تسجيل الدخول

الحملة البريطانية-الفرنسية على سورية (1941)



الموجز

الحملة البريطانية-الفرنسية على سورية (8 حزيران/ يونيو إلى 14 تموز/ يوليو 1941)، حملة عسكرية قامت بها قوات فرنسا الحرة بقيادة الجنرال شارل ديغول (Charles de Gaulle، 1890- 1970) المدعومة من الجيش البريطاني لتحرير سورية من حكومة فيشي الموالية لألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية. لم تشارك فيها أية قوات سورية، لعدم وجود جيش سوري منذ بداية الانتداب الفرنسي عام 1920. كانت الحملة حربًا أوروبية على الأراضي السورية، أطاحت بحكم الجنرال الفرنسي هنري دانتز (Henri Fernand Dentz، 1881- 1945) المحسوب على قوات ألمانيا النازية، وأسست لوجود عسكري وسياسي بريطاني في سورية، كانت نتيجته جلاء القوات الفرنسية عن سورية في 17 نيسان/ أبريل 1946.

الخلفية التاريخية

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

يوم بدأت الحرب العالمية الثانية في 1 أيلول/ سبتمبر 1939، كان قد مضى على الاحتلال الفرنسي لسورية تسع عشرة سنة كاملة. وقد كتبت البعثة البريطانية بدمشق سلسلةً من التقارير إلى لندن، وقالت إن الشعوب العربية ومنها الشعب السوري بغالبيته كانوا معجبين بأدولف هتلر (Adolf Hitler، 1899-1945)، من منطلق أنّ "عدو عدوي صديقي". ففي أوراقه علق رئيس الحكومة الأسبق جميل مردم بك (1895-1960) بالقول: "كان هتلر يمثل الشخصية الأسطورية بالنسبة لعامة الشعب، ويتصوره الناس بلباس الفارس الذي سيحرر الشعوب المظلومة بعد أن يحقق النصر على الدول المستعمرة"[1]. وكان هتلر قد وعد بالفعل بإلغاء الانتداب الفرنسي في سورية ولبنان، والانتداب البريطاني في فلسطين. وقبل اندلاع الحرب عام 1939، أرسل هتلر أحد أعوانه إلى دمشق، قائد شبيبة الرايخ، ويدعى بالدور فون شيراخ (Baldur von Schirach، 1907-1974)، ليلتقي بعدد من الأعيان منهم شكري القوتلي (1891-1967)، وفخري البارودي (1887-1966) من الكتلة الوطنية[2]. وقد لاحقت حكومة الانتداب بعد اندلاع الحرب كل من التقي بفون شيراخ في سورية، فنفت القوتلي إلى العراق، والبارودي إلى عمّان، بعد اتهامه بتهريب سلاح إلى الجيش الألماني[3]. ومُنعت التجمعات في المقاهي وصودرت أجهزة الإذاعة لكيلا يستمع الناس إلى خطابات "الفوهرر" النازية، وفُرض على المخالفين عقوبات تراوحت ما بين ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات اعتقال، مع غرامة مالية تصل إلى 200 ليرة سورية[4].

صراعات أوروبية على الأراضي السورية

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

شهد العاشر من أيار/ مايو 1940 حدثين مهمين في أوروبا: بدء الغزو الألماني لفرنسا، وتسلم ونستون تشرشل (Winston Churchill، 1874-1965) رئاسة الوزراء في بريطانيا، خلفًا لآرثر نيفيل تشامبرلين (Arthur Neville Chamberlain، 1869-1940). ولم تلبث باريس أن سقطت في قبضة الجيش النازي يوم 14 حزيران/ يونيو 1940، ليستلم حكم فرنسا المارشال فيليب بيتان (Philippe Pétain، 1856-1951)، أحد أبطال الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الأولى. عُين بيتان رئيسًا للحكومة في 16 حزيران/ يونيو، معلنًا إنهاء العمل بدستور الجمهورية الفرنسية الثالثة وإقامة حكم فرنسي موال للألمان، من مدينة بوردو أولًا ثم من مدينة فيشي وسط البلاد[5]. وقد سمحت اتفاقية الهدنة الموقعة في 22 حزيران/ يونيو للفرنسيين بالإبقاء على سيادة الحكومة الجديدة على المناطق الجنوبية مع الحفاظ على مستعمراتهم وأسطولهم البحري وعلَمهم الوطني[6].

