الموجز
يمثل مصطلح "المقدس" أحد المصطلحات الأكثر حضورًا في الخطاب الديني قديمًا، وصار أحد المفاهيم الأكثر استخدامًا في دراسات الأديان والظواهر الدينية وفي أنثروبولوجيا الأديان منذ تبلور في أواخر القرن التاسع عشر إلى اليوم. المقدس اسم وصفة يُطلقان على مكونات كثيرة تنتسب إلى الحقل الديني: آلهة وأنبياء ورسل وأبطال وأمكنة وأزمنة ونصوص وخطابات وممارسات وأشياء، وهو مفهوم يصنف الأشياء والكائنات والأحوال وغيرها، فيميز فيها بين ما هو متعالٍ ومطلق وديني ومهيب ومنفصل وطاهر من جهة، وبين ما هو دنيوي وأرضي وعادي ومدنس ونجس من جهة أخرى. أما الظواهر المقدسة فمتعددة ومتنوعة ومختلفة تعدد الأديان وتنوعها واختلافها، والمقدس نواة مشتركة جامعة بين كل الأديان لأن الديني لا وجود له من دونه.
للمقدس تاريخ، إذ شهد عبر الأزمنة والعصور تحولات كانت صدًى وانعكاسًا لتحولات الأديان والوعي الديني من جهة، مثلما كانت أثرًا من آثار التحولات المعرفية والتاريخية من جهة أخرى. وإذا ظل المقدس، على امتداد تاريخ ثقافي طويل، مرتبطًا بالدين وبالظاهرة الدينية، فإنه شهد في العصر الحديث تعددًا لم يعد معه منحصرًا في المرجع الديني، بل عرف الإنسان مقدسًا غير ديني، مرتبطًا بمنظومات قيمية وأيديولوجية دنيوية. مع ظهور علم الأديان وتطور مقاربات العلوم الإنسانية للأديان وللظواهر الدينية، شهد مفهوم المقدس عناية متزايدة تجلت في الدراسات النظرية والتطبيقية الكثيرة المتعلقة به.
ساعد هذا المفهوم الكثير من الدارسين في محاولاتهم ضبط مفهوم جامع مانع للدين، واستخدموه، بوصفه مبدأ تحليليًا، استخدامًا وصفيًا وتصنيفيًا، أسهم في تطوير دراسات الأديان في مختلف اختصاصات العلوم الإنسانية وفي فهم تجليات كل من: الظاهرة والتجربة الدينيتين. وبوصفه مفهومًا تصنيفيًا، عُرّف صنف المقدس في مجمل الأعمال بالصنف الذي يقابله، فإذ هو يحيل على الدنيوي والمدنس، وهو يصف كل الأشياء والكائنات والظواهر التي تكتسب معنًى وقيمة رمزيين يتجاوزان معناها وقيمتها الحقيقيين، وتستمدها من الاعتقادات الدينية التي تؤسسها ومن صلتها بالإله أو المعبود الذي يمثل قطب المقدس ومحوره، أو من القيم أو المرجعية الأيديولوجية التي يدور حولها التقديس، كما هو الشأن في قيمة الحرية في الأيديولوجيا الليبرالية. للمقدس علاقة كذلك بالتجربة الإنسانية، فالتقديس حالة شعورية، والمقدس يكتسب قدسيته من مشاعر الرهبة والإجلال والتعظيم والتوقير والخوف والرعب والحب والعشق التي يثيرها في أنفس المؤمنين.
أسهم باحثون كثيرون من تخصصات العلوم الإنسانية وعلم الأديان في دراسات المقدس نظريًا، بضبط حدود المفهوم والتعريف به، وتطبيقيًا بدراسة ظواهر المقدس وتعابيره في مختلف الأديان والثقافات، وكان لمدرسة علم الاجتماع الفرنسية مع موس وهوبار ودوركهايم وتلاميذهم دور تأسيسي وأثر مهم في بلورة هذا المفهوم وفي استخدامه أداة تحليلية، من دون أن يقتصر البحث عليهم، فقد أسهمت أعمال رودولفو أوتو وميرسيا إلياد وميسلان وكايوا وغيرهم في تطوير دراسات المقدس، حتى شاعت دراسات المقدس في مختلف الثقافات وبمختلف اللغات، ومن ضمنها اللغة العربية ودراسات الإسلام، فقد استفاد الباحثون في هذا المجال من تعريب أعمال أولئك الرواد ومن توظيفها في دراساتهم.
مفهوم المقدّس
يُعد مفهوم المقدس (Sacred/sacré) من أهم مفاهيم
الحقل الديني، فهو أولًا مفهوم تصنيفي ينشئ تمييزًا أساسيًا وفصلًا بين ما هو دنيوي وما ينتمي إلى حياة الإنسان اليومية، أو بين ما هو "مدنس" من جهة، وما هو منفصل قائم في مجال ما فوق العادي وما وراء الطبيعي، أو بين ما هو من داخل دائرة الديني الاعتقادي سواء أتعلق بأشخاص، أم بأشياء، أم أماكن، أم أوقات ترتبط جميعها بعلاقات مع الإله ومع الإلهي، وتدور حوله باعتباره محور دائرة المقدس ومركزها. وهكذا ارتبط مصطلح "المقدس" ارتباطًا وثيقًا بمقابله (Profane) الذي استعمل له المترجمون والدارسون العرب المعاصرون تارة مصطلح "المدنس"[1] وتارة "الدنيوي"[2] وأخرى "العادي"[3]. ومثلما يرتب مفهوم المقدس أشياء الكون وموجوداته ويصنفها، فهو يصنف كذلك العلاقة بالزمن تُبنى من خلال التناوب بين الأنشطة اليومية العادية ولحظات القداسة بوصفها التقويم الضابط للشعائر والطقوس والاحتفالات الدينية على إيقاع دوري يومي أحيانًا، كالصلاة عند المسلمين، وعلى إيقاع فصلي أحيانًا، ويرتب العلاقة بالمكان حيث تدور أنشطة الإنسان الديني بين فضاءين: أحدهما "حرم" مسيج بالضوابط والمحرمات يتضمن النشاط الديني التعبدي، والآخر "حل" مفتوح ومتاح تدور فيه أنشطة الحياة اليومية.
ولذلك شاع في مجمل الدراسات تعريف المقدس من خلال تمييزه عن نقيضه المنفصل عنه، أي عن العادي أو الدنيوي، وارتبط الطرفان في بنية النظام الديني ارتباطًا جعل من الصعب تصور أحدهما من دون استحضار الآخر، فالمقدس يستدعي الدنيوي،
والحرم يستدعي
الحلّ، والحرام يستدعي الحلال، وهذه الثنائيات هي التي يتأسس عليها التمثل الديني للعالم وللوجود. ورغم التعارض الظاهر بينهما، فإنه يصعب تصور أحدهما منفصلًا عن الآخر، وهذا ما يعطي المقدس إحدى خصائص بنيته العامة وهي الازدواج، إذ هو منفصل عن نقيضه الدنيوي، ولكنه لا يُدرك إلا من خلاله، ولذلك هو متصل به في آن، بشرط أن يكون هذا الاتصال منظمًا ومقننًا تقنينًا صارمًا بواسطة
الطقوس والشعائر التي تؤدي وظيفة مزدوجة هي الأخرى تراوح بين الفصل والوصل بين العالمين في آن. وهذا ما يُستفاد من الأصل اللاتيني لمصطلح (profane) المشتق من الكلمة اللاتينية (profanus) وهي تسمية للساحة التي توجد أمام المعبد، والتي تفصل فصلًا مكانيًا قاطعًا بين المعبد، فضاء الآلهة ومجالهم، وبين الفضاء العادي الدنيوي حيث تدور أنشطة الإنسان اليومية[4].
المقدس من جهة أخرى مفهوم واصف، إذ المقدس صفة تكتسبها الأشياء والكائنات والأمكنة والأشخاص حتى
التمثلات منذ اللحظة التي تكف فيها عن أن تكون مجرد تلك الأشياء في ذاتها أو في وجودها المادي أو الذهني لتكتسب معنًى وقيمة رمزيين يتجاوزان معناها وقيمتها الحقيقيين[5]، وذلك عندما ترتبط بالمطلق والمتعالي والإلهي، فالصخرة تصبح قابلة لأن تُقدس في اللحظة التي تكف فيها عن كونها مجرد صخرة لتتحول إلى
نصب معبود أو
صنم[6]. وقد ميزت اللغة العربية في ما يُتخذ من الأحجار معبودات، فما كان منها على هيئة مشخصة سُمي صنمًا، وما كان منها حجرًا بلا هيئة سُمي نصبًا قد يُعبد وقد يُتخذ لذبح القرابين[7]، وفي الحالتين ينخرط في دائرة المقدس، وتكتسب الأشياء المقدسة قيمة عليا بفضل ما تحمل من دلالات رمزية تستمدها من الاعتقادات الدينية التي تؤسسها ومن صلتها بالإله أو المعبود الذي يمثل قطب المقدس ومحوره، وحوله تدور سائر المقدسات من أشياء وأمكنة وأزمنة وأشخاص وغير ذلك. ولهذا ارتبط المقدس بالرمز ارتباطًا وثيقًا يجعل فهمه غير متاح إلا بفهم ما يكتنفه من رموز وما يشير إليه من دلالات رمزية[8]، فضلًا عن أن تلك المقدسات تستمد قداستها من الدلالات الرمزية التي ترتبط بها وتحيل عليها.
