تسجيل الدخول

زيارة إمبراطور ألمانيا فيلهلم الثاني إلى الدولة العثمانية

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

الوصف

زيارة رسمية قام بها الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني إلى الدولة العثمانية سنة 1898، وكانت لها آثارها السياسية في العلاقات الألمانية-العثمانية وفي تطورات المسألة الشرقية

الإطار الزمني

18 تشرين الأول/ أكتوبر - 11 تشرين الثاني/ نوڤمبر 1898

الإطار المكاني

إسطنبول، حيفا، يافا، القدس، بيت لحم، بيروت، دمشق، بعلبك

الشخصيات الرئيسة

فيلهلم الثاني، أوغوستا فيكتوريا، عبد الحميد الثاني، حسين ناظم باشا، محمد شاكر باشا، عبد الله بك العظم، محمد علي الكزبري، سليم أيوب ثابت


الموجز

زيارة الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني (Wilhelm II، 1859-1941) إلى الدولة العثمانية عام 1898 حدث دبلوماسي رسمي شمل زيارة إسطنبول، وفلسطين، ولبنان، ودمشق. جاءت الزيارة في ظل الضغوط الأوروبية المتزايدة آنذاك على الدولة العثمانية، وسعي ألمانيا إلى تثبيت مكانتها بوصفها قوة عالمية صاعدة. ومثلت نقطة تحول في العلاقات الألمانية-العثمانية، وأسهمت في تعزيز التقارب السياسي والاقتصادي بين الإمبراطوريتين؛ إذ سعت الدولة العثمانية إلى توثيق علاقتها مع ألمانيا باعتبارها حليفًا سياسيًا واقتصاديًا، بينما سعت ألمانيا إلى توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي في المنطقة، ولا سيما من خلال مشاريع مثل خط سكة حديد برلين-بغداد، كما سعت إلى تعزيز علاقتها بالسلطان عبد الحميد الثاني (1842-1918)، مستثمرة مكانته بوصفه خليفة للمسلمين، وهو ما انعكس على توازنات القوى والعلاقات الدولية في المشرق.

الخلفية التاريخية

في السنوات الخمس الأخيرة من القرن التاسع عشر، كانت الدولة العثمانية بقيادة السلطان عبد الحميد الثاني تواجه ضغوطًا متزايدة في سياق المسألة الشرقية، ففي عامي 1895-1896 أخمدت السلطات العثمانية نشاط التيار القومي الأرمني الذي كان يهدد أمن البلاد والعاصمة، مما أثار حملة دعائية أوروبية واسعة متعاطفة مع الأرمن ومعارضة للسلطان، ووصفت عبد الحميد بـ "السلطان الأحمر"، وكادت هذه الأزمة تؤدي إلى تحرك القوى الأوروبية للإطاحة بالسلطان، وفي النهاية كان مصير الدولة في خطر دون وجود حليف قوي إلى جانبها، بعد أن تخلت عنها كل من فرنسا وبريطانيا. في المقابل، كانت ألمانيا في طريقها للخروج من سياسة توازن القوى -التي أرساها أوتو فون بسمارك (Otto von Bismarck، 1815-1898) فيما عُرف بـ "الواقعية السياسية" (Realpolitik)- إلى سياسة كولونيالية تُعلن الإمبراطورية الموحدة قوة عالمية جديدة على كل المستويات، وهي السياسة التي قادها الإمبراطور الشاب فيلهلم الثاني، وعُرفت بـ "السياسة العالمية" (Weltpolitik). وكان كل من الإمبراطور والسلطان بحاجة إلى بعضهما، للانتقال ببلديهما إلى مرحلة جديدة ضمن سياق المسألة الشرقية، وهذا ما استدعى فكرة تحالف من نوع فريد بين الإمبراطوريتين، فكانت زيارة فيلهلم الثاني إلى إسطنبول والمشرق في 1898 إعلانًا عن هذا التحالف.

