تسجيل الدخول

المشروع الصليبي لهايتون الكوريكوسي

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

​​

صاحب المشروع

الأمير الأرمني هايتون الكوريكوسي

الهدف

استرجاع الأراضي المُقدّسة

الزمان

1307

أبرز الشخصيات المخاطَبة

البابا كلمنت الخامس



المشروع الصليبي لهايتون الكوريكوسي، هو أحد أبرز المُخطَّطات الإستراتيجية الصليبية المتأخّرة التي قُدِّمت لاستعادة الأراضي المقدّسة في أعقاب سقوط عكا ونهاية الوجود الصليبي عام 690هـ/ 1291م. 

ينسب المشروع للأمير والمؤرّخ الأرمني هايتون الكوريكوسي (Hayton of Corycus، نحو 1240-1308)، صاحب قلعة جوريجوس (Gorigos) في مملكة أرمينيا الصغرى (1226-1270)، وقَدَّمه عام 1307 ضمن كتابه المعروف باسم زهرة تواريخ بلاد الشرق La Flor des Estoires de la Terre d’Orient. اعتمد هايتون في مشروعه على استراتيجيا "التحالُف العسكري والضغط السياسي" بوصفها الركيزة الأساسية، مُقترِحًا توظيف القوة الضاربة لمغول فارس (الإلخانيين) لشنِّ هجومٍ برّيٍّ من الشمال الشرقي لبلاد الشام، بالتزامن مع فرض حصارٍ بحريٍّ صارمٍ على المواني المملوكية لحرمانها من الموادّ الإستراتيجية. 

تَميَّز المشروع بمعرفة ميدانية عميقة بجغرافية بلاد الشام وبنية الجيش المملوكي، كما أولى عناية بأهمية التنسيق بين القوى المسيحية الإقليمية والمغول، وقد قَدَّمه هايتون في كتابه إلى البابا كليمنت الخامس (Clement V، 1264-1314) في مقرِّه بأڤينون، بوصفه خريطة طريق للغزو المزمع آنذاك. 

ورغم ما حظي به المشروع من تقدير وتحليل دقيق في الأوساط البابوية حينها، فإنه لم يُنفَّذ عمليًّا، وربما يُعزى ذلك إلى تقاعُسِ ملوك الغرب وانشغال الدولة الإلخانية بصراعاتها الداخلية. وقد ظَلَّ مِن أهمّ الوثائق التي تعكس الفكر الإستراتيجي الأرمني-الصليبي في مطلع القرن الرابع عشر الميلادي.

نشأة الأمير هايتون ومسيرته

وُلد الأمير والمؤرّخ الأرمني هايتون الكوريكوسي عام 1240، وهو ابن الأمير أوشين (Oschine) صاحب قلعة جوريجوس وشقيق الملك هيثوم الأول (Hetum I، 1223-1268)، حاكم مملكة أرمينيا الصغرى. وقد أمضى طفولته في كنف عَمِّه الملك، ثم عند بلوغه سنّ الشباب، ارتحل إلى بلدان عدّة، قريبة وبعيدة عن مملكة أرمينيا الصغرى، عبر رحلات صقلت معارفَه وأَغْنَتْ مؤلَّفه التاريخي بدقّة المعلومات التي أوردها عن الأقطار التي زارها[1].

أمّا عن حياته الشخصية، فقد تزوَّجَ إيزابيل (Isabel)، ابنة جي الأبليني (Guy d'Ibelin، 1250-1304)؛ وماري ابنة عمّه هيثوم الأول، وأنجب منها 4 ذكور وبنتًا واحدة. وفي عام 1265، وعقب وفاة والده، تولّى إمارة قلعة جوريجوس في أرمينيا الصغرى، ما وضعه في قلب المشهد السياسي لجمهورية أرمينيا الصغرى[2].

