات الإنسانية من هذا التهميش عندما انهارت النظم الاقتصادية والسياسية[124].

تيارات ما بعد البنيوية

ظهرت العديد من الاتجاهات التي عُنيت بنظرية الأدب ضمن تيارات ما بعد البنيوية، وقد تضمن هذا بعض الذين صُنفوا على أنهم بنيويون، ومنهم رولان بارت وجاك لاكان وميشيل فوكو. لم تعمل ما بعد البنيوية على دحض البنيوية أو نقدها مباشرة، وإنما "تحولت عن استنباط ما يجعل الظواهر الثقافية ظواهر مفهومة، وشددت بدلًا من ذلك على النقد الفاحص للمعرفة، والشمولية، والذات"[125].

ومن الاتجاهات النظرية بعد البنيوية التي تُوصف بنظريات ما بعد الحداثة: التفكيكية الموجهة إلى نقد ما يبدو شكلًا طبيعيًا في هرمية التفكير. ويُؤرّخ للتفكيكيّة بالعامِ الذي ألقى فيه جاك دريدا محاضرته "البنية والعلامة واللعب في خطاب العلوم الإنسانية" عام 1966، وقد أبدى فيها رفضًا لمقولات البنيوية، وقطيعة معرفية أتاحت ظهور حقبة جديدة عُرفت بـ"ما بعد البنيوية"، ويصف ريتشارد رورتي هذا المفهوم بأنه غامض وغير مُحدَّد إلى درجة تدعو إلى اليأس، ولكنّه يكتسب شيئًا من التحديد حينما يُربط بدريدا وميشيل فوكو[126].

كانت التفكيكية بمعناها الواسع توجُّهًا في السياسة وعلم التاريخ والقانون يهدف إلى خلخلة الأسس التي تقوم عليها هذه المجالات، وازدراء القيم والأعراف الرَّاسخة التي تنطوي عليها[127]، فيرفض دريدا أيّ وضع مُتميِّز تُنسَب إليه الفلسفة، التي زعمَت أنّها القالب الأمثل للعقل والمنطق، وفرضَت منظوماتِها على الفكر مُتجاهلةً السِّمة الأساسية للغة –في نظره-وهي أنّها مُمزِّقة مُفكّكة[128]، فالمشكلة الأساسيّة في الميتافيزيقا تكمن في ظنّها أنّ العقل يستطيع التخلص من شرَك اللغة ويتوصّل إلى الحقائق ويؤكّد الذّات[129].

ويرى ريتشارد رورتي (Richard Rorty) أنّ قراءات دريدا ما هي إلا إعادة صياغة لمقولة هيدجر التي هاجم بها النزعة الأفلاطونية، بعد أن كان قد بدأها نيتشه، إضافة إلى نقاشه مقولات روسو ونيتشه ودي سوسير وهيغل ومحاولة دحضها[130]، فنيتشه كان قد قرّر أنّ هذا العالم الذي يُقال إنّه حقيقة ما هو إلا مجرد خرافة، ويُعلن انحلال المقولات الميتافيزيقية (=أنطولوجيا اللاهوت) التي تنطوي على تمييزات من قبيل: حقيقي/ خادع ، حضور/ غياب ، الأصل/ المشتق، ليأتي هيدجر بعده واصفًا الميتافيزيقا بأنّها قدَر الغرب، فليست العقلانية والمادية التاريخية والتجريبية والوضعية إلا شكلًا من أشكال الفكر الميتافزيقي لأنّها تُقِرُّ تلك التمييزات ضِمنًا[131]، وهو يرى أنّ خطاب نيتشه كذلك يقع في الميتافزيقا، ووصَفَه بالميتافزيقي الأخير، أمّا "ما بعد الميتافيزيقي" الذي يتمكّن من التحرُّر من النزعة الأفلاطونية تحرّرًا كاملاً فلم يأتِ بعد[132]، وأراد هيدجر أن يكونه.

إنّ دريدا يبني على هذا، فالذي وصفه هيدجر بالميتافزيقا والنزعة الأفلاطونية يصفه هو بميتافزيقا الحضور أو مركزية اللوجوس/ الكلمة، ويُكرِّر الملاحظة ذاتها حول هيمنة التمييزات السابقة على الثقافة الغربية[133]، وأنّ المهمة التي يضطلع بها المُفكر الحق هي التخلُّص من هيمنة هذه التعارضات الثُّنائية وجميع التصورات المعرفية وأشكال الحياة التي أنتجتها، ولكن دريدا يرى أنَّ هيدجر لم ينجح بذلك، فبينما يعترف بأنَّ مقولات هيدجر كانت السَّبب في اتِّجاهه التفكيكي، يقول: "أحاول أن أُعيِّن في نص هيدغر العلامات التي تنسَب إلى الميتافزيقا"[134].

 غير أن دريدا وفوكو لم ينتميا إلى أي اتجاه رافضَين إطلاق أي وصف عليهما: بنيوي أو ما بعد بنيوي، فيلسوف أو مُفكِّر، فكلُّ هذه المُسمَّيات تحمِلُ مركزية ما، وعليه، لم يسعيا إلى تأسيس اتجاه في النَّقد الأدبي، ليضطلع بالأمر بول دي مان الذي كان له الشَّأن الكبير في ظهور اتِّجاه تفكيكي في النَّقد[135]، إذ دوَّن قدرًا كبيرًا من التَّأمّلات والقراءات في النُّصوص الأدبيّة لمالرميه وبودلير[136]، يقول بعد تحليل أحد النّصوص: "يتّضح أنّ النصَّ لا يفي بما يعِدُه [...]. ومن المُمكن تبيان أنّ انتقاد مقولات الميتافزيقا: [...] السَّببيَّة والذَّات والهويّة والحقيقة [...] يوجد بالتَوازي مع النَّموذج نفسه من التَّفكيك الذي اضطلعَ به بروست"[137].

وهذا هو هدف دريدا: القراءة البلاغية التفكيكية وصولًا إلى الآثار المُمزِّقة للغة[138]، فلن يكون القارئ إلا باحثًا عما يُشوِّشُ مركزية ما في النص من دون أن يُقيم مكانها أخرى، ويُبرز الهامش باستمرار، وهو بذلك لا يُمارس إلا عملية اللعب لأن اللغة ذاتها تُتيح هذا بما تنطوي عليه من الدلالة المؤجلة التي لا تُنال، ويقول: "حين نصف الاختلاف المُرجئ وصفًا دقيقًا يُصبح كلُّ شيء استراتيجيًا مغامرًا: استراتيجيًا لأنه ما من حقيقة متعالية حاضرة خارج مجال الكتابة تقدر على توجيه هذا المجال توجيهًا لاهوتيًا في حركته الكلية"[139] ومُغامرًا لأن استراتيجية التفكيك لا تضبطُ هدفًا نهائيًا أو فكرة تكون لها السيادة، ويخرج دريدا من هذا المفهوم إلى مفهوم (اللعب).

