الموجز
حادثة السقيفة، أو يوم السقيفة، هي تسمية تطلق في كتب التراث الإسلامي على واقعة اجتماع نفر من المهاجرين مع عدد من الأنصار ممن اجتمعوا يوم وفاة
النبي محمد (ت. 11هـ/ 632م)[1] بشأن تولي أمر المسلمين بعده، حيث نشب بينهم خلاف، ودار نقاش، وذلك في إشارة إلى المكان الذي اجتمعوا فيه، وهو سقيفة[2] بني ساعدة في المدينة. وانتهى الخلاف بمبايعة
أبي بكر الصديق (ت. 13هـ/ 634م) وتوليه أمر المسلمين.
ثمة روايات مختلفة بشأن ما جرى في السقيفة، وقد نقلها كتاب السيرة والمؤرخون والمحدِّثون والفقهاء في نصوصهم التي يبعد أقدم ما وصل إلينا منها أكثر من قرن ونصف عن يوم وفاة الرسول. وتتفق الروايات المختلفة على وقوع خلاف بشأن الإمارة[3] على المسلمين، وعلى أن الأمر آل في النهاية إلى أبي بكر بمبايعته في السقيفة، وكان من افتتحها كما يبدو
عمر بن الخطاب (ت. 23هـ/ 644م)، وربما
بشير بن سعد (ت. 12هـ/ 633م)، ثم عمر، ثم
أبو عبيدة بن الجراح (ت. 18هـ/ 639م)، وتبعهم الحاضرون من المهاجرين والأنصار، وقد سميت لاحقًا بالبيعة الخاصة. وأُتبعت هذه البيعة بالبيعة العامة، وهي مبايعة جمهور المسلمين لأبي بكر في مسجد المدينة، وكانت بمنزلة تتميم للبيعة الخاصة، وهي مصطلحات فقهية متأخرة. واصطلح على تسمية أبي بكر آنذاك بـ”خليفة رسول الله”، ولاحقًا الخليفة بأل التعريف ومن دون إضافات، في حين فسّرها بعض الخلفاء بخلافة الله، بمعنى النيابة عنه في الأرض.
طبيعة الخلاف بين الأنصار والمهاجرين وحججهم
ذهب أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح من المهاجرين - وفقًا للروايات المختلفة والمتباينة في هذا السجال، مع عدم ذكر الروايات صحابيًا مهاجرًا واحدًا حضر النقاش غيرهم، إلّا أنها تورد أحيانًا
سالم مولى أبي حذيفة (ت. 12هـ/ 633م) - إلى سقيفة بني ساعدة. ويذكر الرواة أن الأنصار كانوا يخططون لتنصيب
سعد بن عبادة (ت. 14هـ/ 635م)[4]، ولكن قدوم الصحابة الثلاثة من المهاجرين إلى السقيفة حال دون ذلك. وبعد أن نشب نقاش بشأن أحقية الأنصار أم المهاجرين في تولي أمر المسلمين، سارع عمر إلى مبايعة أبي بكر لتجنب وقوع فتنة.
تتضمن الروايات عن السقيفة حجج الأنصار التي تدعم أحقيّتهم في تولي الأمر، وذلك بتصريحات تكررت على لسان خطبائهم بشأن استقبالهم دعوة النبي حين أخرجه قومه، وحمايته مع المهاجرين الذين وفدوا إلى
يثرب (المدينة لاحقًا)، ونشر دعوته بالجهاد الذي ما كان ليتحقق من دونهم. ويفهم مما بين السطور أنّها محاولة لاستعادة الأنصار مدينتهم من المهاجرين، فأهل المدينة الذين استضافوا المهاجرين هم الأولى بالولاية، في منظورهم. ولكن الأمر المهم الذي تجمع عليه الروايات هو اجتماعهم وحدهم من دون المهاجرين لتنصيب سعد بن عبادة زعيم
الخزرج، والتلميح إلى أن هذا جرى لاستعجال تولي الأمر من دون المهاجرين، قبل بلوغ الأمر مسامع أبي بكر وعمر. وقد عدّ المؤرخ
محمد عبد الحي شعبان (1926-1992) لقاء السقيفة اجتماعًا للخزرج فقط دون شركائهم السابقين في المدينة (الأوس)[5]، ما يتناقض مع المصادر التراثية التي تتعامل معه بوصفه اجتماعًا للأنصار بمن فيهم الأوس.
رجّح المؤرخ
هشام جعيط (ت. 2021) أن اجتماع الأنصار وحدهم، وأخذهم المهاجرين على حين غرة، إنما كان لاختيار رئيس للأنصار وزعيم لمدينتهم، وليس لاختيار قائد للأمة الإسلامية عمومًا. فهم قد سلّموا للنبي وحده بزعامة المدينة، ثم حاولوا استرجاعها بعد وفاته[6]. ويتفق معه المؤرخ
ويلفريد ماديلونغ (Wilfred Madelung، 1930-2023) في ذلك، وفي أن سبب اجتماعهم من دون المهاجرين هو اختيار زعيم لهم، فبعد وفاة النبي لم يعد ثمة سبب لاستمرار الوضع الذي كان سائدًا في المدينة بوجوده[7]. لكنّ هذا التفسير الذي يفترض أن النزعة القبلية تمثلت في استرجاع زعامة المدينة، لا في ترؤّس المسلمين، ولا تزعّم العرب، لا يتوافق مع السجال الذي دار في السقيفة، وكان محوره زعامة المسلمين (العرب الذين اجتمَعوا على رئاسة محمّد بن عبد الله في تلك المرحلة) وفقًا لجميع الروايات. وقد يُفهم موقف بعض الجماعات القبلية التي وُصفت بالردة، على أنه تعبير عن رفضها لاستمرار سلطة قريش بعد وفاة الرسول، وليس ارتدادًا عن الدين نفسه، وفق أعراف السياسة العربية.
فسَّر
مارشال هودجسون (Marshall Hodgson، 1922-1968) عرض الأنصار للمهاجرين “منا أمير ومنكم أمير”، كما يرد في المرويات، بأن الاقتراح يعني تنصيب أمير من الأنصار على المدينة، وأمير من المهاجرين على مكة[8]، ما يعني استمرار الإسلام بوصفه دينًا كما بدأ من دون كيان سياسي موحد؛ أي دولة واحدة. ولكن الأمر لم يُفهَم على هذا النحو في السرديات المختلفة، أو في رد عمر بن الخطاب الذي تذكره بعض الأدبيات بأنه “لا يجتمع سيفان في غمد”؛ بمعنى لا بديل عن وحدة القيادة. وقد أحبط أبو بكر وعمر هذه المحاولات. ولكن بعض المرويات تورِد هذا العَرْض الأنصاري (منا أمير ومنكم أمير) في بداية السجال، وبعضها يورده بصفة اقتراحٍ بديلٍ عن انفراد فريق بإمارةٍ عامة على المسلمين.
عمومًا، تبدأ حجج المهاجرين بالثناء على الأنصار ودورهم، ثم الإشارة إلى أنّ فضائلهم هذه لا تكفي، ولا تؤهلهم لتولي أمر المسلمين، خلافًا للمهاجرين؛ فهم من قريش قبيلة الرسول، أما الحجة ذات الطابع الديني النسبي فمتعلقة بشخص أبي بكر، وهي ليست دينية فعلًا، بل متعلقة بقربه من الرسول؛ فبه وَثِق الرسول أيام مرضه، وعليه اعتمد ليصلي بالناس. وهو أول من أسلم من الرجال البالغين (سبقته
خديجة زوجة الرسول (ت. 3 ق.هـ/ 619م)، وعلي بن أبي طالب (ت. 40هـ/ 661م) الذي كان صبيًا حين أسلم). وهو الذي رافق الرسول في هجرته (ثاني اثنين إذ هما في الغار). ولكن أبا بكر نفسه - كما ورد في جميع الروايات تقريبًا - شدد في خطابه على أولوية قريش مقدِّمًا اثنين غيره (عمر بن الخطاب، وأبا عبيدة بن الجراح) لتولي أمر المسلمين. وهو تقديم ناتج عن حضورهما معه في السقيفة، ولا يمكن القطع بأنه لو كان غيرهما موجودًا فهل سيقدمه أيضًا أم إنه، بالفعل، رأى في عمر وأبي عبيدة كفاءة لهذا الأمر.
أما كونه ثاني اثنين في الغار، والذي قدّمه الرسول للصلاة نيابةً عنه حين كان مريضًا، فكانت حجة عمر وأبي عبيدة في تفضيله على نفسيهما. كذلك ترد في حوار بين أبي بكر وعلي، كما ينقله بعض الرواة، حجةٌ على لسان أبي بكر، يمكن أن تُعَدّ بلغة العصر حجة “الواقعية السياسية”، وتتلخص في منع وقوع الفتنة. وهي أيضًا حجة عمر بن الخطاب لمبايعته أبا بكر في بعض تصريحاته التي تأتي عليها كتب التراث (بأنها كانت فلتة وقى الله شرها)؛ أي بمعنى وقوعها فجأة ولم يُستشر فيها المسلمون جميعًا[9]، ولكنّها تمّت سريعًا خوفًا من اتفاق الأنصار وخروج الخلافة من قريش، ودليل ذلك تتمة الحديث لعمر حيث يقول: “فمن عاد إلى مثلها من غير مشورة فاقتلوه”[10]. ويرجح أن هذه الحجج نشأت في سياق سجالات في قرون لاحقة، في موضوعات من مثل: متى تصح إمامة المفضول على الأفضل، والمبايعة درءًا للفتنة، وغيرها.
تبرز الحجة القبلية بشأن أحقية قريش بشدة في النقاش، وتكاد الأمور تصل إلى حد المواجهة. وفي معظم الروايات، يبادر عمر إلى مبايعة أبي بكر، قاطعًا الطريق أمام فتنة أطلت برأسها. وتبعه من حضر من المهاجرين، والأنصار المجتمعون في السقيفة. ووفقًا لبعض الروايات، سبقه بشير بن سعد من الخزرج إلى مبايعة أبي بكر، وقد اتُّهم بـأنه حسد ابن عمه سعدًا[11]. وعمومًا مال الأوس إلى دعم المهاجرين تجنبًا للوقوع تحت سيطرة الخزرج. وروى
الزبير بن بكار (ت. 256هـ/ 869م) أن الأوس والخزرج تنافسوا فيما بعد في ادعاء الأولية في مبايعة أبي بكر، فزعمت الخزرج أن أول من بايع أبا بكر هو بشير بن سعد، وزعمت الأوس أن أول من بايعه هو
أسيْد بن حُضير[12].
مقولة: “قريش ولاة هذا الأمر”
يورد بعض الروايات استخدام أبي بكر في مخاطبة سعد بن عبادة حديثًا نبويًا يفيد أن الرياسة لقريش، إذ قال أبو بكر: “ولقدْ علمتَ يا سعد أنّ رسول اللَّه قال وأنت قاعد: قريش ولاة هذا الأَمْر، فَبَرُّ الناس تَبَعٌ لبَرِّهم، وفاجرهم تَبَعٌ لفاجرهم”[13]، ما أسبغ على الحجة القبلية طابعًا دينيًا، خصوصًا بعد إقرار سعد بهذا الحديث، ففسح المجال لإلباس العصبية لقريش لباس الدين[14]. وأصبحت الخلافة في قريش قاعدة، بعد أن أُرسيت في حديث منسوب إلى النبي، رواه أبو بكر في السقيفة وفقًا لبعض الروايات، ولم يرد على لسانه في غيرها. وتلك الروايات جميعها روايات آحادية، لم تبلغ حدّ التواتر، رغم شهود جماعة من الناس هذه القصة، وقد اعتمد كتاب السيرة والأخبار قاعدة “الأئمة من قريش”، ودونوها بعد مرور أكثر من قرن ونصف[15].
ولا شك في أن الخلافتين الأموية والعباسية كانتا معنيتين في تكريس هذا المبدأ القبلي دينيًا، فقد عمَّرت قاعدة الإمامة القرشية طويلًا، وأكد
أحمد بن حنبل (ت. 241هـ/ 855م) -في المرويّات المنقولة عنه، التي ظهرت بعد طبقة تلاميذه المباشرين- على هذه القاعدة[16]، وأعاد كُتّاب الأحكام السلطانية، ولا سيما
الماوردي (ت. 450هـ/ 1058م)، التأكيد على هذه القاعدة في مرحلة ضعف الخلافة العباسية، فهي عند الماوردي الشرط السابع الذي يجب توفره في الخليفة، مقتبِسًا قول أبي بكر الصديق في احتجاجه على الأنصار يوم السقيفة في دفعهم عن الخلافة[17].
وكتب الباحث محمد يحيى عزان يقول إنه راجع أمهات مصادر الحديث التي دونت في القرون الثلاثة الأولى فلم يجد ذكرًا للحديث في قصة السقيفة[18]. وهذا ما يتضح من معظم الروايات التي سترد أدناه، فالحديث يرد على لسان أبي بكر وحده، وفي بعضها فقط.
وكان
الجاحظ (ت. 255هـ/ 869م) المعتزلي، من أبرز رموز الفكر والأدب في عصره، قد كتب يقول إن “أبا بكر خاطب قومًا كانوا يرون للحسب قدرًا وللقرابة سببًا، فأتاهم من مأتاهم، وأخذهم من أقرب مآخذهم، واحتج عليهم بالذي هو عندهم، ليكون أقطع للشغب وأسرع للقبول”[19]. أي إن المبدأ هو ضمان القبول، أو ما هو أدعى إلى القبول وأبعد عن الشغب، لا الانتساب إلى قريش بذاته. ويضيف الجاحظ في موضع آخر أن مَن طرح مِن الأنصار فكرة “منّا أمير ومنكم أمير” لم يكونوا جهلة، أو مارقين من الدين، بل كانوا من أكثر الناس وفاءً للكتاب وسنّة الرسول، وهم ممن قاتلوا معه، كذلك كانوا وجهاء القوم، فلم يكن الكلام من “سفيهٍ من سفهائهم”. وهذا تأكيد على أن النقاش لم يكن له علاقة بالدين (فضلًا عن المذاهب التي لم يعرفها أولئك القوم)، وقد جاء هذا القول من عليتهم، وكان مرشحهم سعد بن عبادة “سيّدًا مطاعًا، ذا سابقة وفضل وحلم ونجدة وجاه عند رسول الله”[20].
وأمّا الأنصار، فحين روى لهم أبو بكر قول الرسول “قريش ولاة هذا الأمر”، وقال لهم: “منّا الأمراء ومنكم الوزراء”[21]، فقد بدت كلمة الوزراء نافرة بالنسبة لهم، على الرغم من ورودها في القرآن في موضعين: ﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي﴾ (طه: 29)؛ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ (الفرقان: 35). وعلى كل حال، لم ير الأنصار في كلام أبي بكرٍ وعمر “حُجّةً عليهم، وأن انصرافهم عمّا اجتمعوا له لم يكن لأنهم رأوا أن ذلك القول من أبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح حُجّة”، بدليل “غَضَب رئيسهم وخروجه من بين أظهرهم مراغمًا، في رجالٍ من رَهطه، مع تركه بيعة أبي بكر رضوان الله عليه، وتشنيعه عليهم بالشّام”[22].
يرى الجاحظ أيضًا أنّ اختيار إمام أو أمير واحد هو الصحيح، وذلك منعًا للتنافس والتزاحم والتحاسد. يقول: “ولكننا نقول: لا يجوز أن يَلِيَ أمر المسلمين على ظاهر الرأي والحزم والحيطة أكثر من واحد، لأن الحكام والسادة إذا تقاربت أقدارهم وتساوت عنايتهم قويَت دواعيهم إلى طلب الاستعلاء، واشتدت منافستهم في الغلبة”[23]. ويقول إن النزاعات التي جرت في السقيفة، ثم حين عَهِدَ أبو بكر لعمر بالولاية من بعده، ورفضه لأقوال طلحة بن عبيد الله (ت. 36هـ/ 656م) عن خشونة عمر، وإقدام عمر على تعيين جماعة من صحبه المهاجرين للشورى في شأن من يتولى بعده، وتوعّده لهم بالقتل إذا لم يتفقوا على واحد، ثم الفتنة، ورفض عثمان التخلّي عن الخلافة، كل تلك الأحداث في رأيه ليست “بحجةٍ على ما قلنا، فليست في الأرض دلالةٌ ولا حجةٌ قاطعة”، ولكن هو يرى في ذلك “دليلًا على أنهم كانوا يرون أن إقامة الإمامة فريضةٌ واجبة، وأن الشركة عنها منفية، وأن الإمامة تجمع صلاح الدين وإيثار خير الآخرة والأُولى”[24].
كتب
ابن خلدون (ت. 808هـ/ 1405م) أن النسب القرشي كان شرطًا سياسيًا تاريخيًا لا شرطًا دينيًا، لأن قريش مثّلت في حينه عصبية مُضَر القادرة على الإمساك بالدولة، وقد زالت هذه العصبية لطول حكمها وتمدّنها[25]. وزال هذا الشرط عمليًا بزوال عصبية مضر، لا نتيجةً لتغيير في العقيدة الدينية، وإن اختلفت المذاهب على الإمامة قبل اختلافها على أي موضوع آخر؛ أي إنّ هذا الخلاف قد دُيِّن ولم يكن دينيًا في أصله. لذلك أيضًا أسقط الفقيه الشافعي،
أبو بكر الباقلاني (ت. 403هـ/ 1013م)، شرط القرشية لما “أُدرِكَ عليه عصبية قريش من التلاشي والاضمحلال واستبداد ملوك العجم من الخلفاء”[26]، وقد رأى حال الخلفاء في عصره وذهاب شوكتهم بذهاب العصبية.
كان اختيار أبي بكر حلًا وسطًا، فمن ناحية انتصر المنطق القبلي في تفضيل قبيلة النبي على الخزرج، ومن ناحية أخرى لم يُسَق المنطق القبلي حتى نهايته، إذ اختير رجل مقرب من النبي من بيت هامشي في قريش وليس من علية قومها الذين كانوا حتى فترة قريبة يحاربون الإسلام. وتاريخيًا، قاد منطق الانتماء القرشي للأمير إلى تصدر من يمكن أن يُعَدّوا ممثلي قريش الأصيلين من زاوية النظر القبلية؛ أي أرستقراطييها من بني أمية الذين عادوا للبروز وتقلدوا المناصب في عهد عثمان بن عفان، الخليفة الثالث الذي لم يقلِّدْ هاشميًّا منصبًا. فبعد أن بويع في السقيفة صحابي من بني تيم، أضعف بيوت قريش وفقًا لأبي سفيان الغاضب لذلك[27]، كما يدل تحريضه العباس الذي تورده بعض كتب التراث، أصبح الخلفاء منهم بعد خلافة علي بن أبي طالب القصيرة.
وقد برزت الأحاديث النبوية القرشية، التي تشيد بفضائل قريش وتخصها بمكانتها عند الله في العهد الأموي، مع ذكر بعضها في الصحاح[28]. ومن ناحية أخرى، أفضت حجة القرب من النبي من حيث قرابة الدم ضمن المنطق العشائري نفسه إلى التمسك بحق علي بن أبي طالب ونسله في الإمارة، فهو ابن عمه، وزوج ابنته، وأقرب الصحابة إليه من هذا المنظور، وأضفيت على قرابة الدم هذه مزايا دينية وروحانية وعلمية-باطنية في علي ونسله. وانتشرت بكثرة وصايا النبي بأن يكون الإمام من قريش، أو الوصايا العينية بأبي بكر وعمر، وخصوصًا لعلي؛ وهي وصايا متعارضة لا يعقل أن تصدر جميعها عن النبي، ولم يصح صدور إحداها عنه، وكانت قائمة ومعروفة، مثلما يفترض بالوصية أن تكون، فالوصية السرية ليست وصية، ولو كانت موجودة لربما ما حصل الخلاف بين المسلمين الأوائل المعروفين بتقواهم وطاعتهم للرسول، لا في السقيفة ولا بعدها في فترة الخلافة الراشدة.
نشب الصراع من جديد على زعامة الأمة بعد مرحلة من التوافق في زمن أبي بكر وعمر، ولكن بوادره لوحظت في يوم السقيفة ذاته قبل انعقاد الاجتماع وبعده، فليس مصادفةً انحياز جزء كبير من الصحابة الأنصار لاحقًا إلى علي في مرحلة ما يسمى الفتنة الكبرى، فقد كان الانحياز إلى من عُد مظلومًا داخل قريش هو المسار الممكن للتعبير عن معارضتهم لفكرة أحقية قريش حتى بعد قبولهم إمارة أبي بكر وعمر. وتبدّى ذلك في مبايعة علي بعد مقتل عثمان، التي استندت على الأنصار في المدينة وقليل من الصحابة المهاجرين، ولاحقًا مع انضمام معظم القبائل اليمنية إلى معسكره في الصراع مع معاوية[29] (يعد الأوس والخزرج من القبائل اليمانية القحطانية، في حين تنحدر قريش وفقًا لأنساب العرب من مُضر من عدنان)، فقد عين الخليفة علي بن أبي طالب عددًا من الصحابة الأنصار ولاة على الأمصار[30]. وكان الأنصار قد حُرِموا من هذه المناصب قبل تولي علي، وكذلك لم يكن لهم دور في المشاركة في الشورى (خلافًا للوعود في السقيفة باعتبارهم الوزراء) التي أمر بها عمر بن الخطاب لاختيار خليفته، فجُعلت في ستة من كبار المهاجرين.
ومن الجدير بالذكر أن كُتّاب القرنين الثالث والرابع الهجريين/ التاسع والعاشر الميلاديين، وغيرهم الذين اختلفوا في مجريات السقيفة، افترقوا أيضًا على واقعة يفترض أنها جرت عشية حادثة السقيفة؛ فقد دار نقاش مطوّل بينهم بشأن تأمير الرسول وهو على فراش الموت الشاب
أسامة بن زيد بن حارثة (ت. 54هـ/ 673م) للخروج والغزو، وصحة إلزامه أبا بكر وعمر على الخروج تحت إمرته، وفقًا لبعض الروايات. وقد فسّر
الإمامية ذلك بأن النبي أراد أن يُخرج أبا بكر وعمر مع أسامة لكي يخلو المجال لعليّ بن أبي طالب بالإمامة حين يتوفى الرسول، إذ يرى كتاب متعاطفون مع علي من الإمامية وغيرها أن النبي كان يعلم بموته، وأنه أمر أبا بكر وعمر أن يسيرا في حملة أسامة بن زيد لكي يغيبا عن المدينة ولا يستوليا على الأمر بعد وفاته. وقد كتب المعتزلي ابن أبي الحديد (ت. 656هـ/ 1258م) في
شرح نهج البلاغة أن هذا غير معقول، فإذا كان النبي يتنبأ بما سيحصل، فلا بد أنه علم أيضًا أن أبا بكر سيلي الخلافة بعده، فما معنى أن يرسله في حملة مع أسامة بن زيد، وهو يعرف أن ذلك سيحصل على كل حال[31]؟
مبايعة أبي بكر
جرت أحداث السقيفة كما تناقلتها المصادر التاريخية بالبيعة لأبي بكر الصديق، وقد تباينت المصادر في أنّ أول من بايعه هو عمر بن الخطاب أو بشير بن سعد، وسميت هذه البيعة بالبيعة الخاصة، وقد بايع فيها أبا بكر مَن حضر من المهاجرين والأنصار اجتماع السقيفة. وفي اليوم التالي، خرج أبو بكر إلى المسجد فبايعه الناس فيما عُرف بالبيعة العامة، بعد خطبة ألقاها عمر بن الخطاب، بيّن فيها مكانة أبي بكر في صحبة النبي والهجرة معه[32].
يذكر أن علي بن أبي طالب والزبير بن العوّام (ت. 36هـ/ 656م) وجماعة من المهاجرين كانوا منشغلين في غسل الرسول وتجهيز قبره وفق بعض الروايات. أما علي فثمة روايات مختلفة عن توقيت مبايعته أبا بكر، فقد دلت الروايات الصحيحة على غضب علي في أمر الخلافة، واختلفت الروايات في موعد بيعته، وإن جاء في الصحيحين أن بيعته كانت بعد ستة أشهر من وفاة زوجته
فاطمة بنت محمد (ت. 11هـ/ 632م)[33]. إلّا أنّ روايات أخرى أشارت إلى بيعته في اليوم التالي للبيعة العامة، وقد وضّح غضبه بقوله: “مَا غضبنا إلا أنا أُخِّرنا عن المشاورة، وإنّا لنرى أبا بكر أحقّ الناس بها بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، إنه لصاحب الغار، ثاني اثنين، وإنا لنعرف له شرفه وَكِبْرَه، وَلقد أمَرَه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالصَّلاة للناس وهو حي”[34].
