الموجز
الحزب الوطني من أوائل التنظيمات السياسية في مصر الحديثة، وقد نشأ في أواخر القرن التاسع عشر في ظلّ تصاعد الوعي الوطني ومقاومة النفوذ الأجنبي. بدأ بوصفه ـجمعية سرّية قبل أن يتحول إلى تنظيم حزبي علني، وارتبط اسمه ارتباطًا وثيقًا بـالثورة العرابية (1881-1882). يعدّه بعض الباحثين أول حزب سياسي في مصر، في حين يرى آخرون أنه لم يكن حزبًا بالمعنى العلمي الدقيق، لافتقاده لكثيرٍ من مقومات الحزب السياسي الحديث، وإن مثّل خطوة مهمة في تطور الفكر والتنظيم الوطني المصري. تعود جذور الحزب الوطني إلى عام 1867، حين تأسست سرًا جمعية الضباط بقيادة أحمد عرابي، وكان نشاطها مرتبطًا بالمطالبة بتخفيف الضرائب وتحسين أوضاع الجيش. ومع تفاقم أزمة الديون والمجاعة عام 1877، انتقل العمل إلى العلن، فتأسس الحزب رسميًا عام 1879 بتأثير جمال الدين الأفغاني. أصدر الحزب بيانه التأسيسي في شباط/ فبراير ولائحته الوطنية في نيسان/ أبريل من العام نفسه، معلنًا رفض التدخّل الأجنبي في الإدارة المصرية، والدعوة إلى الاستقلال والإصلاح السياسي والإداري. وفي 18 كانون الأول/ ديسمبر 1881، نشر الحزب برنامجه السياسي الذي عبّر عن نضجه الفكري وتنظيمه الوطني. ومع اقتراب عام 1882، كان الحزب قد تعزّز بالتدريج، وتحوّل من جمعية عسكرية محدودة إلى حركة وطنية جماهيرية. غير أنّ هزيمة الثورة العرابية واحتلال إنكلترا لمصر أدّيا إلى انهيار التجربة، وإن استمرّ الحزب بعد ذلك في المنفى عبر صحافة المعارضة التي أبقت على الخطاب الوطني الإصلاحي حيًا في الوعي العام.
السياق التاريخي والبدايات
شهدت مصر في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر حركة إصلاحية تدعو إلى مناهضة الاستبداد، والتغلغل التركي، والنفوذ الأجنبي، وبرز وعي وطني باكر رفع شعار "مصر للمصريين"[1].
وفي هذا السياق، تكوّنت عام 1867 جمعية سرّية داخل الجيش انضمّ إليها
أحمد عرابي (1841-1911) وعدد من زملائه، وظلّت تعمل في الخفاء، حتى أعلنت عن نفسها عام 1879 تحت اسم الحزب الوطني. وقد ارتبط ظهورها بالمطالبة بإصلاحات اقتصادية، مثل تخفيف الضرائب عن الفلاحين، غير أنّ
الخديوي إسماعيل (1830-1895) لم يتمكّن من الاستجابة لتلك المطالب بسبب غرقه في الديون واعتماده المستمرّ على الضرائب. وبذلك، مثّل الحزب امتدادًا مباشرًا للحراك السرّي الذي سبق
الثورة العرابية، وتجسيدًا لتحوّل المعارضة من العمل السرّي إلى العمل العلني[2].
بورتريه أحمد عرابي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
وقد مرّت مصر في أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر بأزمة مالية خانقة نتيجة إسراف الخديوي إسماعيل، واعتماد الدولة المتزايد على القروض الأجنبية لتغطية نفقاتها. كذلك، تفاقمت الأزمة مع
انخفاض فيضان النيل عام 1877، ما أدّى إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية ووقوع مجاعة واسعة النطاق امتدت إلى مختلف مدن الصعيد وقراه، فازدادت معاناة السكان، وتعمّقت حالة السخط الاجتماعي[3]. وفي هذا المناخ، ازدهرت صحافة المعارضة بجرأة لافتة عبر صحف مثل
أبو زمارة والقاهرة والشرق والنحلة، التي دعت إلى الدستور والحياة النيابية وتقليص التدخّل الأجنبي[4].