وفكرة الاختلاف المرجئ مرتبطة بأنّ الحضورية مُشتقّة، بمعنى أن الشيء الذي يُظنّ أنه نفسُه ليس كذلك، لأن اللغة لا تستطيع أن تحقِّق فكرة الحضور، إلا إذا شكَّلت وصولًا مباشرًا للأفكار، وهذا مطلب مستحيل إذ يقول دريدا: "لا نستطيع الحصول على ما أسماه دريدا الإلهام الفطريَّ للتجربة التي عاشها الآخر"[140]، فهو يرى أنَّ الواقع الذي نظنُّه كذلك ليس إلا نصًّا إضافيًّا، ولا شيء يقع خارج النَّصّ[141].

وبذلك يظهر أنّ هذه القراءة التفكيكية مُرتبطةٌ بفلسفته الكُلية التي هي امتدادٌ لتهميش فكرة الذات الإنسانيَّة الفاعلة، ونستطيع أن نرى هذا التهميش للذات في مناقشته آراءَ جان جاك روسو الذي يُعزى إليه الأثر الكبير في إحداث فكرة الذات الفرديّة في القرن الثامن عشر، فقد رأى أن الكلام تجلٍّ مُباشر شفّاف للفكر، في حين تكتسب الكتابة صفة المُلحَق والعلامة المُضلِّلة المُبتعدة عن الأصل[142]، ويرد دريدا بأن الكتابة مُلحقٌ بالكلام، ولكن الكلامَ مُلحَقٌ مِن قبل، وأننا أمام سلسلة من التوسّطات التي تُبعدنا عن الشيء ذاته: "الحضورية مشتقَّة، كلُّ شيءٍ يبدأ بالوسيط"[143].

 وبعد التفكيكية، توسع ظهور النظريات بشكل كبير، منها: النظرية النسوية، ونظرية التلقي، ودراسات المُلونين، ونظرية الكوير (queer theory)، ودراسات ما بعد الاستعمار، والتاريخية الجديدة، وخطاب الأقليات، ودراسات التروما، والذاكرة اللاحقة (post memory)، فضلًا عن بروز عدد كبير من المُنظرين المُؤثرين في مجالات تقوم أساسًا على الشك في كل ما يبدو معرفة طبيعية وتكشف أنه ليس طبيعيًا ولكنه نتاج بنية خطابية جعلته يبدو كذلك[144].

على أن هذا التوسع الكبير في النظرية أثار مواقف ناقدة منذ تسعينيات القرن الماضي، فقد طغى الشكل المُجرد على الدراسات الأدبية على حساب النقد الفعلي للأدب، وكذلك تراجع قبول النظريات الشاملة التي تدرس الأدب والثقافة والمجتمع والتاريخ. ومن الأعمال المُهمة في هذا الإطار كتاب تيري إيجلتونما بعد النظرية، الذي رأى أن النظرية الأدبية استهلكت طاقتها بالتركيز على اللغة والهُوية والخطاب في صورة نرجسية، على حساب قضايا السلطة والأخلاق والمعاناة الإنسانية[145].

التصورات الأدبية في التراث العربي

الأصول النظرية للأدب عند العرب

إن تتبع الأصول النظرية للأدب عند العرب يتشعب تشعب التراث العربي الإسلامي على اختلافِ فروعِه المعرفية، ذلك أن التأصيل العلمي النظري لفرعٍ معرفي ما ينضوي بالضرورة تحت إطار شامل من الفهم الكلي للحياة ومُهمة الإنسان، فالأعمال التطبيقية ككتب الموازنة والسرقات والشروح والتفاسير ليست المصدرَ الوحيد لأسس التقييم الشعري، بل ثمة نقد نظري يسعى إلى صياغة مفاهيم كلية ووضع حد للشعر وتحديد مُهمة الشاعر.

 إضافة إلى ذلك، ثمة جهود للفلاسفة في تناولهم الشعرَ وغيره من الفنون، مُستفيدين من العلوم العربية وعلوم الأوائل، وبعض الجهود المذكورة لفلاسفة الإسلام الذين حاولوا التوفيق بين الفلسفة المنسوبة إلى اليونان وعلوم العربية. ويجب ألا تُغفَل مُقدمات دواوين الشعراء التي دونوها بأنفسهم، بالإضافة إلى نظَرات نقدية مُوزعة في نصوص مُختلِفة كالمقامات والحوارات التخييلية بين الإنس والجن، وصورة الشعر في تفاسير القرآن وكتب الفقه والمُتصوفة والمُتكلمين[146].

والحديث عن نظرية الأدب عند العرب لن يكونَ بمستوى الدقة المطلوب ما لم يُنظَر إليها في إطارِ التصور الكلي الذي يُنظم علاقة الإنسان في الحضارة العربية الإسلامية بالكون والخالق والآخرين من بني جنسِه. ففي النظريةِ الأدبية يُتحدث عن الأسس والمبادئ ومنظومة الأفكار التي ينطلق منها دارسُ الأدب في مُعاينةِ العمل الأدبي، ومادةُ الأدب اللغة، واللغةُ نظامٌ من دوال ومدلولات، أي إن المعالجة مُنصَبةٌ على العلاقةِ بينَ اللفظِ والمعنى وما يترتب عليها من قضايا أخرى. ولهذه الغاية تُعين نصوص مُختلِفةٌ درجاتُها في التخصص، لتوضيح هذه الرؤية الكلية أولًا وبيان تجليها في أحكام نقدية مُختلِفة ثانيًا. والتراث العربي مليءٌ بنصوص تُؤكدُ أن الكونَ "مجمعُ الأدلة ومُستودَع المعنى، والإنسانُ باحثٌ لا يني عن معنى [...] فهو دليلٌ يستدل بمعارفِ العقل، وبتواصلِ العلمِ والمعرفة بينه وبين غيرِه ثانيًا"[147]. هذه نظريةُ الجاحظ الأساسية التي انطلق منها في تقسيم الكائنات إلى دليل مُستدِل وهو الإنسان، ودليل غير مُستدِل كالطبيعة، وجميعُ الأدلة توصلُ إلى المدلول الأسمى: الله. وقد تفكر العربُ تفكرًا عميقًا في قضية كيفية وقوع الألفاظ على المعاني حتى لا سبيل إلى الفصل بينهما، ولا سبيل إلى معرفة المعاني إلا بتلك الألفاظ، وهل يُحيطُ اللفظ بالمعنى ويكشفه؟ أم هل يُنشئه؟ وعلى أساسِ التصور المُتعلقِ بهذه القضية كانت أسس النظرية الأدبية عند العرب.