وأمّا الزبير بن العوام فتشير الروايات إلى مبايعته أبا بكر في اليوم التالي، كذلك تُجمع معظم الروايات على أن سعد بن عبادة ظل رافضًا مبايعة أبي بكر فبقي لا يصلي معهم، ولا يحج حجهم حتى وفاة أبي بكر[35]، ثم خرج إلى الشام ومات بها ولم يبايع أحدًا[36]. كان هذا موقف سعد بن عبادة الذي تذكره مختلف الروايات علمًا بأن أكثر روايات السقيفة تظهره مسالمًا مؤكدًا على قول أبي بكر في حديثه عن النبي “قريش ولاة هذا الأمر”، وما كان صحابي كهذا ليفعل ذلك لو كانت خلافة أبي بكر أو غيره منصوصًا عليها أو موصى بها من النبي، ولما وافق عمر بن الخطاب على أنها كانت “فلتة وقى الله شرها”، كما تقدمه الرواية الأكثر انتشارًا عن السقيفة على لسانه هو[37].
كان اجتماع السقيفة لقاء بين رجال عاصروا النبي ورافقوه، وقد شغلهم موضوع الفراغ الذي خلّفه ومن يقودهم من بعده. وقد ناقشوا هذا الأمر وتنازعوا فيه من منطلقات مختلفة لم تخلُ من نزعات شخصية وقبلية. لم يكن خلافهم دينيًا أو مذهبيًا، ولا كان خلافًا على وراثة النبوة، بل كان خلافًا بين مؤمنين، يسلّمون بأن محمدًا آخر الأنبياء، على هوية الأحق والأجدر بالزعامة والأقدر على القيام بها. وعلى الرغم من الرواسب التي خلّفها ذلك اليوم في النفوس، فقد احتوى المسلمون أحداث السقيفة ولم تؤد هي ذاتها إلى شقاق أو خلاف جدي، فسرعان ما اتحد أهل المدينة وأهل مكة والقرى المحيطة بهما ضد عودة كل من تبقى من العرب تقريبًا إلى النظام القبلي السابق على الإسلام برفض الاعتراف بسلطة شخص ينتمي إلى قبيلة أخرى (قريش) ويمارس سلطته من المدينة بعد وفاة النبي، وهو ما عده أبو بكر ردةً عن الدين وقاد قبائل مكة والمدينة ومن بينهما في محاربة القبائل.
والحقيقة أنّ جل ما ينسب لواقعة السقيفة من اعتبار أنها أول شورى المسلمين، ومن تجليات إجماع الصحابة من جهة، أو عدها الخطيئة الأولى التي جرت خلفها بقية الفتن من جهة أخرى، هو من صناعة رواة متأثرين بالتحزب والتمذهب الذي نشأ بعد الواقعة بعقود وقرون. وعلى الرغم من الإجماع على وقوع حدث السقيفة والخلاف على إمارة المسلمين وبيعة أبي بكر، تختلف الروايات التي نقلت حادثة السقيفة وما سبقها وما تلاها في ذكر التفاصيل والأقوال، مع أن مصدرها الرئيس يعود إلى خطبة لعمر بن الخطاب عما جرى يوم السقيفة نقلها عنه
عبد الله بن عباس (ت. 68هـ/ 687م)، وتتقاطع سلاسل الإسناد عمومًا عند
ابن شهاب الزهري (ت. 123-124هـ/ 740-741م). وتعكس الخلافات في الرواية خلافات القرون اللاحقة، ولا سيما الخلاف بين الشيعة والسنة، والموقف من بني أمية في بدايات العصر العباسي، وغيرها من الخلافات.
مناقشة الروايات
وردت الروايات التراثية المختلفة عن مجريات السقيفة عند ما يُسمى أهل السُنّة، فقد جاءت مرتبةً بموجب تواريخ وفيات الكُتَّاب من الأقدم إلى الأحدث. وفي هذا المقام، يظهر المشترك والفرق بين الروايات باختلاف الرواة والسياق التاريخي، وباختلاف الكُتَّاب الذين أخذوا عنهم أيضًا، من محدّثين، وكُتَّاب سير، ومؤرخين.
رواية كتاب المغازي لمعمر بن راشد البصري (ت. 153هـ/ 770م)
وهي رواية تلميذه
عبد الرزاق الصنعاني (ت. 211هـ/ 826م) الذي وثّقها في كتابه
المصنف. ويُعد من أقدم كتب سيرة الرسول التي وصلت إلى العصر الحديث. فيذكر مَعْمَر، نقلًا عن الزهري[38] أنّ عمر بن الخطاب صلى بالناس حين كان الرسول مريضًا فسمعه وتساءل: “أليس هذا صوت عمر”؟ فأجابوه بالإيجاب، فقال: “يأبى اللَّه ذلك والمؤمنون، ليُصَلِّ بالناس أبو بكر”[39]. ويَذكُر أن الرسول طلب من عائشة أن يصلي أبو بكر بالناس، وأنها راجعته ثلاثًا لأن أبا بكر –والدها- يتأثر ويبكي، فخشيت أن يتشاءم الناس بذلك، ولكن الرسول أصرّ على ذلك. ومن هنا يسهم اعتراضها على توكيل والدها وإصرار الرسول عليه كما ترويه هي في إضفاء مصداقية على الحكاية التي ينقلها الرواة؛ فالابنة تذكر ما قد يترتب على إمامة والدها من سلبيات قبل أن تؤكد إصرار النبي أن يصلي أبو بكر مكانه.
ويَذكر أيضًا أن العباس تشاءم بوفاة النبي حين عاده في مرضه؛ لأنه يعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، وطلب من ابن أخيه عليّ أن يراجعا الرسول ليسألاه عمن يتولى أمر المسلمين من بعده: “فإن يكُ هذا الأمر إلينا علمنا ذلك، وإن لم يكُ إلينا، أمرناه أن يستوصي بنا خيرًا”. وهي جملة تنقلها مصادر عدّة لاحقًا. لكن معمَرًا أورد صيغة محددة لجواب علي: “أرأيتَ إذا جئناه، فلم يُعطِناها، أترى أنّ الناس يعطوها؟ والله لا أسأله إياها أبدًا”[40]. تفيد هذه الرواية تجنّب علي سؤال الرسول لأسباب براغماتية، فقد وضع في حسبانه -وفقًا لهذه الرواية- ألا يُجاب إلى سؤالِه، وعندئذٍ يزول احتمال أن يعطيه الناس ما لم يعطه الرسول صراحة. وتفيد هذه الرواية أنه لم يكن ثمة عهد من النبي لعلي بتولي الأمر بعده، بل إنّ عليًا لم يرغب في سؤال النبي عن الموضوع لأنه لم يكن واثقًا من الإجابة.
أما بالنسبة لواقعة السقيفة، فينقلها معمر بسنده إلى
ابن عباس (ت. 68هـ/ 687م) الذي ينقل عن عمر بن الخطاب في خطبته على منبر المسجد في المدينة، بعد أن عاد من آخر حجة له ردًا على ما بلغه من قول (ينسبه بعضهم إلى الزبير، وينسبه آخرون إلى
عمار بن ياسر (ت. 37هـ/ 657م)، إذ لم يعدّ في ذلك الوقت مَن يروي القصة من المهاجرين الثلاثة الذين شهدوا السقيفة إلّا عمر نفسه، فالبقية قد توفوا، ولم تُنقل روايةٌ عن أنصاري حضر السقيفة[41]. وجاء في خطبة عمر التي يفترض أن عبد الله بن عباس استمع إليها في مسجد المدينة: “ثمّ بلغني أنّ فلانًا منكم يقول إنّه لو قد مات أمير المؤمنين فقد بايعت فلانًا. فلا يغرّنّ امرأً أن يقول: إن بيعة أبي بكرٍ كانت فلتةً. وقد كانت كذلك إلّا أنّ الله وقى شرّها، وليس فيكم من تُقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر”. وقال أيضًا: “وإنّا والله ما رأينا فيما حضرنا من أمرنا أمرًا كان أقوى من مبايعة أبي بكر. خشينا إن فارقنا القوم أنّ يُحدثوا بيعةً بعدنا. فإمّا أن نبايعهم على ما لا نرضى، وإمّا أن نخالفهم فيكون فسادًا. فلا يَغُرَّنَّ امرأً أن يقول إن بيعة أبي بكر كان فلتةً. فقد كانت كذلك، غير أن الله وقى شرّها وليس فيكم من تُقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر”[42]. وهذا ما تكرر في عدة روايات عن خطابه. فقد بايع هو أبا بكر درءًا للفتنة، ولكنه يضيف في تفضيل أبي بكر: “وليس فيكم من تُقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر”[43]؛ أي لا يوجد من له فضل مثل أبي بكر. ولذلك فهو يحذر من تكرار ما فعله هو مع غير أبي بكر.
تبدأ الرواية على لسان عمر بتوجهه مع أبي بكر وبعض المهاجرين للقاء الأنصار بعد وفاة الرسول وقبل دفنه، وأنهما لقيا في الطريق رجلين صالحين من الأنصار قد شهدا بدرًا، أبلغاهما أن الأنصار مجتمعون في سقيفة بني ساعدة، وفي روايات أخرى يقال إن هذين الرجلين قد جاءا أبا بكر وأبلغاه، ولم يكونا على علم بالاجتماع وفقًا للروايتين. يتابع عمر: “فقام خطيب الأنصار، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أمّا بعد، فنحن الأنصار وكتيبة الإسلام. وأنتم يا معشر قريش، رهطٌ منّا وقد دفّت إلينا دافّةٌ منكم. فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا ويَحْضونا [كذا][44] من الأمر”[45]. يُلحظ تكرار مفردة “الأمر” للدلالة على القيادة أو الرياسة أو السلطة في خطابه، وفي كلام العباس مع علي قبل ذلك، ولاحقًا في اجتماع السقيفة كما ستبين المقتطفات من كتب التراث التي ترد لاحقًا.
ويقول عمر إنه أراد أن يُلقي خطابًا لكن أبا بكر منعه، وقام وألقى كلامًا أفضل من الكلام الذي أعدّه عمر في نفسه. وهو ما كررته المصادر الأخرى، وجاء فيه: “لن تعرف العرب هذا الأمر إلّا لهذا الحيّ من قريش. فهم أوسط العرب دارًا ونسبًا”[46]، وهو تعليل سوسيولوجي-سياسي لا مبدأ ديني. ثم عرض أبو بكر على الأنصار مبايعة أبي عبيدة بن الجراح أو عمر بن الخطاب. وبعد أن انتهى من كلامه قام رجل من الأنصار، من دون تحديد هويته في هذه الرواية التي أوردها معمَر عن عمر نفسه من خلال ابن عباس، وقال: “أنا جُذَيلها المُحَكَّك وعذيقُها المرجّب. منّا أميرٌ ومنكم أميرٌ، يا معشر قريش [و][47] إلّا أجلبنا الحرب فيما بيننا وبينكم جذعًا”[48]. وهذه صياغة مختلفة قليلًا عما جاء في المصادر الأخرى، ولكنها تتحدث بوضوح عن الحرب. وورد في هذه الرواية أنه حين ارتفعت الأصوات وكثر اللغط، خشي عمر الاختلاف فقام وبايع أبا بكر، فتبعه الجميع. يبرر عمر فعله هذا، أي المبادرة إلى مبايعة أبي بكر، بوأد الفوضى التي قد تؤدي إلى عدم اختيار أحد. ويضيف أيضًا أنه لو فارقهم هو وأبو بكر من دون هذه البيعة فقد يبايعون أحدًا منهم، وسيؤدي ذلك أيضًا إلى فتنة.
راجت الرواية في مصادر عديدة، وإن ليس بالصيغة نفسها كل مرة، لأنها تنقل قصة السقيفة عن عمر بن الخطاب مباشرة. وينقل معمَر رواية الزهري أيضًا التي تفيد أن عروة بن الزبير (ت. 94هـ/ 713م)، أخبره أن الرجلين اللذين لقياهم من الأنصار هما عويم بن ساعدة (م. و) ومعن بن عدي (ت. 12هـ/ 633م)، وأنّ الذي قال “أنا جُذَيلها المُحَكَّك وعذيقُها المرجّب”[49] هو الحُباب بن المنذر (م. و). وهو ما يرد في معظم الروايات الأخرى.
أما مسألة تخلّف علي عن بيعة أبي بكر، ثم إسراعه إلى مبايعته، فترد في هذا المصدر من خلال حوار بينه وبين عمر بن الخطاب حين عاتبه الأخير: “تخلّفت عن بيعة أبي بكر؟”، فقال له عليّ: “إنّي آليت بيمين حين قُبض برسول الله ﷺ ألّا أرتدي برداءٍ إلّا إلى الصلاة المكتوبة حتى أجمع القرآن، فإنّي خشيتُ أن يتفلّت القرآن. ثم خرج، فبايعه”[50]. ويتكرر تبرير علي هذا لتخلفه عن المبايعة في العديد من روايات يوم السقيفة الأخرى، ولكن خروج علي للمبايعة مباشرة بعد معاتبة عمر له لا يتكرر إلّا نادرًا.
غلاف كتاب الرِّدَة للواقدي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
رواية كتاب الرِّدَة لمحمد بن عمر بن واقد السهمي الملقب بالواقدي (ت. 207هـ/ 822م)
نقل هذا الكتاب أحمد بن محمد بن أعثم الكوفي (ت. نحو 314هـ). وفي رواية الواقدي لأحداث يوم السقيفة يتجلى ميل واضح لعلي، ولكنه ليس ميلًا مطلقًا، ويمكن أن يعدَّ تعاطفًا لا تعصبًا مذهبيًا بعد، ولا يتضمن ذمًا لأبي بكر وعمر، كما نجد في الكتابات الشيعية الصريحة. والرواية مختلفة عن سابقاتها ولاحقاتها.
فوفقًا للواقدي، جلس علي في بيته في ذلك اليوم مهمومًا بوفاة النبي ومعه نفر من بني هاشم، وفيهم الزبير بن العوام. واجتمع المسلمون من جميع أرجاء المدينة لسماع كلام المهاجرين والأنصار. وكان أول من تكلم من الأنصار خزيمة بن ثابت (ت. 37هـ/ 657م)، وهو صحابي من الأوس، وطلب من الأنصار أن يجمعوا على رجل تهابه قريش وتأمنه الأنصار (أي تأتمنه)، فقالوا إنهم رضوا بسعد بن عبادة[51]. ويضيف أن أُسيد بن حُضير الأنصاري الأوسي، الذي كان مقبولًا عند الأنصار، طلب منهم أن يجعلوا الأمر في قريش دون الأنصار، فأغلظوا له القول وسكّتوه، فسكت. ولكن بشير بن سعد الأنصاري اتفق معه في جعل الأمر في قريش، واتفق معهما شخص ثالث من الأنصار هو عويم بن ساعدة الأنصاري، الذي يُذكر في مصادر أخرى بوصفه أحد اثنين أبلغا أبا بكر وعمر عن اجتماع الأنصار في السقيفة؛ فقال: “يا معشر الأنصار، إنّكم أولُ مَنْ قاتَلَ عن الدّين، فلا تكونوا أولَ من قاتلَ أهلَه عليه، فإن الخلافةَ لا تكون إلا لأهل النبوّة”. وتبعه معن بن عدي الأنصاري، وهو الشخص الثاني الذي يرد اسمه في المصادر الأخرى بوصفه ثاني الاثنين اللذين أبلغا المهاجرين عن اجتماع السقيفة، قال: “يا معشر الأنصار، إن كان هذا الأمرُ لكم من دون قريش، فخبّروهم بذلك حتّى يبايعوكم عليه، فإن كان لهم من دونكم، فسلّموه إليهم، فوالله ما مات رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم حتى صلّى بنا أبو بكر رضي الله عنه، فعَلِمنا أنّه قد رَضِيَهُ لنا، لأنّ الصلاةَ عِمَادُ الدِّين”[52]. ومن خلال هذه الرواية، نرى أنّ تعليل انتخاب أبي بكر يتمثل في أن النبي طلب منه الصلاة في الناس في مرضه، وهو قول صادرٌ من صحابي أنصاري، فيبدو أكثر إقناعًا بوصفه اعترافًا من الأنصار.
ويروي الواقدي أيضًا أنّ أبا بكر وعمر وأبا عبيدة وصلا إلى السقيفة، وتبعهم جماعة من المهاجرين، وأن مجموعة من الأنصار تحلّقت حول سقيفة بني ساعدة لا تريد بديلًا لسعد بن عبادة، وأن المهاجرين سكتوا ساعة كاملة ثم تكلّم ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري (ت. 12هـ/ 632م)، خطيب الأنصار، فذكر فضائل الأنصار في الإسلام وفضلهم على المهاجرين، وآيات من القرآن تذكر فضل الأنصار ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9) . وتكلّم بعده أبو بكر، ومثلما ذكر خطيب الأنصار، ذكر أبو بكر أيضًا آياتٍ في فضل المهاجرين ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحشر: 8). وأضاف إليها قائلًا: “فإنكم تعلمون أن العرب لا تقرّ بهذا الأمر إلّا لقريش، لأنهم أوسط العرب دارًا، ولهم دعوة إبراهيم عليه السلام”[53]، ثم يطلب منهم مبايعة عمر بن الخطاب أو أبي عبيدة بن الجراح. فسأل ثابت بن قيس الأنصارَ إن كانوا يوافقون على كلامه، فأجابوه بالإيجاب، فأشار إلى التناقض في هذا لأنه من المفترض أن يختاروا أبا بكر، وألّا يوافقوا على تخييرهم بين عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح، ما داموا مقرّين بأن الرسول فضّل أبا بكر عليهما، وقدّمه هو ليقوم مقامه في الصلاة. فإما أن يُبايع لفضائله، أو لأنه من قريش.
ثم ينسب الواقدي إلى الحُباب بن المنذر كلامه عن أفضلية الأنصار، وعن أن الصلاة لم تجتمع إلا في مساجدهم، ولم تدن العرب للإسلام إلّا بأسيافهم، وأن الأنصار أحقّ الناس بهذا الأمر، مشيرًا إلى أن أُسيد بن حضير وبشير بن سعد الأنصاريين رفضا اقتراح الحُباب بن المنذر “منّا أمير ومنكم أمير”، فلا مكان لأميرين في بلد واحد. وينسب الواقدي للحُباب قصيدة طويلة في مساجلة بشير بن سعد وأسيد بن حضير[54]. وتوجه عمر بن الخطاب للثناء على الحُباب بن المنذر، وحاول إقناعه بعدم جواز وجود أكثر من إمام، وأن يُسلّم الأمر لمن يجتمع عليه المهاجرون والأنصار من قريش. وطلب الحُباب من الحضور ألّا يستمعوا لعمر، وأن المهاجرين إذا أصرّوا على مطلبهم فيجب إجلاؤهم عن المدينة. فحصلت مشادة كلامية حادة بين عمر والحُباب[55]. قال عمر خلال المشادة إن سعدًا “لا يصلح لها”، وأجابه ثابت: “سعد لها أصلحُ من غيره وأولى بها، لأن الدار دارُه، وأنتم نازلون عليه”[56]؛ أي ضيوف عنده.
وينسب الواقدي شعرًا لحسان بن ثابت (ت. بين 35 و40هـ/ 655 و660م) في المقام نفسه، إذ قام وألقى شعرًا انحاز فيه عمليًّا إلى الأنصار، مثيرًا لغطًا كثيرًا بعد ذلك (مع أن حسانًا أصبح فيما بعد منسوبًا إلى العثمانية، وكان ينادي بثارات عثمان). وبعد هذا اللغط قام بشير بن سعد الأنصاري وبايع أبا بكر، وكان أول من بايعه، وذلك خلافًا لروايات أخرى تصر على أن أول المبايعين كان عمر. وقد لامه الحُباب بن المنذر على ذلك بالقول: “يا بشير، ما الذي أحوجك إلى ما صنعت؟ أنَفَسْتَ على ابن عمك سعد بن عبادة أن يكون أميرًا؟”، فقال بشير: “لا والله، ولكني كرهت أن أنازع قومًا حقًا جعله الله لهم دوني”[57].
وتعلل أدبيات أخرى مسارعة بشير (وهو من الخزرج وابن عم سعد بن عبادة) إلى مبايعة أبي بكر بالحسد، وذلك بالإشارة لقول الحباب له "أنفستَ على ابن عمّك..". ثم سارع الأوس إلى بيعة أبي بكر خشية أن يحظى الخزرج بالإمارة، ما يفيد بأن الخلاف القبلي القديم بين الأوس والخزرج منذ ما قبل الإسلام قد أطل برأسه، وشق صفوف الأنصار. وهذا يؤدي إلى اعتبار قبلي ثان. وبعد ذلك استلّ الحُباب بن المنذر سيفه، ولكن الأنصار أخذوا بيده، ومنعوه من فعل شيء. ثم هناك اعتبار قبلي ثالث: فقد قال الحُباب بن المنذر لأبي بكر: “إني لست أخاف منك، ولكني أخاف من يأتي من بعدك [...] إذا مضيت أنا وأنت وجاءنا قوم من بعدُ، يسومون أبناءنا سوء العذاب. والله المستعان”[58]. وهو كلام يثير حساسية أو خشية من قرشيين حاربهم المسلمون، أنصارًا ومهاجرين، حين كان القرشيون كفارًا وقتلوا منهم، وقد تساورهم نفوسهم أن يثأروا من الأنصار إذا تولّوا الرياسة بعد أبي بكر. ومن الواضح أن المراد من هذه الإشارة، في هذه الرواية، هم بنو أمية وبنو مخزوم وغيرهم. وهو ما يرجح احتمال أن الرواية وضعت بأثر تراجعي في بداية العصر العباسي. بعد ذلك بايع الجميع أبا بكر، ويذكر الواقدي قصيدة للحارث بن هشام بشأن هذه القصة وانتهاء اللجاج ببيعة أبي بكر، وفيها مديحٌ للخزرج واستقبالهم المهاجرين وشجاعتهم ومحاربتهم الأعداء، وإحباط ما عزموا عليه في السقيفة. ويذكر أن الناس ازدحموا على بيعة أبي بكر “حتى كادوا أن يطؤوا سعد بن عبادة بأرجلهم”[59].
يورد الواقدي أيضًا نقاشًا ساخنًا بين عبد الرحمن بن عوف وقوم من الأنصار فيه مفاضلة بين عمر وأبي بكر، وعثمان وأبي عبيدة، ويختمها الأنصار بالقول: “يا ابن عوف، لولا أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره من بني هاشم اشتغلوا بدفن النبي ﷺ وبحزنهم عليه فجلسوا في منازلهم، ما طمع فيها من طمع، فانصرف ولا تُهج على أصحابك ما لا تقوم له، قال: فانصرف إلى أبي بكر فخبّره بما كان من مقالته للأنصار، وبردّهم عليه، فقال له أبو بكر: لقد كنتَ غنيًا عن هذا، أن تأتي قومًا قد بايعوا وسكتوا فتذكر لهم ما قد مضى”[60]، أي إن الواقدي لا يكتفي بنسب القناعة للأنصار بأن غياب علي هو سبب بيعة أبي بكر، بل يظهِر أبا بكر محرَجًا من إثارة الموضوع. ويُقصَد بهذا الخبر أنّ الأنصار لم يقتنعوا بكلام أبي بكر في السقيفة، كما في نص الجاحظ المذكور أعلاه. وهو يناقض ما سبق من خضوعهم واقتناعهم. فلو كانوا يميلون إلى عليٍّ منذ البداية لما فندوا عموم حديث الأئمة من قريش بالإشارة إلى بني هاشم. هذا طبعًا على التسليم بأن الحديث ذُكِر أصلًا. يبدو إذًا أن ميل الأنصار إلى علي حدث بعد فشل اقتراحهم في واقعة السقيفة.
ثم ينتقل الواقدي إلى المحاجّة لصالح علي بوضع الحجج على لسانه. ووفقًا لروايته، أرسل أبو بكر في طلب علي، فأقبل بحضور جمع من الناس، فقال عمر لعليّ إنهم دعوه للبيعة التي اجتمع عليها المسلمون، فقال عليّ: “يا هؤلاء، إنما أخذتم هذا الأمر من الأنصار بالحجة عليهم، والقرابة لأبي بكر رضي الله عنه، لأنكم زعمتم أن محمدًا ﷺ منكم، فأعطوكم المقادة وسلموا إليكم الأمر، وأنا أحتج عليكم بالذي احتججتم به على الأنصار، نحن أولى بمحمد ﷺ حيًا وميتًا، لأنّا أهل بيته، وأقرب الخلق إليه، فإذا كنتم تخافون الله فأنصفونا، واعرفوا لنا في هذا الأمر ما عرفته لكم الأنصار”[61]. يظهر استخدام علي هنا تعليل أبي بكر وعمر بالقرب القبلي من الرسول ضدهما، فهو الأحق وفقًا لمنطق القرابة نفسه، ولكن عمر رفض هذا الكلام من دون إيراد حجج في الرد على علي مطالبًا بألّا يُترك علي لشأنه إلّا إذا بايع، فرد عليّ بأنه لا يبايع مَن هو أحق منه بالبيعة. ويروي الواقدي أن أبا عبيدة هو من طلب من عليّ أن يرضى بالأمر الواقع، بمعنى أن يرضى بما رضي به الناس الذين بايعوا أبا بكر، فأجابه عليّ: “يا أبا عبيدة، أنت أمين هذه الأمة، فاتق الله في نفسك، فإن هذا اليوم له ما بعده من الأيام، وليس ينبغي لكم أن تُخرجوا سلطان محمد ﷺ من داره وقعر بيته، إلى دوركم وقعور بيوتكم، ففي بيوتنا نزل القرآن، ونحن معدن العلم والفقه والدين والسنّة والفرائض، ونحن أعلم بأمور الخلق منكم، فلا تتبعوا الهوى فيكون نصيبكم الأخس”[62]. وهنا يلحظ القارئ استخدام عبارة “سلطان محمد”! فمن الواضح أن هذا الكلام، وما تضمنه من عبارات مثل: “معدن العلم والفقه والدين والسنة والفرائض”، لا ينتمي إلى عام 11هـ/ 632م، بل إلى عصر بدأت فيه المذاهب الشيعية بالتشكّل، ونسب هذه الفضائل لآل البيت. وحتى الاحتجاج السابق: “نحن أولى بمحمد”، فيبدو موضوعًا فيما بعد على إثر النزاع الشيعي-السُنّي، ونزاع آخر من مرحلة صدور هذ النص: وهو نزاع فاطمي-عباسي تتخذ تبريراته الدينية شكل صراع على هوية الأقرب إلى النبي، ومن أولى به عمّه وبنو عمّه (أي العباسيون)، أم ابنته فاطمة وأبناؤها الحسن والحسين.
