تسجيل الدخول

البركار التام (كتاب)



الموجز

كتاب البركار التام والعمل به مؤلَّف يصف آلة هندسية مبتكرة اخترعها في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي المهندسُ وعالمُ الفلك أبو سهل وَيْجَن بن رستم القُوهي، الذي كان أول من ألَّف كتابًا في وصفها. وتتكون هذه الآلة من بركار مخروطي الشكل، ذي ساق واحدة متغيرة الطول، لرسم الخطوط المستقيمة والدوائر والقطوع المخروطية (القطع الناقص، القطع المكافئ، والقطع الزائد).

يشرح القُوهي في الكتاب كيفية رسم الإنشاءات الهندسية بهذه الآلة، ثم تناول الجانب النظري، وخلص إلى أنه بفضل هذا البركار المتطور يسهل صنع الأسطرلاب والساعات الشمسية وما شابهها من الأدوات. يتجاوز البركار التام وظيفةَ الفرجار التقليدي في رسم الدوائر، كما يحظى بأهمية تاريخية، إذ يُعدّ مساهمةً هندسية أساسية في تقليد العلوم العربية، يُعتمد عليها في الرسم الهندسي عمومًا وفي رسم أنواع المخروطات الهندسية الضرورية للأسطرلاب والآلات الفلكية، على وجه الخصوص.

البركار التام ووظائفه

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

كانت الهندسة الإغريقية ترى أن الحدّ الأدنى لرسم الأشكال الهندسية يتمثل بالمسطرة والبركار، إذ يُرسم بالمسطرة خط مستقيم غير محدود في امتداده، حسب تعريف المستقيم على أنه امتدادٌ لا عرضَ له ولا ارتفاع[1]، ولذلك تكون المسطرة المعنية غير مدرَّجة ولا متناهية في الطول.

والبركار آلة من ساقين يُجمعان معًا في نقطة مشتركة، ويُستخدم لرسم الدائرة أو قوس الدائرة، وذلك عندما يثبت موقع رأس إحدى الساقين، ويسمح لرأس الساق الأخرى بالحركة، وليس له نصف قطر محدد. وعند الانتهاء من العمل ورفع البركار عن السطح تتساقط الساقان، بمعنى أن الفتحة التي رُسمت بها الدائرة تختفي[2].

غير أن الهندسة الإغريقية تركت ثلاث مسائل لا يمكن إنجازها بالمسطرة والبركار، وهي: تثليث الزاوية {{قسمة أي زاوية إلى ثلاثة أقسام متساوية.}}، وتربيع الدائرة {{رسم دائرة لها المساحة نفسها مثل مربع معلوم.}}. وتضعيف المكعب {{رسم مكعب له ضعف حجم مكعب مفروض.}}. وقد مثلت هذه المسائل تحديًا كبيرًا لعلماء الرياضيات على مر العصور، إلى أن أثبت الرياضيون في القرن التاسع عشر استحالةَ حلها، وذلك بمبرهنات رياضية تتجاوز الهندسة الإقليدية. ومنذ العهد اليوناني، كانت هناك محاولات لحل هذه المسائل خارج قيد المسطرة والبركار. فقد أثبت أبوقراط (Hippocrates) وميناخموس (Menaechmus) إمكانيةَ تضعيف المكعب باستخدام تقاطُع قطْع زائد مع قطع مكافئ. كما استخدم هيبياس (Hippias)، في القرن الخامس قبل الميلاد، منحنًى تربيعيًّا -عُرِف لاحقًا باسمه (Quadratrix of Hippias)- لتثليث الزاوية وتربيعها[3].

اتجه علماء آخرون إلى اختراع آلات تيسِّر حل هذه المسائل[4]، ومن هذه الآلات ما سمي بالبركار التام، وهو من ابتكار أبي سهل القُوهي الذي كان أول من ألَّف فيه كتابًا.

والبركار التام آلة ميكانيكية متقدمة، تستخدم مبادئ البركار لإنشاء الخطوط القياسية والمنحنيات بدقة عالية، وتسمح برسم الخطوط المستقيمة والدوائر والقطوع المخروطية الثلاثة (القطع المكافئ والقطع الزائد والقطع الناقص)، باستخدام حركات متزامنة متصلة، ما يربط بين النظرية الرياضية والتطبيق العملي. كما يُستخدم البركار التام لرسم الفضول المشتركة، أي الخطوط المتقاطعة أو المشتركة بين السطوح المخروطية والسطوح الأخرى، ويسهّل صناعة الأسطرلاب على السطوح المستوية ذات المحاور، وعمل المَزاوِل والرخائم {{الساعات الشمسية الأفقية، وهي آلات رخامية.}} على أي سطح، إضافة إلى بناء آلات أخرى تحمل خطوطًا مشتركة بين سطوح مختلفة[5].