وهذه القضايا جميعًا مُترابِطة، فبالعودة إلى قضية العلامة مُطلقًا، فإن ذهابهم إلى اختلاف وجوه البيان لم يؤدِّ بهم إلى مساواة النظام اللغوي بغيره، بل تنبهوا إلى تفوق اللغة على غيرها من وجوه البيان، من ذلك ما بيّنه فخر الدين الرازي في مفاتيح الغيب إذ قال إن الإنسان مُهيأ خِلقةً لإنتاج اللفظ، وهذا لا يتعلق بالأصوات بل بالتأليف والتركيب[148].

وقد نتج عن قضية العلامة تصورات للنظرة الاجتماعية للغة في نشأتِها وغايتِها، فيرى الجاحظ أنه ما كانت اللغة وأسماء المُسميات لتظهر "لولا حاجة الناس إلى المعاني وإلى التعاون والترافد"[149]، ويُوضح مسكويه بقوله: "إن السبب الذي احتَجْتَ من أجله إلى الكلام هو أن الإنسان الواحد لما كان غير مُكتَفٍ بنفسه"[150].

وهذه النظرة المُتكامِلة تُفسرُ وجود نصوص تتعلق بالنظرية الأدبية أو وضع حد الشعر والعلاقة بين اللفظ والمعنى في نصوص متباينة المشارب، قد تدخل في دائرة النقد وقد لا تدخل فيه، وذلك مثل مُؤلفات الفارابي وابن سينا وفخر الدين الرازي والغزالي وابن رشد.

مركزية اللغة

من الأفكار المركزية في تاريخ النظرية الأدبية عند العرب، أن اللغة وسيلة فقط، غايتُها الفهم والإفهام، والبيان والتبيين، وهي غاية يجب أن تتحقق في مختلف الخطابات، سواء منها المقصودة للتفاهم أم الموضوعة للتعبير الأدبي[151]، فالتصور العربي الإسلامي تمحور حول الفصل بين اللفظ والمعنى باعتبار اللفظ حادثًا بعد المعاني (الصور الذهنية)، ونسبة اللفظ إلى المعنى كنسبة المعنى إلى الشيء المُتعين الخارجي، هو أيضًا حادث، على ذلك يُعايَن الكون في دائرةٍ من الوسائط و"تكبرُ الفجوة بين اللغة والأشياء [...]، فليست اللغة انعكاسًا ومحاكاة تامة" ولكنها تضعنا أمام "التصورات والأخيلة والأبنية التي يُقيمها الإنسان بفكره وينقل إليها عالم الحس... بحسب مراتب القدرة التي جُبِلَ عليها"[152]. وهذه الفكرة مُتطورة عند حازم القرطاجني وتمتد إلى النظرة الشعرية، فهو في صدد حديثه عن بواعث القول الشعري يُبين أن ما يأتي به الشاعر من تصوير حال الربع وحركتهم في الديار -كما كانت في الماضي- إنما هي معانٍ مُمثلة مُحاكية لصورهم وهيآتهم"[153].

ومن تمثلات هذه الفكرة في النقد العربي:

  1. ما ذكره ابن جني عن ضروب المجازات ودوافع استخدامها، فهي للتوكيد أو التشبيه أو الاتساع، وقد بين مذهب العرب في هذا بيانًا أكبر في قوله: "فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظها [...] فلا ترينّ أن العناية إذ ذاك إنما هي بالألفاظ بل هي عندنا خدمة منهم للمعاني"[154]، وهذا المعنى الذي يُشير إليه ابن جني يُلحظ فعلًا في نظرة النقاد إلى الصورة، فوظيفتها الإبانة عن المعنى أو تأكيده. وكذلك الحال مع عبد القاهر الجرجاني في نظرتِه إلى مختلف القضايا البلاغية وتصور المجاز، إذ لا يخرج عن التصور السابق للصورة، فيطرح مفهوم "الإثبات" وظيفةً للصورة[155]؛ أي إنها لا تُقصَد لذاتها وإنما لإثبات المعنى المُراد، وكذلك يُلحظ ضيقه بمن يولي عنايته للبديع وكأنه ينسى أنه إنما يتكلم ليُفهِمَ ويُبين[156].
  2. الإجماع على أن الصورة يجب أن تأتي بالتمثيل الحسي للمعنى، وبذلك تُحقق الصورة الغاية في إثبات المعنى أو تبيينه، وإن لم تُحقق المجازات هذه الوظيفة فلا فائدة من العدول عن الاستعمال المألوف، والأولى الإتيان بالحقائق كما هي ما دام المجاز لا يتضمن فائدة يفتقر إليها القول الحقيقي، وحتى الاستعارة التي هي عندهم أعلى صنوف المجاز، فإنها لم تُفلِت من هذه النظرة، فقد ربطوها بغرض، "وذلك الغرض إما أن يكون شرح المعنى وفضل الإبانة عنه أو توكيده والمبالغة فيه"[157]، إضافة إلى حدود اشترطوها، كالشبه بين المُستعار منه وله ليكون بناء الاستعارة على أساس من التناسب العقلي، وعلى ذلك يسهل على القارئ الاهتداء إلى حقيقتها، فقد قال ابن رشيق في الثناء على استعارة في بيت لطُفيل الغنوي: "استعارة كأنها الحقيقة لتمكنها وقربها"[158].
  3. نظرية عمود الشعر التي برزت مُكتملةً عند المرزوقي بعد أن وضع الآمدي ثُم الجرجاني أسسها، وهي نظرية تفترض تكامل سبعة عناصر في الشعر تدور حول قُرب المعاني واعتدالها: شرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظِ واستقامته، والإصابة في الوصف، والمقاربة في التشبيه، والتحامُ أجزاء النظم مع مراعاة الوزن المُطرِب، ثُم مناسبة المُستعار للمُستعار منه، وأخيرًا: مُشاكلةُ المعنى للفظ وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا تنافر بينهما، وقد وضع المرزوقي لكل من هذه المُتطلبات عِيارًا يقيس من خلاله المعنى المُقارِب الدال، والتشبيه الأقرب للصدق[159].
  4. تنبه النقاد العرب القدامى إلى الميزة الجوهرية للوزن والقافية في وضع حد الشعر، فقد قال ابن رشيق: "الوزن أعظم أركان حد الشعر وأولاها به خصوصية"[160]، ومعروف أن الجاحظ جعل هذه الميزة مُعجِزة في الشعر العربي إلى حد أنه تستحيل ترجمتُه وإلا ضاع، وهذه ليست قضية إيقاعية بحتة، بل قوانين اللغة عامة إلى جانب العروض تنتظم فيه اللغة انتظامًا مضبوطًا[161]. وحينما أتوا على القافية وصفوها ببعدين مُترابِطين ترابطًا وثيقًا: صوتي ومعنوي، فاختيارها مُقيد إلى جانب مُقتضيات المعنى بمطلب صوتي هو توحد الروي، واشترطوا لها صفاتٍ مُعينة كالبعد عن السُوقي والوحشي، والأهم من ذلك أنهم جعلوا تكرار قافية بيت بالمعنى نفسه في بيتٍ آخر عيبًا وهو (الإيطاء)[162].