ردَّ بشير بن سعد على عليّ بأنه لو قال هذا الكلام قبل البيعة لبايعه الناس، ولكنه جلس في منزله ولم يشهد الأمر، أي لم يشهد السقيفة، فظنّ الناس أنه لا يريدها، وبما أنّ البيعة تمت لهذا الشيخ، فعليه أن يبايعه. فأجاب عليّ: “ويحك يا بشير، أفكان يجب أن أترك رسول الله ﷺ في بيته فلم أجبه إلى حفرته، وأخرج أنازع الناس بالخلافة؟”[63].
وهكذا، وُضعت على لسان علي الحجج التي طالما كررها شيعة علي في روايتهم عن تلك الأيام المصيرية التي بويع فيها أبو بكر ولم يبق إلّا اعتراف أبي بكر نفسه بأحقية علي، وبه يختتم الواقدي هذا الفصل؛ فعنده أن أبا بكر قال لعليّ إنه لو علم أنه سينازعه في الأمر لما طلبه، ولكن الناس بايعوه، وأمهله قائلًا: “وإن لم تبايع في وقتك هذا وتحب أن تنظر في أمرك لم أكرهك عليه، فانصرف راشدًا إذا شئت”[64]. ولم يبايع عليّ وفقًا للواقدي حتى توفيت فاطمة، وبايع أبا بكر بعد خمس وسبعين ليلة من وفاتها، وقيل ستة أشهر. ومن خلال هذه الرواية يظهر مدى اختلاف الصياغات وفقًا لاختلاف المواقف في العصرين الأموي والعباسي.
غلاف كتاب السيرة النبوية لابن هشام
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
رواية كتاب السيرة النبوية لابن هشام (ت. 213هـ/ 828م)
كتب ابن هشام أن الرسول في مرضه طلب أن يُصليّ أبو بكر بالناس[65]، وهو ما تكرَّر في كتب التراث واستُخدم في إثبات أحقيته في تولي أمر المسلمين من بعده، فإذا أنابه للصلاة في الناس فَمِن الأولى أن يُنيبه عنه في الدنيا؛ فالصلاة هي أهم ما في الدين، والدين أهم من الدنيا. يبدو هذا الاستدلال غريبًا، فالجزم بأنّ الدين أهم من الدنيا، لا يستنتج منه أن من يولّى إمامة المصلين يصلح أن يكون أميرهم أو رئيسهم، حتى لو أصبحت إمامتهم في صلاة الجمعة من واجباته. ولا تظهر هذه الحجة وحدها، بل يُضاف إليها أنه كان ثاني اثنين في الغار، وهو أسبق الرجال البالغين إلى الإسلام.
يذكر ابن هشام أنه في المقام نفسه حين كان أبو بكر غائبًا قبل أن يستدعيه الرسول، كان بلال قد دعا عمر إلى الصلاة بالناس. والدلالات واضحة، فأبو بكر ينوب عن الرسول (والنيابة من المعاني الحرفية للفظ الخلافة)، وعمر ينوب عن أبي بكر، وكأن هذا التسلسل يُبرِّر التسلسل التاريخي بأثر تراجعي. وأورد ابن هشام حديثًا للرسول جاء فيه: “فإني لو كنت متخذًا من العباد خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا”[66]. ويذكر حوار العباس - عمّ الرسول - مع علي بن أبي طالب حين أشرف النبي على الموت، وطلب العباس من عليّ أن يذهبا معًا إلى الرسول قبل وفاته للاستعلام عمّن يؤول إليه الأمر بعده: “فإن كان هذا الأمر فينا عَرَفنَاه، وإن كان في غيرنا، أَمَرنَاه فأوصى بنا النّاس”، فقال له علي: “إني والله لا أفعل، والله، لئن مُنِعنَاه لا يُؤتيناهُ أحدٌ بَعدَه”[67]، وهي صيغة شبيهة بالصيغة التي وردت في مغازي معمَر.
ويُروَى أمرُ السقيفة عند ابن هشام على النحو الآتي: بعد وفاة الرسول، انحاز الأنصار إلى سعد بن عبادة عندما اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة. وفي الوقت ذاته، اعتزل علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة. وانحاز بقية المهاجرين إلى أبي بكر. وبلغ أبا بكر وعمر أن الأنصار مجتمعون مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، ونصحهم من أبلغهم قائلًا: “فإن كان لكم بأمرِ الناس حاجة فأدركوا قبل أن يتفاقم أمرُهم”[68]، وحثّ عمر أبا بكر على الذهاب إلى الأنصار لتبين ما ينوون فعله. ثم يروي ابن هشام بقية ما جرى في السقيفة على لسان عمر بن الخطاب بعدما عاد إلى المدينة من حجّته الأخيرة، وكأنه يروي للناس ما لم يقله سابقًا؛ إذ كان يردّ على من قالوا إن بيعة أبي بكر “كانت فَلْتَة فَتَمَّتْ”. فيبدأ بالقول: “إنه كان مِن خَبَرِنا - حين توفى الله نبيه ﷺ - أن الأنصار خالفونا، فاجتمعوا بأشرافهم في سقيفة بني ساعدة، وتخلّف عنا علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ومَن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر”[69]. ومن هنا تبدأ القصة بحثِّه أبا بكر على الذهاب إلى السقيفة، وأنهم رأوا بين المجتمعين رجلًا مُزمّلًا، علموا أنه سعد بن عبادة وأنه مريض. ونقل عمر كلام خطيب الأنصار الموجّه إلى المهاجرين على النحو الآتي: “فنحن أنصار الله، وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهطٌ منا، وقد دَفَّت دَافَّةٌ من قومكم”[70] وبكلمات على لسان ثابت بن قيس من الأنصار في موضع آخر من الكتاب: “فنحنُ أنصار اللَّه ووزراء رَسُوله”.
وعندئذٍ، فهم عمر - كما يقول - أنهم “يريدون أن يحتازُونا من أصلنا ويغصبونا الأمر”، وأراد أن يقول كلامًا أعده وأعجبه، ولكن أبا بكر طلب منه أن يتمهل “فتكلم، وهو كان أعلم مني وأوقر”[71]. ومن الواضح أن الراوي يُقدّم أبا بكر على عمر على لسان عمر نفسه. ويقتبس ابن هشام ما عُزي إلى أبي بكر من أنّه قال: “أمّا ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهلٌ، ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا”[72].
وكان ردّ الأنصار على لسان من يصفه بأنه “قائلٌ من الأنصار”، وتذكر مصادر أخرى أنه الصحابي الحباب بن المنذر، قوله: “منّا أميرٌ ومنكم أميرٌ يا معشر قُرَيش”. وبعد كلامه هذا الذي كما يبدو قاله بنبرة حادّة يقول عمر: “كثُر اللّغط، وارتفعت الأصوات، حتى تخوّفتُ الاختلاف، فقلت: ابْسُط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعته، ثم بايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار”[73].
يظهر هنا أنّ الرواية موجزة، وعناصرها واضحة. فقد فضّل عمر أبا بكر على نفسه وبايعه. ويتلخص خطاب أبي بكر الذي بويع على أساسه في أن الأولوية لقريش دون الأنصار؛ لأن قريشًا هم أوسط العرب نسبًا ودارًا. والتبرير قَبَليّ بوضوح، في حين كان حديث الأنصار في البداية عن أنهم أنصار الله وكتيبة الإسلام؛ فلم يكفِ هذا، واستلّ المهاجرون على لسان أبي بكر الحُجّة القبلية بعد الاعتراف للأنصار بفضلهم. ووفقًا لرواية ابن هشام، تراجع عمر بعد السقيفة من على منبر مسجد المدينة عن إنكاره وفاة الرسول، مؤكدًا أنه قد مات وأنه “أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله رسوله ﷺ، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم؛ صاحب رسول الله ﷺ، ثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بيعته العامة بعد بيعة السقيفة”[74]. والتأكيد هنا على أن ما يحل محل الرسول من الناحية الدينية بعد انقطاع الوحي هو كلام الله، أما أمر الناس، أي قيادتهم ورياستهم، فهو لأبي بكر.
يتناسب هذا الكلام المروي في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث الهجريين/ الثامن والتاسع الميلاديين مع ظهور فئة العلماء الأوصياء على الدين ومفسريه في مقابل الأمراء الذين يفترض أن يكونوا خلفاء الرسول في إمارة المؤمنين لا خلفاء الله، فخليفة الله هو القرآن الذي هدى به الله رسوله. وقد نمت في الأوساط العُلَمائيّة منذ القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي فكرة كون العلماء “ورثة الأنبياء” [بمعنى خلفاء الأنبياء!]، ونسب تعديد مناقب العلماء وفضائلهم للنبي نفسه، إذ جاء في سنن أبي داوود قول الرسول: “من سلك طريقًا يطلبُ فيه علمًا سلك اللهُ به طريقًا من طرقِ الجنةِ، وإنَّ الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإنَّ العالِم لَيستغفر له مَن في السماوات ومَن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإنَّ فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإنَّ العلماء ورثة الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يُورِّثُوا دينارًا ولا درهمًا، ورَّثُوا العِلم، فمَن أخذَه أخذ بحظٍّ وافر”[75]. وقد تبلورت لاحقًا بوضوح بالغ في خطابات السياسة الشرعيّة عند ابن تيميّة وغيره.
غلاف كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
رواية كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد (ت. 230هـ)
يبدأ الكاتب التأريخ ليوم وفاة الرسول بحديث عمر الذي يُنكر فيه الوفاة من على المنبر إلى أن جاء أبو بكر وطلب منه السكوت بأمرٍ واضح، فسكت عمر. ثم صعد أبو بكر وقرأ: ﴿إنك ميتٌ وإنهم ميتون﴾ [الزمر: 30]، ثمّ قرأ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ﴾ [آل عمران: 144] حتى فرغ من الآية ثم قال: “من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت”! فتساءل عمر: “هذا في كتاب الله؟” فأجابه أبو بكر بالإيجاب، فقال عمر: “أيها الناس هذا أبو بكر وذو شيبة المسلمين فبايعوه! فبايعه الناس”[76]. تظهر هذه الرواية أبا بكر أكثر حصافة وأكثر معرفة بالقرآن من عمر، الذي يطلب مبايعة الناس أبا بكر قبل حادثة السقيفة، أي إن حادثة السقيفة وقعت وفقًا لهذا الرواية بعد أن بويع أبو بكر في مسجد المدينة.
ثمّ يأتي ابن سعد على مجريات حادثة السقيفة باختصارٍ إذا ما قورنت برواية ابن هشام. إذ يبدأ رواية السقيفة مباشرةً بالقول إن الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة وقالوا: “منّا أميرٌ ومنكم أمير”. ويذكر ابن سعد أن أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجرّاح ذهبوا إليهم، وأن عمر همَّ بالكلام ولكن أسكته أبو بكر، ويقول عمر: “والله ما أردتُ بذلك إلاّ أني قد هيأت كلامًا قد أعجبني خشيت أن لا يُبلغه أبو بكر”، ثم تكلّم أبو بكر، وهنا يردُ كلامٌ آخر على لسانه لم يذكره من سبقوه: “نحن الأمراء وأنتم الوزراء! فقال: الحُباب بن المنذر السّلَمي: لا والله لا نفعل أبدًا، منّا أميرٌ ومنكم أمير! قال: فقال أبو بكر: لا ولكنّا الأمراءُ وأنتم الوزراء، هم أوسطُ العرب دارًا وأكرمُهم أحسابًا، يعني قُريشًا، فبايِعوا عمر أو أبا عبيدة، فقال عمر: بَلْ نُبايعك أنت، فأنت سيدنا وأنت خيرنا وأحبُّنا إلى نبيّنا ﷺ، فأخذ عمر بيده فبايعه، فبايعه الناس”[77]. هكذا يروي ابن سعد مستخدمًا مصطلحات الأمراء والوزراء في المجلد الثاني من كتابه. وكما في الروايات السابقة لا ذكر لمصطلح الخلافة، فالخلاف هو على الإمارة، والمقصود هو القيادة والرياسة.
مرة أخرى، يتطرّق ابن سعد لمجريات أحداث سقيفة بني ساعدة في المجلد الثالث من كتابه في ذكر الحُباب بن المنذر فيذكر فضائله ثم في نهاية النص يقول عنه: “وشهد سقيفة بني ساعدة حين اجتمعت الأنصار لتبايع سعد بن عبادة، وحضر أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح وغيرهم من المهاجرين فتكلّموا فقال الحُباب بن المنذر: أنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ وَعُذَيْقُها المُرَجَّبُ، منّا أميرٌ، ومنكم أميرٌ، ثمّ بُويع أبو بكر وتفرّقوا”[78].
ثم يتطرق ابن سعد إلى حادثة السقيفة مرة ثالثة لدى ذكره سعد بن عبادة، في المجلد الثالث من كتابه، حيث يتكرر على لسان عمر بن الخطاب أنه بعد أن أنهوا المبايعة “قال قائل منهم: قتلتم سعدًا، فقلتُ [أي عمر بن الخطاب]: قتل الله سعدًا، إنّا والله ما وجدنا فيما حَضَرَنا من أمرِنا أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارَقْنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا بعدنَا فإمّا أن نبايعهم على ما لا نرضى وإمّا أن نخالفَهُم فيكون فسادًا”[79]. وهنا يبدو التبرير واضحًا: فقد كانت مبايعة أبي بكر قبل انفضاض الاجتماع أفضل الحلول، فلو مضوا في سبيلهم من دون بيعة فقد تحصل فتنة، لأن الاحتمال هو أن يبايع الأنصار سعدًا، ثم يخالفهم المهاجرون بعد حصول البيعة.
ثم يذكر ابن سعد أن سعد بن عبادة لم يبايع أبا بكر حتى توفي، وأن أبا بكر لم يجبره على ذلك لأنه نُصِحَ بألا يفعل؛ لأن ذلك سيتسبب في فتنة مع الخزرج، وربما حتى مع الأوس. كانت هذه نصيحة بشير بن سعد لأبي بكر. ورفض سعد بن عبادة مبايعة عمر أيضًا. ويذكر الكتاب حادثة لقاء عمر معه بعد أن تولّى الخلافة حيث قال لعمر حين قابله: “كان والله صاحبك أحبّ إلينا منك، وقد والله أصبحت كارهًا لجوارك. فقال عمر: إنه من كَرِهَ جوار جاره تحوّل عنه، فقال سعد: أما أني غير مستنسئ بذلك وأنا متحوّل إلى جوار من هو خير منك [...] فلم يلبث إلاّ قليلًا حتى خرج مهاجرًا إلى الشام في أول خلافة عمر بن الخطاب فمات بحوران”[80]. وهنا تدل مخاطبة زعيم قبلي وصحابي أمير المؤمنين بهذه الطريقة وجرأته في التعبير عن كره جيرته ورفض مبايعته، ثم نقل مثل هذه المخاطبة في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، على التسليم ببساطة التعامل بين الناس والخليفة في المدينة، وكذلك أهمية أخذ الزعامة القبلية في الاعتبار في تلك المرحلة، أو على الأقل في فهم من كتبوا في القرن الثالث الهجري لتلك المرحلة.
وفي المجلد السابع، يورد ابن سعد موجزًا عما جرى في حادثة السقيفة عند ذكره سعد بن عبادة وفضائله وغزواته التي شاركها مع النبي، فيقول: “فلمّا توفّي رسول الله ﷺ اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة ومعهم سعد بن عبادة، فتشاوروا في البيعة له وبلغ الخبر أبا بكر وعمر فخرجا حتى أتياهم ومعهما ناس من المهاجرين فجرى بينهم كلام ومحاورة، فقال عمر لأبي بكر: ابسُط يدك، فبايعه وبايعه المهاجرون والأنصار ولم يبايعه سعد بن عبادة”[81].
رواية صحيح البخاري (ت. 256هـ/ 869م)
يذكر البخاري في باب “ما جاء في السقائف” على لسان ابن عباس عن عمر بن الخطاب أنه قال: “إن الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، فقلت لأبي بكر: انطلق بنا، فجئناهم في سقيفة بني ساعدة”[82]، فيشير إلى أنّ المبادرة هنا من عمر والرواية على لسانه. ومثل معظم المؤلفين، يروي الكاتب على هامش حادثة السقيفة وقائع تبين أولوية أبي بكر على عمر. فبعد وفاة الرسول جاء أبو بكر فكشف عنه وقبّله، وخرج من بيت عائشة حيث سُجّي الجثمان، وقال حين رأى عمر يتحدث من على المنبر: “أيها الحالف؛ على رسلك، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر”[83].
ثم يذكُر البخاري حادثة السقيفة، متوقفًا عن إسكات أبي بكر لعمر حين هم بالكلام: “ثم تكلّم أبو بكر فتكلّم أَبلَغ الناس، فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فقال الحُباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منّا أميرٌ، ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا، ولكنّا الأمراء، وأنتم الوزراء، هُم أوسط العرب دارًا، وأعربهم أحسابًا، فبايِعوا عمر أو أبا عبيدة بن الجراح، فقال عمر: بل نُبايعك أنت، فأنت سيدنا، وخيرنا، وأحبّنا إلى رسول الله ﷺ، فأخذ عمر بيده فبايعه، وبايعه الناس، فقال قائلٌ: قتلتم سعد بن عبادة، فقال عمر: قَتَلَهُ الله”[84].
وفي السياق ذاته، يورد البخاري على لسان
محمد بن علي بن أبي طالب، الشهير بابن الحنفية (ت. 80هـ/ 698م) ما يلي: “قلت لأبي: أيُّ الناس خيرٌ بعد رسول الله ﷺ؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين”[85]. وجهد الرواية جليٌ في بناء الإجماع على الخلفاء الأربعة والتوسط بين علي والثلاثة الذي سبقوه بأثر تراجعي على لسان علي. وهذا في أحد أهم كتب الحديث، وهو صحيح البخاري، حيث يتعالى علي بن أبي طالب عن تحدّي خلافة عثمان أو التأكيد على ذاته في كلامٍ يُجعَل ابنه محمد بن الحنفية ناقلًا له.
تأتي مرة أخرى رواية سقيفة بني ساعدة، ويروي البخاري هنا رواية مُطوّلة على لسان عمر بن الخطاب في خطابٍ له على المنبر، فيذكر، في سياق نقله مجريات السقيفة حديثًا للرسول معهم قال فيه: “لا تطروني كما أطريَ عيسى بن مَرْيَم، وَقُولُوا: عبد اللَّه ورسولُه”. والمغزى في تشديد علماء القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي على تواضع الرسول مقارنة بحكام عصرهم. قال النبي، وفقا لصحيح البخاري، إنه عبدُ الله ورسوله وليس خليفة الله، على عكس ادعاءات خلفاء من بني أمية وبني العباس عن أنفسهم. ثم يروي عمر حادثة السقيفة كما سبق أن جاءت على لسانه في روايات سابقة، وأن مبايعة أبي بكر جاءت لأنه من قريش، ولكيلا يسبقهم الأنصار إلى البيعة، ولتجاوز اللغط والاضطراب الذي حصل، مُنذِرًا بفتنة: “فكثُر اللّغط، وارتفعَت الأصوات، حتى فَرِقْتُ من الاختلاف، فقلت: ابْسُط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعتُه، وبايعَهُ المهاجرون ثم بايَعَتْهُ الأنصار”[86].
يعود البخاري مرة أخرى في “باب الاستخلاف” ليذكر أن عمر بن الخطاب دعا أبا بكر في اليوم التالي إلى المنبر، وطلب من الناس أن يبايعوه بيعة عامة، “وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة”[87].
رواية الأخبار الموفقيات للزبير بن بكّار (ت. 256هـ/ 870م)
اتخذ الزبير بن بكّار في روايته موقفًا من معاوية والأمويين، إذ يؤكد على محاولة أبي سفيان إثارة الفتنة لتحريض الهاشميين، يقول: “لما بايع بشير بن سعد أبا بكر، وازدحم الناس على أبي بكر فبايعوه، مرّ أبو سفيان بن حرب بالبيت الذي فيه عليّ بن أبي طالب -عليه السلام- فوقف وأنشد [...]”، وهنا يورد تأليبه للهاشميين على بيعة أبي بكر في أبيات من الشعر. أما عليّ فأجابه متهمًا إياه بإثارة الفتنة، ومتمسكًا بحقه في الوقت ذاته: “إنك تريد أمرًا لسنا من أصحابه، وقد عهد رسول الله ﷺ عهدًا فأنا له”[88]. فعدل أبو سفيان عنه إلى العباس، وعاد خائبًا من عنده أيضًا.
يتفق الزبير بن بكار مع
ابن قتيبة الدينوري (ت. 276هـ/ 889م) في
كتاب الإمامة والسياسة، والطبري (ت. 310هـ/ 923م) في أحداث اليوم التالي ليوم السقيفة، حين وقف أبو بكر على المنبر يخطب في الناس قائلًا: “أيها الناس، إنّي وُلِّيتُ أمرَكم ولستُ بخيركم، فإذا أحسنت فأعينوني، وإن أسأتُ فقوّموني”، ولكنّ الزبير يضيف الجملة التالية: “إنّ لي شيطانًا يعتريني فإياكم وإياي إذا غضبت، لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم”، ثم يستكمل الخطاب كما يروى في معظم المصادر متضمنًا فكرًا أخلاقيًا راقيًا: “الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف منكم قويّ حتى أردّ إليه حقه، والقويّ ضعيف حتى آخذ الحق منه”. وأخيرًا: “أطيعوني ما أطعتُ الله، فإذا عصيتُ فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله”[89]. فيظهر من خلال النص إدراج جملة جديدة لم ترد في المصادر الأخرى.
وقد وردت هذه الخطبة على لسان علي بن أبي طالب في كتاب
نهج البلاغة المنسوب إليه في خطبته هو بعد توليه الخلافة، وسرده لقصة تولية أبي بكر وعمر وعثمان. حيث أشار علي في تلك الخطبة إلى أنّ أبا بكر كاد يستقيلها في حياته. والمقصود قوله إنه ولي على المسلمين مع أنه ليس أفضلهم، ومع ذلك عقد الخلافة قبل وفاته لآخر؛ أي عمر. وقد اختلف الرواة في كلمة أبي بكر بعد ولايته، فهناك من رواها “أقيلوني فلستُ بخيرِكم”، ومنهم من رواها “وُليتكم ولستُ بخيرِكم”. وقد فسِّرت المقولة الأولى على أنه أراد أن يثوِّر ما في نفوس الناس فيدرك ما فيها بشأن بيعته وولايته، ويعرف مُريده ومحبه وكارهه ومبغضه، وأن الناس رضيت ببيعته على كل حال. لكن الإمامية قالت إن هذا اعترافٌ منه أنه لا يصلح، ولا يجوز أن يكون إمامًا. فوفقًا لخطبة علي هذه، من نفى عن نفسه صلاحية الإمامة - أي أبو بكر- لا يجوز أن يكون إمامًا، وبالتأكيد لا يجوز أن يَعهَد بها إلى غيره. في حين أن عليًا لم يقل ذلك، ولكنه بايع أبا بكر كرهًا للفتنة، كما يفسر ابن أبي الحديد خطاب علي[90].
وقد أورد الزبير افتخار قبيلة تيْم بن مرّة عند مبايعة أبي بكر، في حين أن عامة المهاجرين والأنصار كانوا يرون أنّ عليًا هو الأحقّ، وأنّ ما منع بني هاشم من أخذ الخلافة هو الحسد والحقد عليهم. كذلك يذكر أشعارًا ينسبها إلى ولد أبي لهب بن عبد المطلب عن أمر الخلافة، يقول:
أَلَيْسَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى لِقِبْلَتِكُمْ وَأَعْلَمَ النَّاسِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ |
وَأَقْرَبَ النَّاسِ عَهْدًا بِالنَّبِيِّ وَمَنْ جِبْرِيلُ عَوْنٌ لَهُ فِي الْغُسْلِ وَالْكَفَنِ[91] |
رواية كتاب أنساب الأشراف لأحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري (ت. 279هـ/ 892م)
ترفع رواية البلاذري من شأن علي، وتشير إلى أحقيته في تولي الخلافة. والجديد في سرده أن عمر حاول بدايةً مبايعة أبي عبيدة بن الجراح، وأن الأخير رفض قائلًا: “أتبايعني وفيكم الصدّيق وثاني اثنين”. وذكر عن ابن عباس قول عمر بن الخطاب مِن على منبر المدينة: “ليس منكم من تُمدّ إليه الأعناق، أو قال: تُقطع إليه الأعناق، مثل أبي بكر”[92].