والمقدّس هو أيضًا المنزه عن كل نقص أو خلل أو عيب والمطهر من كل رجس ونجاسة، وهذا المعنى حاضر حضورًا لافتًا في المصطلح الإسلامي، إذ وصف الله نفسه في وحيه بـ"القدوس"، فقال الأزهري: "لم يجئ في صفات الله تعالى غير القدوس، وهو الطاهر المنزه عن العيوب والنقائص"[9]. ويفيد فعل "التقديس" "تنزيه الله عز وجل". وفي
التهذيب: "القدس تنزيه الله تعالى، وهو المتقدس القدوس المقدس". وجاء في
لسان العرب أيضًا أن التقديس يفيد التبريك وأن المقدس هو المبارك "والتقديس: التطهير والتبريك. وتقدس أي تطهر. وفي التنزيل {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} (البقرة: 30). قال الزجاج: "معنى نقدس لك أي نطهر أنفسنا"[10].
المؤرخ والمفكر التونسي هشام جعيط
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
كذلك يفيد التقديس التحريم، والحديث الآخر "حرَّمتُ الظلم على نفسي" أي تقدست عنه وتعاليت[11]، وعلى هذا الأساس يُعتبر
هشام جعيط (1935-2021)، وهو يتحدث عن الإسلام وعن نبوة الرسول محمد ﷺ، أن "المقدس هو الله وما جاء منه" "والقرآن مقدّس" لأنه جاء من الله وأن "كل ما يمس الشخصية الإلهية يُعتبر قدسيًا في الثقافات السامية، وليس غيره أبدًا"[12].
ويفيد الفعل قدس التبجيل والتعظيم والرهبة، فالمقدس يكتسب قدسيته من المشاعر التي يثيرها في أنفس المؤمنين، سواء أكانت مشاعر رهبة ورعب أم كانت تبجيلًا وتوقيرًا وتعظيمًا، أم كانت حبًا وعشقًا. وعمومًا، عُد المقدس مقدسًا بفضل ما له من قدرة خارقة على إثارة المشاعر القصوى المتناقضة، ذلك أنه يستمد من هذه المشاعر القصوى المتناقضة التي يثيرها في النفس قداسته، والمؤمن إذ يقدس إلهه فإنه يتعامل معه على أساس أنه الرمز الذي تجتمع فيه صفات الكمال، ولذلك يرى
ميشيل ميسلان (Michel Meslin، 1926-2010) أن التقديس حالة انفعالية وعاطفة تربط بين الإنسان والإله والإلهي وما يُعتقد فيه، ولذلك يحتاج تعريفه إلى الانطلاق من التجربة الإنسانية، إذ هي التي تجلي المقدس لأن هذه التجربة تُعاش ويُتعرف إليها "بواسطة منظومات تعبير نظرية وتصورية وطقوسية شعائرية أو رمزية، وهي كلها، من حيث طبيعتها، لغات إنسانية"[13].
وشعور التقديس الذي يصدر عن المؤمن تجاه ما يقدس أو من يقدس، يتجسد في أقوال هي صلوات وتراتيل وابتهالات وأدعية وأناشيد، وفي أفعال هي طقوس وشعائر وفرائض على هيئة
الحج والصلاة والأضحية والقرابين والاحتفالات الدينية. ولذلك يؤكد ميسلان أن "الإنسان وحده دون غيره هو مقياس قدسية الكائنات والأشياء، وهو صانع قدسيتها الممكنة، ذلك أن المقدس والدنيوي لا يوجدان بذاتهما وإنما بالنظر إلى وعي الإنسان، وعبر وساطة المقدس يدخل الإنسان في علاقة مع ذلك "الآخر المقدس""[14]. وقد اعتبُرت
الطقوس والشعائر إجراءات تنظم الذهاب والإياب بين عالمي الدنيوي والمقدس وتسهل على المؤمن الدخول في علاقة مباشرة معه[15].
ويتراوح هذا المقدس بين المرئي المتجسد في الأشياء والكائنات، واللامرئي المتعالي والمطلق والمجرد الذي يتجلى من خلال أثره، فالمسلم -على سبيل المثال- يؤمن بأن الله مقدس وأنه هو "القدوس" كما يصف نفسه في وحيه، وهو متعالٍ ومنزه عن التجسيد، كذلك يؤمن بأن الله يُدرك من خلال رسائله إلى المؤمنين ووحيه المبلغ عبر رسله، ومن خلال تجليه في الكون بوساطة أثره فيه، في الطبيعة وقواها البناءة والهدامة في آن، وفي نظام الكون الدقيق وما فيه من جمال واتساق، ومن خير وهيبة وقوة، وبما يضفيه على الكون من بركة. ويتجلى أيضًا وتظهر آثاره من خلال فعله في حياة الأفراد، فالمؤمن يعتقد بأن كل ما يعرض له في الحياة هو أثر لما اختاره الله وقدره له، لذلك يحرص على أن يفوز برضاه وعلى أن يتجنب غضبه ونقمته. وهذا الحرص على استرضاء الإله وعلى احترام المقدس لا يخص دينًا دون غيره، بل هو من المشترك الإنساني بين عموم الأديان[16].
وقد ارتبط المقدس خاصة بالمتعالي واللامرئي في الأديان السماوية الكبرى، من دون أن ينفي ذلك أن البشرية عرفت عبر تاريخها أشكالًا متعددة من المقدس، ولا سيما في الأديان التي لا تقوم على مبدأ الألوهية ولا آلهة فيها،
كالبوذية والكثير من
الأديان الأفريقية{{الأديان الأفريقية: مجموع المعتقدات والممارسات الروحية التقليدية التي نشأت وتطورت داخل القارة الأفريقية قبل انتشار الديانات التوحيدية الكبرى وبعد انتشارها. تقوم على الإيمان بوجود قوة عليا خالقة، إلى جانب أرواح الأسلاف والكائنات الروحية التي تتدخل في حياة الإنسان، كذلك تعتمد على الطقوس الشفوية، والرموز، والشعائر الجماعية.}}[17]، فقد قدست الأحجار والأشجار والحيوان والكواكب والنجوم والأنهار، وقدست أشخاصًا من الأجداد ومن الملوك ورفعتهم إلى مستوى الألوهية. وقد بقيت آثار هذه المعتقدات قائمة لدى كثير من الجماعات البشرية كما هو الشأن في الأديان الأفريقية القائمة على تقديس الأسلاف والملوك، أو في الأديان
الطوطمية التي تقدس ما ترى فيه رمزًا لسلفها ولأصلها، وحتى في هذه الحالات التي يكون فيها المقدس متجسدًا فإن المؤمنين يتمثلونه منفصلًا ومتعاليًا على عالمهم[18]، وهم يحتاجون إلى جملة من الاحتياطات إذا أرادوا التواصل معه والتقرب إليه، إذ لا يمكن التواصل مع المقدس إلا بأخذ الاحتياطات اللازمة، وهذه هي وظيفة
الطقوس عامة، وطقوس التلقين بصفة خاصة، وقد ميز
روجيه كايوا (Roger Caillois، 1913-1978)[19] في المنظومة الطقسية ذات الصلة بالمقدس بين صنفين: طقوس تضمن الذهاب والإياب بين العالمين: المقدس والدنيوي، وبين الإلهي المتعالي والإنسي الأرضي، ويُطلق عليها أيضًا طقوس الدخول والخروج، وطقوس التقديس، وتضمن التواصل مع عالم المقدس والدخول فيه، وطقوس إبطال التقديس وتضمن الخروج من عالم المقدس والعودة إلى عالم الدنيوي[20]، وطقوس تضمن الفصل والانفصال بينهما وتحرسه وتمنع ما قد يحصل من فوضى لو اهتزت الحدود بينهما[21].
وهذا ما يُلاحظ بيسر بشأن المكان والزمان المقدسين، فالمكان المقدس هو ذاك الذي يرتبط بالإله وبالمتعالي فيكتسب من ارتباطه ذاك خصائص تجعله "حرمًا" منفصلًا عن المكان الدنيوي "الحلّ" انفصالًا قاطعًا تحرسه طقوس وقوانين. جاء في
لسان العرب: "والحريم: ما حُرم فلم يُمس. والحريم: ما كان المحرمون يلقونه من ثياب فلا يلبسونه" ذلك أن المقدس والدنيوي يرتبطان بثنائية أخرى هي
الطاهر والنجس. وفصل فضاء الحرم عن فضاء الحل ضروري لضمان منع تسرب النجاسة إلى الحرم، ولذلك أيضًا يُحرِم الحاج، ومن شروط إحرامه طهارة اللباس الذي كان يرتديه في فضاء الحل ولا يدخل به الحرم. جاء في
لسان العرب: "الأزهري: الحريم الذي حرُم مسه فلا يُدنى منه، وكانت العرب في الجاهلية إذا حجت البيت تخلع ثيابها التي عليها إذا دخلوا الحرم ولم يلبسوها ما داموا في الحرم"، ويضيف "كان أشراف العرب الذي يتحمسون على دينهم أي يتشددون إذا حج أحدهم لم يأكل إلا طعام رجل من الحرم، ولم يطف إلا في ثيابه فكان لكل رجل من أشرافهم رجل من قريش، فيكون كل واحد منهما حِرْمِيَّ صاحبه"[22]. وفي الاعتقاد الإسلامي عامة يمثل الحرم المكي والحرم النبوي وبيت المقدس ومسجدها الأقصى "ثالث الحرمين الشريفين" أماكن مقدسة لا يجوز انتهاك حرمتها ولا تدنيسها بأي شكل من الأشكال، كذلك تُعد المساجد والجوامع أماكن مطهرة. ولكل دين مكانه المقدس، وهو المكان الذي يحتضن عادة الطقوس والشعائر، أو المكان الذي يعتقد المؤمن أن القدسي والإلهي يتجلى فيه كما هو شأن المعابد أو بيوت الآلهة. أما الزمان فإنه خاضع هو الآخر لهذا التقسيم بين المقدس والدنيوي أو العادي، وزمن الطقوس والشعائر أو الفرائض الدينية هو في نظر المؤمن زمن مقدس يتمتع بحرمة، وعلى هذا الأساس يميز التصور الإسلامي بين زمن مقدس هو الأشهر الحرم وزمن عادي هو سائر الأشهر.