ومما يدلّ على أن الوزنَ لا ينفصل عن المعنى في تصور النقاد العرب، ولا يقتصر أمره على الأداء الصوتي وإطراب المُتلقي، أنّ ناقدًا كابن طباطبا -أعلنَ أن الرسائل شعر محلول والشعر رسائل معقودة- لا يفصِل اعتدال الوزن عن صواب المعنى في حديثه عن تحقق اللذة الناتجة عن قبول الفهم للشعر، ذلك أن الوزن الشعري الذي يُطرِبُ المُتلقي يتضمن المعنى حتمًا: "ومثالُ ذَلِك الغِنَاءُ المُطْربُ الَذي يتضاعَف له طرب مُستمِعِه، المُتَفَهِم لمعناه ولفظه مع طيب ألحانه. فأمَا المُقتصِر على طيب اللَحن منه دون ما سواه فناقصُ الطَرب، وهذه حالُ الفهم فيما يرد عليه من الشِعر الموزون مفهومًا أو مجهولًا"[163].

  1. كذلك طرح ابن طباطبا أن قواعد صنعة الشعر هي التي تُوجه الاستفادة من المعارف الشعرية (وسنن العرب في القول) على أساسٍ من كمال العقل، يقول: "وجماع هذه الأدوات كمالُ العقل الذي به تتميز الأضداد، ولزومُ العدل، وإيثار الحسن، واجتناب القبيح، ووضع الأشياء مواضعها"[164]، فالحسن هنا شيءٌ يأنسُ إليه الفهم وينجذب إليه الطبع لأنه جِبِلةٌ فيه، فتحدث اللذة عند المُتلقي.
  2. محاولة قُدامة بن جعفر المتقدمة لتأصيل علم الشعر، إذ بيّن أنه يجب أن يدور على تخليص جيد الشعر من رديئه في المقام الأول، فيرى أن علم الشعر يضم خمسة أقسام: الوزن واللفظ والمعنى والقافية وتمييز الجيد من الرديء. وبينما انشغل العلماء بالأربعةِ الأولى يسعى هو إلى الاشتغال بالخامس الذي يراه جوهر علم الشعر، إذ اللفظ والمعنى لا تتعلق بالشعر وحده وإنما بأصول الكلام العام، والوزن قد يوجد في طباع الناس دون أن يكونوا شعراء: "ولم أجد أحدًا وضع في نقد الشعر وتخليص جيده من رديئه كتابًا، وكان الكلام عندي في هذا القسم أولى بالشعر من سائر الأقسام المعدودة"[165].

وهذا العلمُ يجب أن يتناول مادة الشعر نفسها، فما الشعر؟ إنه قولٌ موزونٌ مُقفى يدل على معنى، وهو بذلك يُحدد ماهية المادة دون تحديد القيمة، فأين الفرق بين الشعر والنظم الذي نُميز من خلاله الشعر الجيد من الرديء؟ إن مَرد ذلك عنده إلى مفهوم الصناعة، ونعود بذلك إلى ثنائية المادة والشكل أو الهيولى والصورة، فلن تتحدد قيمة المادة إلا بالصورة التي تبرز فيها إلى الوجود، وكذلك لن يقوم تقييم الشعر إلا على الصورة الحاملة للمادة، على الصياغة الحاملة للمعاني، ويحاول قدامة بنقدٍ منطقي صارم أن يضبط الصفات المحمودة والمذمومة ضبطًا يستوعبها جُملةً، وهي مُتعلقةٌ بعناصر الشعر الأربعة، لكل مُتطلبات يجب أن يُحققها مُنفردًا مُستقلا بنفسه ثُم مؤتلفًا مع الأخرى[166].

وهكذا، غاية الشعر غايةٌ أخلاقية، تعتمد على تصور الحضارة العربية الإسلامية، يُراد تأكيدها في نفس المُتلقي، غير أنها لا تُقدم تقديمًا مُجردًا حرفيا مُباشرًا كما يُقدمها الواعظ، بل تُقدم في خصوصية التوصيل الشعري الذي هو تبليغ مُتميز للقيم[167]. وهذا الفهم هو ما يُوضح موقفه من قضية الغلو والمبالغة، وأنها ليست تناقضًا مع مذهبه في الفضائل، إذ يرى أن الغلو أجود من الاعتدال في تقديم المعنى، ولا يصفه بالكذب بل يراه ضربًا من التجاوز في التصوير لا ينبغي أن يُفهم حرفيا، بل بما ينطوي من دلالات مرتبطة بالمعنى (أو الفضيلة) المُراد تأكيدها، لأنه يريد التمثيل لا حقيقة الشيء، يريد تصييره مثلًا وأن يبلغ به الغاية والنهاية- بعبارة قدامة[168]، كما أنه تجاوز يتعلق بنعت الشيء بما لا يخرج على طباعه الأساسية[169].

 

جهود الفلاسفة المسلمين في النظرية الأدبية

ظهرت ضمن الفلسفة في التراث العربي نظرات متقدمة في الإجابة عن أسئلة نظرية الأدب، وقد وجد بعض هذا التراث العربي طريقه إلى أوروبا دون أن يقتصر ذلك على نقل النصوص اليونانية القديمة من الترجمة العربية، وإنما كذلك بعض إسهامات العرب من النقاد والفلاسفة وعلماء اللغة. ومن الإسهامات بالغة الأهمية دخول مفهوم التخييل (باللاتينية: imaginatio) "ليحل مكان المحاكاة الأرسطية، وكان لهذا تأثير كبير في إدراك أن مفهوم أرسطو مُتعلق أساسًا بالتراجيديا والكوميديا، الأمر الذي قاد عبر المفهوم العربي إلى مناقشات عميقة لـلطبيعة وقوة الشعر المدون باللغات المحلية الأوروبية"[170].