مراحل الزيارة وأبرز أحداثها

إسطنبول

وصل اليخت الإمبراطوري "هوهنزولرن" {{اليخت الإمبراطوري "هوهنزولرن": (Seiner Majestät Yacht Hohenzollern) اليخت الشخصي للإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني، أُطلق عام 1892، واستُخدم في رحلاته الرسمية، ومنها زيارته إلى الدولة العثمانية عام 1898. وقد كان جزءًا من سلسلة اليخوت الإمبراطورية التابعة لأسرة هوهنزولرن.}} إلى إسطنبول في الثامن عشر من تشرين الأول/ أكتوبر 1898، وعلى متنه الإمبراطور فيلهلم الثاني وزوجته الإمبراطورة أوغوستا فيكتوريا (Auguste Victoria، 1858-1921)، ويرافقه اليخت السلطاني "عز الدين" {{اليخت السلطاني "عز الدين": (İzzeddin) يخت بخاري عثماني استُخدم في الرحلات والمراسم الرسمية للسلاطين العثمانيين، ورافق اليخت الإمبراطوري الألماني "هوهنزولرن" عند وصول الإمبراطور فيلهلم الثاني إلى إسطنبول عام 1898.}}، ورسى أمام قصر دولمه باغجه (Dolmabahçe Sarayı)، حيث كان السلطان بانتظار الضيوف[1]، ومد السلطان يده لمساعد الإمبراطورة على النزول وقبَّلَ يدها، فتناولت صحف أوروبا هذه اللفتة التي كسر بها السلطان التقليد الإسلامي للترحيب بضيفته[2]، وانتقل الجميع بعدها إلى قصر يلدز (Yıldız Sarayı)، حيث مقر إقامة الضيفين في جناح أُقيم خصيصًا لهما، وكان السلطان قد أنفق على تصميمه وتأثيثه ببذخ. وكانت مدة إقامة الضيفين في العاصمة ستة أيام تنوعت أنشطتهما فيها؛ بين زيارات شملت المؤسسات الألمانية كالسفارة، والمدرسة، والمتاحف، ومعمل السجاد الجديد في منطقة هَرَكَة (Hereke) قرب إزميت، وزيارة الإمبراطورة للحريم السلطاني، وبين حفلات استقبال ودعوات عشاء مختلفة. إضافة إلى لقاءات ذات طابع سياسي جمعت الإمبراطور، والسلطان، وكبار مسؤولي البلدين، التي شارك في بعضها رجال أعمال ألمان أيضًا، واختتمت الزيارة في اليوم الأخير باحتفال بعيد ميلاد الإمبراطورة[3].

فلسطين ولبنان

وصل اليخت الإمبراطوري إلى ميناء حيفا ظُهر الخامس والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر، وتوجه الضيفان إلى جبل الكرمل، حيث زارا مدرسة الإرسالية الألمانية-الأمريكية، والتقيا بممثلين عن المستعمرة الألمانية، ثم عادا إلى اليخت الإمبراطوري، وتناولا العشاء مع مجموعة من المسؤولين العثمانيين، وقال لهم الإمبراطور: "إن جلالة السلطان الأعظم [عبد الحميد الثاني]، هو بمقام الوالد الحنون ولشدة حنوه نحوي، قد أعد لي من أسباب الراحة في سياحتي هذه ما لا أستطيع وصفه، وما كنت أظن أنه سيبلغ هذا الحد من الإتقان"[4]. وفي اليوم التالي، زار الضيفان القنصلية الألمانية، ودير الراهبات الكاثوليك، ودير الألمان البروتستانت، والمستشفى الألماني، ومدرسة البنات اليتامى الألمانية، ثم توجها إلى قيسارية في الطريق إلى يافا[5].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