تفسر التصورات الكامنة وراء الربط بين التقديس والتحريم مبدأ الفصل الذي يؤسس العلاقة بين المقدس والدنيوي، ويفسر أيضًا الكثير من مظاهر السلوك الديني، والعديد من الأحكام التشريعية ذات المرجعية الدينية[23].
دراساته بين اللاهوت والأنثروبولوجيا
غلاف كتاب فكرة القدسي لرودلف أوتو مترجمًا إلى العربية.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ينبع التصور اللاهوتي للمقدس والموقف منه من مرجعية عقائدية إيمانية، ويمثل كتاب الفيلسوف واللاهوتي
رودولف أوتو (Rudolf Otto، 1869-1937) أنموذجًا معبرًا عن هذا التصور وعن تلك المرجعية، وقد هدف في كتابه
فكرة القدسي إلى تفصيل القول في بيان الأحاسيس التي تهيئ الإنسان إلى تقبل الوازع الديني، وفي سبر أعماق التجربة التي يخوضها الإنسان مع المقدس باعتبار أن حضور "الأمر القدسي" وهو الجوهر الذي يوحد بين جميع الأديان. القدسي يتجلى في نظر أوتو أساسًا في التجربة الدينية الممتنعة عن المقاربة العقلانية، في ما يسميه "الحس الألوهي" و"السر الرهيب"[24]، الذي يُحدس حدسًا وتمتلئ به النفس بواسطة "الكشف". ولا يعني احتجاب المقدس والإله عن العقل والحواس واستعصاؤه على الإدراك المفهومي أنه مجهول أو غير موجود، بل يُدرك بوصفه خبرة تتجاوز الفهم العقلاني، فهو يتجلى في مشاعر دينية قصوى تجمع بين الرهبة والجذب، أي بين الخوف والانبهار في آن واحد. وهذه الخبرة لا تثيرها إلا قوة مطلقة متعالية وحاضرة حضورًا كليًا، يصفها رودولف أوتو بـ"الآخر المطلق" أو "الآخر الكلي التمايز".
من الواضح أن رودلف أوتو، الذي استحضر شواهد وأدلة من أديان كثيرة وخاصة من
الكتاب المقدس بتوراته وأناجيله، ومن تجارب دينية متعددة المرجعيات، لم يكن له من الموضوعية الضرورية ولا من المعرفة الكافية بالقرآن وبالتجربة النبوية الإسلامية في تلقي الوحي ولا بتجارب أقطاب التصوف الإسلامي ما يخوله الالتفات إليها ليجد فيها مصداقًا لأطروحته ولما تشمله من تصورات حول المقدس والإلهي والتجربة الدينية، فالقرآن يقدم عن "القدوس" الصورة نفسها تقريبًا، فهو الحاضر حضورًا مطلقًا في الزمان وفي المكان، وهو متعالٍ ومجرد وممتنع عن الإدراك الحسي، لكن المؤمن يجده أينما ولى وجهه، ويملأ وجودُه كيانَه فيشعر به إذ "الله في القرآن متعالٍ جدًا لا يمكن تصوره، لكنه خلافًا
للبراهما الكسول أو
للإله الغنوصي{{الإله الغنوصي: هو تصور للإله في التيارات الغنوصية القديمة (Gnosticism)، يقوم على فكرة أن الإله الحقيقي متعالٍ، غير قابل للإدراك الحسي أو العقلي المباشر، ومختلف جذريًا عن العالم المادي. في هذا التصور، يُميز بين الإله الأعلى الخيّر والخفي وبين خالق العالم المادي الذي يُنظر إليه غالبًا بوصفه إلهًا أدنى أو جاهلًا، مسؤولًا عن خلق عالم ناقص أو شرير.}}، هو إله نشط في شؤون العالم والإنسان؛ إنه بعيد جدًا وقريب جدًا"[25]، وهو يثير في المؤمن أقصى مشاعر الرعب خوفًا من غضبه ونقمته، وأقصى مشاعر الانجذاب إليه والتعلق به والشوق إليه والتهيب منه. والهيبة مفهوم صوفي يُعرف بكونه "أثر مشاهدة جلال الله في القلب" وكذلك الرهبة، وهي عند المتصوفة مستويات، "رهبة الظاهر في تحقق الوعيد، ورهبة الباطن لتقليب العلم، ورهبة لتحقق أمر السبق"[26]، ولأهل التصوف من المصطلحات ما يُشار به إلى هذه المشاعر القصوى التي يعيشها المؤمن في حضور القدسي كالسحق، وهو "ذهاب تركيبتك تحت القهر" والمحق وهو "فناؤك في عينه" والحلول ويعني حلول ذات العاشق في ذات المعشوق، وكذلك الاتحاد المرتبط بمبدأ وحدة الوجود[27]. أما تجربة الرسول محمد ﷺ مع الوحي، فإنها تمثل شاهدًا على الخصائص التي وصف بها رودلف أوتو التجربة الإنسانية مع المقدس، وهذا ما التقطه هشام جعيط في مؤلفه
في السيرة النبوية، في الجزء الأول منه خاصة، وهو يصف تلك التجربة النبوية في تلقي الوحي وفي التواصل مع المقدس ويشير في الأثناء إلى التمثيل القرآني لله والتمثل الإسلامي للإلهي[28]. وتُعتبر الكثير من الدراسات العربية وغير العربية حول التصوف وأقطاب المتصوفة المسلمين نماذج للمقاربة اللاهوتية للمقدس ولتجربته[29].
غلاف كتاب في السيرة النبوية لهشام جعيط
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أما في الدراسات التي افتتحها
علم الأديان منذ مطلع القرن العشرين، فإن الاهتمام بمفهوم المقدس يكاد يخترق كل الدراسات حول الدين سواء أكانت تاريخية أم سوسيولوجية أم فلسفية، وكان من نتائج هذا الاهتمام التأكد من أن المقدس مفهوم ديني أنثروبولوجي لا تكاد تخلو منه ثقافة، وإن تنوعت المصطلحات المعبرة عنه، فقد تبلور في سياق السعي إلى تعريف الدين والظواهر الدينية وإلى الكشف عما يميز الدين عن سائر ظواهر الاعتقاد كالسحر والأسطورة، وقد انتهى هذا السعي إلى أن "المقدس" هو جوهر الدين وهو محور الارتكاز الذي يميزه عن غيره مما قد يلتبس به والذي يجعله منظومة قائمة الذات.
ولم يلبث مصطلح المقدس أن تحول بعد عمل الوصف والتحديد والتعريف إلى مفهوم وآلية تحليلية تُستخدم في مختلف التخصصات الإنسانية ذات الصلة بعلم الأديان في تحليل الظواهر الدينية وفي تصنيفها وتمييزها عن غيرها من الظواهر الشبيهة والقريبة، وذلك ما يوجد في مؤلف كل من:
هنري هوبار (Hubert Henri، 1872-1927) ومارسال وموس (Mauss Marcel، 1872-1950) حول
السحر[30] الصادر في طبعة أولى سنة 1904. وفيه بَحَثا عما يمكنهما من ضبط الظواهر السحرية وتحليلها وتمييزها عن سائر ظواهر الاعتقاد، فكان أن اعتبرا مفهوم المانا (mana)عند
شعوب الماوري{{شعوب الماوري: (Māori) هم السكان الأصليون لنيوزيلندا، وينتمون إلى المجموعات البولينيزية في المحيط الهادئ.}} هو المفهوم الأساسي الذي يقرب من مفهوم المقدس ودلالته على هذه القوة السرية والخفية التي عبرت عنها لغات وثقافات مختلفة بألفاظ مشتركة الدلالة على ذلك المعنى على نحو ما يظهر في الجدول التالي:
[الجدول 1]
مصطلحات القوة المقدسة في سياقات لغوية وثقافية مختلفة
<
المقدس The sacred Le Sacré
| المصطلح | السياقات اللغوية والدينية |
| Mana | لغة الميلانيزيين (Mélanésiens) |
wakan | لغة السيو (Sioux) |
Orenda | لغة الإيروكوازيين (Iroquois) |
tapu/taboo | اللغة البولينيزية |
brāhman | لغة الهند الفيدية |
البركة | اللغة العربية (مصطلح رائج في التصوف الشعبي) |
تشترك هذه المصطلحات على تنوع لغاتها وسياقاتها الدينية والثقافية في التعبير عن مفهوم القداسة بدلالته المزدوجة على الفصل (إذ المقدس منفصل تمامًا عن الدنيوي) وعلى الحظر (إذ يُحظر انتهاك المقدس)[31]. أما لفظ "البركة" في العربية، المستعمل خاصة في التراث الصوفي في بلدان المغرب العربي، فإنه يفيد تلك القوة المطلوبة والمرهوبة في آن، والتي يتمتع بها
الأولياء والصُّلّاح وتجعلهم أشخاصًا قادرين على التعامل المباشر مع المقدس[32].
غلاف كتاب هنري هوبار ومارسال وموس حول السحر باللغة الفرنسية.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
بعد عمل موس وهوبار، جاءت أعمال
إيميل دوركهايم (Emile Durkhiem، 1858-1917)، سواء في مقالاته المنشورة في مجلة الحولية السوسيولوجية (L’Année Sociologique) التي أسسها سنة 1897، أو في عموم منشوراته، وتُعد مرآة تعكس جانبًا مهمًا من تاريخ تشكل هذا المفهوم ونقيضه (المقدس/ الدنيوي)، أو في كتابه
الأشكال الأولية للحياة الدينية الصادر في طبعته الأولى سنة 1912، الذي يُعد دراسة شاملة للمقدس، مفهومًا وظاهرة، من خلال أنموذج تطبيقي هو الأديان الأسترالية الطوطمية.