وقد برز هذا التأثير أكثر وضوحًا من خلال مُنجزات الفلاسفة المسلمين كالفارابي وابن رشد وابن سينا، ويُشار عادةً إلى حضور المُؤلفات المنسوبة إلى أرسطو كـفن الشعر في تصوراتهم، ولكن ينبغي هنا الحذر بشدة؛ إذ لم يكُن استدعاء هذه المُؤلفات في الثقافة العربية الإسلامية لذاتها بقدر ما كان توظيفًا يُرسخ تصور هذه الثقافة عن الإنسان والكون والخالق من جهة، ويقف مُناقضًا لتصورات أخرى مُغايرة مِن جهة أخرى. وحتى الترجمات والشروح التي تناولت كتاب الشعر لم تكُن نقلًا مَحضًا، وحين تشرح نصًا لم تلتزم بما فيه، فقد أضافت وحَورت في مادتها النظرية بما يتناسب مع خصوصية الفكر والأدب العربي أيضًا ويشمله[171]، حتى إذا ما تلقت أوروبا بدورِها ترجمات المسلمين وشروحَهم لأرسطو لم يكن ثمة مندوحةٌ مِن أن تتبنى كثيرًا من التصورات عن الشعر كما جاءت مُحورةً مُكيفة، فالفارابي مثلًا يستبدل بمفهوم المحاكاة (الموجود في كتاب فن الشعر) مفهوم التخييل في عرضِه وظيفةَ الشعر التي تُمكن المُتلقي من تخيل أشياء جميلة أو دنيئة، فيُسَر بها أو يقشعر، وأخذ بهذا المصطلح مُفكرو الغرب وشاع في لغتهم وأدبهم، إذ يوجد في ترجمات جونديسالينوس (ق12م) للشروح العربية لأرسطو[172].

أما تصنيف الفارابي للمنظومة المنطقية بأجزائها التسعة للبحث الفلسفي والعلمي عن القواعد المُوصلة إلى الحقيقة (الأورجانون)، وجعلِه الريطوريقا (الخطابة) الجزء الثامن، والشعر من بعدِه الجزء التاسع، فهو الذي ساد في أوروبا أيضًا، وعليه، ساد فهمُه لوظيفة الشعر وسِر قدرته على إحداث ما لا تُحدثه الخطابة والبرهان في الجمهور السامع، وبعبارةٍ أخرى، إثباته أن الخيال أداةٌ أخلاقية تُحدث التأثير المطلوب بأقوى مما تُحدثه المعرفة العلمية واليقينية[173].

وفي القرن الثالث عشر الميلاديِ ترجم هيرمان الألماني -وكانَ راهبًا في مدينة طُليطلة- كتاب الشعر عن العربية لابن رشد الذي فسّرَ ما جاء في كتاب فن الشعر على أنه يشمل التراجيديا والكوميديا وغيره من الأجناس الشعرية، أي إنه يُوسِع في تصوراتِه للشعر العربي إلى جانب الدرامي الملحمي، وقد انتقل هذا الفهم الأكثر رحابةً بكل ما فيه إلى أوروبا في العصور الوسطى[174].

والأهم من ذلك، تركيز ابن رشد على الشعر بوصفه أداة أخلاقية تعليمية تُحدث أثرها بالقياس المنطقي التخييلي (بتعبير ابن سينا وابن رشد) الذي يعني تمثلًا مُتميزًا للخطاب الشعري، ذلك يعني استجابةً نفسيةً لدى المُتلقي. وقد كان أثر ذلك أن تنامى الاهتمام في أوروبا بالملكة النفسية، كما كان تركيز ابن رشد على الغاية الأخلاقية داعمًا للتصورات الأوربية وأساسها الأخلاقي في العصور الوسطى، لأنه "أوضح بطريقة أكثر تميزًا مظاهر الإمكانية الأخلاقية للشعر بعد أن كانت ضمنية في اللغة اليونانية"[175]. ومن المهم أيضًا ذكر أن تعريف ابن رشد للتراجيديا بأنها فن المدح لاقى انتشارًا واسعًا حد من تصور أن البطل التراجيدي شخصٌ قد تسببت زلاتُه بعذابه وبؤسه، ذلك أنه ركز على المدح بوصفه تصويرًا للأخلاق السامية والفضائل[176].

ولعل مفهوم المصداقية، كما جاء في شرح ابن رشد، من أكثر المفاهيم المُتعلقة بالشعرية تأثيرًا في أوروبا في العصور الوسطى، فقد طرحها ابن رشد شرطًا لنجاح عملية التمثل لدى المُتلقي، وذلك أن مادة القصيدة يجب أن تتصف بالمصداقية فيتخذ المديح الأفعال التي تبدو كأنها مُمكنة واقعية لتكون لها القدرة الكبرى على الإقناع وتحقيق الاعتقاد الشعري فتُحرك العقل إلى الفضيلة أو تُجنب الرذيلة، أما الأمثال والحكايات فلا يكون تأثيرها بالخيال وإنما بالقصص ذاتها والأقوال الحكمية الصريحة[177].

ولذلك، حذر ابن رشد في شرحه دورَ القياس المنطقي التخييلي من الحكايات الخيالية والأقوال المأثورة والأمثال لأنها تُحدث تأثيرًا مُضادا للتأثير المرجو في الشعر، إذ هي لا تستند إلى أساس واقعي، ولذلك لن يتأثر بها المُتلقي ولن تُثير في نفسه الخوف أو الشفقة[178]. هذا فضلًا عن أن ارتباط هذه الحكايات بالأخلاق ارتباطٌ بسيطٌ آلي، على العكس من الشعر الذي هو نظامٌ أخلاقي مُعقد يتطلب من المُتلقي ارتباطًا هيرمونيطيقيًا؛ أي قُدرة على التمييز والتواصل التخيلي[179]، لأن العلاقة بين الشعر والحياة الواقعية علاقة غير مباشرة قائمة على المجاز، وبقدر نجاحه في طرح ما يُشبه الحقائق والمواقف الإنسانية يكون جديرًا بالتصديق ويُحدِث الأثر المطلوب.

المراجع

العربية

 ابن جني، أبو الفتح عثمان. الخصائص. تحقيق محمد علي النجار. ط 4. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، [د. ت.].

ابن طباطبا، محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم. عيار الشعر. تحقيق عبد العزيز بن ناصر المانع. القاهرة: مكتبة الخانجي، [د. ت.].

إيغلتون، تيري. نظرية الأدب. ترجمة ثائر ديب. دمشق: منشورات وزارة الثقافة السورية، 1995.

_________. ما بعد النظرية. ترجمة باسل المسالمة. القاهرة: مكتبة التنوير، 2021.

برلين، إيزايا. جذور الرومانتيكية. ترجمة سعود السويدا. الكويت: جداول، 2012.

بياجيه، جان. البنيوية. ترجمة عارف منيمنه وبشير أولبري. ط 4. بيروت/ باريس: منشورات عويدات، 1985.

الجابري، محمد عابد. تكوين العقل العربي. ط 15. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2021.

 الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر. الحيوان. تحقيق محمد باسل عيون السود. ط 2. بيروت: دار الكتب العلمية، 2003.

جاكسون، ليونارد. بؤس البنيوية-الأدب والنظرية البنيوية. ترجمة ثائر ديب. ط 2. دمشق: دار الفرقد، 2008.

الجرجاني، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن. أسرار البلاغة. قرأه وعلق عليه محمود محمد شاكر. جدة: دار المدني، [د. ت.].

جلكنر، روبرت وجيرالد إنسكو (محرران). الرومانتيكية ما لها وما عليها. ترجمة أحمد حمدي محمود. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986.

