الموجز
البنك اللاربوي في الإسلام هو كتاب وضعه محمد باقر الصدر، ويُعد من الأعمال التأسيسية في الصيرفة الإسلامية، إذ يعالج إشكالية التوفيق بين الوظائف الأساسية للمصرف الحديث ومقتضيات الشريعة الإسلامية في سياق تاريخي اتسم بتوسع النظام المصرفي القائم على الفائدة وتغلغله في الاقتصادات الوطنية. ويقدّم الكتاب تصورًا نظريًا لمؤسسة مصرفية بديلة تقوم على تحريم الربا، وربط العائد بالمخاطرة، والنشاط الاقتصادي الحقيقي، مستندًا إلى صيغ تمويل قائمة على المشاركة والاستثمار، لا على الإقراض بفائدة. كما يتناول الجذور الفكرية لهذا التصور ضمن مشروع الصدر في بناء اقتصاد إسلامي، ويعرض نقدًا نظريًا لمفهوم الفائدة وآثاره، إلى جانب بحث الآليات العملية لعمل المصرف اللاربوي، مثل المضاربة والمشاركة، والتحديات التطبيقية المرتبطة به. يُصَنَّف البنك اللاربوي في الإسلام من الأعمال المرجعية التي أسهمت في تأطير النقاش النظري حول الصيرفة الإسلامية، إلى جانب مؤلفات أخرى للصدر.
مضمون الكتاب
يتناول كتاب البنك اللاربوي في الإسلام[1]، لمحمد باقر الصدر، قضية التوافق بين المهمات الجوهرية التي تضطلع بها المؤسسات المصرفية المعاصرة، والضوابط والأحكام المستمدة من الشريعة الإسلامية. وقد جاءت هذه المعالجة في ظل واقع تاريخي شهد انتشارًا واسعًا للنموذج المصرفي التقليدي المبني على نظام الفائدة، حتى أصبح جزءًا أساسيًا من البنية الاقتصادية للدول؛ مما خلق تحدّيًا حقيقيًا أمام محاولات بناء بديل اقتصادي متوافق مع المبادئ الإسلامية.
لمواجهة هذا التحدي، يطرح الكتاب رؤيةً نظرية متكاملة لنموذج مصرفي إسلامي بديل، يقوم في جوهره على مبدأ تحريم الربا بصوره وأشكاله كافة، ويرتكز على فلسفة اقتصادية مختلفة، تربط الربح بتحمل المخاطر، والمشاركة الفعلية في الأنشطة الإنتاجية الحقيقية. ويستند هذا النموذج إلى آليات تمويلية مبتكرة تعتمد على صيغ المضاربة، والمشاركة، والاستثمار المباشر، بديلًا عن آليات الإقراض التقليدية المقترنة بفوائد محددة مسبقًا، وبذلك يسعى لتحقيق عدالة توزيعية {{العدالة التوزيعية: (Distributive justice) مفهوم معياري في الفلسفة السياسية والأخلاق، يتعلق بالتوزيع العادل للمنافع والأعباء، مثل الدخل، والفرص، والحقوق، والمسؤوليات، بين أفراد المجتمع. وهي تقيّم المبادئ والترتيبات المؤسسية التي تحدد من يحصل على ماذا، والأسس التي تبرر مثل هذا التوزيع.}} أكبر، وربطٍ أوثق بين القطاع المالي والاقتصاد الحقيقي.
يُعدّ هذا العمل من النصوص التأسيسية في أدبيات الصيرفة الإسلامية، إذ أسهم في بلورة الإطار الفكري الذي استندت إليه لاحقًا التجاربُ العملية للمصارف الإسلامية، مع إبراز البعد الاجتماعي والاقتصادي للتمويل في الإسلام، بوصفه أداةً لتحقيق العدالة والتوازن بين رأس المال والعمل.
الإطار النظري للمصرف اللاربوي
يندرج كتاب البنك اللاربوي في الإسلام ضمن المشروع الفكري الأشمل لمحمد باقر الصدر، الذي سعى إلى بناء نظرية اقتصادية إسلامية متكاملة تتجاوز الاقتصار على المعالجات الفقهية الجزئية تزامن تأليف هذا العمل مع تحوّل الفكر الاقتصادي الإسلامي من المساءلة المشروعية للأدوات المالية الحديثة إلى التساؤل عن إمكانية بناء مؤسسات اقتصادية بديلة، تعمل ضمن منطق مختلف عن منطق الرأسمالية السائدة.
جاء هذا التحوّل في سياقٍ تاريخي اتّسم بتوسّع المصارف التجارية القائمة على الفائدة، وازدياد اعتماد الدول والمجتمعات الإسلامية على النظام المالي العالمي. وفي هذا الإطار، لم يتعامل باقر الصدر مع الربا بوصفه مسألةً فقهية منعزلة، بل بوصفه عنصرًا بنيويًا في النظام المصرفي الحديث، مما يستدعي إعادة النظر في وظيفة المصرف ذاته، وليس مجرد الاكتفاء بتحريم بعض معاملاته[2].
يقوم الإطار النظري الذي يطرحه الصدر على نقد الفائدة باعتبارها التعبير الأوضح عن فصل العائد عن المخاطرة، إذ يحصل رأس المال في النظام الرأسمالي على عائد مضمون بصرف النظر عن نتائج النشاط الاقتصادي. ويرى أن هذا الفصل لا يعبّر عن خيارٍ تقني فحسب، بل عن فلسفة اقتصادية تؤدي إلى اختلال العلاقة بين التمويل والإنتاج، وتُسهم في تكريس التفاوت الاجتماعي وتركيز الثروة.