والمقدس عند دوركهايم، هو أولًا مبدأ غير قابل للتعيين والتشخيص، شائع في العالم حيث لا دين بلا مقدس، أما الأشياء المقدسة فهي تلك التي "تحميها المحرمات وتفصلها فصلًا قاطعًا عن أشياء أخرى "دنيوية" لا تكتنفها المحرمات، يجب أن تظل بعيدة ومنفصلة عن الأشياء المقدسة المتصلة بالإلهي، التي تستمد دلالاتها الرمزية من أصول دينية تنتمي إليها. وقد يُستفاد من مؤلفات دوركهايم أن مفهوم المقدس شهد تطورًا، إذ بدأ عنده دالًا على المحظور أو على ما تحيط به المحظورات، وهو ما يجعله قريبًا من مفهوم
الطابو (taboo) من دون أن يعني ذلك أنه متصل بالإلهي أو مكرس له، ذلك أن مبدأ التكريس للإلهي الذي عده هوبار إحدى الخصائص المحددة للمقدس، هو في نظر دوركهايم مبدأ متأخر تشكل في سياق الأديان المتأخرة الأكثر تطورًا والقائمة على الروحانيات[33]. ويؤكد دوركهايم أن المقدس حقيقة متعالية يمكن أن يدخل معها الإنسان في تجربة، هي التجربة الدينية أو تجربة المقدس، وهي تجربة خاصة وحميمية وانفعالية تثير في من يعيشها أقصى الانفعالات وأشدها تناقضًا، حتى إنها تتحكم في الإنسان وتوجهه. وفي هذا المستوى، وجد دوركهايم ما يثبت رؤيته إلى وظيفة الدين الاجتماعية عندما اعتبر هذه القوة التي يمارسها المقدس على الإنسان تمثلًا رمزيًا يستبطنه المؤمن داخليًا لسلطة المجتمع، فتجعله فردًا مندمجًا فيه ويتقبل تلقائيًا ما يفرضه عليه وهو يعتقد أنها سلطة خارجية متعالية، متأتية من فاعل خارجي هو الطوطم أو الإله، وبذلك أكد دوركهايم أهمية وظيفة الدمج الاجتماعي التي ينهض بها الدين.
غلاف كتاب الأشكال الأولية للحياة الدينية مترجمًا إلى العربية
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ولكن دوركهايم ورودلف أوتو ليسا وحدهما من اعتبر المقدس تجربة انفعالية قصوى يعيشها المؤمن، بل إن هذا التصور مشترك بين عديد الدارسين، من بينهم
فراس السواح{{فراس السواح: باحث ومؤرخ سوري في الأساطير وتاريخ الأديان القديمة. اشتهر بدراساته المقارنة في الميثولوجيا الشرق أوسطية، ولا سيما الأساطير السورية والرافدية، وبمحاولاته تفسير الظاهرة الدينية في ضوء الأنثروبولوجيا وتاريخ الأديان. من أبرز أعماله
مغامرة العقل الأولى، والأسطورة والمعنى.}}، فقد اختار أن يفتتح كتابه
دين الإنسان بالحديث عن تجربته الخاصة مع المقدس فوصفها وختم وصفه بقوله: "كانت تجربة ساحقة ومفرحة في آن، ساحقة لأنها تغمرك دون إرادة منك أو استدعاء لها، لتذهب بأناك العزيزة وتمحو حدودها لدقائق تبدو دهرًا، ومفرحة لأنك إذا داهمتك فلن تشعر بالوحشة وبالوحدة بعدها أبدًا"[34].
ولميرسيا إلياد (Mircea Eliade، 1907- 1986) تصور ظاهراتي للمقدس، فهو باعتباره ظاهرة، يمكن أن يتخذ أشكالًا متنوعة[35] تشمل العناصر الطبيعية المتطرفة من الانفجارات البركانية والزلازل والطوفان والخسوف، وقد يتخذ شكل عنصر عادي من أحجار أو أشجار ونباتات أو حيوان، أو شكل شخصيات أسطورية خيالية أو حقيقية، ويشمل المقدس الطقوس والقرابين والأضاحي كذلك يشمل كتبًا ونصوصًا وأماكن وأزمنة ورموزًا يجمع بينها جميعا كونها منفصلة عن الدنيوي. ومن الواضح أن سعة معرفة إلياد بتاريخ الأديان عبر العالم كما تظهر من خلال عموم مؤلفاته، قد خولته التعرف إلى مختلف الأشكال التي يتجلى فيها المقدس وتنوعه عبر الزمان وعبر الثقافات[36]. أما ما يجمع بين كل هذه المظاهر والتجليات فهو الوعي الإنساني بالمقدس، إذ يرى إلياد أن المقدس يمثل بنية جوهرية للوعي[37]، ولهذا يظهر في العالم الفكري للذين يتلقونه، وهو ما استخدم له مصطلح (hierophany\ hiérophanie) الذي يعني تمظهر المقدس في الدنيوي[38]. يقول: "بالرغم أن المقدس مختلف نوعيًا عن المدنس فإنه قد يظهر في عالم المدنس في أي وقت وأي حال وذلك لقدرته على تحويل أي شيء طبيعي داخل مفارقة عن طريق التجليات"[39].
غلاف كتاب دين الإنسان لفراس السواح
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
آل البحث الأنثروبولوجي في المقدس وفي تجلياته إلى صياغة مفهوم المقدس باعتباره آلية تحليلية استخدمها الباحثون في تحليلهم الظواهر الدينية وفي تمييزها عن غيرها من الظواهر الحافة التي قد تلتبس بها، مثل: الظواهر السحرية والاعتقادات الأسطورية، وبوصفه معيارًا تصنيفيًا يُستخدم في تصنيف الأشياء في العالم والأعمال والمكان والزمان وغيرها إلى ما له صلة بالديني وداخل في دائرته ومنتمٍ إلى الحقل الديني، وما يدخل في دائرة الدنيوي ومجاله، وهو في الآن ذاته ما يميز بين المطلق والعرضي، وبين الطاهر والنجس والحلال والحرام. هذه الثنائيات التي تتفرع عن المقدس تُعد تجليًا من تجلياته.
في العالم العربي، اهتم بعض الدارسين بالمقدس، مفهومًا وظاهرة. وتُعد أعمال فراس السواح بصفة عامة من أبرز الأعمال العربية في هذا المجال، ذلك أنه سعى إلى ضبط مفهوم المقدس في السياق نفسه، وهو سياق العمل على ضبط مفهوم الدين، وخص هذا المفهوم بعناية تنظيرية في مقدمات مؤلفاته عامة، أما الإضافة الأكثر أهمية فهي تطبيقية خاصة، إذ تمثل مجمل أعماله دراسات تطبيقية تتبع تجليات المقدس في كثير من الأديان والثقافات. ويُلاحظ أن الأعمال التي اعتنت بالمفهوم لم تختلف في ما وصلت إليه من نتائج عن تلك التي انتهت إليها الدراسات الغربية، فهناك تأكيد أن المقدس يُعرف بنقيضه الدنيوي والعادي، وأنه يقترن "بالمتعالي والعلي والمفارق السامي الطاهر المبارك الذي يحظى بالاحترام والتبجيل بإطلاق ولذلك لا يجوز خرقه أو هتكه أو تدنيسه أو الاعتداء عليه بأي شكل من الأشكال"[40]. ولئن جاء الكلام النظري في تعريف المقدس عربيًا مطابقًا تقريبًا لما جاء في الدراسات الأنثروبولوجية الغربية، فإن الاختلاف ظهر في مستوى التمثيل، إذ يميل الباحث العربي إلى تقديم الأمثلة والأدلة الإجرائية من داخل المرجعية الإسلامية، سواء بالرجوع إلى المعجمات العربية التي تكشف جانبًا من تصورات العرب بشأن المقدس، أو بالعودة إلى مصادر دينية إسلامية تسهم في تعيين المقدس الإسلامي، ففهمي جدعان (1940- ) -على سبيل المثال- بعد أن عرّف المقدس نظريًا أضاف: "وفي الإيمان الإسلامي -الذي هو موضوع القول هنا- يدخل في باب المقدس الموجود الأول الله، السامي الجليل العلي أو المفارق [...]"، ويستعرض مظاهر من المقدسات الإسلامية أشخاصًا ونصوصًا وأمكنة وأزمنة[41]. هذا من جانب، ومن جانب آخر كثيرًا ما استخدم الكتاب العرب مفهوم المقدس والتقديس في سياق نقد التاريخ الإسلامي وتجاربه[42]، والتراث وخطاباته[43].