وفي رواية أخرى عن القاسم بن محمد أن الأنصار اجتمعوا إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، وأتاهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، وبدأ السجال بالحُباب بن المنذر الذي قال: “منّا أمير ومنكم أمير”، وحجته بذلك قوله: “فإنا والله ما ننفس هذا الأمر عليكم أيها الرهط، ولكننا نخاف أن يليه أقوامٌ قتلنا آباءهم وإخوانهم”، وقصد بذلك القول إن الأنصار قاتلوا قريشًا في زمن الرسول نصرة له، وأنه إذا انتقلت الخلافة إلى قريش فقد يصل الأمر إلى قوم من قريش يريدون أن يثأروا من الأنصار لاحقًا. وأجابه أبو بكر: “نحن الأمراء وأنتم الوزراء، وهذا الأمر بيننا وبينكم نصفان كشق الأُبْلُمة”[93].
ويذكر رواية ثالثة عن
عبد الله بن مسعود (ت. 32هـ/ 653م) مختصرة تتضمن حجة عمر في حديثه إلى الأنصار، بأن الرسول أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، وأنه سألهم: “فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر بعد ذلك؟”، فأجابوا: “نعوذ بالله. من يَتقّدم أبا بكر؟”[94]. ثم يذكر رواية رابعة على لسان عمر بن الخطاب نفسه في خطبة له حين كان أميرًا للمؤمنين: “بلغني أن الزبير قال: لو قد مات عمر بايعنا عليًا وإنما كانت بيعة أبي بكر فلتة، فكذب والله، فمنذ أقامه رسول الله ﷺ مقامه، واختاره لعماد الدين على غيره، وقال: يأبى الله والمؤمنون إلّا أبا بكر، فمن منكم من تمدّ إليه الأعناق مثله؟”[95].
ثم يورد رواية خامسة يدور فيها النقاش نفسه، ويذكر قول الحُباب بن المنذر: “ما نحسدك ولا أصحابك، ولكنا نخشى أن يكون الأمر في أيدي قوم قتلناهم فحقدوا علينا”[96]. وينقل البلاذري أن المبايعين تزاحموا “فقالت الأنصار: قتلتم سعدًا، وقد كادوا يطؤونه، فقال عمر: اقتلوه فإنه صاحب فتنة”[97]. ولم ترد هذه الدعوة إلى قتل صحابي في الروايات السابقة.
ينقل البلاذري أيضًا أنه حين حصلت المبايعة وسمع العباس وعليّ التكبير في المسجد، كانا لا يزالان يغسلان جثمان الرسول، “فخرج عليّ فقال: أيا أبا بكر ألم ترَ لنا حقًا في هذا الأمر؟ قال: بلى، ولكني خشيت الفتنة، وقد قُلدت أمرًا عظيمًا، فقال عليّ: قد علمت أن رسول الله ﷺ أمرك بالصلاة وأنك ثاني اثنين في الغار، وكان لنا حقّ ولم نُستشر، والله يغفر لك. وبايعه”[98]. هنا تؤكد روايةُ البلاذري حق عليّ في “الأمر” بلسان أبي بكر نفسه، الذي تولَّاه لأنه خشي الفتنة لا إنكارًا لحق علي. وفي المقابل، لم يؤجل علي بيعة أبي بكر، فيظهر تصالحهما.
ويذكر البلاذري رواية عن قول العباس لعليّ: “ما قدّمت إلى شيء إلّا تأخرت عنه”؛ لأنه كان قد قال له حين قُبض رسول الله: “اخرج حتى أبايعك على أعين الناس فلا يختلف عليك اثنان”، وأن عليًا أبى مُستغربًا أن يُنكر أحدٌ حقَّه في هذا، فقال العباس: “سترى أن ذلك سيكون، فلما بُويع أبو بكر، قال له العباس: ألم أقل لك يا عليّ”[99].
وفي خبر آخر بإسناده إلى أبي نضرة أن الناس تباطؤوا في بيعة أبي بكر، وأنه قال “من أحقّ بهذا الأمر مني، ألست أوّل من صلى، ألست، ألست”، ويجعل البلاذري أبا بكر يعدد خصاله بنفسه ومآثره مع النبي[100]، حيث يظهر في حالة تبرير ودفاع عن النفس. ويذكر أيضًا أن عليًا تأخر عن بيعة أبي بكر حتى وفاة فاطمة بعد ستة أشهر. وفي روايات أخرى يسردها البلاذري عن أيوب عن ابن سيرين أن أبا بكر سأل عليًا: “أَكَرِهْتَ إِمارتي؟ قال: لا، ولكني حلفت ألّا أرتدي بعد وفاة النبي ﷺ برداء حتى أجمع القرآن كما أُنزل”. ويذكر أيضًا بإسناده إلى أبي عون أن مصالحةً حدثت بين عليّ وأبي بكر، وأن عثمان بن عفان قال لعليّ لما ارتدت العرب أنه لن يخرج أحد إلى قتالهم إذا لم يبايع هو أبا بكر. ويضيف أن عثمان قاد عليًا إلى أبي بكر الذي قام إليه وتعانقا “وبكى كل واحد إلى صاحبه فبايعه”[101]. ومناسبة المصالحة هنا هي قتال المرتدين، أو الحاجة إلى علي في قتالهم. كذلك ينقل البلاذري محاولة أبي سفيان تأليب عليّ وبني هاشم على بيعة أبي بكر وأن عليًا زجره[102]. وهي قصة تتكرر لدى العديد من المؤرخين ذوي الهوى العلوي الذين عاشوا في ظل حكم العباسيين.
رواية المسند للإمام أحمد بن حنبل (ت. 241هـ/ 855م)
نقل الإمام أحمد عن حميد بن عبد الرحمن أن أبا بكر نقل عن النبي قوله: “لو سلك الناس واديًا، وسلكت الأنصار واديًا، سلكتُ وادي الأنصار”، ثم قول أبي بكر، موجّهًا كلامه إلى سعد، أن النبي قال وسعد موجود: “قريش ولاة هذا الأمر، فَبَرّ الناس تَبَع لبَرّهم، وفاجرُهم تَبَع لفاجرهم”، وأن سعدًا قال: “صدقت، نحن الوزراء، وأنتم الأمراء”[103]. وهنا يظهر قبول سعد بن عبادة أفضلية المهاجرين على الأنصار. وهذا الحديث النبوي عن أن قريشًا ولاة هذا الأمر لم يرد إلا عند الإمام أحمد، ثمّ ذكره الطبري.
كذلك، ينقل الإمام أحمد بإسناد إلى ابن عباس خطبة عمر بن الخطاب من على منبر مسجد المدينة بعد عودته من حجته الأخيرة، التي يستهل فيها كلامه عن أيام وفاة الرسول بالقول: “فإنّي قائلٌ مقالةً قد قُدِّر لي أن أقولها لا أدري لعلّها بين يدي أجلي فمن وَعَاهَا وعَقَلَهَا فليحدّث بها حيث انتهت به راحلته”، ودافع فيها عن بيعة أبي بكر: “وليس فيكم اليوم مَن تُقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، ألا وأنه كان مِن خَبَرِنَا حين توفي رسول الله ﷺ أن عليًا والزبير ومَن كان معهما تخلّفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله ﷺ وتخلّفت عنّا الأنصار بأجمعها في سقيفة بني ساعدة”[104]، وأنه اقترح على أبي بكر الذهاب إلى الأنصار المجتمعين في السقيفة، وتعود القصة من بدايتها.
الجديد هنا هو السؤال الذي وُجِّه في الرواية إلى مالك بن أنس (ت. 179هـ/ 795م) عن معنى قول الحُباب: “أنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ”، فأجابه: “كأنّه يقول: أنا داهيتها”. لذا ألم يكن هذا الكلام مفهومًا لسامعيه في عصره حتى يرد التفسير على لسان مالك بن أنس؟ هذا التساؤل لا يوجَد إلا في رواية أحمد فحسب، ومن نقل عنه مثل ابن كثير (ت. 774هـ/ 1373م). والذي طرح هذا السؤال هو الراوي إسحاق بن عيسى الطبّاع (ت. 215هـ/ 830م)، الذي نقل عنه أحمد بن حنبل هذه القصة. ومعظم المحدّثين كانوا في عصر أحمد أعاجم، ولهذا السبب خاض اللغويون والنحويون في جدال قديم وحديث بشأن صلاحية الحديث النبوي للاحتجاج اللغوي. ويبرر عمر مبايعته أبا بكر: “أما واللهِ ما وجدنا فيما حضَرنا أَمْراً هو أقوى من مبايعة أبي بكر. خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يُحدِثوا بعدنا بيعةً فإمّا نُتابعهم على ما لا نرضى، وإما أن نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع أميرًا عن غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ولا بيعة للذي بايعه تَغِرَّة أن يُقتلا”[105]. يحذر عمر بن الخطاب إذًا من المبايعة دون مشورة، ومبايعته هو أبا بكر كانت استثناء، ولا يجوز أن يتكرر.
ثم يذكر ابن حنبل حديثًا عن عبد الله بن مسعود، ولكنه قصير جدًا لا يتجاوز أربعة سطور وبالمعنى نفسه. والتعليل فيه هو كلام عمر للأنصار، والجديد هو موافقة الأنصار من دون نقاش على مبايعة أبي بكر: “ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قد أمر أبا بكر أن يؤمّ الناس؟ فأيّكم تطيبُ نفسه أن يتقدّم أبا بكر، فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر”[106].
رواية كتاب تاريخ اليعقوبي لأحمد بن إسحاق اليعقوبي (ت. 292هـ)
يُظهر اليعقوبي موقفًا معاديًا للأمويين وتعاطفًا مع علي بن أبي طالب. ولا يذكر أسانيد لرواياته، لكن تأتي بعض معلوماته من مصادر عائلية عباسية، ولا سيما أن والده كان مولى لأسرة العباسيين. كذلك فقد استمد معلومات من العلويين، خصوصًا عبر جعفر بن محمد، الإمام السادس[107].
يذكر اليعقوبي خبر سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر باختصارٍ شديد، ولكنه يُفرِد مساحة أكبر لما حصل في أعقاب ذلك، ولا سيما مع بني هاشم. أما بالنسبة للحدث نفسه، فيروي أن الأنصار اجتمعت في سقيفة بني ساعدة، و”أجلست سعد بن عبادة الخزرجيّ، وعصّبته بعصابة، وثنَتْ له وسادة”، كما يتكرر عند غيره. ويختصر ادّعاء المهاجرين على لسان أبي بكر وعمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح معًا بالقول: “منّا رسول الله، فنحن أحقّ بمقامه”، وقول الأنصار: “منّا أمير ومنكم أمير”، وردّ أبي بكر: “منّا الأمراء وأنتم الوزراء”. ويذكر اليعقوبي خطيبًا من الأنصار هو ثابت بن قيس بن شمّاس، الذي تكلّم عن الأنصار وعدد فضائلهم، وإجابة أبي بكر بعدم إنكار هذه الفضائل، وأنهم أهلٌ لها، قال: “ولكن قريش أولى بمحمّد منكم” عارضًا عليهم مبايعة عمر بن الخطاب الذي قال فيه الرسول: “اللهم أعز الدين به”، أو أبي عبيدة بن الجراح الذي سمّاه الرسول “أمين هذه الأمة”. وهنا يقول اليعقوبي إنهما – عمر وأبا عبيدة – أجابا: “والله ما كنّا لنتقدّمك، وأنت صاحب رسول الله وثاني اثنين”، وإن أبا عبيدة هو من ضرب على يد أبي بكر وبايعه، وتبعه عمر، وبايعه من كان معه من قريش، وإن عملية إقناع الأنصار بدأت بعد ذلك. ثم يذكر اليعقوبي شخصًا آخر هو المنذر بن الأرقم الذي أجاب ردًا على قول عبد الرحمن بن عوف: “ليس فيكم مثل أبي بكر وعمر وعليّ”، بقوله: “ما ندفع فضل من ذكرت، وإنّ فيهم لرجلًا لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحدٌ، يعني عليّ بن أبي طالب”[108]. ينسب هنا للأنصار التأكيد على أولوية علي حتى على أبي بكر. وفي هذه الرواية صورة سلبية عنيفة عن عمر، إذ تنسب له دعوة صريحة إلى قتل سعد بن عبادة: “اقتلوا سعدًا، قتل الله سعدًا”[109].
يذكر اليعقوبي أنه بعد المبايعة، جاء البراء بن عازب (ت. 72هـ/ 690م) إلى بني هاشم، وأبلغهم أن أبا بكر قد بويع، وأن بعضهم قال: “نحن أولى بمحمّد”، وأن العباس قال: “فعلوها، وربّ الكعبة”. وقام الفضل بن العباس، الذي يسميه اليعقوبي “لسان قريش”، وقال: “يا معشر قريش، إنه ما حقّت لكم الخلافة بالتمويه، ونحن أهلها دونكم، وصاحبنا أولى بها منكم”. ثم يضع قصيدة على لسان عتبة بن أبي لهب يؤكد فيها على أحقية عليّ. ويذكر اليعقوبي أيضًا أن قسمًا من المهاجرين والأنصار مالوا مع علي، منهم العبّاس بن عبد المطلب، والفضل بن العباس، والزبير بن العوام، وخالد بن سعيد (ت. 13هـ/ 633م)، والمقداد بن عمرو (ت. 33هـ/ 653م)، وسلمان الفارسي (ت. 33هـ/ 653م)، وأبو ذر الغفاري (توفي بين 31 و32هـ/ 651 م)، وعمار بن ياسر، والبراء بن عازب، وأُبيّ بن كعب (ت. 30هـ/ 650م)[110].
ووفقًا لرواية اليعقوبي، فإن أبا بكر شاور عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح والمغيرة بن شعبة (ت. 50هـ/ 670م)، وأشاروا عليه بمساومة العباس لينحاز إليه، وأن “تجعل له في هذا الأمر نصيبًا يكون له ولعقبه من بعده، فتقطعون به ناحية عليّ بن أبي طالب حجّة لكم على عليّ، إذا مال معكم”[111]. فذهب إلى العباس وعرض عليه الأمر، فرفض العباس العرض، وأجابهم إن كانت الخلافة حقًا للمؤمنين “فليس لك أن تحكم فيه؛ وإن كان لنا فلمْ نرضَ ببعضه دون بعض، وعلى رِسْلك، فإن رسول الله من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها. فخرجوا من عنده”[112]. والتلميحات واضحة، فوفقًا لهذه الرواية، يرفض جد بني العباس أن يكون لنسله نصيب في الخلافة مقابل التخلي عن علي. وهذا يتضمن نقدًا علويًا للعباسيين أيضًا في زمن حكمهم.
يذهب اليعقوبي بالخلاف إلى درجة الصراع الجسدي، وهو ما ينتشر بصيغ درامية أكثر تفصيلًا في الروايات الشيعية. فوفقًا لروايته، بعدما بلغ أبا بكر وعمر أن مجموعة من المسلمين والأنصار تحلّقوا حول علي بن أبي طالب في منزل فاطمة، هاجموا الدار ثم “خرج عليّ ومعه السيف، فلقيه عمر، فصارعه عمر فصرع، وكسر سيفه، ودخلوا الدار فخرجت فاطمة فقالت: والله لتخرجنّ أو لأكشفنّ شعري ولأعجّنّ إلى الله! فخرجوا وخرج من كان في الدار وأقام القوم أيّامًا. ثم جعل الواحد بعد الواحد يبايع؛ ولم يبايع عليّ إلّا بعد ستة أشهر وقيل أربعين يومًا”[113].
رواية مسائل الإمامة ومقتطفات من الكتاب الأوسط في المقالات
للناشئ الأكبر (ت. 293هـ/ 906م)
الناشئ الأكبر معتزليّ خصص كتابه لنشوء الافتراق في الإسلام، وهو يبدأ بما يُعتقد أنه افتراق منذ وفاة الرسول فيكتب: “ولما قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفت الأمة وتشتت الكلمة وذهبت الألفة ومرج النظام وطمع أهل الشرك في أهل الإسلام فصار الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم على أربع فرق”[114]. وقد أطلق الناشئ الأكبر الفرقة الأولى على الأنصار الذين اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة. والفرقة الثانية على من اعتزلوا مع عليّ بن أبي طالب في منزل فاطمة ممن قالوا “لا نبايع إلا عليًا”، ويروي أن عليًا لم يبايع أبا بكر إلّا بعد وفاة فاطمة، وأن البيعة جرت بعد حديث عتاب بين عليّ وأبي بكر[115]. وفي هذا الكلام يتكرر الحديث عن الخلاف بين أبي بكر وفاطمة بشأن خُمس خيبر وحقّ فاطمة به. وأما عليّ عندما جاء في اليوم التالي لمبايعة أبي بكر في المسجد فقد قال إنه لم يحمله على الذي صنع المنافسة مع أبي بكر، ولا إنكار ما فضّله الله به، “ولكن كنّا نرى لنا في الأمر نصيبًا فاستُبِدّ علينا به فوجدنا في أنفسنا”[116].
تتألف الفرقة الثالثة من الذين بايعوا أبا بكر، فيروي قصة السقيفة وصولًا إلى المشادة الكلامية التي وقعت بين المهاجرين والأنصار في السقيفة، حتّى تحدّى الحباب بن المنذر المهاجرين أن يبارزوه، وفي الرواية أن أبا بكر ألقى خطابه الذي ورد فيه “إن الناس لا يدينون إلاّ لهذا الحي من قريش”، مع إضافة التحذير من الخلاف بين الأوس والخزرج، “وهذا الأمر إن تطاولت له الأوس لم تقصر عنه الخزرج، وإن تطاولت له الخزرج لم تقصر عنه الأوس. وكان بين الحييَّن قتلٌ لا ينسى وجراح لا تداوى”. فقام الحُباب بن المنذر مصرّحًا له أنهم لا يحسدونه ولا أصحابه، ولكنهم يخشون “أن يكون الأمر في أيدي قومٍ ضربناهم بأسيافنا”[117]؛ أي أسياد قريش الذين كانوا كفارًا. ثم يذكر من بايع أبا بكر، فكان عمر بن الخطاب أولًا، ثم أسيد بن حُضير بن سِماك الأنصاري. ويذكر أنه بعد أن سمع عليّ التكبير في المسجد، وقيل له إن أبا بكر قد بويع، قال له العباس: “هذا ما دعوتك إليه فأبيت عليّ!” وأن عليًا خرج إلى أبي بكر فقال: “أفتأتّ علينا أمرنا ولم تستشرنا وما رأيت لنا حقًا!”، فأجاب أبو بكر: “لقد قُلّدت أمرًا عظيمًا ولوددتُ أن أطوّق هنا الأمر مَن كان في عنقه، فخشيت أن يكون فتنة”، فبايعه عليّ والعباس والناس[118]. وهذه رواية أخرى لا تؤخر مبايعة عليّ ستة أشهر.
أما الفرقة الرابعة فهم المرتدون عن الإسلام، الذين امتنعوا عن دفع الزكاة إلى عمّال أبي بكر، وزعموا أن دفعها كان خاصًا بالنبي. “فلما قبض الله عز وجل نبيه كان الناس على زكواتهم يصنعونها حيث شاؤوا من فقرائهم”[119]. يعدّ هذا الافتراق الرباعي أول فرقة حدثت في الإسلام، ويسميهم كما يلي: “الأنصار أصحاب السقيفة، والمهاجرون الذين بايعوا أبا بكر، وبنو هاشم الذين اجتمعوا في منزل فاطمة مع عليّ بن أبي طالب، والعرب الذين امتنعوا عن دفع الزكاة إلى عمّال أبي بكر”[120].
رواية كتاب أخبار الرسل والملوك لمحمد بن جرير الطبري (ت. 310هـ/ 922م)
يورد الطبري في كتابه أقوالًا للنبي - في أيامه الأخيرة - يثني فيها على عمر وأبي بكر، مثل: “عمر معي وأنا مع عمر، والحق بعدي مع عمرَ حيث كان”، وقوله قاصدًا أبا بكر: “إن عبدًا من عباد اللَّه خيَّرَه اللَّه بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله”[121]. ويكرر الطبري سرد حديث العباس مع علي بعد أن خرج من عند رسول الله في مرضه كما ورد في المصادر الأخرى دون تغيير، بدءًا من قول عليّ عن النبي إنه “أصبح بحمد الله بارئًا”، ثمّ ردِّ العباس بأن الرسول “سيتوفى في وجعه هذا، وإني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، فاذهب إلى رسول الله فَسَلْه فيمن يكون هذا الأمر؟ فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا أمر به فأوصى بنا”، وأن عليًا أجابه: “والله لئن سألناها رسول الله فمنعناها لا يعطيناها الناس أبدًا، والله لا أسألها رسول الله أبدًا”[122].
كذلك يورد الطبري على لسان عائشة أن الرسول أوصى في مرضه أن يصلي أبو بكر بالناس، وأن أبا بكر جاء حين توفي الرسول وكشف الثوب عن وجهه وقبّله، ثم انطلق إلى المنبر، ووجد عمر بن الخطاب يُهدد من يقول إن النبي مات، فطلب منه السكوت، فأبى عمر، فتكلّم أبو بكر رغمًا عن ذلك وتلا من القرآن: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (الزمر: 31)، و:
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران: 144). وقال: “من كان يعبُد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبدُ الله فإنّ الله حيّ لا يموت”[123]. وهنا أيضًا يُصوَّر عمر في صورة صحابي متسرع وغضوب يجهل بعض آيات القرآن.
ثم ينتقل الطبري إلى حادثة السقيفة ويختصرها بالقول إن رجلًا جاء يسعى، وقال إن الأنصار اجتمعت في ظلّة بني ساعدة يبايعون رجلًا منهم ويقولون: “منا أمير، ومن قريش أمير”. ووفقًا لهذه الرواية وصل هذا المَطلب إلى مسامعهم قبل أن يأتوا السقيفة، مع أن روايات أخرى تضعه في نهاية السجال الذي دار بينهم وبين الأنصار هناك. ويذكر أنَّ عمر أراد أن يتكلم فنهاه أبو بكر فقال عمر: “لا أعصي خليفة النبي ﷺ في يومٍ مرتين”[124]، وهذا الاستخدام جديد على لسان عمر يوظفه الطبري هنا وكأن أبا بكر أصبح خليفة قبل مبايعته، وقبل أن يستخدم أبو بكر لقب خليفة رسول الله بنفسه في وصف منصبه هذا في مرحلة لاحقة، وفقًا للروايات المبكرة. ويروي الطبري حكاية جديدة في سياق إشادة أبي بكر بالأنصار، فهو عندما نبّه سعدًا على أن رسول الله قال في حضوره: “قريش ولاة هذا الأمر فبرّ الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم”. وأجابه سعد بن عبادة بنفسه مسلِّمًا بالأمر للمهاجرين: “صدقت، فنحن الوزراء وأنتم الأمراء”، وعندئذٍ بايع عمر أبا بكر، فأجابه أبو بكر: “بل أنت يا عمر، فأنت أقوى لها مني”، وأراد كل من عمر وأبو بكر مبايعة الآخر فـ”كان كل واحد منهما يريد صاحبه يفتح يده يضرب عليها ففتح عمر يد أبي بكر، وقال: إن لك قوتي مع قوتك، قال: بايع الناس واستثبتوا للبيعة”[125]. تتضمن رواية الطبري تنافسًا بين عمر وأبي بكر في الإيثار ورفض المنصب، وكذلك تلميحًا واضحًا إلى أن عمر أقوى من أبي بكر، وذلك على لسان أبي بكر ذاته، وتتضمن اعترافًا بتفوق المهاجرين على الأنصار من حيث المكانة موضوعًا على لسان سعد بن عبادة ذاته. ويذكر الطبري أن عليًا والزبير تخلّفا عن البيعة، وأن الزبير استلّ سيفه وقال: “لا أغمده حتى يُبايَع عليّ”، وأن عمر طلب من الناس أن يأخذوا سيف الزبير ويضربوا به الحجر، وحاول أن يجبر عليًا والزبير على البيعة[126]. وقد تكررت هذه الرواية عن استلال الزبير سيفه عند الرواة.