في المقابل، يؤسّس الصدر مفهوم المصرف اللاربوي على مبدأ المشاركة في الربح والخسارة، بوصفه قاعدةً تنظّم العلاقة بين أطراف العملية الاقتصادية. ويؤكد أن هذا المبدأ يعكس تصورًا مختلفًا للعدالة الاقتصادية، يقوم على ربط العائد بتحمّل المخاطر والمساهمة الفعلية في النشاط الإنتاجي[3]. وبهذا المعنى، يصبح الربح نتيجةً لاحقة للأداء الاقتصادي، لا التزامًا ماليًا ثابتًا يفرض مسبقًا على المشروع.
آليات العمل المصرفي في غياب الفائدة
يُفرد الصدر مساحةً تحليلية لبحث الصيغ العملية التي تتيح للمصرف اللاربوي أداء وظائفه الأساسية من دون اللجوء إلى الفائدة. وتأتي المضاربة في مقدمة هذه الصيغ، إذ يؤدي المصرف دور الوسيط الاستثماري الذي يدير أموال المودعين ويوجّهها نحو أنشطة إنتاجية، مقابل حصة من الأرباح، من دون ضمان رأس المال، إلا في حالات التعدي أو التقصير[4].
كما يناقش صيغ المشاركة التي يتقاسم فيها المصرف والمستثمرون المخاطر والعوائد، بما يحوّل البنك من مؤسسة إقراض إلى شريك اقتصادي فعلي. ولا ينظر الصدر إلى هذه الصيغ بوصفها بدائل شكلية للفائدة، بل يشدّد على ضرورة انسجامها مع الفلسفة العامة للمصرف اللاربوي، بحيث تعكس في جوهرها مبدأ الارتباط بالاقتصاد الحقيقي، وتجنّب النظام المصرفي الوقوع في ممارسات تحاكي الفائدة في مضمونها، وإن اختلفت في صيغها القانونية[5].
البنك اللاربوي بين النظرية والتطبيق
على الرغم من الطابع النظري الغالب على الكتاب، استعرض الصدر التحديات العملية التي قد تواجه تطبيق نموذج المصرف اللاربوي؛ إذ أقرّ بأن نجاحه مشروط بتوفر بيئة قانونية وتنظيمية ملائمة، إضافةً إلى وعي اجتماعي بطبيعة المخاطر والعوائد في نظام يقوم على المشاركة، لا على الضمان المسبق.
كما يشير إلى أن تقييم المصرف اللاربوي ينبغي ألّا يقتصر على مدى التزامه الشكلي بتحريم الربا، بل يجب أن يمتد إلى قدرته على تحقيق أهداف اقتصادية أوسع، مثل تعبئة المدّخرات، وتوجيه الاستثمار نحو القطاعات الإنتاجية، والإسهام في التنمية الاجتماعية.
وقد أظهرت التجارب اللاحقة للمصارف الإسلامية أن كثيرًا من الإشكالات التي نبّه إليها الصدر، لا سيما التوتر بين متطلبات السوق المالية الحديثة ومبدأ المشاركة في المخاطر، ظلّت حاضرةً في الواقع العملي.
موقع الكتاب في تطور الفكر الاقتصادي الإسلامي
يُصَنَّف البنك اللاربوي في الإسلام من الأعمال المرجعية التي أسهمت في تأطير النقاش النظري حول الصيرفة الإسلامية، إلى جانب مؤلفات أخرى للصدر، وفي مقدمتها كتاب اقتصادنا[6]. وقد مثّل الكتاب خطوةً مبكّرة في الانتقال من نقد النظام المالي الربوي إلى محاولة بناء بديل مؤسسي متكامل، يجمع بين المرجعية الإسلامية والتحليل الاقتصادي.
لا تزال أطروحات الصدر الواردة في هذا العمل حاضرة في الدراسات الأكاديمية المعاصرة، بوصفها إطارًا نظريًا يُستند إليه في تقييم مسار الصيرفة الإسلامية وتحدياتها. كما يُنظر إلى الكتاب باعتباره نصًا أسهم في صياغة الأسئلة الأساسية التي ما زالت تشغل البحث في الاقتصاد الإسلامي، ولا سيما ما يتصل بعلاقة التمويل بالإنتاج، ودور المصرف في تحقيق العدالة والاستقرار الاقتصادي[7].
المراجع
الصدر، محمد باقر. اقتصادنا. ط 21. بيروت: دار التعارف للمطبوعات. 1991.
__________. البنك اللاربوي في الإسلام: أطروحة للتعويض عن الربا، ودراسة لكافة أوجه نشاطات البنوك في ضوء الفقه الإسلامي. بيروت: دار التعارف للمطبوعات. 1994.
__________. "البنك اللاربوي في الإسلام: نبذة عن الكتاب". مركز الأبحاث و الدراسات التخصصية للشهيد الصدر. /9/212024. شوهد في 12/12/2025. في:
[1] محمد باقر الصدر، البنك اللاربوي في الإسلام: أطروحة للتعويض عن الربا، ودراسة لكافة أوجه نشاطات البنوك في ضوء الفقه الإسلامي (بيروت: دار التعارف للمطبوعات، 1994).
[2] المرجع نفسه.
[3] المرجع نفسه.
[4] المرجع نفسه.
[5] المرجع نفسه.
[6] محمد باقر الصدر، اقتصادنا، ط 21 (بيروت: دار التعارف للمطبوعات، 1991).
[7] محمد باقر الصدر، "البنك اللاربوي في الإسلام: نبذة عن الكتاب"، مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر، /9/212024، شوهد في 12/12/2025، في: https://acr.ps/1L9BP4R