الحديث المُدْرَج هو الحديث الذي أُضيف إلى متنه أو إسناده شيء ليس منه من دون توضيح، فيُظَن أنه جزء من
الحديث النبوي[1]، مع أنه ليس منه.
يُقسم الحديث المدرج إلى مُدرَج الإسناد ومُدرَج المتن[2]. ويقع مدرج الإسناد في صور متعددة[3]، منها: أن يروي الراوي الحديث عن أكثر من راوٍ، أحدهم رواه مرسلًا وآخر متصلًا، ثم تُجمَع الروايتان في إسناد واحد من دون إيضاح الفرق، كما كان يفعل، مثلًا،
محمد بن إسحاق (ت. 150هـ/ 767م)، ما جعل بعض العلماء لا يقبلون تفرده بالرواية؛ ومنها أن يكون الحديث عند الراوي بإسناد، إلا جزءًا منه بإسناد آخر، فيرويه كاملًا بالإسناد الأول من دون تفريق، وقد وقع هذا في بعض روايات السير والمغازي؛ ومنها أن يكون عند الراوي حديثان مختلفان لكل منهما إسناده، فيدمجهما بإسناد واحد، ما يُسبّب خلطًا بين الأحاديث. وهذه الظاهرة تُعرَف بـ"دخول حديث في حديث"؛ ومنها أن يروي الراوي حديثًا ثم يُدلي بتعليق أو تفسير في أثناء روايته، فيختلط الأمر على بعض السامعين، ويظنون أن هذا التفسير جزء من الحديث. ومن الأمثلة على ذلك ما وقع لثابت بن موسى (ت. 215هــ/ 830م)، إذ روى عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر حديثًا مرفوعًا: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار"[4]، والصواب أنّه ليس حديثًا نبويًا، وإنما كان قولًا لشَرِيك القاضي (ت. 177هـ/ 793م) قاله عقب حديث الأعمش: "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد"... إلخ[5]، فأدرجه ثابتٌ في الخبر، ونسب كلام شريك إلى النبي ﷺ ثم انتشر هذا الخطأ بين الرواة[6].
أما مدرج المتن، فهو إضافة شيء إلى متن الحديث من دون أن يكون منه، ويُعرَف بعدة طرق، منها: وجود قرينة تدل على الإدراج، كما في حديث
أبي هريرة (ت. 59هـ/ 679م): "لولا الجهاد في سبيل الله والحج، وبر أمي، لأحببت أن أموت وأنا مملوك"[7]، إذ إن قولة "وبرّ أمي" لا يمكن أن تصدر عن النبي، لأن والدته توفيت في صغره؛ ومنها تصريح الصحابي بالإدراج، كما في حديث
عبد الله بن مسعود (ت. 32هـ/ 653م): "من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار"، ثم قال: "وقلت أنا: ومن مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة"[8]؛ ومنها تصريح بعض الرواة بفصل الجزء المدرج عن المتن الأصلي، كما في حديث "إن لله تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة"[9]، إذ أدرج بعض الرواة قائمة الأسماء داخل الحديث رغم أنها لم ترد في الأصل، وقد تبين ذلك من خلال مقارنة روايات الحديث المختلفة. ويمكن كشف الحديث المدرج من خلال مقارنة الروايات، أو بوجود تناقض في النص أو استحالة فيه، أو بتصريح بعض العلماء بأن جزءًا من الحديث مُدرج. كذلك فإن التحليل الدقيق من قبل المحدثين، يكشف عن الإدراج[10]. وإذا ثبت الإدراج في المتن، فإن الجزء المُدرج يُعد غير صحيح، لكن لا يُضعَّف الحديث كله. أما إذا كان الإدراج في الإسناد، فقد يكون دليلًا على ضعف الراوي، إلا إذا كان ثقة متقنًا، فيُوضح الأمر من دون تجريحه[11].
وقد اهتم علماء الحديث النبويّ بالكشف عن الإدراج والتدقيق في الأسانيد والمتون، فمِن أشهر المصنَّفات التي أُلِّفت في الحديث المُدرَج كتاب
الفصل للوصل المُدرَج في النقل[12] لصاحبه الخطيب البغدادي (ت. 463هـ/ 1071م)، وقد أولاه الحافظ
ابن حجر العسقلاني (ت. 852هـ/ 1449م) عنايةً خاصة، فنقّحه وزاد فيه حتى بلغ قدرُه ضعفَ الأصل أو أكثر، وجمع ذلك في مؤلَّف سمّاه
تقريب المنهج بترتيب المُدرَج[13]. ثم استخلص
جلال الدين السيوطي (ت. 911هـ/ 1505م) من كتاب ابن حجر جزءًا سمّاه
المَدْرَج إلى المُدْرَج[14]، اقتصر فيه على الحديث المُدرَج في المتن دون الإسناد، وأضاف إليه بعض الزيادات.