ثم يورد الطبري صيغة عمر بن الخطاب لمجريات يوم السقيفة بعد عودته من آخر حجة له مثلما أوردها عديد المؤرخين بوصفها مقالة لم تُقل قبله. وفي هذه الرواية المنتشرة بين المؤرخين والمروية عن الزهري وصولًا إلى ابن عباس، لم يبايع سعد أبا بكر، وكادت الناس أن تطأه. ويضيف الطبري إليها أن عليًا “خرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء عجِلًا كراهية أن يبطئ عنها حتى بايعه”[127]. أسرع عليٌ إذًا إلى مبايعة أبي بكر وفقًا لهذه الرواية حتى لا يفسَّر تلكؤه تفسيرًا خاطئًا.
ثم يورد الطبري الرواية المناقضة التي بموجبها لم يبايع علي أبا بكر إلى ما بعد وفاة فاطمة، وتلي ذلك صيغةٌ رابعةٌ أيضًا، دخل أبو بكر بموجبها على جمعٍ من بني هاشم يطلب البيعة، وقال له عليّ: “لم يمنعنا من أن نبايعك يا أبا بكر، إنكارٌ لفضيلتك ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله إليك، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقًا فاستبددتم به علينا”. وواصل الحديث عن قرابته للنبي وحقه بالخلافة حتى بكى أبو بكر، وفي الرواية أن عليًا بايعه بعد صلاة العشاء في ذلك اليوم. ويذكر الطبري أيضًا محاولة أبي سفيان تأليب بني عبد المطلب على أبي بكر وصد عليٍّ له[128]. ولا يفاضل الطبري بين الروايات لتثبيت الأقرب إلى الحقيقة أو الأرجح حصوله، متنازلًا عن مهمة المؤرخ في التحقيق، ومكتفيًا بوظيفة نقل الروايات، وهو منهجه عمومًا.
وثمة رواية أطول ينقلها عن أبي مخنف (ت. 170هـ)، المؤرخ الذي اندثر عمله وكرّسه الطبري الذي أخذ عنه الكثير. جاء في الرواية عن أبي مخنف عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري أن الأنصار حين اجتمعوا في السقيفة تكلم سعد بصوت خافت لمرضه، وكان قيس ابنه يحفظ الرجل قوله فيرفع صوته فيسمع أصحابه، فقال: “يا معشر الأنصار، لكم سابقةٌ في الدين، وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب، إنّ محمدًا ﷺ لبث بضع عشرة سنةً في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأنداد والأوثان، فما آمن به من قومه إلّا رجال قليل، وكان ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول الله ﷺ ولا أن يُعزُّوا دينه، ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيمًا عمُوا به”[129]. وأن الأنصار حموه وحملوا راية الدين بعزيمة وشدة لا تلين “حتى استقامت العرب لأمر الله طوعًا وكرهًا [...] ودانت بأسيافكم له العرب [...] فاستبدّوا بهذا الأمر فإنّه لكم دون الناس”. فوافق الأنصار واتفقوا على توليته الأمر. ولكن حين تحاوروا في رد المهاجرين الممكن طرحوا فكرة الرد عليهم بـ: “إذًا منَّا أميرٌ ومنكم أميرٌ”، فقال سعد بن عبادة حين سمعها: “هذا أوّل الوهن!”[130].
وحين وصل أبو بكر ألقى كلمة قال فيها واصفًا فضل المهاجرين وإيمانهم على الرغم من شدّة أذى قومهم لهم وتكذيبهم إياهم، “فهم أوّل من عبد الله في الأرض وآمن بالله وبالرسول وهم أولياؤه وعشيرته، وأحقّ الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم”، وذكر فضل الأنصار في الدين، وأن سابقتهم العظيمة في الإسلام لا تنكر، وطرح فكرة “نحن الأمراء، وأنتم الوزراء [...] لا نقضي دونكم الأمور”، فقام الحُباب بن المنذر فقال: “يا معشر الأنصار، املكوا عليكم أمركم، فإنّ الناس في فيئكم وفي ظلّكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم [...] وإنّما ينظر الناس إلى ما تصنعون، ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، وينتقض عليكم أمركم، فإن أبى هؤلاء إلّا ما سمعتم فمنّا أمير ومنهم أمير”. فأجابه عمر بن الخطاب: “هيهاتَ لا يجتمع اثنان في قرن، والله لا ترضى العرب أن يؤمّروكم ونبيها من غيركم، ولكنّ العرب لا تمتنع أن تولّي أمرها من كانت النبوّة فيهم وولي أمورهم منهم، ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجّة الظاهرة، والسلطان المبين من ذا ينازعنا سلطان محمدٍ، وإماراته، ونحن أولياؤه وعشيرته إلّا مدلٍ بباطل أو متجانف لإثم ومتوِّرط في هلكة!”[131].
والملاحظ أن عمر استخدم تعبير “سلطان محمد”، رافضًا أن ينازعهم أحد فيه. فقام الحُباب بن المنذر، فقال: “يا معشر الأنصار، املكوا على أيديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر فإن أبوا عليكم ما سألتموه فأجلوهم عن هذه البلاد، وتولّوا عليهم هذه الاُمور فأنتم والله أحقُّ بهذا الأمر منهم، فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين من دان ممّن لم يكن يدين. أنا جذيلها المحكَّك، وعذيقها المرجَّب! أما والله لئن شئتم لنعيدنّها جذعةً، فقال عمر: إذًا يقتلك الله! قال: بل إياك يقتل!”[132].
فقام بشير بن سعد ودعا الأنصار إلى عدم المَنّ بما قدموه في الإسلام، وقبول أن “محمدًا ﷺ من قريش وقومه أحقّ به”. وفي إطار الحسم بموجب المنطق القبلي، يخيرهم أبو بكر بين عمر وأبي عبيدة، فرد عليه بالقول إنه “أفضل المهاجرين، وثاني اثنين إذ هما في الغار، وخليفة رسول الله ﷺ على الصلاة، والصلاة أفضل دين المسلمين فمن ذا ينبغي له أن يتقدّمك أو يتولّى هذا الأمر عليك. ابسط يدك نبايعك، فلمّا ذهبا ليبايعاه سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه”، فعيّره الحُباب بن المنذر بأنه حاسد لابن عمه. وعندئذٍ بايع الأوس خوفًا من تولي الخزرج. ويشير الراوي إلى إقبال أعداد كبيرة من قبيلة أسلم التي تقيم بين مكة والمدينة “حتى تضايق بهم السكك فبايعوا أبا بكر فكان عمر يقول: ما هو إلا أن رأيت أسلم، فأيقنت بالنصر”. ويُلحظ استخدام كلمة “النصر” وكذلك استنتاج النصر من قدوم قبيلة أسلم، وكأن المهاجرين استقووا بهم! وعندما تزاحم الناس وكادوا يطؤون سعدًا، قال عمر: “اقتلوه قتله الله، ثم قام على رأسه، فقال: لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضدك، فأخذ سعد بلحية عمر، فقال: والله لو حصصتَ منه شعرة ما رجعتَ وفي فِيكَ واضحة، فقال أبو بكر: مهلًا يا عمر، الرفق ها هنا أبلغ. فأعرض عنه عمر، وقال سعد: أما والله لو أنّ بي قوّةً ما أقوى على النهوض لسمعت منّي في أقطارها وسككها زئيرًا يجحرك وأصحابك! أما والله إذًا لألحقنّك بقومٍ كنت فيهم تابعًا غير متبوع!”[133]. تصف كلمات الراوي أجواء مشحونة للغاية سادت في ذلك اليوم، ولكنها حُسمت بفرض المبايعة وإقبال الناس عليها من منطلقات مختلفة أهمها كما يبدو قبول الأمر الواقع ودرء الفتنة.
جاء في خطبة أبي بكر على منبر المسجد بعد مبايعته: “يا أيها الناس، إنّما أنا مثلكم، وإني لا أدري لعلكم ستكلفونني ما كان رسول الله ﷺ يطيق. إن الله اصطفى محمدًا على العالمين، وعصمه من الآفات، وإنّما أنا متبع ولست بمبتدع فإن استقمت فتابعوني، وإن زغت فقوموني، وإن رسول الله ﷺ قبض، وليس أحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة ضربة سوط فما دونها. ألا وإن لي شيطانًا يعتريني فإذا أتاني فاجتنبوني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم”[134]. وتنكر بعض المصادر أنه قال الجملة الأخيرة، التي يأخذها عليه معارضو بيعته بأثر تراجعي، وربما وضعت لهذا السبب.
غلاف كتاب السقيفة وفدك لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
رواية كتاب السقيفة وفدك لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري (ت. تقريبًا 323هـ/ 934م)
تسمي اللجنة العلميّة لهذا المؤلَّف يوم السقيفة “يومًا مشؤومًا”، وتعتبر أن مجريات يوم السقيفة تأكيدٌ لنبوءة الآية القرآنيّة ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾ (آل عمران: 144)، وبهذا المعنى تعتبر أنّ ما جرى في السقيفة نوع من الارتداد عن نهج الرسول، وكذلك تعتبر أنّ “فاجعة السقيفة” مقدمة لـ”فاجعة عاشوراء”[135]. أمّا المُحقّق المُعد الذي جمع شتات ما كتبه الجوهري في كتابٍ واحد، فيُسمي اجتماع السقيفة مؤتمر الشقاق والنِّفاق.
ينقل الجوهري عن الزهري عن عبد الله بن عباس، ويتكرر عنده الحوار بين علي والعباس عند خروجه من عيادة الرسول مريضًا، وفي الرواية أنّ عليًا قال عن الرسول إنّه “أصبح بحمد الله بارئًا”، وأنّ العباس حَلَفَ أنّه رأى الموت في وجهه، وأنه يعرف الموت في وجوه بني عبد المطلب، ويحثه أن يسأل الرسول عن الولاية من بعده “فانطلق إلى رسول الله فاذكر له هذا الأمر؛ إن كان فينا أَعْلَمَنا، وإن كان في غيرنا أوصى بنا، فقال: لا أفعل والله إن منعناه اليوم لا يؤتيناه الناس بعده، قال فتوفي رسول الله في ذلك اليوم”[136]. ويذكر عن الزهري عن أنس بن مالك أنّ الرسول في مرضه أمر بلالًا أن يطلب من أبي بكر أن يُصلي في الناس[137].
ويذكر عن أبي زيد، عن جابر بن عبد الله أنّ الرسول قال للصحابة: “إن تولُّوها أبا بكر تجدُوه ضعيفًا في بَدَنه، قويًا في أمر الله، وإن تولُّوها عمر تجدُوه قويًا في بَدَنه، قويًا في أمر الله، وإن تولُّوها عليًا، وما أراكم فاعلين، تجدُوه هاديًا مهديًا، يحملكم على المحجّة البيضاء والصراط المستقيم”[138]، ونقلًا عن
شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ينسب هذا النص للنبي مرّة أخرى نبوءة لا بما سيجري فحسب، بل أيضًا بما لن يحصل، أي بأنّهم لن يولوا عليًّا بعده.
يذكر في هذا النّص أنّ سعد بن عبادة المريض ألقى الكلمة، وطلب من ابنه قيس أن يُكرّر كلامه بصوت مرتفع، وجاء فيه: “إن رسول الله لبث في قومه بضع عشرة سنة، يدعوهم إلى عبادة الرحمن، وخلع الأوثان، فما آمن به من قومه إلا قليل، والله ما كانوا يقدرون أن يمنعوا رسول الله ولا يعزوا دينه، ولا يدفعوا عن عداه، حتى أراد الله بكم خير الفضيلة، وساق إليكم الكرامة، وخصكم بدينه، ورزقكم الإيمان به، وبرسوله، والإعزاز لدينه، والجهاد لأعدائه، فكنتم أشد الناس على من تخلّف عنه منكم [...] فشدوا يديكم بهذا الأمر، فإنكم أحقّ الناس وأولاهم به”، فاتفقوا معه على أن يولوه، واقترحت طائفة منهم أنه إذا جاء مهاجرو قريش وقالوا إنّهم الأحق لأنّهم أصحاب الرسول الأولون وعشيرته، أن يجيبوهم: “منّا أمير ومنكم أمير”. فقال سعد بن عبادة معلقًا على هذا الاقتراح: “هذا أوّل الوهن”[139]. ووفقًا لهذه الرواية فإنّ الخبر وصل إلى عمر أوّلًا، ووجد أبا بكر في داره، وعليًا في جهاز الرسول، ومن أتاه بالخبر هو معن بن عدي. قال عمر لعلي إنّ الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة ومعهم سعد بن عبادة “يدورون حوله ويقولون: أنت المرجّى، ونجلك المرجّى”[140]، وهذه مفردات جاهلية فيها تلميحات إلى ارتداد.
وصل أبو بكر وعمر إلى سقيفة بني ساعدة فتحدّث أبو بكر أولًا، وبعد أن أشار إلى أولويّة المهاجرين في الإسلام، وإلى أنّهم عشيرة الرسول “وأوسط العرب أنسابًا”، أخذ يمتدح الأنصار، ويدعوهم إلى مبايعة أبي عبيدة أو عمر، اللذين يمتنعان مشددَيْن على أولوية أبي بكر. وإجابة الأنصار أيضًا مُكرّرة هنا بأنّهم لا يحسدون المهاجرين “على خيرٍ ساقه الله” إليهم، ولكنّهم يخشون أن يتولى الأمر لاحقًا مَن “ليس منّا ولا منكم”، ولذلك اقترحوا أن يتبادل المهاجرون والأنصار الأدوار؛ إذا هلك المهاجر تولى أنصاري، وإذا هلك أنصاري يتولّى أحد المهاجرين. ويُصر أبو بكر على أولويّة المهاجرين “فهم أوّل من عبد الله في الأرض، وهم أوّل من آمن برسول الله، وهم أولياؤه وعترته، وأحق الناس بالأمر بعده، ولا ينازعهم فيه إلّا ظالم”[141].
وكما في الروايات الأخرى، يطلب الحباب بن المنذر من الأنصار أن يتماسكوا ويتكاتفوا ويرفضوا هذا الكلام، يقول: “يا معشر الأنصار، املكوا عليكم أيديكم، إنّما الناس في فيئكم، وظلكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم، ولا يصدر الناس إلا عن أمركم، أنتم أهل الإيواء، والنصرة، وإليكم كانت الهجرة، وأنتم أصحاب الدار [...] ولا عُرف الإيمان إلا من أسيافكم، فاملكوا عليكم أمركم، وإن أبى هؤلاء فمنا أمير ومنهم أمير”[142]. فردَّ عمر بالقول: “لا يجتمع سيفان في غمد، إنّ العرب لا ترضى أن تؤمركم ونبيّها من غيركم، وليس تمتنع العرب أن تولي أمرها من كانت النبوّة فيهم وأولو الأمر منهم، لنا بذلك الحجة الظاهرة على من خالفنا، والسلطان المُبين على من نازعنا، من ذا يخاصمنا في سلطان محمد وميراثه؟ ونحن أولياؤه، وعشيرته، إلا مدل بباطل، أو متجانف لإثم، أو متورطٍ في هلكة”[143]. ويُلحظ أنّ مصطلح “سلطان محمد” يتكرر مرّة أخرى في كلام عمر، أي يجري التعامل مع الأمر بوصفه سلطة، وقد لوحظ هذا الاستخدام على لسان علي في تقرير الواقدي عن الواقعة.
يُشير الجوهري إلى أنّ بشير بن سعد الذي دعا الأنصار إلى عدم الاستطالة بإسلامهم على النّاس، وألّا يحسدوا قريشًا على نصيبها، كان من سادة الخزرج، وأنّه كان حاسدًا ابن عمّه سعد بن عبادة[144]، وأنّ عمر وأبا عبيدة قاطعا النقاش وطلبا أن يبسط أبو بكر يده ليبايعاه فسبقهما بشير بن سعد فبايعه، فناداه الحُباب بن المنذر “يا بشير عَقّك عَقَاقِ، والله ما اضطرّك إلى هذا الأمر إلّا الحسد لابن عمك”. ولما رأت الأوس أنّ أحد رؤساء الخزرج قد بايع قام أُسَيْد بن حُضير فبايع حسدًا لسعد أيضًا، فبايعت الأوس كلّها[145]. وخرج سعد إلى الشام ومات بحوران، ولم يُبايع أحدًا. يقول الجوهري إن معظم المسلمين بايعوا أبا بكر في ذلك اليوم، في حين اجتمع بنو هاشم إلى بيت علي بن أبي طالب ومعهم الزبير الذي كان يَعد نفسه من بني هاشم[146].
يروي الجوهري ذهاب عمر ومعه “عصابة” إلى بيت علي، ومنهم: أُسَيْد بن حُضير وسلمة بن أسلم، وقد خرج إليهم الزبير بسيفه “فقال عمر: عليكم الكلب، فوثب عليه سلمة بن أسلم فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار”، وأنّهم انطلقوا بالزبير وعلي ومعهما بنو هاشم إلى أبي بكر وطلبوا منه المبايعة فأجاب: “أنا أحق بهذا الأمر منكم لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله، فأعطوكم المقادة، وسلموا إليكم الإمارة، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، فأنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم”[147]. وأصرّ عمر أن يُبايِعَ عليٌّ أبا بكر، فاتهمه أنّه قد تشاطر الأمر مع أبي بكر، وأنه يشد اليوم على يد أبي بكر ليرد عليه غدًا: “احلب يا عمر حلبًا لك شطره، اشدد له اليوم أمره، ليرد عليك غدًا”[148]؛ بمعنى أنّه سيتقاسم هو وأبو بكر الخلافة.
واحتج أبو عبيدة على علي بحداثة سنّه، وبأنّ هؤلاء مشيخة قريش قومه، وليس له مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور، حاثًا إيّاه أن يسلم لهم الأمر وأن يرضى به، “فإنّك إن تعش ويطل عمرك، فأنت لهذا الأمر خليق، وبه حقيق، في فضلك، وقرابتك، وسابقتك، وجهادك”. وقد أجاب علي: “يا معشر المهاجرين، الله الله لا تُخرجوا سلطان محمد من داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين، لنحن أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم”[149]. ثمّ قال له بشير بن سعد: “لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار يا علي قبل بيعتهم لأبي بكر، ما اختلف عليك اثنان، ولكنّهم قد بايعوا”[150]. ثمّ انصرف علي إلى بيته ولم يُبايع، وبقي في بيته حتى ماتت فاطمة، فبايع بعد وفاتها.
يذكر الجوهري كلامًا لسعد بن عبادة أنّه سمع من الرسول كلامًا يوجب ولاية علي، وأنّ عليًا نسيه ولم يحتج به، فأجابه ابنه قيس بن سعد: “أنت سمعت رسول الله يقول هذا الكلام في علي بن أبي طالب، ثم تطلب الخلافة، ويقول أصحابك: منّا أمير ومنكم أمير! لا كلّمتك والله من رأسي بعد هذا كلمة أبدًا”[151]، وهذا أيضًا كلام مأخوذ من
نهج البلاغة.
ثُم يذكر الجوهري قصة مفادها حمل علي فاطمة على حمار والسير بها ليلًا إلى بيوت الأنصار يطلب النصرة، فكانوا يجيبون فاطمة: “يا بنت رسول الله، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، لو كان ابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به”، فكان علي يجيب: “أكنت أترك رسول الله ميتًا في بيته لا أجهزه وأخرج إلى الناس أنازعهم في سلطانه”[152]. ومن الواضح أنّ المؤلف هنا يضع لعلي أعذارًا وجيهة متعلّقة بكرامة الرسول وتشييعه تشييعًا يليق به، وأنّه فضّل ذلك على الاهتمام بالبيعة. وهذه الحجة على لسان علي مُتكرّرة طبعًا.
ويذكر صيغة أخرى لخطبة أبي بكر في السقيفة، وهي رواية أبي زيد عمر بن شبّة وصولًا إلى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، وفيها صياغات وردت في مصادر أخرى مثل: “يا معشر الأنصار، ما يُنكر حقكم مسلم، إنا والله ما أصبنا خيرًا قط إلا شركتمونا فيه. لقد آويتم ونصرتم، وآزرتم وواسيتم، ولكن قد علمتم أنّ العرب لا تقر ولا تطيع إلا لامرئ من قريش هم رهط النبي، أوسط العرب، وشيجة رحم، وأوسط الناس دارًا، وأعرب الناس ألسنًا، وأصبح الناس أوجهًا، وقد عرفتم بلاء ابن الخطاب في الإسلام وقدمه، هلم فلنبايعه”[153]. ويذكر على لسان عمر أنّه قال: “فكنت أوّل الناس مدّ يده إلى أبي بكر فبايعه، إلا رجلًا من الأنصار أدخل يده بين يدي ويد أبي بكر فبايعه قبلي”[154].
يورد الجوهري أيضًا آراء البراء بن عازب، الذي كان يُعد من أقرب الناس إلى علي بن أبي طالب. قال البراء إنه لما قُبض رسول الله تخوف من أن تتمالأ قريش على بني هاشم، وإنه بعد مجريات السقيفة رأى عمر وأبا عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة “وهم محتجزون بالإزار الصنعانيّة لا يمرون بأحدٍ إلا خبطوه، وقدموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه، شاء ذلك أم أبى”. وأضاف: “خرجت أشتد حتى انتهيت إلى بني هاشم، والباب مغلق، فضربت عليهم الباب ضربًا عنيفًا، وقلت: قد بايع الناس لأبي بكر بن أبي قحافة، فقال العباس: تَرَبَت أيديكم إلى آخر الدهر؛ أما إني قد أمرتكم فعصيتموني”[155].
يتحدث البراء بن عازب عن أنّه رأى في تلك الليلة المقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت (ت. 34هـ/ 655م)، وسلمان الفارسي، وأبا ذر الغفاري، وحذيفة بن اليمان العبسي (ت. 36هـ/ 656م)، وأبا الهيثم بن التيهان (م. و) مجتمعين، وهم أصحاب علي، وأنّهم ذهبوا معًا إلى أُبيّ بن كعب وضربوا عليه الباب. ويبدو أن البراء بن العازب يتحدث عن أمر كان يعرفه حذيفة ويعرفه أبي بن كعب متعلّق بالتآمر على علي. بلغ خبر هذا الاجتماع بين أصحاب علي إلى أبي بكر وعمر فأرسلا إلى أبي عبيدة والمغيرة بن شعبة يسألانهما الرأي خشية أن تتسع معارضة بيعة أبي بكر، فنصحهما المغيرة أن يلتقيا العبّاس، وأن يقترحا عليه “نصيبًا في هذا الأمر”، فيكون له ولعقبه من بعده، وبهذا يشُقّان صف بني هاشم، ولكن رفض العباس الإغراء[156].
يذكر الجوهري اقتحام بيت فاطمة الذي أصبح ثيمة مركزية في التراث الشيعي، وأن عمر دخل على فاطمة حين كان الزبير والمقداد يجتمعان إلى علي في بيتها وقال لها: “يا بنت رسول الله، ما من أحد من الخلق أحب إلينا من أبيك، وما من أحدٍ أحب إلينا منك بعد أبيك، وايم الله ما ذاك بمانعي إذا اجتمع هؤلاء النفر عندك أن آمر بتحريق البيت عليهم، فلما خرج عمر جاؤوها فقالت: تعلمون أنّ عمر جاءني وحلف لي بالله إن عدتم ليحرقن عليكم البيت؟ وايم الله ليمضين لما حلف له، فانصرفوا عنا راشدين، فلم يرجعوا إلى بيتها، وذهبوا فبايعوا لأبي بكر”[157]. ويذكر رواية أخرى مفادها أنّ سعد بن أبي وقاص كان معهم في بيت فاطمة والمقداد بن الأسود أيضًا، وقد أجمعوا أن يُبايعوا عليًا، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت فخرج الزبير إليهم بالسيف، وخرجت فاطمة تبكي وتصيح، وأنّ المجتمعين طمأنوا عمر ومن معه أنّهم اجتمعوا لجمع القرآن في مصحف واحد، ثم ذهبوا وبايعوا أبا بكر[158].
يورد الجوهري وصف أبي بكرٍ لبيعته بعد أن غضب رجالٌ من المهاجرين من أنها تمت من دون مشورة: “إن بيعتي كانت فلتةً وقى الله شرها، وخشيت الفتنة، وايم الله ما حرصت عليها يومًا قط، ولا سألتها الله في سرّ ولا علانية قط، ولقد قُلّدت أمرًا عظيمًا ما لي به طاقة، ولا يدان، ولقد وددت أن أقوى الناس عليه مكاني، فقبل المهاجرون، وقال علي والزبير: ما غضبنا إلّا في المشورة! وإنا لنرى أبا بكر أحقّ الناس بها، إنه لصاحب الغار، وثاني اثنين، وإنا لنعرف له سنة، ولقد أمره رسول الله بالصلاة وهو حي”[159]. هذه المرة تأتي مقولة أن البيعة كانت “فلتة” على لسان أبي بكر، ويعترف علي بأن “أبا بكر أحق الناس بها”. وفي رواية أخرى: “لما بويع أبو بكر تخلّف علي فلم يُبايع، فقيل لأبي بكر: إنّه كره إمارتك، فبعث إليه: أكرهت إمارتي؟ قال: لا، ولكنه القرآن، خشيت أن يُزاد فيه، فحلفت ألّا أرتدي رداء حتى أجمعه، اللهم إلّا إلى صلاة الجمعة. فقال أبو بكر: لقد أحسنت. قال: فكتبه عليه السلام كما أُنزل بناسخه ومنسوخه”[160].