وفي كلا المجالين، اعتُبر التقديس آلية تُستخدم لإضفاء المشروعية على وقائع أو أشخاص أو خطابات وللرفع من المكانة بما يحول دون الإخضاع للنقد والمساءلة، وهذا هو الاستخدام الغالب على مؤلفات
علي مبروك (1961-2016)، إذ ينطلق من تأكيد بعض خاصيات المقدس كما جاءت في الدراسات الأنثروبولوجية، ومن بينها أنها خاصية "مكتسبة" وأن المقدس ممنوع من الانتهاك والخرق، لكي يثبت أن السلطة السياسية استخدمت المقدس حتى تستأثر بالحكم أو حتى تثبت سلطانها وشرعيتها، وتمنع نفسها من النقد والانتهاك، مثلما استخدم الخطاب المهيمن في التراث الإسلامي ثنائية التقديس والتدنيس آليتين من أجل أن يثبت هيمنته ويمنع نفسه من أن يُنقد أو يُنتهك من جهة وأن يُخضع الخطاب المخالف من جهة ثانية عن طريق تدنيسه وشرعنة انتهاكه، فهو يؤكد أن القداسة ليست من طبيعة المقدس ولا هي خاصية جوهرية فيه، بل هي "من وضع الثقافة في الأغلب"، ويستشهد بدوركهايم في قوله: "القداسة لا تكون كامنة في الأشياء نفسها بقدر ما تُضفى وتخُلع عليها"[44]. وهو وإن كان يشارك دوركهايم هذا الموقف ويشاركه الرأي القائل بأن الديني هو أساس المقدس، يخالفه جزئيًا، ويعتبر أن المقدس يتجاوز ذلك الأساس الديني إلى اعتباره نتاج ممارسة أنثروبولوجية قد يكون الديني أحد أهم عناصرها، ولكنه ليس العنصر الأوحد فيها البتة، إذ "الحق أن عناصر شتى يتشابك فيها النفسي والاجتماعي والتاريخي والسياسي، إضافة إلى الديني بالطبع، تتضافر معًا في إنتاج هذه الممارسة على نحو يجعلها ممارسة ثقافية بالمعنى الأتم"[45]. وبناء على هذا، يميز علي مبروك بين ضربين من القداسة تكون في أحدهما "هبوطًا من الأعلى" إذ يضفي المقدس المتعالي قداسته على كتبه ووصاياه ليهب لها دوام الحضور وأبدية البقاء، في حين تكون في الآخر "صعودًا من الأدنى" حيث "يخلعها التقديس -ممارسة داخل الثقافة- على ضروب من الأفكار والأشخاص ليفك روابطها مع التاريخ حتى تسكن خارجه بسكون وثبات يستعصيان على أي تجاوز أو انكسار"[46]، وهذه هي "الأقنعة" التي يريد الكاتب خلعها عن الأفكار والأشخاص حتى يعيد وصلها بالتاريخ والتاريخي.
خصائصه
الكونية
يتفق معظم الذين اعتنوا بمفهوم المقدس على أنه مفهوم كوني لا يخلو منه دين ولا تخلو منه ثقافة، فالمقدس بوصفه جوهرًا مطلقًا لا يوجد من دونه دين، بصرف النظر عن نوعية ذلك الدين وعن طبيعته. والمقدس أيضًا واحد من جهة مبدأ وجوده وإن تعددت تجلياته وأشكاله وضروبه، فما ذلك التعدد "سوى أحوال للمقدس في لحظة محددة من تاريخه المعيش من جانب البشر"[47]. وقد تعود مركزية مبدأ المقدس في الأديان إلى مركزيته في البنية النفسية للاعتقاد، ومنها بنية الإنسان المؤمن النفسية، لذلك تظهر كونية المقدس أيضًا في تشابه السلوك الديني للإنسان المؤمن. وتُعد موسوعات الأديان المرجع الأنسب للتعرف على تجليات المقدس في مختلف الأديان في مختلف الأزمنة والأمكنة[48].
البنية الثنائية: جدلية المقدس والدنيوي
تظهر هذه البنية الثنائية في مستوى المصطلح أولًا، فمن الناحية الاشتقاقية يعود لفظ (sacré) الفرنسي ولفظ (sacred) الإنكليزي، الذي ترجمه أغلب الباحثين العرب بلفظ المقدس، إلى الجذر (sakr) في
اللغة السنسكريتية، وهو يمثل أصلًا نحو أربعين كلمة من بينها النعت اللاتيني (sacer) ويشير في الآن نفسه إلى ما هو "مكرس للآلهة" ومحظور بسبب ذلك من الاستخدام الدنيوي، وإلى ما هو "ملطخ بالدنس"، وهو أمر يمثل خطرًا على الإنسان لأنه ينطوي على طاقات قوية ومخيفة. ولذلك يحتاج إلى أن يُفصل ويوضع على جنب ويُسيج بالضوابط والمحرمات، وهذا ما يفيده الفعل اللاتيني (sancire). هذه الجدلية الدلالية قائمة في أغلب الألفاظ المشتقة من الجذر نفسه، على غرار الكلمة الفرنسية (sacrifice) التي تعني "أُضحية"، فالأضحية الحيوانية تُقدم بعد أن تصير مختلفة عن مثيلاتها لأنها استقطبت في ذاتها كل الدنس الذي اقترفته الجماعة، والتضحية بها ما هي إلا عملية تطهر منه. ويؤكد الدارسون هذه البنية المزدوجة دلاليًا في مفهوم المقدس، ومن ضمنهم
رينيه جيرار (René Girard، 1923- 2015) الذي يبين أنها خاصية لا تقتصر على الثقافات الهندو-أوروبية وأديانها، بل تشمل كذلك ثقافات وأديانًا أخرى، وهو يستعرض أمثلة يبين من خلالها "كل ما تشتمل عليه لفظة مقدس من معانٍ، أو بالأحرى كلمة Sacer باللاتينية ونحن نترجمها تارة بلفظة مقدس، وطورًا بلفظة ملعون، نظرًا إلى تضمنها دلالتي الخير والشر معًا، مع الإشارة إلى وجود ألفاظ أخرى مماثلة في معظم اللغات"[49]. أما في اللغة العربية، فإن مشتقات جذر "قدس" تفيد هذا الازدواج من دون أن تحيل على معنى "الدنس"، فالمقدس الإسلامي المرتبط بالله مركزًا ومحورًا له، ويشمل ما يتعلق به كالوحي والكتاب، يحمل معنى التعظيم والتوقير والتهيب والخشية والرعب، بل تظهر هذه الازدواجية كذلك في مستوى الصفات التي نسبها الله إلى نفسه، فهو رحيم رحمان وقهار جبار في الوقت ذاته. وهي ازدواجية تتنزل في صلب المعتقد الإسلامي بأن الله فاعل كل شيء. ويحمل أيضًا معنى الحظر والتحريم إضافة إلى الدلالات المذكورة سابقًا.
غلاف كتاب الإنسان والمقدس مترجمًا إلى العربية
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
لا تظهر هذه الجدلية في هيئة الانفصال والتعارض بين المقدس والدنيوي فحسب، بل تظهر كذلك في مستوى نظام المقدس نفسه، هذه الثنائية التي أبرزها وبرهن عليها روجيه كايوا في مؤلفه
الإنسان والمقدس إذ ميز بين "مقدس الاحترام" وهو المقدس الذي تحيط به وتسيجه المحظورات وتمنع خرقه والاقتراب منه، و"مقدس الانتهاك" الذي برهن له بنظرية العيد ووجوده يتمثل بالاحتفالات الدينية، وهي تقوم على شتى أشكال الخرق والانتهاك، وإن كانت احتفالات مقدسة، فالاحتفال يخرق العادي واليومي والمتكرر، ومن هنا قدرته على تجديد الحياة وهذه وظيفة العيد الأساسية، وتُباح في أثناء الاحتفال أشياء محظورة وسلوك محظور في العادي، وتتوفر أشياء أخرى لا تكون متوفرة عادة.
هذه الخاصية -وإن كانت قابلة للتمثيل لها في بعض الأديان والظواهر أو في بعض الثقافات- لا يوجد لها ما يثبتها في أديان وثقافات أخرى، حيث تحرم القواعد الدينية التي يتأسس عليها المقدس كل أشكال خرق المقدسات وانتهاك المحرمات وتنذر من يتجرأ على ذلك بأقسى العقوبات الدنيوية والأخروية، وهذا رائج خاصة في الأديان التي ترتبط بها شرائع مصدرها الوحي الإلهي، كما هو الشأن في اليهودية وفي الإسلام.
يظهر هذا البناء الجدلي كذلك في جدلية الطهارة والنجاسة وهي ثنائية قطبية داخل دائرة المقدس تضاهي ثنائية الخير والشر في دائرة الدنيوي، والطهارة بوصفها مفهومًا دينيًا لا تدل على ما هو نقيض النجاسة وما هو خِلْو من أي دنس فحسب، بل تفيد كذلك معاني الصفاء والنقاء "إن الطاهر سواء تجلى في نقاء الجسم أو في صراحة الخط، هو ما لا تختلط ماهيته بشيء يفسدها أو يشينها"[50]، ومن ثمة يصبح الاختلاط أحد دلالات النجاسة، فالجسم النجس هو ذاك الذي يخالطه ما ليس من ماهيته أو عنصره، ويعتبر روجيه كايوا أن الطهارة والنجاسة ليستا صفة قارة ومطلقة ونهاية في الكائنات والأحوال والأشياء، بل "إن كلتا الصفتين يمكن أن تُنسبا مداورة إلى هذا الكائن أو تلك الحالة أو ذلك الشيء تبعًا لاتجاه الفاعلية نحو الخير أو نحو الشر"[51]، وهو برؤيته هذه يخالف كلًا من:
روبرتسون سميث (Robertson ' Smith، 1846- 1894) الذي ذهب إلى القول في معرض دراسته للديانات السامية بوجود تطابق بدائي بين الطاهر والنجس من جهة فعاليتهما الرمزية، والأب ماري جوزيف لاغرانج (P. Marie Joseph Lagrange، 1855-1938) الذي قال باستقلاليتهما المطلقة[52]. وهو يعتبر كلًا من: الطهارة والنجاسة قوة، وهذه القوة إذا كانت في وضع كمون فهي تثير الرغبة والرهبة في آن، ولكنها عندما تنتقل إلى وضع الفعل وتتمحض إما للخير والبركة وإما للشر والبلوى، عندئذ يفر المؤمن من النجاسة لأنها تقترن بالموت وتفتك بكيانه، ويقبل على الطهارة ويرغب فيها لأنها ترتبط بالصحة والعافية والحيوية.