الخطيب، حسام. "نظرية الأدب بين الفلسفة والنقد". المعرفة. العدد 133 (آذار/ مارس 1973). ص 138-149.

دريدا، جاك [وآخرون]. مداخل إلى التفكيك (البلاغة المعاصرة). ترجمة حسام نايل. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2013.

الرازي، فخر الدين. مفاتيح الغيب (التفسير الكبير). ط 3. بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1999.

ستروك، جون (محرر). البنيوية وما بعدها. ترجمة محمد عصفور. سلسلة عالم المعرفة. العدد 206. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1996.

صمود، حمادي. في نظرية الأدب عند العرب. جدة: النادي الأدبي الثقافي، 1990.

عباس، إحسان. تاريخ النقد الأدبي عند العرب. عمان: دار الشروق، 2011.

العسكري، أبو هلال. كتاب الصناعتين. تحقيق علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم. بيروت: المكتبة العصرية، 1998.

عصفور، جابر. مفهوم الشعر-دراسة في النقد الأدبي. ط 5. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1995.

 فراي، نورثروب. تشريح النقد. ترجمة محمد عصفور. عمان: عمادة البحث العلمي، 1991.

قدامة بن جعفر. نقد الشعر. القسطنطينية: مطبعة الجوائب، 1884.

القرطاجني، حازم بن محمد بن حسن. منهاج البلغاءوسراج الأدباء. تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1986.

القيرواني، ابن رشيق. العمدة في محاسن الشعر وآدابه. تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. ط 5. بيروت: دار الجيل، 1981.

كالر، جوناثان. النظرية الأدبية. ترجمة رشاد عبد القادر. دمشق: وزارة الثقافة، 2004.

كريزويل، إديث. عصر البنيوية. ترجمة جابر عصفور. الكويت: دار سعاد الصباح، 1993.

كينيدي، جورج (محرر). موسوعة كامبردج في النقد الأدبي. مراجعة وإشراف أحمد عثمان. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2005.

ليتش، فنسنت. النقد الأدبي الأمريكيمن الثلاثينيات إلى الثمانينيات. ترجمة محمد يحيى. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2000.

الماضي، شكري عزيز. في نظرية الأدب. بيروت: دار المنتخب العربي، 1993.

مسكويه، أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب. الهوامل والشوامل-سؤالات أبي حيان التوحيدي لأبي علي مسكويه. تحقيق سيد كسروي. بيروت: دار الكتب العلمية، 2001.

ميللر، هيليس. "مستقبل النظرية الأدبية". ترجمة أحمد عبد الفتاح. إبداع. العدد 24 (آب/ أغسطس 2021). ص 62-65.

نوريس، كريستوفر. التفكيكيّة النظريّة والممارسة. ترجمة صبري حسن. السعودية: دار المريخ، 1989.

هلال، محمد غنيمي. الرومانتيكية. القاهرة: نهضة مصر للنشر والتوزيع، [د. ت.]).

هيغو، فيكتور. بيان كرومويل "بيان الرومانتيكية". ترجمة علي نجيب إبراهيم. دمشق: دار الينابيع، 1994.

ويليك، رينيه ووآوستن وآرن. نظرية الأدب. تعريب عادل سلامة. الرياض: دار المريخ، 1992.

ويليك، رينيه. مفاهيم نقدية. ترجمة محمد عصفور. سلسلة عالم المعرفة. العدد 110. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1978.

الأجنبية

Babbitt, Irving. Rousseau and Romanticism. Boston & New York: The Riverside Press Cambridge, 2015.

Casaliggi, Carmen & Paul March-Russell (eds.). Legacies of Romanticism: Literature, Culture, Aesthetics. New York: Routledge, 2012.

Eliot, T. S. Selected Essays. London: Faber and Faber Limited, 1972.

Eliot, T. S. The Sacred Wood. London: Methuen, 1928.

Fry, Paul H. Theory of Literature. Yale: Yale University Press, 2012.

Habib, M. A. R. A History of Literary Criticism and Theory. Oxford: Blackwell Publishing, 2005.

Krieger, Murray. The New Apologist for Poetry. Minneapolis: the University of Minnesota Press, 1956.

Preminger, Alex, Frank J. Warnke & O. B. Hardison Jr. (eds.) The Princeton Encyclopedia of Poetry and Poetics. New Jersey: Princeton University Press, 1972), p. 726.

Wellek, Rene. "The New Criticism: Pro and Contra." Critical Inquiry. vol 4 (Spring-Summer 1978). pp. 618-619.

[1] يُنظر: جوناثان كالر، النظرية الأدبية، ترجمة رشاد عبد القادر (دمشق: وزارة الثقافة، 2004)، ص 5.

[2] يُنظر: شكري عزيز الماضي، في نظرية الأدب (بيروت: دار المنتخب العربي، 1993)، ص 13.

[3] يُنظر:

Paul H. Fry, Theory of Literature (Yale: Yale University Press, 2012), p. 2.

[4] Ibid, pp. 2-3.

[5] يُنظر: هيليس ميللر، "مستقبل النظرية الأدبية"، ترجمة أحمد عبد الفتاح، إبداع، العدد 24 (آب/ أغسطس 2021)، ص 64.

[6] حسام الخطيب، "نظرية الأدب بين الفلسفة والنقد"، المعرفة، العدد 133 (آذار/ مارس 1973)، ص 139.

[7] يُنظر: كالر، ص 11.

[8] يُنظر: تيري إيغلتون، نظرية الأدب، ترجمة ثائر ديب (دمشق: منشورات وزارة الثقافة السورية، 1995)، ص 8.

[9] كالر، ص 13.

[10] يُنظر: المرجع نفسه، ص 10.

[11] المرجع نفسه، ص 11.

[12] يُنظر: المرجع نفسه، ص 11-12.

[13] يُنظر: المرجع نفسه، ص 13.

[14] يُنظر:

  1. A. R. Habib, A History of Literary Criticism and Theory (Oxford: Blackwell Publishing, 2005), pp. 19-24.

[15] يُنظر:

Ibid, pp 48-56.

[16] يُنظر: رينيه ويليك وآوستن وآرن، نظرية الأدب، تعريب عادل سلامة (الرياض: دار المريخ، 1992)، ص 57-66.

[17] نورثروب فراي، تشريح النقد، ترجمة محمد عصفور (عمان: عمادة البحث العلمي، 1991)، ص 4.

[18] المرجع نفسه، ص 7.

[19] رينيه ويليك، مفاهيم نقدية، ترجمة محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة، العدد 110 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1978)، ص 13.

[20] يُنظر:

Habib, pp. 54-59.

[21] يُنظر:

 Ibid.

[22] يُنظر:

 Ibid.

[23] يُنظر:

Ibid, p. 60.