لم تكن الأوضاع السياسية في المملكة هادئة، فقد انضمَّ هايتون إلى صفوف المعارضة الرافضة لعودة الملك هيثوم الثاني (Hethum II، حَكَم خلال فترتَيْن: 1289-1293؛ و1299-1304) إلى العرش بعد اعتزاله في أحد أدْيرة "الفرنسيسكان". أدّى هذا الموقف إلى توتر العلاقة بين الطرفَيْن حتى نجح غريغوري السابع (Gregory VII of Cilicia، ت. 1307)، جاثليق (Catholicos) الأرمن، وهو رأس الكنيسة الأرمنية (1293-1307)، في عقد الصلح بينهما. تحوَّلت العلاقة لاحقًا إلى صداقة وثيقة، فقد رافق هايتون الملك هيثوم الثاني في رحلته إلى بلاط الإلخان غازان خان (Ghazan Khan، 1271-1304، وحكم بين عامَي 1295 و1304) عام 694هـ/ 1295م[3].

شارك هايتون ميدانيًا في انتصار جيش المغول على المماليك في معركة حمص الثالثة (وادي الخزندار) في ربيع الأول 699هـ، الموافق كانون الأول/ ديسمبر 1299م، وأظهر شجاعةً في الدفاع عن أرمينيا ضد الهجمات المملوكية. وفي عام 1305، وبسبب كبر سنِّه وزهده في الحياة العامّة، تنازل عن قلعة جوريجوس للملك هيثوم الثاني، تنفيذًا لنذرٍ قَطَعَهُ على نفسه بالانخراط في سلك الرهبنة بدير "بريموستريه" (Premostres) في قبرص[4]. وفي عام 1306، زار مدينتَي روما وأڤينون، حيث التقى البابا كليمنت الخامس في مقرّه بأڤينون، فعيَّنَه رئيسًا لأحد الأدْيرة في مدينة بواتييه، واستشاره في أحوال الشرق نظرًا إلى خبرته الطويلة، ما أسفر عن تقديمه لكتابه الشهير زهرة تواريخ بلاد الشرق عام 707هـ/ 1307م، الذي ضَمَّنه مشروعه الإستراتيجي لاستعادة الأراضي المقدّسة[5].

محتويات كتاب زهرة تواريخ بلاد الشرق

قَسَّم هايتون مؤلَّفه إلى 4 أقسام رئيسة، تُعَدّ الثلاثة الأولى منها بمنزلة تمهيد تاريخي وجغرافي للقسم الرابع، الذي يُمثِّل المتن الأساسي والأكبر في الكتاب. أما مشروعه الإستراتيجي الذي رفعه إلى البابا كليمنت الخامس بشأن استعادة الأراضي المقدسة بعد انتهاء الوجود الصليبي في بلاد الشام بسقوط عكا، آخر معاقله، سنة 690هـ/ 1291م، فقد أفرده في هذا القسم الرابع، كونه الأهمّ والأكثر تفصيلًا، إذ تألَّفَ من 28 فصلًا، وانقسم إلى جزأَيْن أساسيَّيْن: الأول خصَّصَه لتحليل أحوال سلطنة المماليك من النواحي السياسية والإدارية والعسكرية في مصر وبلاد الشام، مع رصد تاريخ الصراع العسكري بين الصليبيين والمسلمين؛ أما الآخر، فقد طرح فيه رؤيته بشأن كيفية استعادة الأراضي المقدّسة من يد المسلمين، وفق منظور إستراتيجي مُتكامِل[6].

استهلَّ هايتون القسم الأول من كتابه الرابع باستعراض أحوال العالم الإسلامي، مُركِّزًا على مكامِنِ الضعف في سلطنة المماليك لتأكيد جدوى مشروعه. وقد سعى لتسويغ الحرب دينيًا، بالرغم من دعوة المسيحية إلى السَّلام، مُبرِّرًا ذلك بضرورة استعادة الأراضي المقدّسة التي عَدَّها إرثًا شرعيًا للمسيحيين. وعَمِل على استنهاض حماس فرسان الغرب بشعارات عاطفية، مُحذِّرًا مِمَّا وصفه بالذلّ والخزي اللّذَيْن أصابا العالم المسيحي جراء سيطرة المسلمين على تلك البقاع[7].