تأسست حركة فرنسية لمقاومة الاحتلال بقيادة الجنرال شارل ديغول (Charles de Gaulle، 1890-1970)، الذي أعلن بيانه الشهير عبر أثير هيئة البث البريطانية (BBC) في 18 حزيران/ يونيو 1940، داعيًا الشعب الفرنسي إلى حمل السلاح. سُميت حركته قوات فرنسا الحرة، وكانت مدعومة من الرئيس تشرشل الذي قدم لها 300 ألف جنيه إسترليني، تُدفع في التاسع من كل شهر، ومعها 250 ألف جنيه مخصصة لمنطقة الشرق الأوسط[7]. شكلت سيطرة نظام فيشي على سورية ولبنان ومن خلفهم الألمان تهديدًا بقطع خطوط التجارة البريطانية مع الهند، وفقدان بريطانيا لقواعدها في قبرص، وضياع مصر ومعها قناة السويس، ما جعل تشرشل يكتب في مذكراته: "لا يجب أن تضيع منّا سورية". وفي نهاية عام 1940 طلبت برلين شراء 150 طنًا من الحرير السوري لتصنيع المظلات الألمانية، وزار رئيس قسم الشرق الأدنى في وزارة الخارجية الألمانية أوتو فون هينتغ (Werner-Otto von Hentig، 1886-1984) دمشق نهاية عام 1940[9]. كما أرسلت الحكومة الألمانية ثلاث عشرة طيارة عسكرية إلى مطار المزة القريب من دمشق، وصلت في الساعة السادسة من مساء 9 أيار/ مايو 1941، وحملت 300 طن من الأسلحة الألمانية إلى الموصل عبر سكك الحديد السورية[10].

تداعيات الأحداث العراقية والإيرانية

بدا لوهلة وكأن الألمان يسابقون تشرشل على كسب ود العرب والمسلمين وتعاطفهم، تحديدًا بعد انتقال مفتي القدس محمد أمين الحسيني (1895-1974) إلى برلين ولقائه بهتلر، وتخصيص ساعة بث له عبر الإذاعة النازية للوصول إلى مسلمي أوروبا. طالب تشرشل بولاء تام من حلفائه العرب، كما فعل العراق وفعلت مصر يوم قطعت علاقتهما الدبلوماسية مع ألمانيا نزولًا عند رغبة الإنكليز. ولكن انحياز حكام العراق إلى صف الحلفاء أدى إلى انفجار ثورة عارمة ضدهم قادها رئيس الحكومة الأسبق رشيد عالي الكيلاني (1892-1965) في نيسان/ أبريل 1941. سقطت حكومة نوري السعيد (1888-1958) المحسوبة على الإنكليز على إثر الانقلاب وهرب رئيسها إلى الأردن، وفرّ الوصي على عرش العراق الأمير عبد الإله (1913-1958) على متن سفينة بريطانية نقلته إلى فلسطين. دعا الكيلاني إلى مقاومة الإنكليز، وتدخلت بريطانيا لحماية حلفائها العراقيين وأرسلت جيشًا لقمع التمرد. وتعامل تشرشل بالصرامة نفسها مع شاه إيران رضا بهلوي (1878-1944)، عندما رفض الأخير قطع علاقته مع برلين وطرد الخبراء الألمان من بلاده. حيث قام الانجليز، وبالتعاون مع حلفائهم الروس، بغزو إيران وتنصيب محمد رضا بهلوي (1919-1980) نجل الشاه المخلوع في شهر آب/ أغسطس من العام 1941. إذ أكد محمد رضا لتشرشل أنه سيكون أكثر تعاونًا مع الإنكليز وانصياعًا لمطالبهم. ومع تصفية مصادر التعاون مع المحور في إيران والعراق، انتقلت بريطانيا لفرض حصار محكم على جميع الأراضي الفرنسية ومنها سورية لتحريرها من النازية.