سمَّى القُوهي آلته بـ "البركار التام" لاعتقاده أنها كاملة شاملة في أداء وظائفها، وحل الصعوبات في الرسم الهندسي اليدوي. وتعتمد هذه الآلة على إدخال مفهوم الحركة في الهندسة لتصنيف المنحنيات بناء على أنواع الحركات المستخدمة[6].

يتكون البركار التام من العناصر التسعة التالية: ساقان معدنيتان؛ مفصل علوي لضبط الفتحة؛ أحد الساقين تحمل إبرة تثبت النقطة المركزية؛ تحمل الساق الأخرى قلمًا لرسم دائرة أو قوس منها؛ ذراع ثابتة؛ ذراع متحركة تدور حول المفصل؛ منزلق أو رابط يتحكم في طول أحد الذراعين؛ مسطرة أو سلم تدريجات؛ نقطة تثبيت مركزية[7].

مؤلِّف الكتاب

أبو سهل ويجن بن رستم القُوهي[8]، ويكتب أحيانًا الكُوهي، عالمٌ في الرياضيات والفلك والفيزياء، يعد من أهم العلماء العرب. أصله من قُوهة (أو كُوهة) في طبرستان (ولاية مازندران في إيران حاليًّا)، لكنه عاش معظم حياته في بغداد أيام حكم البويهيين.

لا يُعرف الكثير عن تفاصيل حياته الشخصية، ولا عن معلميه ودراسته، سوى ما يُذكر من أنه سافر كثيرًا حبًا في طلب العلم والتعلم، وأنه شارك في أرصاد فلكية في شيراز أشرف عليها الفلكي المعروف عبد الرحمن الصوفي عام 359هـ/ 970م، وأشرف على أرصاد فلكية أخرى في بغداد عام 378هـ/ 988م، بطلب من شرف الدولة البويهي.

تُنسَب إلى القُوهي العديد من المؤلفات الرياضية، لا سيما في الهندسة النظرية، فقد كتب عن قسمة الزاوية المعلومة إلى ثلاثة أقسام متساوية، وعن استخراج الشكل المسبع المنتظم في الدائرة، ورسالة في مساحة المجسّم المكافئ. واهتم أيضًا بالتعليق والشرح والزيادة على مؤلفات الهندسة القديمة لإقليدس وأرخميدس.

وصل من آثاره العلمية عدة مصنفات في الفلك، منها رسالته في صنعة الأسطرلاب بالبراهين وغيرها؛ أما في الفيزياء فقد كتَب القُوهي عن مراكز الأثقال، وألف فيها كتابًا يعد، مع ما ألّفه الحسن بن الهيثم في الموضوع نفسه، من أهم ما أنتجه التراث العلمي العربي. واهتم القُوهي بالآلات الرياضية، واشتُهر برسالته في البركار التام لرسم المقاطع المخروطية.

تحقيق الكتاب ومضمونه

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

قبل وفاة مؤرخ العلوم الألماني فرانز فوبكه (Franz Woepcke) عام 1864، كان قد انتهى من نسخ المخطوطة رقم 161/1 من مكتبة جامعة ليدن التي تحتوي على نص رسالة القُوهي في البركار التام. ورغم أنه لم يتسنَّ له مراجعة هذا النسخة، فقد تمكن من تقديم ترجمة فرنسية للنص، ونشرت كلتاهما بعد وفاته[9].

كذلك خصَّص الباحث المصري أحمد سعيد الدمرداش دراسةً لنص القُوهي[10]، وأصدر رشدي راشد أولَ طبعة نقدية لهذا النص، استنادًا إلى المخطوطات الاثنتي عشرة، إضافة إلى ترجمة إنكليزية[11].