في تلك الفترة، كانت مصر قد احتضنت
جمال الدين الأفغاني (1838-1897) الذي شكّلت هجرته إليها، وإقامته فيها بين عامَي 1871 و1897، نقطةَ تحوّل كبرى في تاريخ الفكر والإصلاح الاجتماعي. وقد وصفه
محمد عبده (1849-1905) بأنّه كان باعثًا وطنيًا وسياسيًا للنهضة المصرية.[5]
نشط الأفغاني في اللقاءات والاجتماعات العامة، عارضًا فلسفته وأفكاره التي تركت أثرًا بالغًا في الرأي العام المصري. وكان يرى أنّ إصلاح الحكومة لا يتحقق إلا بإصلاح الشعب، فالحكومة إذا لم يكن وراءها رأي عامّ يوجهها، لا بدّ أن يستبدّ حكّامها. ويُروى عنه قوله: "القوّة النيابية لأيّ أمّة لا تكون ذات قيمةٍ إلا إذا نَبَعَت من نفس الأمّة، أمّا المجلس النيابي الذي يُنشئه ملكٌ أو أميرٌ أو تُحرّكه قوّةٌ أجنبية، فهو مجلسٌ موهوم موقوف على إرادة مَنْ استحدثه"[6]. وكان الأفغاني يقصد بذلك
مجلس شورى النواب الذي أنشأه الخديوي إسماعيل، مؤكدًا أنّ سلطة الحاكم يجب أن تخضع للقانون المستند إلى إرادة الشعب. فقد آمن بالحكم الدستوري، وميّز بين السلطات، بحيث لا تطغى إحداها على الأخرى. كذلك، دعا إلى مبادئ
الثورة الفرنسية في الحرية والإخاء والمساواة، فكان من أوائل مَنْ وضعوا أسس الديمقراطية المؤسَّسة على القيم الإسلامية[7].
جمال الدين الأفغاني
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
اجتمع حول جمال الدين الأفغاني في القاهرة عدد من المثقفين والسياسيين والأعيان، من أبرزهم:
محمود سامي البارودي، وأحمد خيري، ومصطفى وهبي، وعبد السلام المويلحي، ومحمد عبده،
وسعد زغلول، وأحمد فتحي زغلول، وإبراهيم اللقاني، وسليم النقاش، وأديب إسحاق، وعبد الله النديم، ويعقوب بن صنوع، وحفني ناصف، وعبد الله فكري، وغيرهم[8]. وانتشرت في تلك الفترة الأفكار الدستورية، وتكاثرت الجمعيات الوطنية السرية التي تدعو إلى الإصلاح والتغيير، وكان أبرزها
جمعية مصر الفتاة[9].
وفي الوقت ذاته، بلغ تذمّر الضبّاط المصريين ذروته نتيجة التمييز لصالح الشراكسة والأتراك وتخفيض مرتباتهم، الأمر الذي فاقم شعورهم بالظلم والاستبعاد. وقد مهّدت هذه التوترات الاجتماعية والسياسية لظهور الإطار السياسي العلني عام 1879، حين تأسّست جمعية باسم "الحزب الوطني"، عُرفت وقتئذٍ باسم "جمعية حلوان"، لأن مقرّها كان ضاحية حلوان.
بيانات الحزب ومواقفه
تألّف الحزب الوطني من طائفة من كبراء البلاد وعلمائها وأعيانها وضبّاطها ومسؤوليها، جمع بينهم الوعي بالإصلاح والرغبة في مقاومة التدخّل الأجنبي. ومن أبرز أعضائه:
شاهين باشا كنج (وزير الحربية السابق)، وإسماعيل راغب باشا (رئيس مجلس شورى النواب السابق)، وسليمان باشا أباظة (مدير الشرقية)، وحسن باشا الشريعي (مدير المنيا). وانضم إليه عدد من كبار الأعيان، في مقدمتهم:
سعيد باشا، وشريف باشا، وعمر لطفي باشا، وسلطان باشا، الذين كانوا من زعماء الحركة الدستورية في مصر. وشارك فيه أيضًا أحمد عرابي، وعبد العال حلمي، وعلي فهمي من قادة الثورة العرابية، ومن القيادات الدينية:
السيد البكري، الذي مثّل الصلة بين التيار الديني والإصلاحي الوطني[10].