[24] يُنظر: الماضي، ص 17-39.

[25] يُنظر: جورج كينيدي ودورين إينس، "الدرس الهيللينستي الأدبي والفلسفي"، ترجمة أحمد عثمان، في: جورج كينيدي (محرر)، موسوعة كبمريدج في النقد الأدبي، مراجعة وإشراف أحمد عثمان، ج 1 (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2005)، ص 349-382.

[26] يُنظر: دونالد راسيل، "النقد الإغريقي في عصر الإمبراطورية"، ترجمة ماجدة النويعمي، في: كينيدي (محرر)، ج 1، ص 532-582.

[27] تُنظر مجموعة المباحث الواسعة في المجلدين الخاصين بالجزء الثاني في: كينيدي (محرر)، ج 2، ص 9-721.

[28] يُنظر:

Habib, pp. 60-61.

[29] يُنظر:

Ibid, pp. 229-231.

[30] يُنظر:

Ibid, pp. 232-233.

[31] يُنظر:

Ibid, p. 235.

[32] يُنظر:

Ibid, p. 238-240.

[33] يُنظر:

Ibid, p. 273-274.

[34] يُنظر:

Ibid, p. 311.

[35] يُنظر:

Ibid, p. 317.

[36] يُنظر:

Ibid, pp. 318-320.

[37] للوقوف على تاريخ المصطلح يُنظر: ويليك، مفاهيم نقدية، ص 61-127.

[38] محمد غنيمي هلال، الرومانتيكية (القاهرة: نهضة مصر للنشر والتوزيع، [د. ت.])، ص 5.

[39] Irving Babbitt, Rousseau and Romanticism (Boston & New York: The Riverside Press Cambridge, 2015), p. 6.

[40] يُنظر: هلال، ص 9.

[41] تُنظر مقدمة المترجم في: فيكتور هيغو، بيان كرومويل "بيان الرومانتيكية"، ترجمة علي نجيب إبراهيم (دمشق: دار الينابيع، 1994)، ص 17.

[42] يُنظر:

Habib, p. 409.

[43] عن أثر نيوتن في فكر عصر التنوير، يُنظر: إيزايا برلين، جذور الرومانتيكية، ترجمة سعود السويدا (الكويت: جداول، 2012)، ص 64-65.

[44] يُنظر:

Habib, p. 409.

[45] يُنظر: برلين، ص 62.

[46] يُنظر: هيلموت شنايدر، "الطبيعة"، ترجمة إبراهيم فتحي ولميس النقاش في: كينيدي (محرر)، ج 5، ص 172.

[47] Habib, p. 410.

[48] ويليك، مفاهيم نقدية، ص 140.

[49] يُنظر:

Carmen Casaliggi & Paul March-Russell (eds.), Legacies of Romanticism: Literature, Culture, Aesthetics (New York: Routledge, 2012).

[50] يُنظر: روبرت جلكنر وجيرالد إنسكو (محرران)، الرومانتيكية ما لها وما عليها، ترجمة أحمد حمدي محمود (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986).

[51] T. S. Eliot, Selected Essays (London: Faber and Faber Limited, 1972), pp. 19-20.

[52] T. S. Eliot, The Sacred Wood (London: Methuen, 1928), p. x.

[53] يُنظر:

 Fry, p. 7.

[54] Ibid, pp. 7-8.

[55] Ibid, p. 8.

[56] Ibid.

[57] يُنظر:

Ibid, pp. 8-9.

[58] يُنظر:

Ibid, p. 9.

[59] يُنظر:

Habib, p. 571.

[60] يُنظر:

Fry, pp. 9-10.

[61] يُنظر:

Ibid.

[62] يُنظر:

Habib, p. 572.

[63] يُنظر:

Fry, pp. 12-13.

[64] يُنظر:

Ibid, pp. 13-15.

[65] بيتر شتاينر، "المدرسة الشكلانية الروسية"، في: كينيدي (محرر)، ج 8، ص 33.

[66] المرجع نفسه، ص 34-35.

[67] Alex Preminger, Frank J. Warnke & O. B. Hardison Jr. (eds), The Princeton Encyclopedia of Poetry and Poetics, (New Jersey: Princeton University Press, 1972), p. 726.

[68] كالر، ص 146.

[69] يُنظر:

 Preminger, Warnke & Jr., pp. 726-727.

[70] يُنظر:

Habib, pp. 603-604.

[71] شتاينر، ص 41.

[72] المرجع نفسه، ص 38.

[73] Habib, p. 603.

[74] يُنظر: فنسنت ليتش، النقد الأدبي الأمريكيمن الثلاثينيات إلى الثمانينيات، ترجمة محمد يحيى (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2000)، ص 45.

[75] يُنظر:

Murray Krieger, The New Apologist for Poetry (Minneapolis: the University of Minnesota Press, 1956), p. 6.

[76] يُنظر: ليتش، ص 47.

[77] يُنظر: المرجع نفسه، ص 49.

[78] Eliot, Selected Essays, p. 210.

[79] يُنظر:

  1. K. Wimsatt & M. C. Beardsley, "The Intentional Fallacy" and “The Affective Fallacy,” in: The Verbal Icon: a Study in the Meaning of Poetry (Kentucky, USA: The University of Kentucky Press, 1954), pp. 3-39.

[80] يُنظر:

Rene Wellek, "The New Criticism: Pro and Contra," Critical Inquiry, vol 4 (Spring-Summer 1978), pp. 618-619.

[81] يُنظر: ليتش، ص 50.

[82] يُنظر: المرجع نفسه، ص 50-51.

[83] يُنظر: ويليك ووارين، ص 21-67.

[84] يُنظر: المرجع نفسه، ص 77-96.

[85] يُنظر: المرجع نفسه، ص 97-188.

[86] يُنظر: المرجع نفسه، ص 189-351.

[87] جان بياجيه، البنيوية، ترجمة عارف منيمنه وبشير أولبري، ط 4 (بيروت/ باريس: منشورات عويدات، 1985) ص 7.

[88] يُنظر: المرجع نفسه، ص 97.

[89] يُنظر: إديث كريزويل، عصر البنيوية، ترجمة جابر عصفور (الكويت: دار سعاد الصباح، 1993)، ص 7؛ جون ستروك (محرر)، البنيوية وما بعدها، ترجمة محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة، العدد 206 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1996)، ص 7.

[90] كريزويل، ص 19.

[91] يُنظر: المرجع نفسه، ص 20.

[92] المرجع نفسه، ص 21.

[93] يُنظر: المرجع نفسه، ص 21.

[94] يُنظر: المرجع نفسه، ص 23.

[95] ستروك (محرر)، ص 7.

[96] يُنظر: المرجع نفسه، ص 9.

[97] يُنظر: كريزويل، ص 19.