بات فيلهلم وزوجته ليلة واحدة في يافا في فندق أوتيل دو بارك الذي أُعد لهما، ثم توجها صباح اليوم التالي إلى القدس، وفي الطريق إليها توقف الضيفان في الرملة وزارا الجامع الأبيض الذي يعود إلى العهد الأموي، وصعد الإمبراطور إلى منارته، ثم بات الضيوف في المخيم المخصص لهم في اللّطرون[6]. ووصل الزوجان إلى القدس في اليوم التالي، لكن الإمبراطور لم يدخل المدينة من بوابتها الرئيسة، وذلك تبعًا لتقليد إسلامي يسمح فقط لفاتح المدينة بدخولها عبر بوابتها الرئيسة على حصانه، ولذلك كان قد رُمم باب النبي داود حيث دخل الإمبراطور على ظهر حصان[7]. وهناك رواية مختلفة تقول: "عند باب الخليل نزلا من العربة، وسارا على الأقدام"[8]. وفي يومه الأول في القدس، زار الإمبراطور كنيسة القيامة، وكنيسة اللاتين، وكنيسة ماري يعقوب للأرمن، وكنيسة نصف الدنيا للروم الأرثوذوكس، ثم القنصلية الألمانية[9].

وفي اليوم الثاني توجه الزوجان إلى بيت لحم، وزارا كنيسة المهد، وفي طريق العودة زارت الإمبراطورة أحد المياتم، وبعد الظهر صعد الزوجان إلى جبل الزيتون، وزارا الدير الروسي هناك. وفي اليوم الثالث الموافق ليوم الاثنين 31 تشرين الأول/ أكتوبر الذي كان مقررًا للغرض الرسمي من زيارة القدس، وهو افتتاح كنيسة المخلّص اللوثرية حيث خطب الإمبراطور بالحاضرين. ولاحقًا توجه لزيارة مقام النبي داود والمكان المعروف بـ "عِلّيّة صهيون"، وهناك جرت مراسم التطويب الرسمي لأرض قريبة من المكان، أهداها السلطان لصديقه الإمبراطور الذي قرر أن يخصصها لبناء كنيسة كاثوليكية، وخطب الإمبراطور بالحاضرين أيضًا بهذه المناسبة ومما قاله: "إن ساكن الجنان السلطان عبد العزيز خان (1830-1876) أهدى المرحوم والدي قطعة الأرض المعروفة باسم الدباغة، وهي التي بُنيت فيها الكنيسة التي تمّ تدشينها في هذا الصباح. وأمّا عظمة صديقي السلطان عبد الحميد، فقد أهداني هذه الأرض التي وقفنا فيها الآن. فكما أننا بنينا في الأولى كنيسة للألمان الإنجيليين، فسنبني في الثانية إن شاء الله كنيسة للألمان الكاثوليكيين"[10]. وختم الكلام بقوله: "أنا، فيلهلم الثاني، إمبراطور ألمانيا وملك بروسيا أُعلن الآن أني آخذ هذه الأرض تحت حمايتي"[11].

وفي اليوم الرابع زار الضيفان جبل الزيتون وبعض الأماكن التي فيه للمرة الثانية. أما يومهما الخامس فكان مزدحمًا؛ إذ زار الإمبراطور والإمبراطورة الحرم الشريف، والمسجد الأقصى، وقبة الصخرة، وبعدها زارا المدرسة الألمانية للبنات والدير الألماني. وفي اليوم السادس، الموافق ليوم الجمعة الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر، غادر الضيفان مدينة القدس باتجاه حيفا، حيث ركبا اليخت الإمبراطوري باتجاه بيروت، وقد وصل اليخت إلى ميناء المدينة صباح اليوم التالي، لكنّ الضيفين لم ينزلا لزيارة المدينة إلا في اليوم الذي بعده، أي الأحد، حيث زارا المستشفى الألماني والمدرسة الألمانية وحرش بيروت[12].