تبدأ رسالة البركار التام والعمل به كما يلي:

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

"قال أبو سهل ويجن بن رستم القُوهي: هذا كتاب في الآلة التي سميت البركار التام، وهو مقالتان. المقالة الأولى في البرهان على أنه يمكن بهذا البركار رسم الخطوط القياسية، أعني المستقيمة، أو محيطات الدوائر، ومحيطات قطوع المخروط، وهي المكافئة والزائدة والناقصة والمتقابلة الوضع. والمقالة الثانية في علم رسم أحد الخطوط التي ذكرناها على وضع معلوم. فإن كان قبلنا هذه الآلة عند الأوائل موجودة معروفة الذكر والاسم، وكان اسمها وأسامي الأشياء التي تتبعها بخلاف ما سميناه، فإن لنا عذرًا، إذ لم يقع إلينا هذه الآلة ولا ذِكرها؛ مع أنه يمكن أن تكون هذه الآلة مع البرهان على أنها ترسم الخطوط التي ذكرناها كانت ولم يكن استعمالها كما استعملناها في المقالة الثانية من هذا الكتاب"[12].

ويختتمها القُوهي بالقول:

"فقد تبين لنا رسم الفصول المشتركة للسطح المخروطي وأي سطح كان من السطوح المختلفة الأجناس على وضع معلوم بهذا البركار، وسل علينا بذلك عمل الأسطرلابات على السطوح المستوية وذوات المحاور، وعمل الرخائم على أيِّ سطحٍ كان؛ وكذلك كل الآلات التي يكون عليها خطوط الفصول المشتركة للسطح المخروطي واي سطح كان. والله -تعالى- أعلم. تمت المقالة الثانية من كتاب البركار التام، وهو آخر الكتاب"[13].

تتألف الرسالة من مقالتين، يهتم المؤلف في المقالة الأولى برسم المستقيم والدائرة والقطوع المخروطية الثلاثة: المكافئة والناقصة والزائدة. فلرسم المستقيم، يُظهر القُوهي كيف يثبت أحد الأذرع حتى تتحول حركة النقطة إلى مسار خطي تام. ويبين الدمرداش أن القُوهي يستخدم لغة هندسية إقليدية، ويستند إلى خواص التشابه[14].

ولرسم الدائرة، يختار القُوهي نسبة ثابتة لطول الذراع المتحركة بحيث يصبح مسار القلم دائريًّا. ويرى الدمرداش أن القُوهي أدرك علاقة الذراع الدائرية (Circle arm) قبل ظهور نظرياتها الأوربية بقرون. أما لرسم القطع المكافئ، فيطلب القُوهي ضبط الساق المتحركة إذ يتساوى بعد القلم عن خط ثابت (الدليل)، ونقطة ثابتة (البؤرة)، وهذا يضمن رسم القطع المكافئ. ويوضح الدمرداش أن برهان القُوهي مُتقَن، وهو مبني على التعريف الأصلي للقطع المكافئ. ولرسم القطعين الناقص والزائد، يضبط القُوهي طول المفصل، إذ يحفظ نسبة ثابتة يكون مجموع البعدين ثابتًا (للقطع الناقص)، أو فرقهما ثابتًا (للقطع الزائد). ويعلق الدمرداش بأن هذه الأعمال تعد من أقدم النماذج لآلية ميكانيكية تقوم بتوليد القطوع المخروطية بحركة واحدة[15].

أما المقالة الثانية لرسالة القُوهي فتهتم بالتطبيقات العملية، مثل صناعة الأسطرلاب على السطوح المستوية، وعمل الرخائم على أي سطح، وبناء آلات ترسم خطوطًا مشتركة بين سطوح مختلفة. ويلخص الدمرداش تعليمات القُوهي بكيفية إمساك البركار وتثبيته على سطح الرسم، وطريقة تحديد نقاط البدء ومسافة المسطرة، وتحديد "القطاع" المطلوب. ويقدم استخدامات عملية، هي[16]:

  • تخطيط حواف الأسطرلاب
  • تحديد مواقع الثقوب
  • تقسيم الدوائر إلى أقسام دقيقة
  • إنشاء نسب هندسية (مثل استخراج نسب شبه جبرية بالرجوع إلى الأطوال).
  • رسم مقاطع مخروطية على سطوح غير مستوية، وهو أمر يحتاج إليه صانعو آلات فلكية.

وقد لحظ الدمرداش أن القُوهي لم يكن صانعًا نظريًّا، بل كان مهندسًا عمليًّا يهتم باختراع آلات قياس تستخدم يوميًّا[17]. وعلى هذا، لم يكن البركار التام مجرد فرجار، بل كان آلة هندسية مركبة ذات قدرة عالية على توليد المنحنيات.

المراجع

العربية

الدمرداش، أحمد سعيد. "البركار التام والقطوع المخروطية". مجلة معهد المخطوطات العربية. العدد 22، (1976). ص 321-343.