أما من منظور الإسلام، فإن الموقف من علاقة الطهارة بالنجاسة، أو الطيب بالخبيث، هو القائل باستقلاليتهما التامة، ولذلك حذر الله أولئك الذين يستبدلون الطيب بالخبيث[53] ويُلبِسون الحق بالباطل[54]، ومن ثم أيضًا يُقصد من كل عمليات الفصل بين المقدس والدنيوي الفصل بين الطاهر والنجس ومنع اختلاطهما لأن هذا الاختلاط يؤدي إلى الفوضى وإلى انتهاك المقدس. ويبدو هذا واضحًا من خلال كل القوانين والقواعد التي فرضتها العرب حتى قبل الإسلام في أثناء النسك وعند الدخول إلى الحرم المكي "فكانت الحمس قد شددوا على أنفسهم في دينهم، فكانوا إذا نسكوا لم يسلؤوا سمنًا ولم يطبخوا أقطًا[...]، ولم يحركوا شعرًا ولا ظفرًا[...]. ولا يأكلون لحمًا ولا يمسون دهنًا ولا يلبسون إلا جديدًا[...]. وكانت الحلة يحرمون الصيد في النسك[...]، ولا يؤويهم ظل ما داموا محرمين[...]. ثم استكروا من ثياب الحمس تنزيهًا للكعبة أن يطوفوا حولها إلا في ثياب جدد"[55]، وفي هذا ما يؤكد أن من الوظائف الأساسية للطقوس تسهيل التعامل مع المقدس والإعداد للدخول في علاقة مباشرة به وحفظ الحدود بينه وبين الدنيوي أو المدنس، وبين سائر الثنائيات المتفرعة عنه.
وفضلًا عن هذا المثال الذي يؤكد أن العلاقة بين المقدس والدنيوي في بعض الأديان علاقة قائمة على الانفصال الكامل، توجد أمثلة أخرى تبين أن الحدود بين طرفي هذه الثنائية ليست قاطعة ولا هي نهائية، بل إنها قابلة لأن تهتز لتفتح المجال لصنف ثالث ليس مقدسًا محضًا ولا هو دنيوي محض، بل إن كل دنيوي فيه جانب مقدس لأنه مخلوق من الإله الخالق ودليل على قدرته الخالقة، وبذلك يتفاعل كل من: المقدس والدنيوي في إطار رؤية كونية واحدة مستندة عقائديًا إلى الإيمان بمبدأ وحدة الوجود. وهذا التصور قائم -وإن بتنويعات جزئية- في الأديان الأفريقية إذ يبدو "السلوك الديني في أفريقيا صادمًا بخاصيته الكونية، فالمقدس لا يظهر محضًا إلا في حالات نادرة" وبناء على هذا الاستنتاج تساءل الباحثان: "يجوز التساؤل أيستطيع التعارض في الثنائيات الغربية بين مقدس ودنيوي، وبين دين وسحر الاحتفاظ بشيء من الصحة في ذلك الواقع الأفريقي التقليدي والمتداخل؟"[56].
قابلية تبادل المواضع بين المقدس والدنيوي
يعتبر الباحثون من مؤرخي الأديان ومن الأنثربولوجيين هذه القابلية تجليًا من تجليات حركية الأديان والظواهر الدينية وتنوعهما واختلافهما على خطي الزمان والمكان، ويُعد
ميرسيا إلياد وميشال ميسلان أكثر من أكدوا خاصية القابلية للتحول وتبادل المواضع بين طرفي ثنائية المقدس والدنيوي، فما كان مقدسًا بالأمس قد يفقد اليوم كل قداسة ويتحول دنيويًا، والعكس صحيح، وكذلك الوضع بالانتقال من ثقافة إلى أخرى ومن موقع جغرافي إلى آخر، فما تعده الكثير من شعوب جنوب الكرة الأرضية مقدسًا قد يعتبره سكان شمالها مجردًا من كل قداسة، والعكس صحيح كذلك، وهذا راجع إلى ارتباط المقدس ببنية الوعي التي ترسم الحدود بينه وبين نقيضه الدنيوي أو المدنس، والتي تجد في المنظومة الدينية الوسائل التي بها يمكن قلب موقعهما وتسويغ ذلك القلب[57].
ولكن يُلاحظ أن هذه القابلية لا تبدو مطلقة في كل الأحوال وفي كل الأديان، فالأديان التي تقوم على مبدأ الألوهية لا تسمح بأن تشملها هذه القابلية في مطلق الأحوال، ذلك لأن الإله في الأصول العقائدية التي تقوم عليها هذه الأديان مقدس قداسة مطلقة في الزمان والمكان، وهو مقدس بذاته ولذاته ولا يستمد قداسته من غيره، وهو لذلك غير قابل للانفصال عن مبدأ القداسة، في حين تكون سائر المقدسات هي كذلك بغيرها وليست مقدسة بذاتها تقديسًا مطلقًا، بل إنها تستمد قداستها من صلتها بالإله من جهة، وبوعي المؤمن من جهة أخرى. وهذا ما يجعلها قابلة للانتقال من وضع المقدس ومجاله إلى وضع الدنيوي ومجاله، كما هو شأن المكان، والزمان، والأشياء، والأشخاص.
ويمثل الإسلام أنموذجًا لهذا التصور للمقدس، فأصول العقيدة الإسلامية التي تؤسس مبدأ التقديس تفصل فصلًا قاطعًا بين الله بوصفه خالقًا ومبدعًا للكون وما فيه ومن فيه، وهذا الكون نفسه، وتفرد الله بوضع لا يشمل مخلوقاته، فهو القدوس بذاته ولذاته، وجبريل "روح القدس"[58] مقدس بالصفة والوظيفة المسندتين إليه من الله وكذلك الأمر في "الواد المقدس"[59]، أي المطهر والمبارك بفعل الله وحده، وإلى "الأرض المقدسة"[60] المطهرة والمباركة كذلك، والأمكنة المقدسة، أو الحرام، وإنما هي كذلك لأنها أُقيمت ليُذكر فيها اسم الله، ومتى توقفت عن أداء هذه الوظيفة خُلعت عنها القداسة، والأزمنة المحرمة هي كذلك في التصور الإسلامي لأن الله فرض أن تُراعى فيها حرماته، وهي قابلة للتحول إذا لم تُراعَ تلك الحرمات. والثابت أن عموم من اعتنوا بالمقدس في الإسلام سواء من القدامى ومن منظور لاهوتي[61] أو من المعاصرين ومن منظور علم الأديان[62] أكدوا هذه الخصيصة في المقدس الإسلامي، وذلك ما يستدعي من الباحثين التثبت من مبدأ كونية ظاهرة المقدس حتى لا يكون التسليم بذلك طريقًا إلى تجاهل خصوصيات تجليات المقدس وتنوعاتها عبر الزمان والمكان.
المقدس في عصر العلمنة
غلاف كتاب نزع السحر عن العالم لمارسال غوشيه باللغة الفرنسية
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
إثر نشر
مارسال غوشيه (Marcel Gauchet، 1946) كتابه
نزع السحر عن العالم[63] الصادر منتصف ثمانينيات القرن، برز نقاش حول مدى إفضاء العلمنة إلى نزع السحر والقداسة عن العالم، ومدى تراجع حضور الدين والمقدس في حياة الأفراد والمجتمعات، فضلًا عن قدرة الإنسان على الحفاظ على توازنه وسلامه النفسي في عالم يُتصوَّر أنه فقد صلته بالله وبالمقدس.
وجاءت الأجوبة عن هذا السؤال متباينة بتباين تجارب الشعوب وأوضاع علاقاتها مع الدين والمقدس، إذ لا وجود لأنموذج واحد يسود لدى الأغلبية مثلما كان عليه الأمر في العصور القديمة والوسطى، عندما كان الدين مرجعًا كليًا للحياة البشرية فردية وجماعية. أما في الفترة المعاصرة، فتوجد شعوب ما زال المقدس بمرجعيته الدينية متجذرًا عندها محافظًا على وضعه ووظائفه، وتوجد تجارب أخرى فقد فيها الدين ما كان له في ماضيها، ويوجد ضرب ثالث من التجارب شهد تغيرًا في مستوى علاقة المقدس بالدين من دون أن يفقد "المقدس" بإطلاق. فضلًا عن ذلك، لم تؤدّ موجة العلمنة الصاعدة منذ بداية القرن العشرين إلى حدود الثمانينيات منه إلى إزاحة الدين بالمستوى نفسه في مختلف البلدان العلمانية، ففي الولايات المتحدة الأميركية -على سبيل المثال- ما زال اليمين المسيحي فاعلًا ومؤثرًا، وما زال نسق الممارسات الدينية مرتفعًا لدى فئات واسعة، وما زالت
حركات الإحياء الإنجيلي في أميركا اللاتينية مؤثرة، في حين تشهد أوروبا الشرقية بعد انهيار الشيوعية موجة من الروحانيات الجديدة[64].
استعرض هذه التجارب ونماذجها كل من:
بيبا نوريس (Pippa Norris، 1954-) ورونالد إنغلهارت (Ronald Inglehart، 1934-2021) في كتابهما مقدس وعلماني: الدين والسياسات في العالم[65] إذ استعرضا الاتجاهات العالمية في مجالي التدين والعلمنة. وقد انتهيا في هذا البحث الإحصائي الدقيق والمستند إلى أطر منهجية وفكرية واضحة إلى أن حضور المقدس الديني في المجال الأوروبي الغربي شهد انحصارًا نتيجة تآكل مستويات التدين وصعود العلمنة، مثلما شهد تغيرًا في مرجعيته، إذ أصبح أكثر ارتباطًا باتجاه ما يُعرف بروحانيات العصر الجديد، ولكن ذلك لم يحصل بالمستوى نفسه في كل البلدان، حتى في البلد الواحد، إذ تظل الفئات الاجتماعية الأدنى أكثر تدينًا والتزامًا بالقيم والممارسات الدينية ذات المرجعية المسيحية من الفئات الغنية[66].