دمشق

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

في يوم الاثنين، الموافق للسابع من تشرين الثاني/ نوفمبر، غادر فيلهلم الثاني وزوجته بيروت باتجاه دمشق، وركبا القطار المخصص لهما في هذه الرحلة. وبعد توقفهما في محطتين هما: "عاليه" و"زحلة"، وصل القطار إلى محطة البرامكة في دمشق، ليبدأ الجزء -الذي عدّه بعض الباحثين- أهم مرحلة في زيارة الإمبراطور إلى الدولة. ومرت عربات الضيفين في شوارع دمشق، حيث تجمّع الآلاف لتحيتهما بعبارة "الله يُنصر"، ثم وصلا إلى مقر إقامتهما في السرايا العسكرية التي جُددت لاستقبالهما. وينقل محمد شاكر باشا، مشير الأركان الحربية والياور الأكرم الذي كلفه السلطان بمرافقة ضيفه، أنّ الإمبراطور كان سعيدًا باستقبال الدمشقيين، وقال له إنّ على أهل برلين القدوم إلى دمشق ليتعلموا كيف يُستقبل الإمبراطور[13]. أما وزير خارجية الإمبراطور، فكتب في مذكراته عن انطباع الإمبراطور عندما وصل إلى دمشق: "كان لأول مرة يرى مدينة عربية، وساحات عربية مع نوافير، والأسواق العربية الساحرة، وسحر العمارة العربية وطريقة العيش العربية"[14].

وفي اليوم التالي توجه الإمبراطور والإمبراطورة لزيارة الجامع الأموي، حيث توقفا هناك عند ضريح صلاح الدين الأيوبي، وقدّما إكليلًا من الزهر معقودًا برباط حديدي نُقش عليه بالعربية: "ويلهلم الثاني قيصر ألمانيا وملك بروسيا، تذكار للبطل السلطان صلاح الدين الأيوبي". ثمّ توجه الزوجان لزيارة دار عبد الله بك العظم، وخلافا لمعظم الزيارات التي اتسمت بقصر مدتها، أمضى الإمبراطور والإمبراطورة ساعة في الدار يتأملان عمارتها وما تضمه من تُحف وأوان، وعندما توقفا أمام ثلاث منها بشكل خاص، خاطب صاحب الدار عبد الله بك العظم الإمبراطور وطلب منه "أن يتنازل ويأمر بأخذ ما شاء من هذه الأواني. فأجابه الإمبراطور للحال: إنما أتينا دارك لنزور لا لننهب. فأجابه صاحب الغرفة إذ ذاك جوابًا لطيفًا وهو: لا نَهب يا حضرة الإمبراطور؛ إذ نحن وأموالنا لمولانا أمير المؤمنين الذي حضرتك صديقٌ حميمٌ له، وحيث لا فرق بين الصديقين، فحضرتك إنما تأخذ مالَكَ. ولما تُرجم هذا الجواب اللطيف لحضرة الإمبراطور أُعجب به كثيرًا، لا سيما حضرة الإمبراطورة التي قالت إذ ذاك: لا بل نأخذ هذه الأواني الثلاث تذكارًا لزيارتنا هذه الدار، وكان الأمر كذلك"[15].

وبعد ذلك، أكمل الإمبراطور وزوجته جولتهما في دار جبران شامية التي سبق أن زارها والده وبات فيها ليلة قبل تسعة وعشرين عامًا، ثم واصل الإمبراطور جولته منفردًا راكبًا حصانًا متجهًا صوب المرجة لحضور عرض عسكري، وبعدها زار مقر إقامة والي سورية حسين ناظم باشا (1854-1927) زيارة شخصية، في حين كانت الإمبراطورة قد ذهبت إلى دُمّر. وفي المساء، أقيم حفل عشاء في دار البلدية احتفالًا بالضيفَين، حضره عدد من المسؤولين الحكوميين، إضافة إلى نخبة من وجهاء دمشق. وألقى خلاله كل من محمد علي الكزبري وسليم أيوب ثابت خطابَي ترحيب بالإمبراطور، فقد خطب الكزبري "مُرحبًا بهما بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن أهالي دمشق مُبينًا ما بين الدولتين من وثيق الودّ والولاء، مُظهرًا استمالة حضرة الإمبراطور لثلاث مئة مليون من المسلمين بتودده وولائه إلى مولانا أمير المؤمنين مُؤملًا توثيق عرى الوداد بين الأمتين العظيمتين العثمانية والألمانية"[16]. واللافت في هذا الخطاب هو اعتماد الإمبراطور عليه في خطبته التي ألقاها في الليلة نفسها، وتحديدًا في صياغة عبارة شهيرة[17] وردت في تلك الخطبة انتشرت إلى اليوم.