حتى ذلك التاريخ، لم تظهر سورية في أي من خطابات تشرشل، ولم يعطها أي اهتمام يذكر لكونها من حصة الفرنسيين في المشرق العربي. وقد كانت أولى قراراته المصيرية بشأن سورية ردًا على احتلالها من قبل نظام فيشي، إذ أبدى نيته بغزو سوريا لتحريرها من النفوذ الألماني، منعًا لتكرار ما حدث في إيران والعراق. وقد أدرك تشرشل بأن شعبية الإنكليز في سورية لم تكن أفضل بكثير من شعبية الفرنسيين، فرأى أن يعطيهم شيئًا ملموسًا مقابل دعم مخططاته، أو على الأقل عدم معارضتها. وعليه، حصل تشرشل على وعد صريح من ديغول بأن تضمن دول الحلفاء استقلالًا تدريجيًا لسورية، وقال له الأخير: "سوف أعلن وأحترم حياد دول المشرق، مقابل اتفاقية معهم تحفظ حقوق فرنسا ومصالحها الخاصة"[11].

الحملة العسكرية

انطلقت الحملة البريطانية-الديغولية المشتركة في سورية يوم 8 حزيران/ يونيو 1941، بقيادة الجنرال البريطاني هنري ويلسون. وكانت أول أهداف الحملة الأسواق التجارية المحيطة بالجامع الأموي، ومحلة سيدي عمود القريبة، التي كانت تُعرف بالحريقة منذ أن أحرقتها الطائرات الفرنسية أثناء الثورة السورية الكبرى[12]. وعلى الرغم من تسمية الحملة بالحملة البريطانية-الفرنسية، لم تتجاوز قوات فرنسا الحرة المشاركة نسبة 8 في المئة، مقابل 92 في المئة من الجنود البريطانيين[13]. وانطلق الهجوم على عدة محاور، إذ كُلف اللواء الهندي الخامس بدخول الأراضي السورية من درعا جنوب البلاد لفتح الطريق المؤدي إلى دمشق، وفي الوقت ذاته تقدمت الفرقة الأسترالية السابعة من فلسطين على طريق الساحل، واللواء الهندي العاشر من العراق باتجاه دير الزور والرقة وحلب. كما تقدمت القوات المكلفة باحتلال دمشق – والتي كانت من بنجاب الهند – بعد سيطرتهم على نهر الأعوج النابع من جبل الشيخ إلى غوطة دمشق، وأحكموا قبضتهم على بلدة الكسوة قبل دخولهم للعاصمة السورية سالمين دون أي قتال يذكر.

الحملة البريطانية-الفرنسية على سوريا (1941)

التاريخ

8 حزيران/ يونيو 1941 – 14 تموز/ يوليو 1941

الموقع

سوريا ولبنان

محاور الهجوم

- محور الساحل: من فلسطين عبر الليطاني باتجاه بيروت ومن ثم حلب

- محور دمشق: من شرق الأردن وفلسطين عبر درعا والجولان باتجاه دمشق

- محور البادية: من غرب العراق باتجاه تدمر وحمص

- محور الفرات: من شمال العراق باتجاه الحسكة والقامشلي وجرابلس ودير الزور

أهم المعارك

- معركة الليطاني

- معركة جزين

- معركة صيدا

- معركة الكسوة

- معركة دمشق

- معركة مرجعيون

- معركة تدمر

- معركة دير الزور

- معركة الدامور

- معركة بيروت

النتيجة

سيطرة القوات البريطانية وقوات فرنسا الحرة على سوريا ولبنان وهزيمة فرنسا فيشي.