وقد شغل تحليلُ أوضاع مصر والشام في عهد سلاطين المماليك حيّزًا كبيرًا من تفكير هايتون، إذ رأى ضرورة دراستها بدقّة لتحديد استراتيجيا الهجوم المُثلى. وذكرَ أنَّ الأوضاع في مصر في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون {{توفي عام 741هـ/ 1341م، وتولّى عرش السلطنة المملوكية ثلاث مرات: 693-694هـ/ 1293-1294م؛ 698-708هـ/ 1299-1309م؛ 709-741هـ/ 1309-1341م.}} كانت تَتّسِم بعدم الاستقرار نتيجة نفوذ كبار الأمراء، ما أدّى إلى عزل السلطان أكثر من مرة[8].

وفي خضمّ حديثه عن أوضاع المماليك، قدَّمَ هايتون تحليلًا نقديًا للجيش المملوكي، مُوضِحًا أنه يتكوَّن من عناصر هجينة، مع قلّةِ عددِ المُشاة مقابل كثرة الفرسان الذين جُلِب معظمهم بوصفهم رقيقًا عسكريين بمبالغ طائلة، وفَضَّلَهم السلاطين على السُّكّان المحليين[9]. وبحسب تقديراته، بلغ تعداد الجيش المملوكي في مصر نحو 20 ألف فارس، ووصف خيولَهم بالممتازة، لكنه انتقد مستوى تدريبهم الجيد. وأشار إلى أن الفرسان يتقاضون راتبًا سنويًا يُقدَّر بنحو 120 فلورينًا (Florin)، مع زيادات في حال اندلاع حروب خارج الحدود. وترْأَسُ جُندَ المماليك فئةٌ مِن كبار الشخصيات، يُطلَق عليهم اسم أمراء، ويكون مِن حقِّهم راتبٌ مُساوٍ لراتب عدد الفرسان الذين يعملون تحت قيادتهم[10]. أمّا جيشهم في بلاد الشام، فيُقدَّر بنحو 5 آلاف فارس، فضلًا عن المتطوّعين من الأعراب والتركمان. كذلك ذكرَ استعانة المماليك بجنودٍ مُشاةٍ يُجنَّدون من مناطق جبل لبنان والأراضي الخاضعة لطائفة الحشيشية، ويُكلَّفون بمهمّات حصار القلاع[11].

رصد هايتون بدقّة حالة الاضطراب الداخلي في مصر، مؤكّدًا أن تكرار الثورات والنزاعات على السلطة يجعل من هزيمة المماليك أمرًا مُمكِنًا، إذا ما أحسن الصليبيون اختيار التوقيت. ووفقًا لرؤيته، فإن الفرصة كانت مواتية لاستعادة الأراضي المقدّسة، بسبب حالة الإنهاك التي أصابت الجيش المملوكي جرّاء الحروب المتواصلة مع المغول منذ معركة عين جالوت (658هـ/ 1260م)، فضلًا عن التدهور الاقتصادي الناتج من امتناع كثير من الأقاليم التابعة للسلطنة عن دفع الخراج والجزية في عهد الناصر محمد بن قلاوون[12]. وقد حدَّدَ هايتون مجموعةً من الظروف المثالية التي يجب اقتناصها لشَنِّ الحملة الصليبية، وهي: استغلال فترات الانقلابات أو الثورات التي قد تؤدّي إلى خلع السلطان أو اغتياله؛ وترقّب سنوات انخفاض فيضان النيل وما يتبعها من شُحٍّ في المحاصيل ومجاعات، ما يُضعِفُ الجبهةَ الداخليّةَ ويؤدّي إلى عجز السلطنة عن الوفاء برواتب الجُند. كذلك شَدَّد هايتون على ضرورة احتلال الموانئ الإستراتيجية فور بدء الحملة، لقطع خطوط الاستيراد وحرمان المماليك من الموادّ الحيوية اللازمة للصناعات العسكرية، ولا سيما الحديد والقطران والأخشاب[13].

في مقابل ذلك، نَبَّه هايتون ملوك الغرب إلى تجنُّبِ شَنِّ أي هجوم في أوقات الرخاء الاقتصادي ووفرة الغِلال أو الاستقرار السياسي للسلطنة، عادًّا أن محاولة غزو مصر في ظلِّ قوة المماليك وتماسُكِهم ستكون "ضربًا من الخيال ومغامرةً محتومة الفشل"[14].