وهذا نص خطبة الإمبراطور:

"إنّ ما شاهدناه من الاحترامات والتعظيمات التي أقيمت لنا هنا، والمراسم الاحترامية التي أُعدّت لنا أثناء تجوّلنا داخل الممالك العثمانية التي مررنا بها وعلى الخصوص حين مواصلتنا لبلدة الشام الشهيرة، وما عاينّاه من القبول الشائق والاستقبال اللائق الذي كان ذلك كله شطرًا مما رأيناه من الاحترامات في الممالك العثمانية، استجلب ممنونيتنا جدًا. فلذلك أرى بأن التشكر عني وعن الإمبراطورة من الواجبات، فكما أني غدوت من هذه المراسم الاستقبالية التي جرت بأحسن صورة أتلذذ بها أحس به بأعماق قلبي من دواعي المسرة. وكذلك ’لما أفتكر‘ بأنّي موجود في بلد عاش بها من كان أعظم رجال عصره، وفريد دهره شجاعةً وبسالةً، من كان قدوة الشهامة، والذي كانت شهرته متجليّة في الآفاق، ألا وهو القهرمان الشهير صلاح الدين الأيوبي، أبتهج بالإحساسات الفؤادية. وبهذه الوسيلة، أرى من الضروري انتهاز الفرصة في بادئ كل أمر أن أبين بسرور لا مزيد عليه تشكراتي لحضرة صاحب الشوكة السلطان عبد الحميد خان الذي أفتخر بمحبّته الخالصة بحقّي وبآثار الاستحضارات الإكراميّة. وكونوا على ثقة بأنّ إمبراطور ألمانيا سيبقى مُحبًا لجناب السلطان الأعظم عبد الحميد خان وللثلاث مئة مليون من ’الإسلام‘ القاطنين في قطعات الأرض المختلفة المربوطين بجلالة السلطان الأعظم المُشار إليه برابطة الخلافة العظمى إلى الأبد"[18].

وفي اليوم التالي، وهو الأخير من الزيارة، صعد الإمبراطور والإمبراطورة إلى جبل قاسيون، ثم تجولت الإمبراطورة وحدها في دمشق. وفي يوم الخميس، الموافق للعاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر، غادر الزوجان دمشق لزيارة بعلبك وآثارها، ومن ثم عادا إلى بيروت ليقضيا فيها ليلتهما الأخيرة في المشرق، ويُنهيا رحلتهما هذه في اليوم التالي[19].

أهمية الزيارة

بالنسبة لألمانيا

كانت زيارة فيلهلم الثاني للدولة العثمانية زيارةً "دبلوماسية لكنها حملت رمزية خاصة وثقلًا استراتيجيًا"[20]، وكانت أيضًا استكمالًا لرؤية فيلهلم الثاني الخاصة المتعلقة بالعلاقات مع الدولة العثمانية، التي بدأت في الزيارة الأولى في عام 1889. وفي زيارته الثانية، وبعد تحرره من تأثير بسمارك، أصبح الإمبراطور قادرًا على إعلان سياسته الكولونيالية الجديدة، والسعي إلى ترسيخ مكانة ألمانيا بين القوى الكبرى في أوروبا، الأمر الذي عبر عنه وزير خارجية الإمبراطور بعبارة شهيرة تتحدث عن حجز "مكان تحت الشمس {{شعار سياسي ارتبط بالسياسة العالمية الألمانية في عهد الإمبراطور فيلهلم الثاني، عبّر عن سعي ألمانيا إلى الحصول على مكانة استعمارية وسياسية تضاهي مكانة القوى الأوروبية الكبرى، ولا سيما بريطانيا وفرنسا }}" (Platz an der Sonne). وفي إطار هذه السياسة، مثلت الدولة العثمانية المجال الأنسب لبداية تطبيقها؛ إذ كانت، إلى جانب كونها سوقًا كبيرة للصناعة الألمانية، إحدى الساحات الرئيسة التي تجري فيها المنافسة الأوروبية الشرسة في سياق المسألة الشرقية[21].