في الثاني عشر من نيسان/ أبريل 1879، اجتمع زعماء الحزب في منزل
إسماعيل باشا راغب (1819-1884)، ووضعوا اللائحة الوطنية التي نُشرت في اليوم التالي. وقد تضمنت رفض المشروعات المالية الأجنبية، مثل
مشروع ريفِرز ويلسون (Charles Rivers Wilson، 1831-1916) الذي كان يرمي إلى إعلان إفلاس مصر، والتأكيد على قدرة مصر على إدارة ديونها بنفسها، والمطالبة بإصلاح دستوريّ يجعل مجلس النواب على النمط الأوروبي، ويُقرّ مسؤولية الوزراء أمامه. وقد أبدى الخديوي إسماعيل موافقته العلنية على اللائحة، وأمر بترجمتها وإرسالها إلى القناصل، بل استغلّها ذريعة لتغيير وزارته وتعيين شريف باشا رئيسًا للوزراء[11].
أدّت الأزمة المالية الخانقة إلى تدخّل القوى الأوروبية، ولا سيّما بريطانيا وفرنسا، اللتين فرضتا رقابتهما عبر
صندوق الدين العام. وأثار ذلك استياء الضبّاط والموظفين ومُلّاك الأراضي المصريين. وقد كثّفت الدول الأوروبية ضغوطها على
الباب العالي لعزل إسماعيل، بحجّة مخالفته
مرسوم 28 آب/ أغسطس 1878 وزيادة الجيش من دون وجه حق. وفي 26 حزيران/ يونيو 1879 صدر فرمان عزله وتولية ابنه
توفيق.[12]
عقب ذلك، تشكّلت
وزارة رياض باشا في أيلول/ سبتمبر 1879 على أساس التعاون الكامل مع الأوروبيين، وإعادة فرض النظام المركزي. غير أنّ المعارضة لم تهدأ، إذ اجتمع عددٌ من كبار المُلّاك والموظفين في حلوان، وأصدروا في 4 تشرين الثاني/ نوڨمبر 1879 البيان الوطني، الذي دعا إلى رفض التدخّل الأجنبي، وإرجاع المناصب للمصريين، ومصادرة أملاك إسماعيل، وتوحيد الديون وتخفيض فوائدها، وإصلاح التعليم والضرائب، ومراقبة خدمة الدين بواسطة لجنة دولية من دون تدخّل إداري. وقد وُجّه البيان أساسًا إلى الرأي العام الأوروبي، فنُشر باللغة الفرنسية، وطُبعت منه عشرون ألف نسخة[13].
ارتبط الحزب الوطني في القاهرة، مطلع ثمانينيات القرن التاسع عشر، بمعارضة وزارة رياض باشا، فبعد أن أقالَ الخديوي توفيق
وزارة شريف باشا الوطنية عام 1880، وأسند الحكم إلى رياض الذي مثّل عودة الاستبداد، وقف الحزب الوطني في مواجهته، وقرّر على نفقته الخاصة إيفاد
أديب إسحاق إلى باريس بعد أن ألغى رياض جرائده. وهناك انضم إسحاق إلى تيار الأفغاني، وكتب معلنًا خطة الحزب الوطني في فضح ولاة النظام، وإثارة الحميّة الوطنية، وتحريك الدم العربي لانتزاع الحقوق المسلوبة[14].
خلال المدة ما بين 1879 و1881، رسّخ رياض باشا حكمًا ديكتاتوريًا عطّل الأحكام الدستورية، وزاد من هيمنة الشراكسة والأتراك على المناصب الحكومية والجيش، ما أثار سخط كبار المُلّاك المطالبين بدستورٍ يحدّ من سلطة الفرد والتدخّل الأجنبي، واستياء متوسّطي المُلّاك والطبقات الشعبية الرافضة لاستبداد الطبقة الحاكمة والضرائب المجحفة. وفي هذا السياق، وقع
حادث قصر النيل في شباط/ فبراير 1881، حين تمرّد الضبّاط المصريون بقيادة أحمد عرابي، وعبد العال حلمي، وعلي فهمي، مطالبين بعزل وزير الحربية العثماني الشركسي
عثمان رفقي، وتشكيل مجلس نواب، وزيادة عدد الجيش. اضطرّ الخديوي توفيق إلى الاستجابة جزئيًا، فعزل رفقي، وعيّن
محمود سامي البارودي، لكنه حاول لاحقًا نقل الضبّاط الثائرين إلى السودان، الأمر الذي فجّر المواجهة الكبرى. وفي 9 أيلول/ سبتمبر 1881، احتشد الجيش أمام
قصر عابدين بقيادة عرابي، وأُجبِر الخديوي توفيق على قبول مطالبه، وهي: عزل رياض باشا، وتشكيل مجلس النواب. وهكذا تحقّق انتصار جزئي للضبّاط، وتشكّلت وزارة شريف باشا في 14 أيلول/ سبتمبر 1881، في مُحاولة للتوفيق بين المدنيين والعسكريين. غير أنّ التناقض بين الجانبين سرعان ما ظهر بوضوح، فالمدنيون، مثل محمد سلطان، وسليمان أباظة، أرادوا أن يُنجِز العسكريون الانقلاب، ثم يُسلّموا السلطة للمدنيين، في حين أصرّ العسكريون على البقاء في الحكم[15].