تذهب أطروحة أخرى[67] إلى أن ما عرفته أوروبا الغربية لم يكن في الواقع انسحابًا للمقدس في المطلق، ولا انحسارًا له، بل كان عملية استبدال مقدس علماني بالمقدس الديني، إذ يتجلى المقدس العلماني في تقديس أشخاص، مثل: الزعماء السياسيين أو مشاهير الفنون أو مشاهير الرياضة، وأشياء مثل: المقتنيات التكنولوجية الجديدة، وتقديس أفكار ذات مرجعية دنيوية، مثل: فكرة الحرية المطلقة والحرية الفردية وفكرة الوطن والفرد حتى فكرة المال من جهة، ولشكل حضور المقدس في الفضاء العام من جهة أخرى، إذ لم يعد حضورًا مكشوفًا ومعترفًا به كما كان في الماضي، بل أصبح مواربًا ومقنعًا أحيانًا[68].
غلاف كتاب مقدّس وعلماني الدين والسياسات في العالم
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
تجدر الإشارة كذلك إلى وفرة الدراسات التي تؤكد أن الفترة الراهنة تشهد في الغرب عامة، وفي أوروبا الغربية بصفة خاصة، موجة من التدين الروحاني تنبئ بأشكال جديدة من حضور مقدس لا يستند دائمًا إلى أساس ديني غيبي، أو هو مستمد من أديان أخرى غير المسيحية التي تسود هناك، كالأديان الهندية والآسيوية، وهذه الأشكال مرتبطة بتجليات جديدة للمقدس وللتجربة الدينية. ورغم مسار العلمنة الذي انطلق منذ أزيد من قرنين، ما زال المقدس حاضرًا وإن بأشكال مختلفة عن المقدس الديني للعصور القديمة والوسيطة، حاضرًا بحضور الدين "بوصفه أحد العوامل التي تتحكم في الوجود الفردي والجماعي للبشر[69]"، وهذا الحضور صار هو الآخر خاضعًا لفهم جديد عندما صار موضوعًا للدراسة العلمية مع انبثاق العلوم الإنسانية والاجتماعية، ويُفسر استمرار هذا الحضور بدوافع نفسية ووجودية في الغالب، فالإنسان "روحي وزمني، وديني ودنيوي ولا يمكن بتر أحد أبعاده والإبقاء على البعد الآخر فقط، ولكن فهم البعد الديني صار يختلف جذريًا عن التصور الديني الذي كان سائدًا في العصور الوسطى، فالحاجة الدينية بالمعنى الروحي التنزيهي هي حاجة الإنسان إلى معانقة المطلق ومقاومة الشعور بالفناء عند اقتراب الموت، لذلك فإن الحاجة إلى ترميز روحي جديد وتعالٍ جديد أصبحت ملحة أكثر فأكثر في مجتمعات الحداثة اللاهبة اليوم"[70].
لا يمثل المقدس عند الباحثين في الأديان، الساعين إلى ضبط تعريف جامع مانع للدين، المفهوم الذي مكّنهم من تمييز الدين عن سائر المنظومات العقائدية كالسحر والأسطورة فحسب، بل إنه يمثل كذلك المحور الذي تدور حوله الأديان والظواهر الدينية جميعها، بقدر ما يمثل محور الشعور الديني الذي عُد منتجًا للمقدس، فالتقديس شعور وسلوك وتجربة يعيشها المؤمن فتثير فيه أقصى المشاعر تهيبًا ورهبة وإجلالًا وتعظيمًا وخوفًا ورعبًا ومحبة وعشقًا، وهو سلوك يتجسد في الطقوس والشعائر والاحتفالات الدينية والفرائض التعبدية. أسهم هذا المفهوم في تطوير دراسات الأديان في مختلف اختصاصات العلوم الإنسانية وفي فهم تجليات كل من: الظاهرة والتجربة الدينيتين. ورغم ارتباط المقدس بالمتعالي والمطلق من جهة موضوع التقديس، فإنه من جهة تجلياته، ظل ظاهرة تاريخية بحكم الاختلاف والتعدد وما يطرأ عليه من تحول عبر الزمان والمكان.
المراجع
العربية
أركون، محمد.
العلمنة والدين: الإسلام، المسيحية، الغرب. ترجمة هاشم صالح. ط 3. بيروت: دار الساقي، 1996.
إلياد، ميرسيا.
تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية. ترجمة عبد الهادي عباس. دمشق: دار دمشق، 1986-1987.
________.
المقدس والمدنس. ترجمة عبد الهادي عباس. دمشق: دار دمشق للطباعة والنشر والتوزيع، 1988.
________.
البحث عن التاريخ والمعنى في الدين. ترجمة سعد المولى. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007.
________.
المقدس والعادي. ترجمة عادل العوا. بيروت: دار التنوير، 2009)
أوتو، رودولف.
فكرة القدسي: التقصي عن العامل غير العقلاني في فكرة الإلهي وعن علاقته بالعامل العقلاني. ترجمة فريد جبران. بيروت: دار المعارف الحكمية، 2010.
ابن تيمية.
الكلام على حقيقة الإسلام والإيمان. الرياض: العبيكان، 1988.
جدعان، فهمي.
المقدس والحرية: وأبحاث ومقالات أخرى من أطياف الحداثة ومقاصد التحديث. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2009.
جعيط، هشام.
في السيرة النبوية 1:الوحي والقرآن والنبوة. ط 2. بيروت: دار الطليعة، 2000.
جويرو، زهية.
الإسلام الشعبي. بيروت: دار الطليعة، 2007.
جيرار، رينيه.
العنف والمقدس. ترجمة سميرة ريشا. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009.
ابن حبيب، أبو جعفر محمد.
المُحبَّر. تحقيق إيلزة ليختر شتيتر. حيدر آباد: دائرة المعارف العثمانية، 1942.
دوركهايم، إيميل.
الأشكال الأولية للحياة الدينية: المنظومة الطوطمية في أستراليا. ترجمة رندة بعث. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019.
زين الدين، أحمد.
الديني والدنيوي: دراسة في فكر ميرسيا إلياد. بيروت: بيسان للنشر، 2018.
السواح، فراس (محرر).
موسوعة تاريخ الأديان. ترجمة غادة جاويش [وآخرون]. 5 مجلدات. ط 4. دمشق: دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، 2017.
السواح، فراس.
دين الإنسان: بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني. القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2022 [1992].
القرطبي، محمد بن أحمد.
الجامع لأحكام القرآن. ج 10. ط 2. القاهرة: دار الشعب، 1372هـ/1952م.
كايوا، روجيه.
الإنسان والمقدس. ترجمة سميرة ريشا. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2010.
مبارك، زكي.
التصوف الإسلامي في الأدب وفي الأخلاق. القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2012 [1939].
مبروك، علي.
السلطة والمقدس:
جدل السياسي والثقافي في الإسلام. حلب: مركز الإنماء الحضاري، 2005.
________.
ما وراء تأسيس الأصول: مساهمة في نزع أقنعة التقديس. القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2023 [2007].
محسن، عبد الناصر سلطان وإبراهيم محمد زين. "مفهوم المقدس والمدنس عند ميرسيا إليادي: دراسة تحليلية نقدية مقارنة".
إسلاميةالمعرفة. مج 20، العدد 79 (شتاء 2015). ص 133.
ابن منظور.
لسان العرب. ط 3. ج 6. بيروت: دار صادر، 1414هـ/1994م.
ميسلان، ميشال.
علم الأديان: مساهمة في التأسيس. ترجمة عز الدين عناية. أبو ظبي: كلمة؛ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2009.
نوريس، بيبا ورونالد إنغلهارت.
مقدس وعلماني: الدين والسياسات في العالم. ترجمة وجيه قانصو وأحمد مغربي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019.
الأجنبية
Abel, Olivier et al. “Modernité et religion. Débat.”
Autres Temps. Cahiers d’éthique sociale et politique. vol. 62, no. 1 (1999). pp. 51–60.
Berger, Peter L. (ed.).
The desecularization of the world. Washington, D.C.: Ethics and Public Policy Center, 1999.
Eliade, Mircea.
Patterns in Comparative Religion. Rosemary Sheed (trans.). London & New York: Sheed & Ward Ltd, 1958.
Gauchet, Marcel.
Le désenchantement du monde: Une histoire politique de la religion. Paris: Gallimard, 1985.
________ & Luc Ferry.
Le religieux après la religion. Paris: Grasset, 2004.
Hubert, Henri & Marcel Mauss.
Esquisse d’une théorie générale de la magie: L’origine des pouvoirs magiques dans les sociétés australiennes. Paris: Presses Universitaires de France, 2019.
Massignon, Louis.
La Passion de Husayn Ibn Mansûr Hallâj: Bibliographie. 4 vols. Paris: Gallimard, 1975.
Meslin, Michel.
L’Expérience humaine du divin: Fondements d’une anthropologie religieuse. Paris: Cerf, 1988.
“Sacré, religion.”
Encyclopædia Universalis. At:
https://acr.ps/hBy6EYu
Tarot, Camille.
Le symbolique et le sacré: théories de la religion. Paris: La Découverte, 2008.
Thomas, Louis-Vincent & René Luneau.
Les religions d’Afrique noire:
Textes et traductions sacrés. Paris: Fayard-Denoël, 1969.
[1] استخدمه عبد الهادي عباس في ترجمته لكتاب ميرسيا إلياد. ينظر: ميرسيا إلياد،
المقدس والمدنس، ترجمة عبد الهادي عباس (دمشق: دار دمشق للطباعة والنشر والتوزيع، 1988).
[2] كذلك استخدمه أحمد زين الدين في كتابه
الديني والدنيوي: دراسة في فكر ميرسيا إلياد. يُنظر: أحمد زين الدين، الديني والدنيوي: دراسة في فكر ميرسيا إلياد (بيروت: بيسان للنشر، 2018).
[3] استخدمه عادل العوا في ترجمته كتاب ميرسيا إلياد
المقدس والعادي. يُنظر: ميرسيا إلياد،
المقدس والعادي، ترجمة عادل العوا (بيروت: دار التنوير، 2009).