يروي الجوهري عن عبد الرحمن بن عوف أنّه قال حين زار أبا بكر في مرضه وهو على فراش الموت، إنّ أبا بكر قال له: “أما إني لا آسى إلا على ثلاث فعلتهن، وددت أني لم أفعلهن، وثلاث لم أفعلهن وددت أني فعلتهن، وثلاث وددت أني سألت رسول الله عنهن”، ويذكر من بين هذه الأمور التسعة: “فوددت أني لم أكن كشفت عن بيت فاطمة وتركته ولو أغلق على حرب، ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين: عمر أو أبي عبيدة، فكان أميرًا وكنت وزيرًا [...] فوددت أني سألته [أي رسول الله] فيمن هذا الأمر، فكنا لا ننازعه أهله”[161].
رواية كتابي التنبيه والإشراف ومروج الذهب للمسعودي (ت. 364هـ/ 974م)
يصف المسعودي ما وقع في سقيفة بني ساعدة بعد وفاة الرسول في كتاب
التنبيه والإشراف بأنه “منازعة طويلة وخطوب عظيمة” بين المهاجرين والأنصار، وأنه في أثناء ذلك كان عليّ والعباس وغيرهم من المهاجرين منشغلين بتجهيز النبي ودفنه، “وكان ذلك أول خلاف حدث في الإسلام بعد مضي النبي”. ويضيف المسعودي: “وارتد أكثر العرب بعد وفاة رسول الله ﷺ، فمن كافر ومانع للزكاة والصدقة”[162].
ويذكر حادثة السقيفة في كتاب
مروج الذهب في “باب ذكر خلافة أبي بكر الصديق” باختصار، مؤكدًا على مبايعته يوم السقيفة وتجديد البيعة له في اليوم التالي “على العامة”. بعد ذلك، يقول المسعودي إنّ عليًا خرج فقال: “أفسدت علينا أمورنا، ولم تستشر، ولم تَرعَ لنا حقًا. فقال أبو بكر: بلى، ولكني خشيت الفتنة”، ويتابع المسعودي قائلًا: “وكان للمهاجرين والأنصار يوم السقيفة خطاب طويل، ومجاذبة في الإمامة، وخرج سعد بن عبادة ولم يبايع [...] ولم يبايعه أحد من بني هاشم حتى ماتت فاطمة رضي الله عنها”[163].
ثم يعود المسعودي للقول إنه: “قد تنوزع في بيعة علي بن أبي طالب إياه [أي أبا بكر]: فمنهم من قال: بايعه بعد موت فاطمة بعشرة أيام، وذلك بعد وفاة النبي ﷺ بنيفٍ وسبعين يومًا، وقيل: بثلاثة أشهر، وقيل: ستة، وقيل غير ذلك”[164]. وتحت عنوان “المتنبئون”، يكرر ذكر قول الحُباب بن المنذر: “أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ، أما والله إن شئتم لَنُعِيدَنَّهَا جَذَعَةً”، ويذكر باختصارٍ: “ما كان من بشر [بشير] بن سعد، وتخلّي الأوس عن معاضدة سعد خوفًا أن يفوز بها الخزرج”[165]؛ أي إن بشير بن سعد بايع أبا بكر خوفًا من تولي سعد بن عبادة زعيم الخزرج. حيث يدخل هنا الاعتبار القبلي في انتخاب أبي بكر من زاوية أخرى؛ زاوية الصراع القديم بين الأوس والخزرج، الذي دفع الأوس إلى تفضيل إمارة المهاجرين على إمارة الخزرج عليهم.
رواية كتاب البدء والتاريخ للمقدسي (ت. 355هـ/ 965م)
يتطرق المقدسي إلى بيعة السقيفة مشيرًا إلى وقوع الاختلاف بين الناس، وإلى أن الأنصار انحازوا إلى سعد بن عبادة، في حين اعتزل علي وطلحة والزبير في بيت فاطمة، وانحاز سائر المهاجرين إلى أبي بكر “كلّ يدّعي الإمارة لنفسه”. ويُلحَظ في كلام المقدسي أنه رتّب الحوادث هكذا: بداية الشروع في دفن الرسول بحضور أبي طلحة الأنصاري وأبي عبيدة وأبي بكر، وأخذوا يجهّزون الحفرة، وفي أثناء ذلك سمعوا عن اجتماع الأنصار في السقيفة، فتركوا الجثمان وانطلقوا. وترك أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح جثمان الرسول “وأغلقوا الباب دونه”، وسارعوا إلى سقيفة بني ساعدة، ومباشرةً يبدأ بقول الأنصار: “نحن أنصار الله وكتيبة الإسلام ]...[“ وهي الخطبة ذاتها التي تنتهي بـ”وأنتم يا معشر العرب رهطٌ منا”. وقد ذكر أبو بكر فضائلهم لكنه أضاف بأنه: “لن تعرف العرب هذا الأمر إلاّ لهذا الحيّ من قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا”. وخيّرهم بين مبايعة عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح، ويذكر تهديد الحُباب بن المنذر واقتراحه على المهاجرين “منّا أمير ومنكم أمير”، وأنه “كثُر اللغطُ وارتفعت الأصوات حتى خيف الاختلاف”، فقام عمر وبايع أبا بكر وتبعه المهاجرون والأنصار، “نزَوْا على سعد بن عبادة فضربوه، فقال قائلهم قد قتلتم سعد بن عبادة، فقال عمر قتل الله سعد بن عبادة”. وبعد هذه المبايعة، توجهوا إلى المسجد وألقى أبو بكر خطبته[166]. ثم ينقل المقدسي عن ابن إسحاق أن العباس بن عبد المطلب طلب من عليّ أن يذهب إلى الرسول قبل وفاته ليعرفوا منه من سيولّي من بعده، وأن عليًا أجاب الإجابة المتكررة نفسها: “والله لا أفعـل، لئن منعناه لا يُؤتيناه أحدٌ بعده”[167].
رواية “رسالة السقيفة”، أبو حيان التوحيدي (ت. نحو 400هـ/ 1010م)
يصف إبراهيم الكيلاني في تقديمه لكتاب
ثلاث رسائل لأبي حيان التوحيدي أن “رسالة السقيفة” تُمثّل الصراعات المذهبية والسياسية والفكرية بين السنة والشيعة في عصر
البويهيين. ومع مرور الزمن تعرضت الرسالة لتحريفات كثيرة أفقدتها جزءًا من معالمها الأصلية. وافتتن الناس بروعتها الإنشائية وأسلوبها البلاغي أكثر من الأفكار التي وردت فيها والغاية من وراء تأليفها، ولكن التغييرات طاولت الشكل الخارجي للنص من دون المساس بالفكرة الأساسية وهي الدفاع عن خصوم عليّ، الذين رفضوا إمامته بالخلافة والتشكيك في أحقيته بالخلافة.
ترد في رسائل التوحيدي خطبة أبي بكر التي يزعم أن أبا عبيدة حملها إلى عليّ بن أبي طالب وجواب علي عليها. ومن الواضح أنها تتسم بصياغة القرن الرابع الهجري والأسلوب الأدبي المسجوع. وتتميز رسالة أبي بكر بالحكمة والتروي، بعد أن أوصى أبا عبيدة أن يخفض جناحه لعليّ بن أبي طالب، وأن يغضض من صوته عنده، ويذكِّره أنه من سلالة أبي طالب[169]، لكن أبا عبيدة يوجه إلى علي كلامًا حادًا فيه تشديد على أفضلية أبي بكر وبعض الوعيد: “ولعمري إنك أقرب إلى رسول الله قرابةً، لكنه أقرب قربة، والقرابة لحم ودم، والقُربة روح ونَفْس، وهذا فرقٌ قد عرفه المسلمون ولذلك صار معه المؤمنون أجمعون”، ويطلب من علي أن يخضع ويبايع[170].
ثم يأتي رد علي بن أبي طالب التصالحي، أنه لم يخرج لمبايعة أبي بكر لأنه كان حزينًا على فقد النبي، وأنه عكف على عهد الله ليجمع ما تفرّق من القرآن، وأنه في اليوم التالي سيذهب لمبايعة أبي بكر. ولكن التوحيدي يدحض عذر علي هذا من خلال كلام منسوب لعمر وجهه إلى علي حين جاء مبايعًا: “زعمتَ أنك قعدت في كسر بيتك لما وَقَذَكَ به رسول الله ﷺ بفراقه، أفرسول ﷺ وَقَذَكَ وحدك ولم يَقِذْ سواك؟”، وأيضًا: “وزعمت أنك عكفت على عهد الله تجمع ما تبدّد منه، فمن العكوف على عهده النصيحة لعباده، والرأفة على خلقه [...] هؤلاء المهاجرون والأنصار. من الذي قال بلسانه: إنّك تصلح لهذا الأمر، أو أومأ بعينيه، أو همهم في نفسه؟ أتظن أن الناس قد ظلوا من أجلك، أو عادوا كفارًا زهدًا فيك، وباعوا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم تحاملًا عليك؟ لا والله! ولكنك اعتزلت تنتظر الوحي، وتتوكف مناجاة الملك. ذلك أمر طواه الله عز وجل بعد محمد صلى الله عليه وسلم، كأن الأمر معقود بأنشوطة أو مشدود بأطراف ليطة [...] ومن أعجب شأنك قولك: لولا سابق قول، وسالف عهد، لشفيت غيظي، وهل ترك الدين لأحدٍ من أهله أن يشفي غيظه بيده ولسانه؟ تلك جاهلية استأصل الله شأفتها ودفع عن الناس آفتها، واقتلع جرثومتها”[171]. يلحظ هنا أنّ التوحيدي يحذر بهذه الطريقة؛ أي بوضع الكلام على لسان عمر، من ميل أتباع علي لنسب نبوة إليه، بالقول إنه جلس في البيت ينتظر الوحي من جبريل، وإن النبوة اختتمت بمحمد. ومن الواضح أن التوحيدي يضع هذه الخُطَب في إطار الصراعات التي نشأت في القرنين الرابع والخامس الهجريين/ العاشر والحادي عشر الميلاديين بشأن فضائل علي بن أبي طالب وأفضليته على غيره من الصحابة.
غلاف كتاب المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
رواية المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي (ت. 597هـ/ 1200م)
يروي ابن الجوزي بسنده إلى الصحابيّ
الضحّاك بن خليفة الأنصاري، أن الأنصار “أقعدوا سعد بن عبادة وبايعوه، فدخل المهاجرين من ذلك وحشة، وأطاف كل بني أبٍ برجل منهم، وأبو بكر رضي الله عنه جالس لا يشعر حتى خرج العباس رضي الله عنه على الناس، فقال: إنه بلغني أن سعد بن عبادة ثُنيت له وسادة، ودعا إلى نفسه وأجابه من أجابه نقضًا لعهد رسول الله ﷺ. انهض يا أبا بكر إلى هؤلاء القوم. وكان رسول الله ﷺ حين دعا القبائل ووعدهم الظهور، قالوا: لمن الخلافة بعدك، فإذا قال لقريش تركوه، وكان أول من أجابه إلى ذلك الأنصار”[172]. هكذا ينسب ابن الجوزي إلى العباس استنفار المهاجرين ضد بيعة الأنصار، مع أنه في الروايات الأخرى يحث عليًا للدفاع عن حقه، أو يلومه على عدم فعل ذلك. وينسب ابن الجوزي للعباس التصريح بأن الرسول عهد بالخلافة لقريش، مع أن مصطلح الخلافة من دون مضاف إليه (خليفة الله، أو خليفة رسول الله) لم يستخدم في تلك المرحلة، وهو نتاج مرحلة أصبحت فيها الخلافة منصبًا قائمًا بذاته من دون إضافات.
ثم يُكرِّر ابن الجوزي على لسان العباس أنه كان قد صلى أبو بكر الظهر بالناس يوم وفاة الرسول: “وقد جاء عويم بن ساعدة إلى العباس، فأخبره أن الأنصار قد أمَّرَت سعد بن عبادة، ولما انصرف الناس من الظهر تخلفوا وأقبل العباس حتى قام عليهم، فقال: [يا] أيها الناس/ ما لي أراكم عزين، إن مخبرًا أخبرني -وأخبرهم الخبر- فانهض إليهم يا أبا بكر، فقالوا: إنه ليدلنا على صدق الذي أتاك يا أبا الفضل أنه لم يصلِّ معنا منهم أحد”؛ أي الأنصار[173]. في هذه الصيغة للحكاية يسقط الراوي على العباس عم الرسول الطابع السني المذهبي المتبلور للعباسيين في مرحلة السلاجقة التي عاش فيها، مع أن العباس في روايات أخرى يظهر مؤيدًا لعلي لائمًا له على تقاعسه.
يذكر ابن الجوزي أحداث السقيفة مرة أخرى، برواية على لسان عمر بن الخطاب في خطبته الشهيرة بعد عودته من الحج، نقلًا عن الواقدي (ت. 207هـ/ 822م)، وعن ابن إسحاق (ت. 151هـ/ 768م)، وأخيرًا عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب. نجد هنا الرواية نفسها تقريبًا مع إضافات طفيفة. ففي كلام خطيب الأنصار: “أما بعد، فنحن أنصار الله عز وجل وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رَهْط منّا، وقد دَفَّتْ دَافَّةٌ منكم تريدون أن تَخْزِلُونَا [وروي: “تختزلونا”، أي تقتطعونا] من أصلنا، وتحصنُونَا من الأمر [أي تُخرجونا]. فلما سكتَ أردت أن أتكلم، وكنت قد زَوَّرْتُ [أي أعددت وأحسنت] مقالة أعجبتني أردت أن أقولها بين يدي أبي بكر رضي الله عنه، وقد كنت أداري منه بعض الحَد [أي الحدّة]، وهو كان أحلم مني وأوقر، فقال أبو بكر رضي الله عنه: على رسلك. فكرهت أن أغضبه، والله ما ترك كلمة أعجبتني في تزويري إلّا قالها في بديهته وأفضل، حتى سكت”. ثم تتكرر حُجّة أبي بكر عن أنه “لم تعرف العرب هذا الأمر إلاّ لهذا الحيّ من قريش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا”[174].
ويذكر ابن الجوزي حادثة محاولة عمر مبايعة أبي عبيدة بعد وفاة الرسول لأنه “أمين هذه الأمة على لسان محمد رسول الله ﷺ، فقال أبو عبيدة لعمر: ما رأيت لك فَهَّةً [أي سقطةً] قبلها منذ أسلمت، أتبايعني وفيكم الصدّيق وثاني اثنين؟”[175]. وفي صيغة ابن الجوزي لخبر السقيفة، أُجبِرَ سعد بن عبادة على المبايعة “قام سعد بن عبادة يوم السقيفة فبايع، فقال له أبو بكر: لئن اجتمع إليك مثلها رجلان لأقتلنك”، الأمر الذي يسقط على التاريخ التأكيد على الجماعة ومعاقبة الخروج عليها على لسان أبي بكر. فيروي أن سعد بن عبادة قال لأبي بكر: “إنكم يا معشر المهاجرين حسدتموني على الإمارة، وإنك وقومي أجبرتموني على البيعة، فقال: أما لو أجبرناك على الفرقة فصرت إلى الجماعة كنت في سَعَة، ولكنا أجبرناك على الجماعة فلا إقالة لها، لئن نزعت يدًا من طاعة، أو فرقت جماعة لأضربن الذي فيه عيناك”[176]. والإجبار على الجماعة أيضًا خطاب حنبلي بامتياز. ولكن ابن الجوزي يروي الرواية المناقضة أيضًا، التي تفيد أن بشير بن سعد نصح بترك سعد بن عبادة لشأنه، وأن أبا بكر كفّ عنه: “فكان سعد لا يصلي بصلاتهم ولا يصوم بصيامهم [...] فلم يزل كذلك حتى توفي أبو بكر وولي عمر [...] حتى خرج [مجاهدًا] إلى الشام فمات في حوران في أول خلافة عمر، ولم يبايع أحدًا”[177].
رواية الكامل في التاريخ لابن الأثير (ت. 630هـ/ 1232م)
يطول حديث السقيفة عند ابن الأثير، وقد كتبها دون الاعتماد على رواية شخص بعينه. وعنده أن الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، فأتاهم أبو بكر ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح، لينطلق مباشرة إلى الحوار بقولهم: “منّا أمير ومنكم أمير”، وأن أبا بكر أجابهم: “منا الأمراء ومنكم الوزراء”، ثم عرض عليهم مبايعة أحد الرجلين عمر بن الخطاب أو أبي عبيدة بن الجرح، وأن عمر بايع أبا بكر. والجديد هنا هي الإضافة التالية: “فقالت الأنصار أو بعض الأنصار: لا نبايع إلا عليًا [...] وتخلّف عليّ، وبنو هاشم، والزبير وطلحة عن البيعة، وقال الزبير: لا أغمد سيفًا حتى يُبايَع علي. فقال عمر: خذوا سيفه واضربوا به الحجر، ثم أتاهم عمر فأخذهم للبيعة، وقيل: لما سمع عليٌّ بيعة أبي بكر خرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء عَجِلًا حتى بايعه”[178]. في هذا النص يطالب الأنصار بمبايعة علي في السقيفة، وثمة وصف مثير لإسراع علي إلى مبايعة أبي بكر كما في رواية الطبري، وكنهج ابن الأثير عمومًا في اقتفاء تاريخ الطبري. ذكر ابن الأثير هذه الرواية ثم قال بعدها ناقدًا لها: “والصحيح أن أمير المؤمنين ما بايع إلا بعد ستة أشهر”.
يروي ابن الأثير أن من أعاد طرح الموضوع، عندما اجتمع الناس على بيعة أبي بكر هو أبو سفيان، وكأنه ينسب إليه محاولة إثارة الفتنة بين الصحابة وأهل البيت، إذ قال أبو سفيان: “إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دَمٌ يا آل عبد مناف: فيم أبو بكر من أموركم؟”، ثم طلب أبو سفيان من عليّ أن يبسط يده ليبايعه، فأبى علي ذلك وزجر أبا سفيان قائلًا: “ما أردت بهذا إلّا الفتنة، وإنك والله طالما بغيتَ للإسلام شرًا. لا حاجة لنا في نصيحتك”[179]. وهنا من يحرض عليًا وأهل البيت عمومًا على أبي بكر هو كبير الأمويين مثلما ورد عند البلاذري.
ثم يعود ابن الأثير لرواية عودة عمر بن الخطاب من حجته الأخيرة، وخطبته من على منبر مسجد المدينة، وروايته لما جرى في السقيفة. وهنا تتكرر الرواية نفسها التي سبق أن ذُكِرَت بشأن ما دار بين أبي بكر والأنصار، وأنه -عمر- سارع إلى مبايعة أبي بكر بعد أن ارتفعت الأصوات وكَثُرَ اللّغط[180].
ويعود ابن الأثير ويروي رواية ثالثة عن
أبي عمرة الأنصاري، الذي يروي أن سعد بن عبادة خاطب الأنصار عندما اجتمعوا، وهي مشابهة لما رواه الطبري والجوهري، ونقلها عنه ابن أبي الحديد، وسرد فيها عزلة النبي في قومه بقوله: “لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم [إلى عبادة الرحمن، وخلع الأنداد والأوثان] فما آمن به إلّا القليل ما كانوا يقدرون على منعه، ولا على إعزاز دينه”، وأن هذه المهمة أصبحت مهمة الأنصار، وأن الأنصار منحوه وأصحابه المَنعة والإعزاز في دينه وجهاد أعدائه، “فكنتم أشد الناس على عدوه حتى استقامت العرب لأمر الله طوعًا وكرهًا [...] فدانت لرسوله بأسيافكم العرب وتوفاه الله وهو عنكم راضٍ، [وبكم] قرير العين. استبِدّوا بهذا الأمر دون الناس فإنه لكم دونهم”[181].
كذلك يورِدُ ابن الأثير لسعد كلامًا في الرد على حجج المهاجرين الممكنة قبل وصول عمر وأبي بكر حين ترادّ الأنصار بالكلام فيما بينهم، أي تحاوروا، وقدّروا ماذا سيقول المهاجرون، واقترح بعضهم أن يقال لهم: “منا أمير ومنكم أمير”، قبل أن يصل المهاجرون، فعارض سعد هذا وقال: “هذا أول الوهن”. ثم ينقل ابن الأـثير حوارًا بقدوم عمر وأبي بكر وأبي عبيدة مختلفًا عما سبق إيرادُه حتى الآن. يبدؤه أبو بكر بالإشارة إلى فضل المهاجرين من دون إنكار فضل الأنصار، ويتصدى له الحُباب بن المنذر، أيضًا بنوع من المفاخرة بدور الأنصار. وتبرز هنا إجابة عمر على الحُباب: “هيهات لا يجتمع اثنان في قرن. والله لا ترضى العرب أن تؤمّركم ونبينا من غيركم، ولا تمتنع العرب أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم، ولنا بذلك الحجة الظاهرة على من ينازعنا سلطان محمد، ونحن أولياؤه وعشيرته”. ويأتي ردٌّ من الحُباب بن المنذر فيه تهديد بإجلاء المهاجرين عن المدينة: “فأجْلُوهم عن هذه البلاد، وتولُّوا عليهم هذه الأمور، فأنتم والله أحقّ بهذا الأمر منهم، فإنه بأسيافكم دَانَ الناس لهذا الدين [...] والله لئن شئتم لَنُعِيدَنَّهَا جَذَعَةً. فقال عمر: إذًا ليقتلك الله فقال: بل إياك يقتل”[182].
ويورد ابن الأثير كلامًا على لسان بشير بن سعد، المشار إليه سابقًا، يقول فيه إن محمدًا من قريش وقومه أولى به، وإن الأنصار مع أنهم كانوا أول المجاهدين فإنه “ينبغي أن نستطيل [الأنصار]أن على الناس بذلك، ولا نبتغي به [من] الدنيا عَرَضًا إلاّ أن محمدًا ﷺ من قريش وقومه أولى به”. ويذكر ابن الأثير أن الحُباب بن المنذر وبَّخَه لأنه أفسد على ابن عمه سعد بن عبادة الإمارة، وأن الأوس حين رأت موقف بشير بن سعد وما صنعت الخزرج في محاولة تأمير سعد قرروا مبايعة أبي بكر؛ لكيلا تكون الإمارة للخزرج. فبايعوا أبا بكر “فانكسر على سعد والخزرج ما أجمعوا عليه وأقبل الناس يبايعون أبا بكر من كل جانب”. وينقل ابن الأثير أن سعد بن عبادة لم يقف عند الامتناع عن مبايعة أبي بكر، بل هدّد برفع السلاح لو أُجبِر على المبايعة. وينقل عن الزهري امتناع علي عن المبايعة: “بقي عليّ، وبنو هاشم، والزبير ستة أشهر لم يبايعوا أبا بكر حتى ماتت فاطمة رضي الله عنها فبايعوه”[183].
كتاب البداية والنهاية لابن كثير (ت. 774هـ/ 1372م)
ينقل ابن كثير الجزء الأكبر من الرواية عن الإمام أحمد بإسناده إلى ابن عباس، ولا داعي لتكراره. وفي موضع آخر ينقل من رواية
الحافظ أبو بكر البيهقي (ت. 458هـ/ 1065م) وصولًا إلى
أبي سعيد الخدري (ت. 74هـ/ 692م) أنّ الناس بعد وفاة الرسول اجتمعوا في دار سعد بن عبادة وفيهم أبو بكر وعمر، ولا ذكر للسقيفة هنا، وأن خطيب الأنصار قال: “أتعلمون أن رسول الله ﷺ كان من المهاجرين، وخليفته من المهاجرين، ونحن كنا أنصار رسول الله، ونحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره”، وأن عمر بن الخطاب قال: “صدق قائلكم”، ثم قال: “هذا صاحبكم فبايِعوه”، فبايعه عمَر وبايعه المهاجرون والأنصار[184]. ومن هذا الطريق ذاته، ينظر أبو بكر في الحضور فلم يجد الزبير وعليّ بن أبي طالب فاستدعاهما وطلب منهما أن يبايعاه وألّا يشقّا عصا المسلمين فبايعاه. وفي رواية أخرى للبيهقي أيضًا أن زيد بن ثابت هو الذي أخذ بيد أبي بكر وقال: “هذا صاحبكم فبايعوه”[185].