استراتيجيا الحملة المرتقَبة

يُمثِّل الجزءُ الثاني من القسم الرابع في كتاب هايتون المحورَ الأهم، حيث رَسَمَ الوسائل والخطوات العملية لتحقيق الغاية الكبرى للصليبيين، وهي استعادة الأراضي المقدّسة. وقد وضع هايتون استراتيجيا عسكرية زمنية تقوم على مرحلتَيْن أساسيتَيْن، إذ اقترح إرسال فرقة صليبية استطلاعية قبل انطلاق الجيش الرئيس، تكون مهمّتها دراسة أوضاع البلاد ميدانيًا، وقياس مدى قوة الجيش المملوكي، علاوة على تمهيد الطُّرق اللوجستية. وحَدَّدَ قوام هذه الفرقة بألف فارس، و10 سُفُن حربية (الشواني)، و3 آلافٍ مِن المُشاة. وبحسب الخطة، تتّخذ هذه القوات من جزيرة قبرص أو مملكة أرمينيا الصغرى مركزَ تجمُّعٍ لها، بالتزامن مع إرسال مندوبين إلى الإلخان أولجايتو (Oljeitu، 678-716هـ/ 1280-1316م) لحَثِّهِ على إرسال كتائب مغولية صَوْب حلب، مع تفعيل قرار قطع العلاقات التجارية مع سلطنة المماليك كلّيًا[15].

أكَّد هايتون أن المغول على أتمِّ الاستعداد لمناصرة الصليبيين، مشيرًا إلى أن الإلخان أولجايتو أرسلَ مبعوثًا يؤكّد التزامَه بسياسة شقيقِهِ غازان، الرامية إلى القضاء على نفوذ المماليك. وحَذَّر هايتون الصليبيين من التردّد، خشية أن يخلف أولجايتو خانٌ جديدٌ ينتهج سياسةً مُغايِرة[16]. ورأى ضرورة تنسيق الجهود بين الجيش الصليبي والمغول والموارنة ومسيحيّي الشرق، لإحداث حالةٍ من الاضطراب في المدن الساحلية، ما يضطر السلطان المملوكي إلى تشتيت قواته بين حماية السواحل ومواجهة الثورات الداخلية، ليقع بذلك بين الغزو الخارجي من جهة والثورة الداخلية من جهة أخرى[17].

وحَدَّد هايتون أدوار القوى المشاركة بدقّة، إذ تقتصر مهمّة الأسطول على السيطرة على المواني وقطعِ طُرقِ الملاحة أمام السُّفُن المُتّجهة إلى السلطنة، لحرمان مصر من السلع الإستراتيجية كالأخشاب والحديد والرقيق[18]. وقد أشاد بمهارة الموارنة في استخدام السِّهام، مُقترِحًا إسناد دَوْر محوري إليهم إلى جانب الكتيبة الاستطلاعية، للاستيلاء على مدينة طرابلس وتحويلها إلى مركز عمليات رئيس لاحتلال بقية بلاد الشام[19]. كذلك طمأنَ الصليبيين بأن التتار سيُعيدون المدن التي يستولون عليها إلى الصليبيين، نظرًا إلى أن مناخ الشام الحارّ لا يُناسِبُهم، ولأن هدفهم الأساسي هو الانتقام لهزيمتهم في عين جالوت[20]. كذلك طالبَ البابا بمخاطبة ملك الكرج (جورجيا حاليًا) وملك الحبشة للمشاركة في هذه الحملة الشاملة، مؤكّدًا استعدادهما التامّ للإسهام في المجهود الحربي ضد المماليك[21].