[4] “Sacré, religion,”
Encyclopædia Universalis, accessed on 26/7/2026, at:
https://acr.ps/hBy6EYu
[5] تثبت مؤلفات تاريخ الأديان، وخاصة الموسوعية منها، وفرة المقدسات في مختلف أديان العالم وتنوعها، فالأحجار والأشجار والحيوان والكواكب والنجوم والظواهر الطبيعية والأشخاص اكتسبت جميعها، بأشكال مختلفة وبمستويات متنوعة، قداسة أخرجتها من دائرة الدنيوي وألحقتها بدائرة المقدس والديني. يُنظر: فراس السواح (محرر)،
موسوعة تاريخ الأديان، ترجمة غادة جاويش [وآخرون] 5 مجلدات، ط 4 (دمشق: دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، 2017). ويُنظر خاصة الكتاب الأول:
الشعوب البدائية والعصر الحجري.
[6] جاء في لسان العرب، "والنَّصْبُ والنُّصُبُ: كل ما عُبد من دون الله تعالى، والجمع أنصاب. قال ابن سيده: "الأنصاب حجارة كانت حول الكعبة تُنصب فيُهلّ عليها ويذبح لغير الله تعالى. وقوله تعالى: "والأنصاب والأزلام"، الأنصاب الأوثان. يُنظر: ابن منظور،
لسان العرب، ط 3، ج 1 (بيروت: دار صادر، 1414هـ/1994م)، ص 758.
[7] المرجع نفسه، ص 759.
[8] استعرض عالم الاجتماع الفرنسي كاميي طارو في دراسة مطولة آراء عدد كبير من علماء اجتماع الدين والأنثروبولوجيا في قضية العلاقة بين الرمز والمقدس. يُنظر:
Camille Tarot,
Le symbolique et le sacré: théories de la religion (Paris: La Découverte, 2008).
[9] ابن منظور، ص 168.
[10] المرجع نفسه، ص 169.
[11] المرجع نفسه، مادة "حرم"، ج 12، ص 129.
[12] هشام جعيط،
في السيرة النبوية 1:الوحي والقرآن والنبوة، ط 2 (بيروت: دار الطليعة، 2000)، ص 18.
[13] ميشال ميسلان،
علم الأديان: مساهمة في التأسيس، ترجمة عز الدين عناية (أبو ظبي: كلمة؛ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2009)، ص 14.
[14] Michel Meslin,
L’Expérience humaine du divin: Fondements d’une anthropologie religieuse (Paris: Cerf, 1988).
[15] إلياد،
المقدس والعادي، ص 20.
[16] روجيه كايوا،
الإنسان والمقدس، ترجمة سميرة ريشا (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2010)، ص 35.
[17] إيميل دوركهايم،
الأشكال الأولية للحياة الدينية: المنظومة الطوطمية في أستراليا، ترجمة رندة بعث (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص 52–53.
[18] يقول دوركهايم إن المنظومة الطوطمية لا تقدس الحيوان أو النبات الذي تتخذه طوطمًا، بل تقدس التمثيلات الطوطمية كما تُرسم على جدران المعابد أو على الأجساد. يُنظر: المرجع نفسه، ص 173.
[19] كايوا، ص 10.
[20] يمكن التمثيل لذلك بطقوس الحج عند العرب قبل الإسلام، وقد حافظ عليها الحج الإسلامي، وبالتحديد طقوس الإحرام التي تعد للدخول في المكان الحرام أو المقدس وتؤذن به، وطقوس التحلل التي تؤذن بالخروج من المقدس مكانًا وزمانًا.
[21] كايوا، ص 37-38.
[22] ابن منظور، مادة "حرم"، ج 12، ص 119–127.
[23] تُنظر النماذج والأمثلة التي قدمها فراس السواح في هذا المجال. يُنظر: فراس السواح،
دين الإنسان: بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2022 [1992])، ص 75–77.
[24] رودولف أوتو،
فكرة القدسي: التقصي عن العامل غير العقلاني في فكرة الإلهي وعن
علاقته بالعامل العقلاني، ترجمة فريد جبران (بيروت: دار المعارف الحكمية، 2010)، ص 35–42.
[25] جعيط، ص 52.
[26] زكي مبارك،
التصوف الإسلامي في الأدب وفي الأخلاق (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2012 [1939])، ص 73–75.
[27] وردت كل تعريفات المصطلحات الصوفية هذه في مؤلف زكي مبارك. يُنظر: المرجع نفسه.
[28] جعيط، ص 53.
[29] تُنظر -على سبيل المثال- دراسات المستشرق الفرنسي لويس ماسنيون (Louis Massignon) لهذا الموضوع، وخاصة دراسته لتصوف الحلاج:
Louis Massignon,
La Passion de Husayn Ibn Mansûr Hallâj: Bibliographie, 4 vols (Paris: Gallimard, 1975).
[30] Henri Hubert & Marcel Mauss,
Esquisse d’une théorie générale de la magie: L’origine des pouvoirs magiques dans les sociétés australiennes (Paris: Presses Universitaires de France, 2019).
[31] دوركهايم، ص 177-178.
[32] زهية جويرو،
الإسلام الشعبي (بيروت: دار الطليعة، 2007)، ص 72–73.
[33] “Sacré, religion,”
op. cit.
[34] السواح،
دينالإنسان: بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني، ص 14.
[35] استعرض ميرسيا إلياد الكثير من ظواهر المقدس في مختلف الأديان، وذلك في مؤلفه الموسوعي تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية. يُنظر: ميرسيا إلياد،
تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية، ترجمة عبد الهادي عباس (دمشق: دار دمشق، 1986-1987).
[36] تنتشر نتائج بحوث ميرسيا إلياد حول الدين والمقدس هذه في جل ما ألف وما أشرف على تأليفه، وخاصة في مؤلفه
تاريخ الأديان والمعتقدات الدينية وفي الموسوعة التي أشرف عليها، وقد حرص على جمع هذه النتائج واختزالها في مؤلفه
المقدس والعادي، ترجمة عادل العوا، مرجع سابق.
[37] ميرسيا إلياد،
البحث عن التاريخ والمعنى في الدين، ترجمة سعد المولى (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص 40.
[38] إلياد،
المقدس والعادي، ص 21، 37-39، 50.
[39] Mircea Eliade,
Patterns in Comparative Religion, Rosemary Sheed (trans.) (London & New York: Sheed & Ward Ltd, 1958), p. 30.
[40] فهمي جدعان،
المقدس والحرية: وأبحاث ومقالات أخرى من أطياف الحداثة ومقاصد التحديث (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2009)، ص 22.
[41] المرجع نفسه، ص 23-24.
[42] علي مبروك،
السلطة والمقدس:
جدل السياسي والثقافي في الإسلام (حلب: مركز الإنماء الحضاري، 2005).
[43] علي مبروك،
ما وراء تأسيس الأصول: مساهمة في نزع أقنعة التقديس (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2023 [2007]).
[44] المرجع نفسه.
[45] المرجع نفسه، ص 16.
[46] المرجع نفسه.
[47] عبد الناصر سلطان محسن وإبراهيم محمد زين، "مفهوم المقدس والمدنس عند ميرسيا إليادي: دراسة تحليلية نقدية مقارنة"،
إسلاميةالمعرفة، مج 20، العدد 79 (شتاء 2015)، ص 133.
[48] يُنظر: السواح،
موسوعة تاريخ الأديان.
[49] رينيه جيرار،
العنف والمقدس، ترجمة سميرة ريشا (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص 433.
[50] كايوا، ص 54.
[51] المرجع نفسه.
[52] المرجع نفسه، ص 55.
[53] [سورة النساء: 2].
[54] [سورة البقرة: 42].
[55] أبو جعفر محمد بن حبيب،
المُحبَّر، تحقيق إيلزة ليختر شتيتر (حيدر آباد: دائرة المعارف العثمانية، 1942)، ص 180–181.
[56] Louis-Vincent Thomas & René Luneau,
Les religions d’Afrique noire:
Textes et traductions sacrés (Paris: Fayard-Denoël, 1969), pp. 266–267.
[57] ميسلان، ص 180.
[58] يُنظر: [البقرة: 87]، [البقرة: 253]، [المائدة: 110]، [سورة النحل: 102].
[59] يُنظر: [سورة طه: 12]، [النازعات: 16].
[60] يُنظر: [سورة المائدة: 21].
[61] يُنظر على سبيل المثال: ابن تيمية،
الكلام على حقيقة الإسلام والإيمان (الرياض: العبيكان، 1988)، ص 197؛ محمد بن أحمد القرطبي،
الجامع لأحكام القرآن، ج 10، ط 2 (القاهرة: دار الشعب، 1372هـ/1952م)، ص 113.
[62] يُنظر على سبيل المثال: إلياد،
تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية، ص 88-89.
[63] Marcel Gauchet,
Le désenchantement du monde: Une histoire politique de la religion (Paris: Gallimard, 1985).
[64] بيبا نوريس ورونالد إنغلهارت،
مقدس وعلماني: الدين والسياسات في العالم، ترجمة وجيه قانصو وأحمد مغربي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص 329–330. نقلًا عن:
Peter L. Berger (ed.),
The desecularization of the world (Washington, D.C.: Ethics and Public Policy Center, 1999).
[65] نوريس وإنغلهارت، فصل: "لغز العلمنة في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية"، ص 135-161.
[66] المرجع نفسه.
[67] Marcel Gauchet & Luc Ferry,
Le religieux après la religion (Paris: Grasset, 2004); Olivier Abel et al., “Modernité et religion. Débat,”
Autres Temps. Cahiers d’éthique sociale et politique, vol. 62, no. 1 (1999), pp. 51–60.
[68] محمد أركون،
العلمنة والدين: الإسلام، المسيحية، الغرب، ترجمة هاشم صالح، ط 3 (بيروت: دار الساقي، 1996)، ص 76–79.
[69] المرجع نفسه، ص 69.
[70] المرجع نفسه، ص 126.