برنامج الحزب
في خضمّ تلك التطوّرات، أصدر الحزب الوطني في 18 كانون الأوّل/ ديسمبر 1881 برنامجه السياسي، الذي مثّل بيانًا فكريًا واضحًا لمبادئه وأهدافه. وقد أكّد البرنامج على جملة من الأسس أبرزها:
- الإقرار بالروابط الشرفية التي تجمع مصر بالباب العالي، من دون تبعية كاملة له.
- دعم شرعية الخديوي توفيق شريطة أن يحكم بالعدل، ويخضع للقانون.
- السعي إلى إقامة علاقات صداقة مع فرنسا وبريطانيا.
- الاعتراف بالديون الخارجية، مع المطالبة برقابة دقيقة على إدارة الأجانب لها.
- الدعوة إلى الإصلاح السياسي بالوسائل السلمية، لا بالعنف.
- التشديد على الوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين، باعتبارها ركيزة رئيسة لاستقلال البلاد ونهضتها[16].
وأعدّ
ويلفرد سكاون بلنت {{Wilfrid Scawen Blunt، 1840-1922}}، الشاعر والمستشرق البريطاني الذي كان يدعم عرابي والحركة الوطنية المصرية، في عام 1881، ملخّصًا لبرنامج الحزب الوطني موجَّهًا إلى الرأي العام الأوروبي، أكّد فيه على ضرورة الحفاظ على مكاسب الجيش التي تحقّقت عقب وقفة عابدين، ورفض عودة حكم الباشوات الأتراك، والتأكيد على الطابع السياسي غير الديني للحزب. وشدّد بلنت كذلك على المساواة أمام القانون، واحترام الدستور، واعتبر نشر التعليم شرطًا رئيسًا لإصلاح المجتمع، وترسيخ مبادئ الحرية والمسؤولية الوطنية[17].
في 26 كانون الأوّل/ ديسمبر 1881، افتُتح مجلس النواب رسميًا، غير أنّ التناقض بين المدنيين والعسكريين ظلّ قائمًا. سعى الخديوي توفيق إلى إبعاد الجيش عن الحياة السياسية بإصدار أوامر نقل لعددٍ من الضبّاط، من بينهم أحمد عرابي، في حين رأى الحزب الوطني في الجيش قوّة وطنية ضامنة لتحقيق مطالب الأمّة وحماية مكتسباتها. وهكذا بقيت القضايا الجوهرية من دون حلّ: مسألة الديمقراطية، وحقوق الدول الأجنبية، واستقرار النظام السياسي ذاته[18].
الأزمة والانكفاء
في الوقت ذاته، تفاقمت الأزمة مع سعي الباب العالي والدول الأوروبية، ولا سيما بريطانيا وفرنسا، إلى التأثير في مجرى الأحداث. وفي خضم ذلك، تحولت الحركة بقيادة أحمد عرابي إلى حركة وطنية جامعة، استندت إلى الجيش بوصفه القوة المنظمة الوحيدة، والتحق بها عدد من العلماء والتجّار والأعيان. وقد مرّت الحركة بثلاث مراحل أساسية: مرحلة تولي البارودي وعرابي السلطة، ومرحلة الوحدة الوطنية، ثم مرحلة الدفاع عن مصر في مواجهة الغزو البريطاني بالإسكندرية. امتزج في هذه المرحلة البعد الديني بالوطني، غير أنّ ضعف الخبرة السياسية لقادة الجيش، وغياب التنظيم الموحد، وتردد قطاعات اجتماعية واسعة، وانقطاع الصلة بين عرابي والقصر، كانت جميعها عوامل أسهمت في إضعاف الحركة، وأدت في النهاية إلى هزيمتها في أيلول/ سبتمبر 1882 ونفي زعمائها[19].