[98] يُنظر: ليونارد جاكسون، بؤس البنيوية-الأدب والنظرية البنيوية، ترجمة ثائر ديب، ط 2 (دمشق: دار الفرقد، 2008)، ص 19.

[99] يُنظر: المرجع نفسه.

[100] كريزويل، ص 22.

[101] يُنظر: جاكسون، ص 22.

[102] يُنظر: المرجع نفسه، ص 25.

[103] يُنظر: بياجيه، ص 14.

[104] المرجع نفسه، ص 13.

[105] يُنظر: جاكسون، ص 24.

[106] المرجع نفسه، ص 24.

[107] كريزويل، ص 22.

[108] بياجيه، ص 63.

[109] يُنظر: كريزويل، ص 17.

[110] يُنظر: المرجع نفسه، ص 25.

[111] يُنظر: المرجع نفسه، ص 16.

[112] يُنظر: المرجع نفسه، ص 62.

[113] يُنظر: المرجع نفسه، ص 28.

[114] يُنظر: المرجع نفسه، ص 18.

[115] يُنظر: المرجع نفسه، ص 18-28.

[116] يُنظر: المرجع نفسه، ص 29.

[117] يُنظر: المرجع نفسه، ص 20.

[118] جاكسون، ص21.

[119] يُنظر: كريزويل، ص 18.

[120] جاكسون، ص 22.

[121] المرجع نفسه، ص24، 25.

[122] يُنظر: المرجع نفسه، ص 26.

[123] يُنظر: كريزويل، ص 30.

[124] يُنظر: المرجع نفسه، ص 14.

[125] كالر، ص 149-150.

[126] يُنظر: ريتشارد رورتي، "التفكيك"، ترجمة حسام نايل، في: كينيدي (محرر)، ج 8، ص 273.

[127] يُنظر: المرجع نفسه، ص 275.

[128] يُنظر: كريستوفر نوريس، التفكيكيّة النظريّة والممارسة، ترجمة صبري حسن (السعودية: دار المريخ، 1989)، ص 56.

[129] يُنظر: المرجع نفسه، ص 57.

[130] يُنظر: رورتي، ص 274.

[131] يُنظر: المرجع نفسه، ص 277.

[132] يُنظر: المرجع نفسه، ص 278.

[133] يُنظر: المرجع نفسه، ص 278.

[134] يُنظر: المرجع نفسه، ص 279.

[135] يُنظر: المرجع نفسه، ص 274.

[136] يُنظر مثلًا: جاك دريدا [وآخرون]، مداخل إلى التفكيك (البلاغة المعاصرة)، ترجمة حسام نايل (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2013)، ص 152 وما بعدها.

[137] المرجع نفسه، ص 178.

[138] يُنظر: نوريس، ص 56.

[139] دريدا [وآخرون]، ص 194.

[140] نوريس، ص 111.

[141] كالر، ص 22.

[142] يُنظر: المرجع نفسه، ص 18.

[143] المرجع نفسه، ص 21.

[144] يُنظر: المرجع نفسه.

[145] يُنظر: تيري إيغلتون، ما بعد النظرية، ترجمة باسل المسالمة (القاهرة: مكتبة التنوير، 2021).

[146] تُنظر المقدمة في: جابر عصفور، مفهوم الشعر-دراسة في النقد الأدبي، ط 5 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1995).

[147] حمادي صمود، في نظرية الأدب عند العرب (جدة: النادي الأدبي الثقافي، 1990)، ص 11.

[148] يُنظر: فخر الدين الرازي، مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، ج 1، ط 3 (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1999)، ص 39.

[149] أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، الحيوان، تحقيق محمد باسل عيون السود، ج 5، ط 2 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2003) ص111.

[150] أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه، الهوامل والشوامل-سؤالات أبي حيان التوحيدي لأبي علي مسكويه، تحقيق سيد كسروي (بيروت: دار الكتب العلمية، 2001)، ص 33.

[151] يُنظر: صمود، ص 25.

[152] المرجع نفسه، ص 27.

[153] حازم بن محمد بن حسن القرطاجني، منهاج البلغاءوسراج الأدباء، تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1986)، ص 80.

[154] أبو الفتح عثمان بن جني، الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، ج 1، ط 4 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، [د. ت.])، ص 218.

[155] يُنظر مثلًا: أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني، أسرار البلاغة، قرأه وعلق عليه محمود محمد شاكر (جدة: دار المدني، [د. ت.])، ص 371.

[156] يُنظر: المرجع نفسه، ص 9.

[157] أبو هلال العسكري، كتاب الصناعتين، تحقيق علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم (بيروت: المكتبة العصرية، 1998)، ص 268.

[158] ابن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ج 1، ط 5 (بيروت: دار الجيل، 1981)، ص 275.

[159] يُنظر: إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي عند العرب (عمان: دار الشروق، 2011)، ص 412.

[160] ابن رشيق، ج 1، ص 134.

[161] يُنظر: صمود، ص 59.

[162] يُنظر: المرجع نفسه، ص 62.

[163] محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم طباطبا، عيار الشعر، تحقيق عبد العزيز بن ناصر المانع (القاهرة: مكتبة الخانجي، [د. ت.])، ص 22.

[164] المرجع نفسه، ص 7.

[165] قدامة بن جعفر، نقد الشعر (القسطنطينية: مطبعة الجوائب، 1884)، ص 2.

[166] يُنظر: المرجع نفسه، ص 8.

[167] يُنظر: المرجع نفسه، ص125-128.

[168] يُنظر: المرجع نفسه، ص 129-130.

[169] يُنظر تعليقه على أبيات من قبيل بيت النَّمِر بن تَوْلَب:

 تَظَلُّ تَحْفِرُ عَنْهُ إِنْ ضَرَبْتَ بِهِ بَعْدَ الذِّراعَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ وَالْهَادِي

"فَلَيْس خارجًا عن طباع السيف أن يقطع الذراعين والساقين والهادي. وأن يؤثر بعد ذلك ويغوص في الأرض، ولكنه مما لا يكاد أن يكون". قدامة، ص 84.

[170] محمد حمدي إبراهيم، "تقديم المُراجع: إسهامات المُفكرين العرب في النظرية النقدية الأوروبية قديمًا وحديثًا"، في: كينيدي (محرر)، ج 1، ص 14.

[171] يُنظر: محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، ط 15 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2021)، ص 344.

[172] يُنظر: إبراهيم، ص 14.

[173] يُنظر: المرجع نفسه، ص 16.

[174] يُنظر: المرجع نفسه، ص 14.

[175] المرجع نفسه، ص 18.

[176] يُنظر: المرجع نفسه، ص 26.

[177] يُنظر: المرجع نفسه، ص 20.

[178] يُنظر: المرجع نفسه، ص 25.

[179] يُنظر: المرجع نفسه، ص 20.

المحتويات

الهوامش