الكرخي، محمد بن الحسن. "تثليث الزاوية في العصور الإسلامية". مجلة معهد المخطوطات العربية. مج 28، ج 1 (1984). ص 99-137.

نصير، عبد المجيد. "أبو سهل القُوهي". الموسوعة العربية - أرابيكا. 5/5/2026. في: https://acr.ps/hByaQEm

الأجنبية

Boccara, Nino. Essentials of Mathematica. New York: Springer, 2007.

Knorr, Richard W. The Ancient Tradition of Geometric Problems. Boston, MA: Birkhäuser, 1986.

Rashed, Roshdi. “Al-Quhi and al-Sijzi on the perfect compass and the continuous drawing of conic sections.” Arabic Sciences and Philosophy. vol. 13, no. 1 (2003). pp. 9-43.

________. Geometry and Dioptics in Classical Islam. London: Al-Furqan Islamic Heritage Foundation, 2005.

Woepcke, Franz. “Trois traités arabes sur le compas parfait: Abu Sahl al-Kuhi Muhammed ibn al-Husain Waijan ibn Wastam; al-Sizzi Ahmad ibn Muhammad ibn 'Abd al-Jalil.” Notices et extraits des manuscrits de la Bibliothèque lmpériale et autres bibliothèques. vol. 22 (1874). pp. 1-175.

[1] يُعرَّف الخطّ المستقيم في الترجمة العربية لكتاب أصول الهندسة لإقليدس كما يأتي: "الخط هو طول لا عرض له؛ ونهايتا الخط نقطتان"، "والخط المستقيم هو الموضوع على مقابلة أي النقط كانت عليه بعضها لبعض"، يُنظر: "المقالة الأولى، الحدود"، في: إقليدس، "كتاب أوقليدس في الأصول"، إصلاح أبي الحسن ثابت بن قرة الصابي، رقم O. Vet. 20، مخطوط كامل محفوظ في مكتبة جامعة أوبسالا، السويد، ورقة 1ظ- 2و.

[2] أحمد سعيد الدمرداش، "البركار التام والقطوع المخروطية"، مجلة معهد المخطوطات العربية، العدد 22 (1976)، ص 327-328؛

Roshdi Rashed, “Al-Quhi and al-Sijzi on the perfect compass and the continuous drawing of conic sections,” Arabic Sciences and Philosophy, vol. 13, no. 1 (2003), pp. 9-43.

[3] Nino Boccara, "Quadratrix of Hippias,” in: Essentials of Mathematica (New York: Springer, 2007), pp. 469-474.

[4] عن التقليدالرياضي لحلّ المسائل الكلاسيكية الثلاثة في الرياضيات (تربيع الدائرة، ومضاعفة المكعب، وتثليث الزاوية)، يُنظر: محمد بن الحسن الكرخي، "تثليث الزاوية في العصور الإسلامية"، مجلة معهد المخطوطات العربية، مج 28، ج 1 (1984)، ص 99-137؛

Richard W. Knorr, The Ancient Tradition of Geometric Problems (Boston, MA: Birkhäuser, 1986).

[5] الدمرداش، ص 321-327؛

Roshdi Rashed, “Al-Quhi and al-Sijzi on the perfect compass and the continuous drawing of conic sections,” Arabic Sciences and Philosophy, vol. 13, no. 1 (2003), pp. 9-43.

[6] Roshdi Rashed, Geometry and Dioptics in Classical Islam (London: Al-Furqan Islamic Heritage Foundation, 2005), p. 729.

[7] Ibid., p. 731.

[8] للاستزادة، يُنظر: عبد المجيد نصير، "أبو سهل القُوهي"، الموسوعة العربية - أرابيكا، 5/5/2026، شوهد في 13/7/2026، في: https://acr.ps/hByaQEm

[9] Franz Woepcke, “Trois traités arabes sur le compas parfait: Abu Sahl al-Kuhi Muhammed ibn al-Husain Waijan ibn Wastam; al-Sizzi Ahmad ibn Muhammad ibn 'Abd al-Jalil,” Notices et extraits des manuscrits de la Bibliothèque lmpériale et autres bibliothèques, vol. 22 (1874), pp. 1-175.

[10] يُنظر: الدمرداش، ص 321-343.

[11] Rashed, Geometry and Dioptics, pp. 727-797.

[12] Ibid, p. 727.

[13] Ibid, p. 797.

[14] الدمرداش، ص 334-339.

[15] المرجع نفسه.

[16] المرجع نفسه.

[17] المرجع نفسه.

المحتويات

الهوامش