المراجع
البخاري، محمد بن إسماعيل.
الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله وسننه وأيامه [صحيح البخاري]. ج 2. القاهرة: دار التأصيل، 2012.
البغدادي، الخطيب.
الفصل للوصل المدرج في النقل. دراسة وتحقيق محمد بن مطر الزهراني. الرياض: دار الهجرة، 1997.
الجديع، عبد الله بن يوسف.
تحرير علوم الحديث. بيروت: مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع، 2003.
جراد، عبد الكريم بن محمد.
السَّبْر عند المحدثين وأثره في معرفة أنواع علوم الحديث في المتن والإسناد وفي الحكم على الرواة وعلى المرويات. ط 2. دمشق: مكتبة دار البيان، 2018.
الجرجاني، ابن عدي.
الكامل في ضعفاء الرجال. تحقيق وتعليق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض. ج 2. بيروت: دار الكتب العلمية، 1997.
السيوطي، جلال الدين.
المَدْرَج إلى المُدْرَج. ضبط نصوصه وخرَّج أحاديثه وعلَّق عليه أبو البراء عبد الله سالم. المنصورة: دار اللؤلؤة، 2016.
عتر، نور الدين.
منهج النقد في علوم الحديث. دمشق: دار الفكر، 1981.
القزويني، ابن ماجه.
جامع السنن [سنن ابن ماجه]. حققه وعلق عليه وحكم على أحاديثه عصام موسى هادي. ط 2. الجبيل، السعودية: دار الصديق للنشر، 2014.
النيسابوري، مسلم بن الحجاج.
صحيح مسلم. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. ج 1. القاهرة: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، 1955.
[1] يُنظر في تعريفه: نور الدين عتر،
منهج النقد في علوم الحديث (دمشق: دار الفكر، 1981)، ص 439؛ عبد الكريم جراد،
السبر عند المحدثين وأثره في معرفة أنواع علوم الحديث في المتن والإسناد وفي الحكم على الرواة وعلى المرويات، ط 2 (دمشق: مكتبة دار البيان، 2018)، ص 300.
[2] عبد الله بن يوسف الجديع،
تحرير علوم الحديث، ج 2 (بيروت: مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع، 2003)، ص 1011-1017؛ عتر، ص 439؛ جراد، ص 301.
[3] يُنظر: الجديع، ج 2، ص 1011-1013؛ جراد، ص 301-302؛ عتر، 440-442.
[4] يُنظر حديث رقم (1333) في سنن ابن ماجه: ابن ماجه القزويني،
جامع السنن [سنن ابن ماجه]، حققه وعلق عليه وحكم على أحاديثه عصام موسى هادي، ط 2 (الجبيل-السعودية: دار الصديق للنشر، 2014) ص 303.
[5] يُنظر حديث رقم (1149) في صحيح البخاري: محمد بن إسماعيل البخاري،
الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله وسننه وأيامه [صحيح البخاري]، ج 2 (القاهرة: دار التأصيل، 2012)، ص 156.
[6] ممّا يُبيّن وجه الاشتباه ما حكاه ابن عدي، نقلًا عمّا بلغه عن كلام محمد بن عبد الله بن نمير، أن هذا الحديث باطلٌ، وأن شريكًا كان مزّاحًا، فلعلّه كان يسوق الإسناد ثم التفت فرأى ثابتًا فقال مداعبًا: "من كثرت صلاته بالليل، حسُن وجهه بالنهار"، فظن ثابت -لغفلةٍ- أن هذه الجملة من متن الحديث الذي قُرئ بذلك الإسناد، فحملها عليه؛ وإنما هي من قول شريك، والإسناد الذي كان يقرؤه متنُ حديثٍ معروف. ينظر: ابن عدي الجرجاني،
الكامل في ضعفاء الرجال، تحقيق وتعليق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، ج 2، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1997)، ص 305.
[7] ينظر حديث رقم (2563) في صحيح البخاري: البخاري، ج 3، ص 441.
[8] ينظر حديث رقم (92) في صحيح مسلم: مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ج 1 (القاهرة: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، 1955)، ص 94.
[9] ينظر حديث رقم (2753) في صحيح البخاري، البخاري، ج 3، ص 579.
[10] الجديع، ج 2، ص 1014-1016.
[11] ينظر: الجديع، ج 2، ص 1016-1017؛ جراد، ص 303؛ عتر، 443-444.
[12] الخطيب البغدادي،
الفصل للوصل المدرج في النقل، دراسة وتحقيق محمد بن مطر الزهراني (الرياض: دار الهجرة، 1997).
[13] عتر، ص 444؛ والكتاب غير مطبوع.
[14] جلال الدين السيوطي،
المَدْرَج إلى المُدْرَج، ضبط نصوصه وخرَّج أحاديثه وعلَّق عليه أبو البراء عبد الله سالم (المنصورة: دار اللؤلؤة، 2016).