انتهت الأزمة باحتلال بريطانيا لمصر بعد معارك الإسكندرية والتل الكبير وهزيمة الجيش العرابي. وقد مثّل هذا الاحتلال تحولًا جذريًا في مسار
الحركة الوطنية المصرية، إذ أنهى التجربة السياسية والعسكرية للحزب الوطني العرابي، لكنه لم يُنهِ إرثه الفكري[20].
الصفحة الأولى من صحيفة أبو نظارة ليعقوب صنوع.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
بعد الهزيمة، استمرّ الحزب الوطني في صورة نشاط صحفي معارض في المنفى، فأدّت صحف مثل
أبو نظارة ليعقوب صنوع دورًا في إبقاء جذوة المعارضة حيّة. كذلك، ظلّ
عبد الله النديم متخفيًا تسع سنوات، ينشر الخُطب والمقالات التي تُغذي روح المقاومة[21].
في تلك الفترة، برز اسم الأمير حليم باشا، الابن الأصغر لـمحمد علي باشا، الذي دخل في صراع مع ابن أخيه الخديوي إسماعيل حول العرش، وأبعده الأخير عن الحكم، ونفاه خارج مصر[22]. وكان حليم على اتصال منذ البداية بالجمعيات السرّية في مصر، محتفظًا باتصالاته مع الضبّاط المصريين طوال أحداث 1879-1882، واشترك في بعض أعمال الحزب الوطني وقراراته. وبعد هزيمة الثورة، ظّلت سمعته في مصر قائمة، واستمرّ في نشاطه[23].
عبد الله النديم
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
لقد استندت الحركة إلى شخصية كاريزمية مثل عرابي ومعاونيه كالبارودي، وتحولت إلى ظاهرة جماهيرية واسعة. وعلى الرغم من ذلك، فإنها أخفقت في إنتاج تنظيم سياسي مستقر قادر على مواجهة التفوق العسكري والاستعماري البريطاني، فانتهت بوصفها حركة مسلّحة، لكنها خلّفت إرثًا وطنيًا وفكريًا ممتدًا عبر الحزب الوطني وصحافته[24].
يُشار إلى أنّ عددًا من الباحثين يتحفّظون على إطلاق وصف "الحزب" بالمعنى العلمي الدقيق على التنظيم المعروف باسم الحزب الوطني الذي تأسّس عام 1879، إذ يرون أنه لم يكن حزبًا بالمعنى الحديث، بقدر ما كان هيئة وطنية عامة تُجسّد آمال المصريين في الاستقلال والتقدّم. فقد افتقد هذا التنظيم إلى مقوّمات الحزب السياسي الحديثة، من تنظيم دائم، وقاعدة جماهيرية منظَّمة، وبرنامج سياسي محدّد يسعى إلى استقطاب المواطنين حوله. لذلك، يعدّه هؤلاء الباحثون تعبيرًا عن نزعة وطنية عامة، أكثر من كونه حزبًا مؤسَّسًا بالمعنى المؤسّسي المتعارف عليه. ويستثني هؤلاء
الحزب الوطني الذي أسّسه
مصطفى كامل عام 1907، معتبرين إيّاه أول حزب سياسي حقيقي في تاريخ مصر الحديث بالمعنى العلمي الدقيق، حتى جاء
حزب الوفد بعد
ثورة 1919 ليُرسّخ هذا التطوّر الحزبي، ويُشكّل امتداده الطبيعي في الحياة السياسية المصرية.[25]
المراجع
الجندي، أنور.
عبد العزيز جاويش من روّاد التربية والصحافة والاجتماع. القاهرة: المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر، 1965.
حمزة، عبد اللطيف.
قصة الصحافة العربية في مصر منذ نشأتها إلى منتصف القرن العشرين. الجيزة: وكالة الصحافة العربية (ناشرون)، 2019.