الطُّرق اللازمة لعبور الجيش الصليبي

حَدَّد هايتون في مشروعه 3 مسارات مُحتمَلَة لعبور الجيش الصليبي صَوْب الأراضي المقدّسة، مُفاضِلًا بينها بناءً على اعتبارات أمنية ولوجستية:

  1. طريق أفريقيا: أورده هايتون بوصفه مُقترَحًا نظريًا من دون الخوض في تفاصيله، لقلّة درايته جغرافيًا بهذا المسار.
  2. طريق القسطنطينية: وَصَفهُ بالطريق الآمن نسبيًا، لكنه استدرك بصعوبة اتّخاذه، نظرًا إلى ضرورة عبور أراضٍ شاسعة يسيطر عليها الأتراك قبل الوصول إلى أرمينيا الصغرى. واقترحَ تجاوُزَ هذه العقبة عبر التحالف مع المغول الذين سيتكفَّلون بإمداد القوّات بالمُؤن والاحتياجات اللازمة[22].
  3. الطريق البحري: هو المسار الذي فضَّلَه هايتون، مُقترِحًا توجُّه القوات أولًا إلى جزيرة قبرص للراحة والاستعداد، لتكون قاعدة انطلاق وعمليات، ثم التحرّك للسيطرة على المدن التي احتلَّتها "الحملة التمهيدية". وحَدَّد شهر أيلول/ سبتمبر موعدًا مثاليًا للانطلاق مراعاةً للظروف المناخية، على أن يستأنف الجيش زحفَه مع نهاية فصل الشتاء باتجاه أنطاكية، لمحاصرتها حتى السقوط[23].

رسمَ هايتون مسارًا دقيقًا للزحف بعد سقوط أنطاكية، إذ يَتّجه الجيش صوب اللاذقية بموازاة حركة الأسطول البحري. ونبَّهَ إلى خطورة المَمَرّات الوعرة بالقرب من قلعة المرقب، ولا سيما في ظلِّ سيطرة المسلمين عليها، ما قد يُشكِّل تهديدًا لجيشٍ صليبيٍّ كبير العدد[24]. ولتلافي هذه المخاطر، طرحَ حلًّا بديلًا يقضي بالعودة من أنطاكية والتوجّه نحو قيسارية للاستفادة من مواردها الخصبة ومياه الأمطار، ومنها إلى حماة التي عَدَّها "مفتاح الوصول إلى دمشق". وتوقَّعَ أنّ دمشق ستستسلم سريعًا فور إدراك أهلها عجز السلطان المملوكي عن حمايتها، بعد توالي الهزائم واستسلام المُدن المُحيطة[25].

أكَّد هايتون أن سقوط دمشق سيجعل بلاد الشام كاملة في قبضة الصليبيين. وفي حال أظهر السلطان المملوكي مقاومةً مُستميتة، اقترحَ تغيير الاستراتيجيا بالتوجّه إلى طرابلس تحت حماية الأسطول، مع إعادة ترميم تحصيناتها بمساعدة الموارنة، لتصبح المنطلق النهائي للسيطرة على بيت المقدس[26]. شَدَّد هايتون على أن نجاح هذا المُخطَّط مرهونٌ بالتحالف الوثيق مع المغول، الذين سيمدّون الصليبيين بكتيبة قوامها 10 آلاف مقاتل، فضلًا عن تزويدهم بالمُؤن ودَوْرِهم الاستخباري في تتبُّع تحرّكات المماليك. كذلك وَجَّه نصيحةً إستراتيجيةً للصليبيين بضرورة الانصياع لقائد الجيش المغولي وتجنُّبِ أي نزاع معه، مُقترِحًا صيغةً لتقاسُم النفوذ، مفادها أن يتولّى المغول السيطرة على دمشق، مقابل سيادة الصليبيّين الكاملة على بيت المقدس[27].

عوامل إخفاق المشروع

رغم الدقّة الإستراتيجية والخلفية الميدانية اللّتَيْن اتَّسَم بهما مشروع الأمير هايتون، فقد ظَلَّ رؤيةً نظريةً لم تدخل حيّز التنفيذ الفعلي. ويمكن إرجاع إخفاق هذا المشروع إلى جملة من الأسباب الذاتية والموضوعية:

  1. اعتماد هايتون في الدعاية لمشروعه بشكلٍ كاملٍ على البابوية المُتمثّلة في البابا كليمنت الخامس، من دون أن يبذل جهدًا موازيًا في التسويق له لدى ملوك الغرب الأوروبي، الذين يمتلكون القوة العسكرية والمالية الفعلية. كذلك افتقر المشروع إلى خطةٍ دعائيةٍ سياسيةٍ شاملةٍ تُخاطِب مَصالِحَ تلك الممالك، واكتفى بلُغةٍ حماسية تقليدية لم تكن كافية لتحريك الجيوش في ذلك العصر.
  2. أن هايتون بنى جوهر خطته على ثقةٍ مُطلَقةٍ في التحالف مع المغول (التتار)، مُتجاهِلًا حقيقتَيْن سياسيتَيْن: أن مصلحة الإلخانيّين تكمُن في تأمين حدودهم واستعادة نفوذهم الإقليمي كما كانوا قبل موقعة عين جالوت، وليس في خدمة الأهداف الصليبية الدينية. كذلك فإن قوة المغول كانت في تراجُعٍ في الوقت الذي قَدَّم فيه هايتون مشروعه، حين كانت إلخانية فارس قد بدأت تدخل مرحلة الضعف والاضطراب الداخلي والنزاعات حول السلطة، ما جعل قدرتها على تسيير حملة عسكرية كُبرى لمواجهة المماليك أمرًا مشكوكًا فيه.
  3. اصطدام المشروع بواقع أوروبي مُغايرٍ لِما كانت عليه الحال في عصور الحملات الصليبية الأولى، فقد شَهِد مطلعُ القرن الرابع عشر تراجُعًا ملحوظًا في الحماسة الدينية للحروب الصليبية، وضَعْفًا في نفوذ البابوية وقدرتها على توجيه سياسات ملوك أوروبا. وبسبب انشغال القوى الأوروبية بنزاعاتها البيْنية، ظلَّ مشروع هايتون -كغيره من المشروعات المعاصرة- مُجرّد مُقترَحٍ إستراتيجي في الأرشيف البابوي، لم يرقَ إلى مستوى التنفيذ العملي.​

المراجع

العربية

ابن تغري بردي، يوسف. النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة. تقديم وتعليق محمد حسين شمس الدين. بيروت: دار الكتب العلمية، 1992.

جينباشيان، مانويل. علاقة الكنيسة بالدولة الأرمينية في حقبة الهيمنة العربية. ترجمة ألكسندر كشيشيان. حلب: مطرانية الأرمن الأرثوذكس، 2005.

النحال، حسين. الحروب الصليبية أواخر العصور الوسطى ضد مصر وتونس، 1365-1407م. القاهرة: مكتبة نانسي، 2003.

الوكيل، جمال. "استرداد الأراضي المقدسة في ضوء مشروع الأمير الأرميني هايتون 1307م/707ه". مجلة بحوث كلية الآداب (جامعة المنوفية). مج 29، العدد 113 (2018). ص 1231-1253.

الأجنبية

Atiya, Aziz Suril. The Crusade in the Later Middle Ages. London: Methuen & Co., 1938.

Dashdondog, Bayarsaikhan. The Mongols and the Armenians (1220-1335). Leiden: Brill, 2011.

Dulaurier, Édouard. “Table chronologique de Hethoum.” in: Édouard Dulaurier (ed.). Recueil des historiens des croisades: Documents arméniens. tome 1. Paris: Imprimerie Impériale, 1862.

Ghazarian, Jacob G. The Armenian kingdom in Cilicia During the Crusades: The Integration of Cilician Armenians with the Latins, 1080-1393. Richmond: Curzon, 2000.

Hayton. “La Flor des Estoires de la Terre d’Orient.” in: Édouard Dulaurier (ed.). Recueil des historiens des croisades: Documents arméniens. tome 2. Paris: Imprimerie Nationale, 1862.

Het’um. "Le Roi Hetoum II." in: Édouard Dulaurier (ed.). Recueil des historiens des croisades: Documents arméniens. tome premier. Paris: Imprimerie Impériale, 1862.

Het’um. “Héthoum l'historien.” in: Édouard Dulaurier (ed.). Recueil des historiens des croisades: Documents arméniens. tome 1. Paris: Imprimerie Impériale, 1862.

Jackson, Peter. The Mongols and the Islamic World: from Conquest to Conversion. New Haven/ London: Yale University Press, 2017.

Mollat, Guillaume. Les Papes d’Avignon, 1305-1378. Paris: Letouzey & Ané, 1965.