وخلال هذه الزيارة، بدأت إشارات تطبيق هذه السياسة بالظهور، فقد كسرت ألمانيا احتكار البريطانيين لتزويد الدولة العثمانية بخدمة التلغراف، وحصلت على امتياز خط تلغراف برلين-إسطنبول، وجرى خلال الزيارة وضع اللمسات الأخيرة على مشروع خط السكك الحديدية برلين-بغداد[22]، إضافة إلى مشاريع أخرى تتعلق بالإنارة الكهربائية وميناء حيدر باشا[23]. ومن ناحية أخرى، حقق الطابع الديني للزيارة غرضه ضمن سياسة فيلهلم الثاني؛ ففي فلسطين وجه إشارات عديدة انتقد فيها فرنسا، وتحدى مكانتها بوصفها حامية للمسيحيين الكاثوليك في الدولة العثمانية من خلال سياسته في التقرب من الألمان الكاثوليك ووضعهم تحت حمايته المباشرة. ولم يقتصر ذلك على التصريحات والخطب، تمثل ذلك في رمزية وعده بإنشاء كنيسة كاثوليكية ألمانية في الأرض التي منحه إياها السلطان. وكانت حيازة الأرض ذات دلالة سياسية خاصة؛ إذ كانت فرنسا تحاول منذ زمن الحصول عليها، لكن تدخل السلطان حسم الأمر لصالح صديقه الإمبراطور[24].

بالنسبة للدولة العثمانية

مثلت ألمانيا طوق نجاة للسلطان عبد الحميد في مواجهته المفتوحة مع روسيا وفرنسا وبريطانيا، واحتدام المسألة الشرقية، خاصة أنّ ألمانيا لم يكن لديها مطالب توسعية في أراضي الدولة. ولذلك بادر السلطان بمد يده لفيلهلم الثاني منذ أن تولى الأخير عرش الإمبراطورية، وبدأت العلاقة تزدهر إلى أن وصلت إلى ذروتها خلال الزيارة الثانية لتظهر وكأنها أبعد من مجرد تحالف، بل صداقة مبنية على تفاهم عميق. وبهذا كانت الزيارة "استعراضًا مميزًا وغير متوقع لدعمه" أي السلطان، خاصة أنّ فيلهلم الثاني هو الزعيم الأوروبي الوحيد الذي زار الدولة العثمانية حتى ذلك اليوم[25]. ومن أبرز مكاسب السلطان في هذه الزيارة هو الدعم الذي لقيه من فيلهلم الثاني لسياسته في مواجهة الغرب، المعروفة بـ "الجامعة الإسلامية"، فقد كانت رمزية زيارة الإمبراطور لضريح صلاح الدين في دمشق والخطاب الذي ألقاه بعد ذلك اعترافًا علنيًا بزعامة عبد الحميد للمسلمين عبر منصب الخليفة-السلطان، وهذا ما ينعكس بشكل مباشر على علاقة كل من بريطانيا وفرنسا مع السكان المسلمين في مستعمراتهم[26].

المراجع

العربية

"رحلة حضرة إمبراطور ألمانیا والإمبراطورة قرینته إلى الأستانة العلیة وفلسطین وسوریة"، ثمرات الفنون، العدد 1204 (31 تشرين الأول/ أكتوبر1898)، ص 1-4.

"زيارة حضرة الإمبراطور والإمبراطورة لمدينتنا بيروت"، ثمرات الفنون، العدد 1205 (26 تشرين الأول/ أكتوبر1898)، ص 1-5.

زينة (اسم مستعار)، "زيارة حضرة الإمبراطور والإمبراطورة لمدينة دمشق وعودهما إلى بيروت وسفرهما إلى جنوى «إيطاليا»"، ثمرات الفنون، العدد 1206 (14 تشرين الثاني/ نوفمبر 1898)، ص 1-5.

"أخبار محلية: رسائل صاحب امتياز الجريدة"، لسان الحال، العدد 2954 (29 تشرين الأول/ أكتوبر1898)، ص 1-2.

"رسائل صاحب امتياز الجريدة"، لسان الحال، العدد 2958 (04 تشرين الثاني/ نوفمبر1898)، ص 1-2.