الرافعي، عبد الرحمن.
عصر إسماعيل. ط 2. القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1948.
سالم، لطيفة محمد.
القوى الاجتماعية في الثورة العرابية: الجذور والأحداث. القاهرة: مكتبة مدبولي، 2004.
ستيوارت، ديزموند.
يوميات رحّالة: مذكرات ديزموند ستيوارت عن الشرق. ترجمة سمير محفوظ بشير. القاهرة: العربي للنشر والتوزيع، 2023.
شلش، علي.
جمعية مصر الفتاة: جمعية سياسية وثيقة إصلاحية 1879. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990.
شولش، ألكسندر. مصر للمصريين: أزمة مصر الاجتماعية والسياسية 1878-1882. تعريب رؤوف عباس حامد. الجيزة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 1999.
العشماوي، محمد فؤاد.
مخصصات الأسرة الحاكمة في مصر منذ محمد علي حتى ثورة1952. القاهرة: العربي للنشر والتوزيع، 2023.
عوض، لويس.
تاريخ الفكر المصري الحديث من عصر إسماعيل إلى ثورة 1919. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1983.
لاندو، جاكوب.
الحياة النيابية والأحزاب في مصر (1866-1952). ترجمة سامي الليثي. القاهرة: مكتبة مدبولي، [د.ت.].
هلال، علي الدين. العهد البرلماني في مصر من الصعود إلى الانهيار 1923-1952. القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 2011.
[1] أنور الجندي،
عبد العزيز جاويش: من روّاد التربية والصحافةوالاجتماع (القاهرة: المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر، 1965)، ص 11-13.
[2] عبد اللطيف حمزة،
قصة الصحافة العربية في مصر منذ نشأتها
إلىمنتصف القرن العشرين (الجيزة: وكالة الصحافة العربية (ناشرون)، 2019)، ص 79.
[3] للتفاصيل يُنظر: ديزموند ستيوارت،
يوميات رحالة: مذكرات ديزموند ستيوارت عن الشرق، ترجمة سمير محفوظ بشير (القاهرة: العربي للنشر والتوزيع، 2023)، ص 88.
[4] لويس عوض،
تاريخ الفكر المصري الحديث من عصر إسماعيل إلى ثورة 1919 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1983)، ص 88-89.
[5] لطيفة محمد سالم،
القوى الاجتماعية في الثورة العرابية: الجذور والأحداث (القاهرة: مكتبة مدبولي، 2004)، ص 81-82.
[6] المرجع نفسه، ص 82-83.
[7] المرجع نفسه، ص 82-83.
[8] المرجع نفسه، ص 83-84.
[9] يُنظر: علي شلش،
جمعية مصر الفتاة: جمعية سياسية وثيقة إصلاحية 1879 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990).
[10] جاكوب لاندو،
الحياة النيابية والأحزاب في مصر (1866-1952)، ترجمة: سامي الليثي (القاهرة: مكتبة مدبولي، [د.ت.])، ص 92؛ عوض، ص 89-90.
[11] لاندو، ص 92.
[12] للتفاصيل يُنظر: عبد الرحمن الرافعي،
عصر إسماعيل، الجزء الثاني، ط 2 (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1948)، ص 230- 233.
[13] ألكسندر شولش،
مصر للمصريين: أزمة مصر الاجتماعية والسياسية1878-1882، تعريب رؤوف عباس حامد (الجيزة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 1999)، ص 136-137.
[14] حمزة، ص 71.
[15] عوض، ص 88-90.
[16] المرجع نفسه، ص 98-99.
[17] لاندو، ص 97.
[18] عوض، ص 100.
[19] لاندو، ص 98-99.
[20] عوض، ص 100-104.
[21] لاندو، ص 99-100.
[22] للتفاصيل يُنظر: محمد فؤاد العشماوي،
مخصصات الأسرة الحاكمة في مصر منذ محمد علي حتى ثورة 1952 (القاهرة: العربي للنشر والتوزيع، 2023)، ص 205 وما بعدها.
[23] لاندو، ص 99-100.
[24] نفسه، ص 100-102.
[25] علي الدين هلال،
العهد البرلماني في مصر من الصعود إلى الانهيار 1923-1952 (القاهرة: الدار المصرية اللبنانية،2011)، ص 95-97.