Schein, Sylvia. The West and the Crusade: Attitudes and Attempts, 1291-1312. London: British Library, 1991.

Terian, Abraham. Patriotism and Piety in Armenian Christianity. New York: St Vladimir's Seminary Press, 2005.

[1] جمال الوكيل، "استرداد الأراضي المقدسة في ضوء مشروع الأمير الأرميني هايتون 1307م/707ه"، مجلة بحوث كلية الآداب (جامعة المنوفية)، مج 29، العدد 113 (2018)، ص 1231-1253؛ مانويل جينباشيان، علاقة الكنيسة بالدولة الأرمينية في حقبة الهيمنةالعربية، ترجمة ألكسندر كشيشيان (حلب: مطرانية الأرمن الأرثوذكس، 2005)، ص 47؛

Hayton, “La Flor des Estoires de la Terre d’Orient,” in: Édouard Dulaurier (ed.), Recueil des historiens des croisades: Documents arméniens, tome 2 (Paris : Imprimerie Nationale, 1862), p. 113; Het’um, "Héthoum l'historien," in: Édouard Dulaurier (ed.), Recueil des historiens des croisades: Documents arméniens, tome 1 (Paris: Imprimerie Impériale, 1862), pp. 469-470; Aziz Suril Atiya, The Crusade in the Latter Middle Ages (London: Methuen & Co., 1938), p. 62.

[2] Jacob G. Ghazarian, The Armenian kingdom in Cilicia During the Crusades: The Integration of Cilician Armenians with the Latins, 1080-1393 (Richmond: Curzon, 2000), p. 69.

[3] الوكيل، ص 1234؛ جينباشيان، ص 47.

Édouard Dulaurier, “Table Chronologique de Hethoum,” in: Édouard Dulaurier (ed.), Recueil des historiens des croisades: Documents arméniens, tome 1 (Paris: Imprimerie Impériale, 1862), p. 490; Het’um, "Le Roi Hetoum II," in: Édouard Dulaurier (ed.), Recueil des historiens des croisades: Documents arméniens, tome premier (Paris: Imprimerie Impériale, 1862), p. 543; Abraham Terian, Patriotism and Piety in Armenian Christianity (New York: St Vladimir's Seminary Press, 2005), p. 145.

[4] Het’um “Héthoum l’historien,” p. 469; Bayarsaikhan Dashdondog, The Mongols and the Armenians (1220-1335) (Leiden: Brill, 2011), p. 21; Guillaume Mollat, Les Papes d’Avignon, 1305-1378 (Paris: Letouzey & Ané, 1965), p. 28.

[5] Peter Jackson, The Mongols and the Islamic World: from Conquest to Conversion (New Haven/ London: Yale University Press, 2017), p. 43; Dashdondog, p. 22;

حسين النحال، الحروب الصليبية أواخر العصور الوسطى ضد مصر وتونس 1365-1407م (دمياط: مكتبة نانسي، 2003)، ص 24.

[6] Hayton, pp. 235-253.

[7] Ibid., pp. 220-221.

[8] Ibid., p. 221;

يوسف بن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، تقديم وتعليق محمد حسين شمس الدين، ج 8 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1992)، ص 93-99.

[9] Hayton, p. 222.

[10] Ibid., p. 223.

[11] Ibid., p. 224.

[12] Ibid., pp. 229-237.

[13] Ibid., pp. 240-241.

[14] Ibid., p. 240.

[15] Ibid., pp. 242-243.

[16] Ibid., pp. 237-238.

[17] Ibid., p. 243; Atiya, p. 63.

[18] Hayton, p. 222.

[19] Ibid., p. 245.

[20] Ibid., pp. 245-246.

[21] Ibid., pp. 246-247; Sylvia Schein, The West and the Crusade: Attitudes and Attempts, 1291-1312 (London: British Library, 1991), p. 215.

[22] Hayton, p. 246.

[23] Ibid., p. 249; Atiya, p. 64.

[24] Hayton of Corycus, op. cit.

[25] Ibid., p. 250.

[26] Ibid., pp. 249-250.

[27] Ibid., pp. 250-252.


المحتويات

الهوامش