"رسائل صاحب امتياز الجريدة"، لسان الحال، العدد 2960 (07 تشرين الثاني/ نوفمبر1898)، ص 1-2.

"رسائل صاحب امتياز الجريدة"، لسان الحال. العدد 2960 (07 تشرين الثاني/ نوفمبر1898)، ص 1-2.

الأجنبية

Georgeon, François. Sultan Abdülhamid. Ali Bcrktay (trans.). Istanbul: Homer Kiıabevi, 2006.

Ertan, İrfan. "The Orient Journey of Kaiser Wilhelm II (1898)." mater Thesis. Middle East Technical University. Ankara, 2018.

Karacagil, Ö. Kürşad. "Wlhelm II’s visit to the Ottoman Empire and the diary of his host Mehmed Shakir pasha (1898)." Journal of Turkology. vol. 24, no. 2 (2014), pp. 73-97.

[1] "رحلة حضرة إمبراطور ألمانیا والإمبراطورة قرینته إلى الأستانة العلیةَّ وفلسطین وسوریة"، ثمرات الفنون، السنة 25، العدد 1204 (31 تشرين الأول/ أكتوبر1898)، ص 1.

[2] İrfan Ertan, "The Orient Journey of Kaiser Wilhelm II (1898)," mater Thesis, Middle East Technical University, Ankara, 2018, p. 36.

[3] Ö. Kürşad Karacagil, "Wlhelm II’s visit to the Ottoman Empire and the diary of his host Mehmed Shakir pasha (1898)," Journal of Turkology, vol. 24, no. 2 (2014), p. 79.

[4] "رحلة حضرة إمبراطور ألمانیا"، ص 3.

[5] "أخبار محلية: رسائل صاحب امتياز الجريدة"، لسان الحال، السنة 21، العدد 2954 (29 تشرين الأول/ أكتوبر1898)، ص 1-2.

[6] Karacagil, p. 81.

[7] Ibid., p. 82; Ertan, p. 63.

[8] "رسائل صاحب امتياز الجريدة"، لسان الحال، السنة 21، العدد 2958 (04 تشرين الثاني/ نوفمبر1898)، ص 1-2.

[9] المرجع نفسه.

[10 "رسائل صاحب امتياز الجريدة"، لسان الحال، السنة 21، العدد 2960 (07 تشرين الثاني/ نوفمبر1898)، ص 1-2.

[11] Karacagil, p. 84; Ertan, pp. 72-74.

[12] "زيارة حضرة الإمبراطور والإمبراطورة لمدينتنا بيروت"، ثمرات الفنون، السنة 25، العدد 1205 (26 تشرين الأول/ أكتوبر1898)، ص 1-3؛ "رسائل صاحب امتياز الجريدة"، لسان الحال، السنة 21، العدد 2960 (07 تشرين الثاني/ نوفمبر1898)، ص 1-2.

[13] Karacagil, p. 88.

[14] Ertan, p. 78.

[15] زينة (اسم مستعار)، "زيارة حضرة الإمبراطور والإمبراطورة لمدينة دمشق وعودهما إلى بيروت وسفرهما إلى جنوى «إيطاليا»"، ثمرات الفنون، السنة 25، العدد 1206 (02 و14 تشرين الثاني/ نوفمبر 1898)، ص 2.

[16] المرجع نفسه. ص 3.

[17] بالرغم من وجود ترجمة لخطاب الإمبراطور نشرتها ثمرات الفنون، كما أشرنا آنفًا، فإن ترجمة مختلفة وردت واشتُهرت لجزء منه، تحديدًا عبارة يشير إلى نفسه فيها بأنّه "حامي الثلاث مئة مليون مسلم في العالم".

[18] المرجع نفسه.

[19] Karacagil, p. 90.

[20] François Georgeon, Sultan Abdülhamid, Ali Bcrktay (trans.) (Istanbul: Homer Kiıabevi, 2006), p. 394.

[21] Karacagil, pp. 76- 78.

[22] Ertan, p. 13.

[23] Georgeon, p. 395.

[24] Ertan, p. 66.

[25] Georgeon, pp. 392, 393.

[26] Ertan, pp. 81, 82.

المحتويات

الهوامش