ثم يناقش ابن كثير السؤال هل أوصى الرسول لعليّ، ويورد سرديات مختلفة بما في ذلك تلك التي ترد على لسان ابن عباس من أنّ العباس نصح عليًا أن يذهبا إلى الرسول ويسألاه “فيمن هذا الأمر؟ فإن كان فينا عرفناه، وإن كان في غيرنا أمرناه فوصاه بنا”. وتأتي إجابة عليّ البراغماتية التي تخشى جواب رسول الله كما سبق بيانه في مغازي معمَر وتاريخ الطبري: “إني لا أسأله ذلك، والله إن منعناها لا يعطيناها الناس بعده أبدًا”[186]. وأن محمد بن إسحاق ذكر أن النبي توفّي وقت اشتداد الضحى في ذلك اليوم، ويستدل بهذا ابن كثير على أن النبي “توفي عن غير وصية في الإمارة”. ويذكر ما ورد في الصحيحين عن ابن عبّاس: “إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب ذلك الكتاب”، ثم يعلق بأنه “قد قدمنا أنه عليه السّلام كان طلب أن يكتب لهم كتابًا لن يضلّوا بعده، فلما أكثروا اللغط والاختلاف عنده قال: ’قُومُوا عَنِّي فَمَا أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ‘، وقد قدمنا أنه قال بعد ذلك ’يَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلّا أَبَا بَكْر”[187]. ونقل عن عائشة أنها سُئِلَت إن أوصى الرسول بعليّ فقالت إنه لم يوصِ. ويورد ابن كثير كلامًا على لسان عليّ يرى أنه “يردّ على فرقة الرافضة في زعمهم أن رسول الله ﷺ أوصى إليه بالخلافة”[188]. والملحوظ هنا أنّ ابن كثير يوجه عليًا للرد على شيعه عصره، أي العصر الذي عاش فيه ابن كثير، فمصطلح “الرافضة” لم يظهر في عصر علي.
روايات شيعية
هذه الروايات من زاوية نظر مذهبية متبلورة، وليست متعاطفة مع علي فقط، كما كان جزء كبير من الروايات المذكورة سابقًا متعاطفًا معه، وبعضها لكتّاب متشيعين كما ذُكِر. وفيما يلي روايتان تقدمان سردًا مخالفًا تمامًا لما راج عند العامة، ولا تتفق مع تلك الروايات إلا بحدوث واقعة السقيفة، وحصول تنافس بين المهاجرين والأنصار، مع خلاف على تفاصيله. وهي تستخدم أحاديث نبوية مختلفة، تؤكد على حق علي بالخلافة وتتوقع بعض ما جرى، ومن سيقف معه وضده. وتجتمع على اعتبار ما حصل في السقيفة تآمرًا على صاحب الحق ونسله، ونوعًا من الخطيئة الأولى التي قادت إلى كل ما تلا ذلك من فتن. فيذكر محقق كتاب
السقيفة وفدك أكثر من 20 كتابًا أُلّفت عن يوم السقيفة، معظمها لمؤلفين من الشيعة. ومعظمها كُتب مفقودة، ومن ضمنها كتاب الجوهري الذي استُشهِد به كثيرًا في التراث الشيعي، مع أنه من غير الواضح إن كان شيعيًا أم لا.
رواية كتاب سليم بن قيس الهلالي (ت. نحو 76هـ/ 695م، أو نحو 85هـ/ 705م)
يعتمد مؤلف هذا الكتاب في روايته نقلًا عن البراء بن عازب الأنصاري الخزرجي، عن سلمان الفارسي. وبحسب الناشر، فإنه من أصحاب علي بن أبي طالب، والإمامين الحسن والحسين، والإمام زين العابدين، والإمام الباقر، ويعد الناشر هذا الكتاب أول مصنّف وصل إلينا من القرن الأول، ويفترض أن البراء بن عازب كان شاهدًا على مجريات ذلك الحدث، وغَسْلِ النبي ودفنه، ومحاولة أبي بكر وعمر المدعاة لإغراء العباس بن عبد المطلب بالخلافة بعد أبي بكر[189]. تقوم الرواية بمجملها على اصطفاء الله نسل علي، مثل اصطفاء سلالة إبراهيم الخليل كما جاء في القران ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 54)، ووجود حسد وضغائن لمن اصطفاهم الله[190].
وإذا كان الكتاب ينتمي إلى القرن الأول الهجري، وهو المستبعد تمامًا، فهو ينفرد بين المصادر المبكرة بذكر المعجزات التي حصلت في أثناء غسل الإمام علي للنبي، فقد كان الملائكة يَقلِبون الرسول كيفما شاء ابن عمه علي القائم على غسله قبل دفنه[191]. فهذا التصوير العجائبي أو الإعجازي لممارسات عليّ وصِلته بالغيب والملائكة وغيره، هو تعبير عن مقاربة متأخرة لا يمكن أن تكون من القرن الأول الهجري، وإنما جاءت بعد أن تبلور المذهب الشيعي، ولا سيّما الإمامي، وتأثر بالعناصر العجائبية أو الإعجازية في الديانات الأخرى، وفي المعتقدات العاميّة كما حصل لتيارات عديدة في الإسلام في تلك المرحلة. ووفقًا لهذه الرواية، خلا الهاشميون برسول الله بغسله و”تحنيطه” حين أبلغهم البراء بمبايعة أبي بكر في السقيفة، وأن العباس قال لبني هاشم “قد تَرِبَت أيديكم منها إلى آخر الدهر. أما إنّي قد أمرتكم فعصيتُموني”[192].
ويذكر أن إغراء العباس بن عبد المطلب في أن يكون له في الأمر نصيب كان نصيحة المغيرة بن شعبة لأبي بكر وعمر: “فتقطعوا عنكم ناحية عليّ بن أبي طالب”. ويذكر قول أبي بكر للعباس: “فقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيبًا يكون لك ولِعقبك من بعدك”[193]، ورد العباس بالرفض. وكل ما كتب عن منح العباس وعقبه من بعده “نصيبًا من الأمر” عند الهلالي وغيره موضوع في مرحلة حكم بني العباس، وبعدما دخل توريث الخلافة في العصر الأموي. ثم ردّ العباس باختصار: “وأمّا قولك أن تجعل لي في هذا الأمر نصيبا فإن كان هذا الأمر لك خاصّة فأمسك عليك فلَسنا محتاجين إليك، وإن كان حقّ المؤمنين فليس لك أن تحكم في حقّهم، وإن كان حقّنا فإنّا لا نرضى ببعضه دون بعض. وأمّا قولك يا عمر إن رسول الله صلّى الله عليه وآله منّا ومنكم، فإنّ رسول الله شجرةٌ نحن أغصانها وأنتم جيرانها فنحن أولى به منكم”[194]. ويضع قصيدة على لسان العباس تنتهي بالبيت التالي الذي يعد ما جرى في السقيفة أول الفتن في جهد متأخر لتحديد المسؤولية الأولى عن الشقاق في الأمة. وهو موقف ينفرد به الشيعة الإمامية:
مَن ذَا الَّذِي ردَّكُمْ عَنْهُ فَنَعْرِفَهُ | ها إِنَّ بَيْعَتَكُمْ مِنْ أَوَّلِ الْفِتَنِ[195] |
كذلك يذكر الكتاب اجتماعًا عُقِد بعد بيعة أبي بكر، وجمع المقداد وأبا ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، وعبادة بن الصامت، وحذيفة بن اليمان، والزبير بن العوام، وأن هذا الاجتماع شَكّل إنذارًا لأبي بكر وعمر، وهو الذي دفع المغيرة بن شعبة إلى أن ينصح أبا بكر وعمر بهذا العرض على العباس.
وفي رواية عن سلمان الفارسي، أن النبي أوصى عليًا أن يتولى غسله بعد وفاته، وأن عليًا سأل سلمان عن أول من بايع أبا بكر، فأجابه: المغيرة بن شعبة، ثم بشير بن سعد، ثم أبو عبيدة، ثم عمر بن الخطاب، ثم سالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل. وهو ترتيب مختلف عما ورد في المصادر الأخرى. ولكن عليًا كرر أنه يقصد “أول من بايعه حين صعد المنبر”، فحدّثه عن شيخ كبير لم يعرفه، فقال علي لسلمان إنه إبليس في صورة شيخ كبير؛ ثم قصّ له قصة غضب إبليس حين شهد ورؤساء أصحابه “نصب رسول الله صلّى الله عليه وآله إياي غدير خمّ بأمر الله”[196].
يروي الكتاب أنه بعد مبايعة أبي بكر في السقيفة وصعوده المنبر ومبايعته العامة في المسجد، حمل علي فاطمة زوجته على حمار وأخذ ابنيه الحسن والحسين، ودار على المهاجرين والأنصار الذين شهدوا بدرًا مُذكِّرًا إيّاهم بحقه داعيًا إلى نصرته، وأن أربعة وأربعين منهم استجابوا له، وطلبوا منهم حمل سلاحهم في اليوم التالي ليبايعوا، ولكن لم يوافِ منهم إلّا أربعة هم سلمان، وأبو ذر، والمقداد، والزبير بن العوام. وكرر ذلك عدة ليالٍ فلم يوافه أحد فغضب، وبقي في بيته مُكرِّسًا نفسه لجمع القرآن: “لزم بيته وأقبل على القرآن يؤلّفه ويجمعه، فلم يخرج من بيته حتّى جَمَعَه، وكان في الصحف والشظاظ والأسيار والرقاع”[197]. وهي رواية مختلفة تمامًا عن الرواية الرائجة عن جمع عثمان بن عفّان القرآن.
يروي الكاتب على لسان عليّ قصصًا منها: أن أبا بكر وعمر كانا بين السبعة الذين طلب منهم الرسول أن يبايعوا عليًا “أمير المؤمنين”، مستخدمًا هذا الوصف تحديدًا، وهو الوصف الذي جاء في كتب التراث أن عمر بن الخطاب لقب نفسه به بدلًا من خليفة خليفة رسول الله. وكان هذا جواب عليّ على دعوة أبي بكر له من خلال موفد له أن يبايع: “فوالله إنّه ليعلم أن هذا الاسم لا يصلح إلّا لي، ولقد أمره رسول الله وهو سابع سبعة فسلّموا عَلي بإمرة المؤمنين. فاستفهَمَ هو وصاحبه عمر من بين السبعة: أحقٌّ من الله ورسوله؟ فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وآله: نعم حقًّا من الله ورسوله إنه أمير المؤمنين وسيّد المسلمين وصاحب لواء الغرّ المحجّلين، يقعده الله عز وجلّ يوم القيامة على الصراط، فيدخل أولياءَه الجنّة وأعداءَه النّار”، وأنه بعد أن بلغ هذا لأبي بكر من موفده سكتوا عنه[198]. هنا ترد وصية الرسول بالعهد لعلي أميرًا للمؤمنين من بعده، في كلام مباشرة مع أبي بكر وعمر، تليه أوصاف لعلي لا يعقل أبدًا أن عليًا نسبها لنفسه كما في الرواية.
يذكر الكتاب محاولة حرق منزل عليّ وفاطمة، وحرق عمر للباب وضربه لفاطمة[199]. ثم يروي حرب أحاديث نبوية بين علي وأبي بكر، كلّ منهما يقول: “سمعت رسول الله يقول”، ومنها قول أبو بكر عن الرسول: “إنّا أهل بيتي اصطفانا الله [وأكرمنا] واختار لنا الآخرة على الدنيا، وإنّ الله لم يكن ليجمع لنا النبوّة والخلافة”. وقد استُخدم هذا الحديث في رفض اجتماع الخلافة والنبوة في آل البيت. ويعلق الكتاب بأنّه لم يشهد بصحة هذا الكلام سوى عمر. أما عليّ فادعى أن المتآمرين تعاقدوا في الكعبة في حياة الرسول: “إن قُتِلَ محمدًا أو مات لَتَزْوُنَّ هذا الأمر عنّا أهل البيت”[200]. ويورد كلامًا لعلي أن الرسول تنبأ له بما سيكون من شأنهم معه: “إن وجدت عليهم أعوانًا فجاهدهم ونابذهم، وإن لم تجد أعوانًا فبايع واحقن دمك”[201]. والغريب أن النبي يتنبأ بما سوف يجري، ولكنه لم يتنبأ إذا كان عليًا سوف يجد أعوانًا أم لا، ويوجِد له التبرير لمبايعة أبي بكر.
ويذكر الكاتب الصراع الذي حصل حين استل الزبير سيفه بعد أن طالبوه بمبايعة أبي بكر، واجتمع عليه عمر وخالد بن الوليد، والمغيرة بن شعبة وكسروا سيفه، وكلامًا لا ينتهي يتناول فيه الصحابة أمهات بعضهم بالسوء، كلّ يعيّر الآخر بأمه، حتى وصل الأمر إلى أن عيّر عليّ عمرَ بتسميته “ابن صهّاك” طعنًا في نسبه، ونعت أبا بكر بـ”ابن آكلة الذبّان”، ويصل الحدّ بالحديث عن ارتداد الناس إلاّ أربعة مثل ارتداد اليهود عندما غاب موسى وعبادتهم العجل[202]. والردة كما هو معلوم تهمة خطِرة في الشرع الإسلامي.
تلي ذلك روايات كثيرة عن لسان النبي عن افتراق الأمة إلى 73 فرقة، واحدة منها في الجنة ومصير البقية النار، والظلم الذي تعرّض له علي بن أبي طالب، وعن أنه لم يتمكن من محاربة من انتزعوا حقّه بالإمارة لأنه لم يكن لديه ما يكفي من الأنصار بسبب ارتداد الناس عنه، وخذلان الأمة له ومبايعتها غيره، وعن أن الرسول أخبره بذلك عندما أبلغه أنه منه: “بمنزلة هارون من موسى، وأن الأمة سيصيرون من بعده بمنزلة هارون ومَن تبعه والعجل ومَن تبعه”[203]، ويكاد يصل الأمر إلى حدّ التكفير، حتى إنهم يرون إقدام علي على مبايعة أبي بكر وعمر “لا يحقّ لهم باطلًا ولا يوجب لهم حقًا”[204].
في هذا الكتاب المنسوب إلى القرن الأول، الذي يرجح أنه وضع في نهاية القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، أو بداية القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، وضعت السردية الأكثر غلوًا في رفض أحقية أبي بكر وعمر وعدّ بيعتهم نوعًا من الارتداد، والتأكيد على اصطفاء سلالة علي أبي طالب، واجتماع سلالة النبي وعليّ في أبنائه، والإعجاز والكرامات التي تضفى عليهم، والمشاعر الحادّة بالمرارة والخيبة، وتسمية رموز أو أبطال الشيعة الذين أخذوا مركزًا خاصًا بين الصحابة، وهم تحديدًا الأربعة الذين أخلصوا لعليّ وأصبحوا أبطال السردية الشيعية. ويُسقَط كل ذلك على مجريات الأحداث، وألسنة الأفرقاء في تلك الأيام الثلاثة أو الأربعة التي تلت وفاة الرسول.
رواية اختيار مصباح السالكين: ميثم البحراني (ت. 689هـ/ 1290م)
انتهت أخبار السقيفة إلى علي فسأل: “ماذا قالت الأنصار؟”، فأجابوه “قالت: منا أمير ومنكم أمير”. فأجاب عليّ: “فهلا احتججتم عليهم بأن رسول الله ﷺ وصّى بأن يُحسن إلى محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم؟!” ليجيبوه: “وما في هذا من الحجة عليهم؟” فقال علي: “لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصية بهم!!”؛ أي لما أوصيَ بهم من يتولى الرياسة بعد النبي؛ ثم قال: “فماذا قالت قريش؟”، فقالوا: “احتجت بأنها شجرة الرسول”، فقال عليّ: “احتجوا بالشجرة، وأضاعوا الثمرة”[205].
وفي خطبةٍ بليغة للغاية تنسب إليه بعد توليه الخلافة تناول علي ما حصل في السقيفة، وصبره بعد أن تولّاها أبو بكر الذي كان يعلم -وفقًا لهذه الخطبة- أنه تقمصها مع أنها حق لعليّ: “حتى مضى الأول لسبيله، فأدلى بها إلى فلان بعده”[206]. وقال عن توريث أبي بكر لعمر “فيا عجبًا! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته”. والمقصود أن أبا بكر اعترف أنه ليس الأصلح للخلافة في قوله “قد وليت عليكم ولست بخيركم”، ومع ذلك تولاها وعهد بها لغيره أيضًا قبل وفاته. ويذم عمر في هذا السياق: “فصيّرها [أي أبو بكر] في حوزة خشناء يغلظ كلامها، ويخشن مسُّها، ويكثر العِثارُ فيها، والاعتذار منها، فصاحِبُها كراكِب الصَّعبة إن أشنق لها خَرَمَ، وإن أسلس لها تقحّم”. وفي الرواية أنه صبر بعد عمر على طول المدة وشدة المحنة، وتعيين عمر لجماعة الشورى الستة، واستغرابه أنه صار يُقرَن بهؤلاء، مبررًا لماذا قَبِل أن يكون من الستة، وأنه وصف ثالث القوم أنه كان جَشِعًا، يقصد عثمان دون أن يذكر اسمه، وأنه أتاح لأهله بالثراء من مال الله، وأنّ الناس تجمعوا عليه من كل جانب يبايعونه، وأنه لما قبل “نكثت طائفة [وهو يقصد بذلك طلحة والزبير وعائشة] ومرقت أخرى [ويقصد بهم الخوارج]، وقَسَطَ آخرون كأنهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص: 83)”[207].
يقول الكاتب إن أهل السُنّة ينكرون هذه الخطبة لعلي، وإنّه لم يصدر عنه هذا الكلام المليء بالشكوى. ويردّ على هذا الإنكار: “والحق أن ذلك إفراط في القول لأن المنافسة التي كانت بين الصحابة في أمر الخلافة معلومة بالضرورة لكلّ من سمع أخبارهم، وتشاجرهم في السقيفة، وتخلّف عليّ ووجوه بني هاشم عن البيعة أمر ظاهر لا يدفعه إلّا جاهل أو معاند، وإذا ثبت أنه عليه السلام نافس في هذا الأمر كان الظن غالبًا بوجود الشكاية منه، وإن لم يسمع ذلك منه، فضلًا عن أن الشكاية بلغت مبلغ التواتر المعنويّ في الألفاظ لشهرتها، وكثرتها تعلم بالضرورة أنها لا تكونُ بأسرها كذبًا بل لا بدّ أن يصدق بعضها فثبتت فيه الشكاية على أن هذه الخطبة نقلها من يوثق به من الأدباء والعلماء قبل مولد الرّضا بمدة”[208]. يقول الكاتب ذلك لانتشار الاعتقاد أن المؤلف الحقيقي لنهج البلاغة، ومن ثم خطب علي فيه، هو الإمام الرضا (ت. 203هـ/ 818م). أما إثبات صحة الشكاية بانتشارها وكثرتها، وتسمية ذلك بالتواتر المعنوي، فيبدو غريبًا من منظور ما أصبح يسمى علم التاريخ. لا شك في أهمية انتشار الاعتقاد بحدوث الواقعة وتكرار الكلام عنها، ولكن ليس للتدليل على حقيقة حصولها تاريخيًا، بل للتدليل على أن الحدوث الفعلي ليس بالأمر المقرر سوسيولوجيًا أو دينيًا.
وفي خطبة أخرى تحت عنوان “من كلامٍ له عليه السلام لما قُبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخاطبه العباس وأبو سفيان بن حرب في أن يبايعا له بالخلافة” (يُلحظ أنه يجمع أبا سفيان والعباس معًا!) يرفض علي الفتنة ويتمسك بحقه في الوقت ذاته، ويؤكد أن الناس سوف يلومونه سواء أتصدى لنيل حقه أم سكت عنه، مؤكدًا أنه بعلمه المكنون يرى ما لا يدركه غيره: “أيها الناس، شُقّوا أمواج الفتن بسفن النجاة، وعرّجوا عن طريق المُنافرة، وضعوا تيجان المفاخرة أفلح من نهض بجناح، أو استسلم فأراح. هذا ماءٌ آجنٌ، ولقمة يغص بها آكلها. ومُجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه. فإن أقل يقولوا: حرص على المُلْكِ، وإن أسكت يقولوا: جزع من الموت، هيهات بعد اللتيا والتي، والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه، بل انْدَمَجْتُ على مكنون علم لو بُحتُ به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة”[209]. يُلحظ أن القائل -سواء أكان عليًا أم غيره- يعد التطلع إلى الإمارة مطلبًا دنيويًا. واستعار لفظ الماء الآجن واللقمة التي يغص بها، الموصوفة لمتاع الدنيا باعتبار أن الخلافة والإمارة من متاع الدنيا. وهو موقف إمامي تمامًا، زاهد في السلطات بانتظار عودة الإمام الغائب، وفي نسبه لعلي بعض الغرابة، فالسياق كله سياق صراع على الحق في خلافة النبي - أو ما سميت خلافة النبي في عهد أبي بكر -. وتشتمل هذه الخطبة أيضًا على تبرير آخر لمبايعته أبا بكر: “نظرت في أمري فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، وإذا الميثاق في عنقي لغيري”[210]، وتفسيره هنا أن طاعته لرسول الله فيما أمره به من ترك القتال والفتن قد سبقت بيعته للقوم، فلا سبيل إلى الامتناع عن أدائها[211]. وفي كلام له لما عزموا على بيعة عثمان قال: “لقد علمتهم أني أحق الناس بها من غيري، ووالله لأسلّمن ما سَلِمَت أمور المسلمين ولم يكن فيها جَوْرٌ إلّا عليّ خاصةً التماسًا لأجر ذلك وفضله، وزهدًا فيما تنافستموه من زخرفة وزبرجه”[212].
المراجع
العربية
الألباني، محمد ناصر الدين.
سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها. الرياض: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، 1995.
ابن أبي الحديد.
شرح نهج البلاغة. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. بغداد: دار الكتاب العربي، 2007.
ابن الأثير، عز الدين أبو الحسن.
الكامل في التاريخ. حققه أبو الفداء عبد الله القاضي. ط 5. بيروت: دار الكتب العلمية، 2010.
ابن إسحاق، محمد.
السيرة النبوية لابن إسحاق. تحقيق أحمد فريد المزيدي. بيروت: دار الكتب العلمية، 2004.
ابن بكّار، الزبير.
الأخبار الموفقيات. تحقيق سامي مكي العاني. ط 2. بيروت: عالم الكتب، 1996.
ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد.
المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. دراسة وتحقيق محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا. راجعه وصححه نعيم زرزور. ط 3. بيروت: دار الكتب العلمية، 2012.
ابن الحجاج، مسلم.
صحيح مسلم. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. القاهرة: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، 1955.
ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي.
لذة العيش في طرق حديث الأئمة من قريش. تحقيق محمد ناصر العجمي. بيروت: دار البشائر الإسلامية، 2012.
ابن حنبل، أحمد.
مسند الإمام أحمد بن حنبل. تحقيق شعيب الأرنؤوط ]وآخرون[. بيروت: مؤسسة الرسالة، 2001.
ابن خلدون، عبد الرحمن.
المقدمة: ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العب والبربر ومن عصرهم من ذوي الشأن الأكبر. ضبط المتن ووضع الحواشي والفهارس خليل شحادة. مراجعة سهيل زكار. بيروت: دار الفكر، 2010.
ابن سعد، محمد.
الطبقات الكبرى. قدم لها إحسان عبّاس. بيروت: دار صادر، 1968.
ابن كثير، أبو الفداء الحافظ الدمشقي.
البداية والنهاية. تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي. القاهرة: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، 1997.
ابن ماجة، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني.
سنن ابن ماجة. بيروت: دار ابن حزم، 2001.
ابن منظور، جمال الدين.
لسان العرب. الحواشي لليازجي وجماعة من اللغويين. بيروت: دار صادر، 1994.
ابن هشام، أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري.
السيرة النبوية. ط 2. بيروت: دار ابن حزم، 2009.
أبو حيان التوحيدي، علي بن محمد.
ثلاث رسائل لأبي حيان التوحيدي. عُني بتحقيقها ونشرها إبراهيم الكيلاني. دمشق: المعهد الفرنسي للدراسات العربية، 1951.
أبو داود، سليمان بن الأشعث الأذري السجستاني.
كتاب السّنن: سنن أبي داود. تحقيق محمد عدنان بن ياسين درويش. بيروت: دار إحياء التراث العربي، 2000.
البحراني، كمال الدين ميثم بن علي.
اختيار مصباح السالكين: شرح نهج البلاغة الوسيط. تحقيق محمد هادي الأميني. مشهد: مجمع البحوث الإسلامية، 1987.
البخاري، محمد بن إسماعيل.
صحيح البخاري. تحقيق مصطفى ديب البغا. ط 5. دمشق: دار ابن كثير؛ دار اليمامة، 1993.
البصري، معمر بن راشد أبو عروة.
كتاب المغازي، في رواية أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني عنه. تحقيق شون آنثوني. نيويورك: دار نشر جامعة نيويورك، 2014.
البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر.
أنساب الأشراف. تحقيق محمود الفردوس العظم. دمشق: دار اليقظة العربية، [د. ت.].
الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى.
الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي. بيروت: دار ابن حزم، 2010.
الجاحظ، عمرو بن بحر.
رسائل الجاحظ. تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون. بيروت: دار الجيل، [د. ت.].
_________.
كتاب العثمانية. تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون. بيروت: دار الجيل، 1991.
ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري.
النهاية في غريب الحديث والأثر. تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي. بيروت: المكتبة العلمية، 1979.
جعيط، هشام.
الفتنة: جدلية الدين والسياسية في الإسلام المبكر. ط 4. بيروت: دار الطليعة، 2000.
الجميل، محمد بن فارس. “يوم السقيفة وبيعة أبي بكر الصديق دراسة تحليلية مقارنة لروايات يوم السقيفة”.
حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية. الحولية 29، الرسالة 294 (حزيان/ يونيو 2009) ص 7-135.
الجوهري، أبو بكر أحمد بن عبد العزيز.
السقيفة وفدك. جمع وتحقيق وتعليق باسم مجيد الساعدي. كربلاء: قسم الشؤون الفكريّة والثقافيّة في العتبة الحسينيّة المقدّسة، 2011.الخلال، أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون.
السنّة. تحقيق عادل بن عبد الله آل حمدان. ط 3. جدة: دار الأوراق الثقافية، 2018.
الدينوري، ابن قتيبة.
الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء. تحقيق علي شيري. بيروت: دار الأضواء للطباعة والنشر، 1990.
الزركلي، خير الدين.
الأعلام: قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين. ط 5. بيروت: دار العلم للملايين، 2002.
شعبان، محمد عبد الحي محمد.
صدر الإسلام والدولة والأموية 600-750 (132هـ). بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 1987.
الصنعاني، عبد الرزاق بن همام.
المصنف. تحقيق مركز البحوث وتقنية المعلومات-دار التأصيل. القاهرة: دار التأصيل، 2015.
الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير.
تاريخ الطبري: تاريخ الرسل والملوك. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. مصر: دار المعارف، 1967.
عزان، محمد يحيى.
قرشية الخلافة: تشريع ديني أم رؤية سياسية. ط 3. صنعاء: مركز البحوث والدراسات اليمنية، 2015.
عمر، أحمد مختار.
معجم اللغة العربية المعاصرة. القاهرة: عالم الكتب، 2008.
العمري، أكرم ضياء.
عصر الخلافة الراشدة محاولة لنقد الرواية التاريخية وفق مناهج المحدّثين. الرياض، مكتبة العبيكان، 2009.
عيسى، رامي. “زعمهم أن أبا سفيان كان يلقب الصديق بأبي فصيل ولا يرتضيه للخلافة”.
الموقع الرسمي للباحث رامي عيسى. 28/4/2025. في:
https://www.ramy-essa.com/ArticleDetail.aspx?id=6826
الفراء، أبو زكريا يحي بن زياد.
الأيام والليالي والشهور. تحقيق وتقديم إبراهيم الأبياري. ط 2. القاهرة: دار الكتاب المصري؛ بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1980.
الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي.
الأحكام السلطانية والولايات الدينية. بيروت: المكتبة العصرية، 2019.
المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي.
التنبيه والإشراف. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2009.
_________.
مروج الذهب ومعادن الجوهر. اعتنى به وراجعه كمال حسن مرعي. صيدا/ بيروت: المكتبة العصرية، 2011.
المقدسي، المطهر بن طاهر.
البدء والتاريخ. اعتنى بنشره كلمان هوار. باريس: أرنست لرو الصحّاف، 1899-1919.
موسى بن عقبة.
أحاديث منتخبة من مغازي موسى بن عقبة. انتخاب يوسف بن محمد بن عمر بن قاضي شهبة. تحقيق مشهور حسن سلمان. بيروت: مؤسسة الريان؛ دار ابن حزم، 1991.
الناشئ الأكبر.
مسائل الإمامة ومقتطفات من الكتاب الأوسط في المقالات. حققهما وقدم لهما يوسف ڤان إس. بيروت: فرانس شتاينر، 1971.
الهلالي، أبو صادق سليم بن قيس.
كتاب سليم بن قيس الهلالي. تحقيق محمد باقر الأنصاري الزنجاني الخوئيني. ط 5. قُم: منشورات دليل ما، 2007.
هودجسون، مارشال.
مغامرة الإسلام: التاريخ والضمير في حضارة عالمية. ترجمة أسامة غاوجي. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث، 2021.
الواقدي، محمد بن عمر.
كتاب الرّدة. رواية أحمد بن محمد بن أعثم الكوفي. تحقيق يحيى الجبوري. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1990.
اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر.
تاريخ اليعقوبي. ط 2. بيروت: دار صادر، 2010.
الأجنبية
Madelung, Wilfred.
The Succession to Muhammad: A Study of the Early Caliphate. Cambridge: Cambridge Univ. Press, 1997.
Zaman, Muhammad Qasim. “Al-Yaʿqūbī.” in: P. J. Bearman et al. (eds.).
The Encyclopaedia of Islam. vol. XI. New Edition. Leiden: Brill, 2002.
[1] يتكرر في المصادر ذكر يوم الإثنين بتاريخ 12 ربيع الأول في العام 11هـ، الموافق 8 حزيران/ يونيو 632م.
[2] يذكرها الطبري بأنها (ظُلّة). يُنظر: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري،
تاريخ الطبري: تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ج 2 (مصر: دار المعارف، 1967)، ص 203. والسقيفة لفظ مرادف لعريشة. ويبدو أن هذه العريشة كانت تتسع لبضع عشرات من الأشخاص. وربما تجمّع جمهور إضافي في ساحتها. ينظر: أحمد مختار عمر،
معجم اللغة العربية المعاصرة (القاهرة: عالم الكتب، 2008)، ص 1080، 1480.
[3] غالبًا ما استخدم لفظ “الأمر” أو عبارة “هذا الأمر”، أو “أمر الناس” في النصوص الإخبارية عن مجريات ذلك اليوم.
[4] سعد بن عبادة زعيم الخزرج، وهو من النقباء، وقد شهد بدرًا. ولا يُنسى أن بني النجّار (أخوال النبي) كانوا من الخزرج، وهم أول من آواه بعد الهجرة.
[5] محمد عبد الحي محمد شعبان،
صدر الإسلام والدولة والأموية 600-750 (132هـ) (بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 1987)، ص 28.
[6] هشام جعيط،
الفتنة: جدلية الدين والسياسية في الإسلام المبكر، ط 4 (بيروت: دار الطليعة، 2000)، ص 34-35.
[7] Wilfred Madelung,
The Succession to Muhammad: A Study of the Early Caliphate (Cambridge: Cambridge Univ. Press, 1997), p. 31.
[8] مارشال هودجسون،
مغامرة الإسلام: التاريخ والضمير في حضارة عالمية، ج 1: العصر الكلاسيكي للإسلام، ترجمة أسامة غاوجي (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث، 2021)، ص 357.
[9] المقصود (فجأة) بمعنى من دون الاتفاق مع المسلمين كافة، وليس المقصود أنها خطأ. فقد جرت المبايعة لأبي بكر من طرف محدود من كبار الصحابة من الهاجرين والأنصار من دون استشارة المسلمين كافة. ينظر: جمال الدين بن منظور،
لسان العرب، الحواشي لليازجي وجماعة من اللغويين، ج 2، ط 3 (بيروت: دار صادر، 1994)، ص 67.
[10] المطهر بن طاهر المقدسي،
البدء والتاريخ، اعتنى بنشره كلمان هوار، ج 5 (باريس: أرنست لرو الصحّاف، 1916)، ص 190.
[11] محمد بن عمر الواقدي،
كتاب الردة للواقدي، تحقيق يحيى الجبوري (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1990)، ص 42.
[12] الزبير بن بكّار،
الأخبار الموفقيات، تحقيق سامي مكي العاني، ط 2 (بيروت: عالم الكتب، 1996)، ص 463.
[13] الطبري، ج 3، ص 203.
[14] محمد يحيى عزان،
قرشية الخلافة: تشريع ديني أم رؤية سياسية، ط 3 (صنعاء: مركز البحوث والدراسات اليمنية، 2015)، ص 30.
[15] تحسن الإشارة إلى أن نقل رواية أبي بكر للحديث لم ترد في الروايات جميعها، فقد صرّح ابن حجر العسقلاني بأن في سند هذه الرواية حميد بن عبد الرحمن، وهو لم يُدرِك أبا بكر لذا فإن الحديث مقطوع. يُنظر تعليق المحقق في: أحمد بن حنبل،
مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق شعيب الأرنؤوط ]وآخرون[، ج 1 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 2001)، ص 199.
[16] أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال، السنّة، تحقيق عادل بن عبد الله آل حمدان، ج 1، ط 3 (جدة: دار الأوراق الثقافية، 2018)، ص 43 (رواية 33).
[17] أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الماوردي،
الأحكام السلطانية والولايات الدينية (بيروت: المكتبة العصرية، 2019)، ص 14. للمزيد عن “الأئمة من قريش”، يُنظر: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني،
لذة العيش في طرق حديث الأئمة من قريش، تحقيق محمد ناصر العجمي (بيروت: دار البشائر الإسلامية، 2012).
[18] عزان، ص 100.
[19] عمرو بن بحر الجاحظ،
كتاب العثمانية، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون (بيروت: دار الجيل، 1991)، ص 201.
[20] الجاحظ،
رسائل الجاحظ، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، ج 4 (بيروت: دار الجيل، [د. ت.])، ص 291-292.
[21] الطبري، ج 3، ص 202.
[22] الجاحظ،
رسائل الجاحظ، ص 293.
[23] المرجع نفسه، ص 303.
[24] المرجع نفسه، ص 306.
[25] عبد الرحمن بن خلدون،
المقدمة: ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العب والبربر ومن عصرهم من ذوي الشأن الأكبر، ضبط المتن ووضع الحواشي والفهارس خليل شحادة، مراجعة سهيل زكار، ج 1 (بيروت: دار الفكر، 2010)، ص 183.
[26] المرجع نفسه، ص 243.
[27] في بعض الروايات: “أذل بيوت قريش”. يُنظر: عبد الرزاق بن همام الصنعاني،
المصنف، تحقيق مركز البحوث وتقنية المعلومات-دار التأصيل، ج 5 (القاهرة: دار التأصيل، 2015)، ص 92-93.
[28] يُنظر: محمد ناصر الدين الألباني،
سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، ج 3 (الرياض: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، 1995)، ص 6-7.
[29] جعيط، ص 88، 99، 116، 143.
[30] محمد بن سعد،
الطبقات الكبرى، قدمّ له إحسان عباس، مج 6 (بيروت: دار صادر، 1968)، ص 52-53؛ عزان، ص 56.
[31] ابن أبي الحديد،
شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد إبراهيم، مج 1 (بغداد: دار الكتاب العربي، 2007)، ص 101.
[32] أكرم ضياء العمري،
عصر الخلافة الراشدة محاولة لنقد الرواية التاريخية وفق مناهج المحدّثين (الرياض: مكتبة العبيكان، 2009) ص 52.
[33] محمد بن إسماعيل البخاري،
صحيح البخاري، تحقيق مصطفى ديب البغا، ج 4، ط 5 (دمشق: دار ابن كثير؛ دار اليمامة، 1993)، ص 1549، حديث رقم 3998. مسلم بن الحجاج،
صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ج 3 (القاهرة: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، 1955)، ص 1380، حديث رقم 1759.
[34] موسى بن عقبة،
أحاديث منتخبة من مغازي موسى بن عقبة، انتخاب يوسف بن محمد بن عمر بن قاضي شهبة، تحقيق مشهور حسن سلمان (بيروت: مؤسسة الريان؛ دار ابن حزم، 1991)، ص 94.
[35] الطبري، ج 3، ص 222.
[36] ابن قتيبة الدينوري،
الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء، تحقيق علي شيري (بيروت: دار الأضواء للطباعة والنشر، 1990)، ص 27.
[37] للمزيد يُنظر: محمد بن فارس الجميل، “يوم السقيفة وبيعة أبي بكر الصديق دراسة تحليلية مقارنة لروايات يوم السقيفة”،
حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية، الحولية 29، الرسالة 294 (حزيران/ يونيو 2009)، ص 7-135.
[38] هو محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري (ت. 124هـ)، من بني زهرة بن كلاب، من قريش. أول من دوّن الحديث، وأحد أكابر الحفاظ والفقهاء. خير الدين الزركلي،
الأعلام: قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، ج 7، ط 5 (بيروت: دار العلم للملايين، 2002)، ص 97.
[39] أبو عروة معمر بن راشد البصري،
كتاب المغازي، في رواية أبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني عنه، تحقيق شون آنثوني (نيويورك: دار نشر جامعة نيويورك، 2014)، ص 95.
[40] المرجع نفسه، ص 97.
[41] Madelung, pp. 32-33.
[42] البصري، ص 102-104.
[43] المرجع نفسه، ص 104.
[44] هكذا وردت في المصدر، وفي غيره من المصادر: يحضونا؛ أي يخرجونا. يُنظر: مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري ابن الأثير،
النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، ج 1 (بيروت: المكتبة العلمية، 1979)، ص 401.
[45] البصري، ص 103.
[46] المرجع نفسه، ص 104.
[47] أُضيف حرف الواو هنا لأنه هكذا ورد في مصنّف عبد الرزاق الصنعاني وهو راوي هذه القصة عن معمر.
[48] البصري، ص 104.
[49] وهي جملة تتكرر في معظم الروايات التاريخية للدلالة على حدّة كلامه. ويبيّن الفراء (144هـ/ 761م – 208هـ/ 822م) المقصود بها: “أي أنا المُعظّم المُكرم” ويضيف: “وإنما صغَّر فقال: جُذيلها، وعُذيقها، لأنه ذهب بهما إلى المَدح. وشبَّه نفسه بالجِذل، وهو أَصل شجرة قد ذهب فَرعُها وبَقي أصلها. وجمعه: أَجذال، على وزن “أفعال”. ومعنى ذلك أَن الإِبل الجَربى إذا مرَّت احتكت به، تَشتفي مما بها من الألم”. ينظر: أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء،
الأيام والليالي والشهور، تحقيق وتقديم إبراهيم الأبياري، ط 2 (القاهرة: دار الكتاب المصري؛ بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1980)، ص 44.
[50] البصري، ص 110.
[51] محمد بن عمر بن واقد الواقدي،
كتاب الرّدة، رواية أحمد بن محمد بن أعثم الكوفي، تحقيق يحيى الجبوري (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1990)، ص 32-33.
[52] المرجع نفسه، ص 34-35.
[53] المرجع نفسه، ص 36.
[54] المرجع نفسه، ص 36-38.
[55] المرجع نفسه، ص 39-40.
[56] المرجع نفسه، ص 40.
[57] المرجع نفسه، ص 42.
[58] المرجع نفسه.
[59] المرجع نفسه، ص 43.
[60] المرجع نفسه، ص 45-46.
[61] المرجع نفسه، ص 46.
[62] المرجع نفسه.
[63] المرجع نفسه، ص 46-47.
[64] المرجع نفسه، ص 47.
[65] أبو محمد عبد الملك الحميري المعافري بن هشام،
السيرة النبوية، ط 2 (بيروت: دار ابن حزم، 2009) ص 666.
[66] المرجع نفسه، ص 665.
[67] المرجع نفسه، ص 667.
[68] المرجع نفسه، ص 668.
[69] المرجع نفسه، ص 669.
[70] المرجع نفسه، ص 670.
[71] المرجع نفسه.
[72] المرجع نفسه.
[73] المرجع نفسه.
[74] المرجع نفسه، ص 670.
[75] أبو داود سليمان بن الأشعث الأذري السجستاني،
كتاب السّنن: سنن أبي داود، تحقيق محمد عدنان بن ياسين درويش، ج 3 (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 2000)، حديث رقم 3641 (واللفظ له). ويُنظر: أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي،
الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي (بيروت: دار ابن حزم، 2010)، حديث رقم 2687؛ أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني،
سنن ابن ماجة (بيروت: دار ابن حزم، 2001)، حديث رقم 223؛ ابن حنبل، ج 36، ص 46، حديث رقم 21715.
[76] ابن سعد، مج 2، ص 267-268.
[77] المرجع نفسه، مج 2، ص 269.
[78] المرجع نفسه، مج 3، ص 568.
[79] المرجع نفسه، مج 3، ص 616.
[80] المرجع نفسه، مج 3، ص 616-617.
[81] المرجع نفسه، مج 7، ص 390.
[82] البخاري، ج 2، ص 869، رقم 2330.
[83] المرجع نفسه، ج 3، ص 1341، حديث رقم 3467.
[84] المرجع نفسه.
[85] المرجع نفسه، ج 3، ص 1342، حديث رقم 3468.
[86] المرجع نفسه، ج 6، ص 2503، حديث رقم 6442.
[87] المرجع نفسه، ج 6، ص 2639، حديث رقم 6793.
[88] ابن بكّار، ص 462-463.
[89] المرجع نفسه، ص 464.
[90] ابن أبي الحديد، ج 1، ص 106-107.
[91] ابن بكار، ص465.
[92] أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري،
أنساب الأشراف، تحقيق محمود الفردوس العظم، ج 2 (دمشق: دار اليقظة العربية، [د. ت.])، ص 5.
[93] المرجع نفسه، ج 2، ص 6. والأُبْلُمة، بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَاللَّامِ وَفَتْحِهِمَا وَكَسْرِهِمَا، أَي خُوصة المُقْلِ، وَهَمْزَتُهَا زَائِدَةٌ، يَقُولُ: نَحْنُ وإِيَّاكم فِي الحُكْم سَوَاءٌ لَا فَضْل لأَميرٍ عَلَى مَأْمُورٍ كالخُوصة إِذا شُقَّتْ باثْنَتَيْن مُتَساوِيتين. يُنظر: ابن منظور، ج 12، ص 54.
[94] البلاذري، ج 2، ص 6.
[95] المرجع نفسه، ج 2، ص 7.
[96] المرجع نفسه، ج 2، ص 8.
[97] المرجع نفسه، ج 2، ص 9.
[98] المرجع نفسه.
[99] المرجع نفسه، ج 2، ص 10.
[100] المرجع نفسه، ج 2، ص 11.
[101] المرجع نفسه، ج 2، ص 13-14.
[102] المرجع نفسه، ج 2، ص 15.
[103] ابن حنبل، ج 1، ص 199، حديث رقم 19.
[104] المرجع نفسه، ج 1، ص 451، حديث رقم 391.
[105] في رواية ابن كثير وردت “أرفق” وليس “أقوى” ووردت “نبايعهم” وليس “نُتايِعهم”. يُنظر: أبو الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي،
البداية والنهاية، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، ج 8 (القاهرة: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، 1997)، ص 84.
[106] ابن حنبل، ج 1، ص 282، حديث رقم 133.
[107] الزركلي، ج 1، ص 95؛
Muhammad Qasim Zaman, “Al-Yaʿqūbī,” in: P. J. Bearman et al. (eds.),
The Encyclopaedia of Islam, vol. XI, New Edition (Leiden: Brill, 2002), pp. 257-258.
[108] أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح اليعقوبي،
تاريخ اليعقوبي، مج 2، ط 2 (بيروت: دار صادر، 2010)، ص 123.
[109] المرجع نفسه، ج 2، ص 124.
[110] المرجع نفسه.
[111] المرجع نفسه، ج 2، ص 124.
[112] المرجع نفسه، ج 2، ص 126.
[113] المرجع نفسه.
[114] الناشئ الأكبر،
مسائل الإمامة ومقتطفات من الكتاب الأوسط في المقالات، حققهما وقدم لهما يوسف ڤان إس (بيروت: فرانس شتاينر، 1971)، ص 9.
[115] المرجع نفسه، ص 10-11.
[116] المرجع نفسه، ص 12.
[117] المرجع نفسه، ص 13.
[118] المرجع نفسه، ص 14.
[119] المرجع نفسه.
[120] المرجع نفسه، ص 15.
[121] الطبري، ج 3، ص 190.
[122] المرجع نفسه، ج 3، ص 194.
[123] المرجع نفسه، ج 3، ص 201.
[124] المرجع نفسه، ج 3، ص 203.
[125] المرجع نفسه.
[126] المرجع نفسه.
[127] المرجع نفسه، ج 3، ص 207.
[128] المرجع نفسه، ج 3، ص 208-209.
[129] المرجع نفسه، ج 3، ص 218.
[130] المرجع نفسه، ج 3، ص 218-219.
[131] المرجع نفسه، ج 3، ص 220.
[132] المرجع نفسه، ج 3، ص 220-221.
[133] المرجع نفسه، ج 3، ص 222.
[134] المرجع نفسه، ج 3، ص 224.
[135] أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري،
السقيفة وفدك، جمع وتحقيق وتعليق باسم مجيد الساعدي (كربلاء: قسم الشؤون الفكريّة والثقافيّة في العتبة الحسينيّة المقدّسة، 2011)، ص 7.
[136] المرجع نفسه، ص 48.
[137] يعتبر محقق الكتاب أن هذه الصلاة مزعومة وأنّ هذا الطلب لم يحدث. يُنظر: المرجع نفسه، ص 49.
[138] المرجع نفسه، ص 50.
[139] المرجع نفسه، ص 52-53.
[140] المرجع نفسه، ص 54.
[141] المرجع نفسه، ص 56.
[142] المرجع نفسه، ص 57.
[143] المرجع نفسه.
[144] المرجع نفسه، ص 58.
[145] المرجع نفسه، ص 59.
[146] المرجع نفسه، ص 61.
[147] المرجع نفسه، ص 63.
[148] المرجع نفسه.
[149] المرجع نفسه، ص 64.
[150] المرجع نفسه.
[151] المرجع نفسه، ص 67.
[152] المرجع نفسه، ص 68.
[153] المرجع نفسه، ص 70-71.
[154] المرجع نفسه، ص 72.
[155] المرجع نفسه، ص 75.
[156] المرجع نفسه، ص 75-81.
[157] المرجع نفسه، ص 83.
[158] المرجع نفسه، ص 86.
[159] المرجع نفسه، ص 89.
[160] المرجع نفسه، ص 98.
[161] المرجع نفسه، ص 118-119.
[162] أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي،
التنبيه والإشراف (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2009)، ص 248.
[163] المسعودي،
مروج الذهب ومعادن الجوهر، اعتنى به وراجعه كمال حسن مرعي، ج 2 (صيدا/ بيروت: المكتبة العصرية، 2011)، ص 237.
[164] المرجع نفسه، ص 238.
[165] المرجع نفسه، ص 239.
[166] المقدسي، ج 5، ص 64-65.
[167] المرجع نفسه، ج 5، ص 66.
[168] إبراهيم الكيلاني، “مقدمة”، في: أبو حيان التوحيدي علي بن محمد،
ثلاث رسائل لأبي حيان التوحيدي، عُني بتحقيقها ونشرها إبراهيم الكيلاني (دمشق: المعهد الفرنسي للدراسات العربية، 1951)، ص 8.
[169] المرجع نفسه.
[170] المرجع نفسه، ص 20.
[171] المرجع نفسه، ص 24-25.
[172] أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد ابن الجوزي،
المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، دراسة وتحقيق محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا، راجعه وصححه نعيم زرزور، ج 4، ط 3 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2012)، ص 52.
[173] المرجع نفسه.
[174] المرجع نفسه، ص 65.
[175] المرجع نفسه، ص 66.
[176] المرجع نفسه، ص 67.
[177] المرجع نفسه، ص 67-68.
[178] عز الدين أبي الحسن علي بن محمد ابن الأثير،
الكامل في التاريخ، حققه أبو الفداء عبد الله القاضي، ج 2، ط 5 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2010)، ص 189.
[179] المرجع نفسه.
[180] المرجع نفسه، ص 190-191.
[181] المرجع نفسه، ص 191-192.
[182] المرجع نفسه، ص 192-193.
[183] المرجع نفسه، ص 194.
[184] أبو الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي،
البداية والنهاية، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، ج 8 (القاهرة: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، 1997)، ص 90-91.
[185] المرجع نفسه، ص 91.
[186] المرجع نفسه، ص 96.
[187] المرجع نفسه، ص 96-97.
[188] المرجع نفسه، ص 98.
[189] أبو صادق سليم بن قيس الهلالي العامري الكوفي،
كتاب سليم بن قيس الهلالي، تحقيق محمد باقر الأنصاري الزنجاني الخوئيني، ج 2، ط 5 (قُم: منشورات دليل ما، 2007)، ص 571.
[190] المرجع نفسه، ص 591-592.
[191] المرجع نفسه، ص 571.
[192] المرجع نفسه، ص 572.
[193] المرجع نفسه، ص 574.
[194] المرجع نفسه، ص 575.
[195] المرجع نفسه، ص 576.
[196] المرجع نفسه، ص 578-579.
[197] المرجع نفسه، ص 580-581.
[198] المرجع نفسه، ص 583.
[199] المرجع نفسه، ص 585.
[200] المرجع نفسه، ص 589.
[201] المرجع نفسه، ص 591.
[202] المرجع نفسه، ص 594-598.
[203] المرجع نفسه، ص 663-664.
[204] المرجع نفسه، ص 666.
[205] كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني،
اختيار مصباح السالكين: شرح نهج البلاغة الوسيط، تحقيق محمد هادي الأميني (مشهد: مجمع البحوث الإسلامية، 1987)، ص 174.
[206] المرجع نفسه، ص 89.
[207] المرجع نفسه، ص 90.
[208] المرجع نفسه، ص 91.
[209] المرجع نفسه، ص 99-100.
[210] المرجع نفسه، ص 145.
[211] المرجع نفسه، ص 146.
[212] المرجع نفسه، ص 182.