الأطراف المتحاربة

- المملكة المتحدة

- أستراليا

- قوات فرنسا الحرة

- الهند

- تشيكوسلوفاكيا (الكتيبة 11)

- إمارة شرق الأردن (حرس الحدود)

- دولة فرنسا (نظام فيشي)

- ألمانيا النازية

القادة

- أرتشيبالد ويفل (المملكة المتحدة)

- هنري ويلسون (المملكة المتحدة)

- جون لافاراك (أستراليا)

- بول ليغينتيلهوم (فرنسا الحرة)

- هنري دانتز (نظام فيشي)

القوى

نحو 35000 جندي:

- 18000 جندي أسترالي

- 9000 جندي بريطاني

- 5000 جندي فرنسي

- 2000 جندي هندي

التسليح:

- نحو 70 طائرة حربية

- 6 مدمرات حربية

- 3 طرادات حربية

- سفينة إنزال بحري

نحو 35000 جندي:

- 8000 جندي فرنسي

- 25000 جندي سوري ولبناني

التسليح:

- 90 دبابة

- 120 قطعة مدفعية

- 289 طائرة حربية

- 70 مدرعة

- مدمرتان حربيتان

- 3 غواصات

الخسائر

- 4652 قتيلًا:

- 1522 أستراليًا

- 1300 فرنسي

- 50 أردنيًا

- 1800 بريطاني وهندي

- 41 طائرة

- 8912 قتيلًا (المصادر البريطانية)

- 6352 قتيلًا (مصادر فيشي)

- 179 طائرة

- غواصة

- انضمام 5668 جنديًا لقوات فرنسا الحرة

وقُدرت قوات فرنسا الحرة ما بين خمسة وستة آلاف جندي مدعومين باثنتي عشرة طائرة حربية وعشر دبابات، قاتلوا إلى جانب 27 ألف جندي قادمين من مختلف أنحاء الإمبراطورية البريطانية. وقد خصصت بريطانيا لهذه الحملة بحريًا كافة المدمّرات العاملة في البحر المتوسط إلى جانب بعض الطرادات وسفينة إنزال حربي لمرافقة الحملة. وفي الجانب المقابل، بلغت قوات فيشي 35 ألف مقاتل، مكونة من أربعة فيالق وتسعين دبابة وسبعين سيارة مدرعة وأكثر من 250 طائرة حربية بالإضافة إلى 3 غواصات ومدمرتين في البحر[14]. وقد عانت قوات فيشي من أزمة لوجستية تمثلت في نقص الوقود والذخائر إذ كان مخزون الجنرال دانتز يكفيه للصمود لفترة لا تتجاوز الستة أسابيع.

وفي 18 حزيران/ يونيو 1941 دخلت قوات الحلفاء مدينة دمشق. أما مدينة تدمر الأثرية فقد شهدت المقاومة الأعنف من قبل قوات فيشي للحملة يوم 1 تموز/ يوليو، وتبعتها بثلاثة أيام مواجهات أخرى دامية في دير الزور.

دخل الجنرال جورج كاترو (Georges Catroux، 1877-1969) دمشق ممثلًا عن شارل ديغول، ومعه الجنرال بول لوجنتيّوم قائد الفرقة الأولى في قوات فرنسا الحرة، محاطين بفرقة حماية شركسية. وجرت مراسم الاستقبال في السراي الحكومي في ساحة المرجة، ترأسها رئيس الحكومة خالد العظم (1903-1965). وسقط في هذه المعركة، التي أطلقت عليها بريطانيا اسم (Operation Exporter)، ستة آلاف جندي من قوات فيشي بحسب الأرقام الفيشية مقابل نحو تسعة آلاف بحسب التقديرات البريطانية، مقابل نحو أربع آلاف جندي من الحلفاء توزعوا بين قوات فرنسا الحرة وقوات أسترالية وبريطانية وهندية، ودُفن الجنود الفرنسيون الذين سقطوا في الحملة في المقبرة الفرنسية القديمة المجاورة لبساتين المزة[15].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

اتفاقية عكا

طلب دانتز الهدنة، وتم التوقيع عليها في 14 تموز/ يوليو 1941 مع البريطانيين في مدينة عكا الفلسطينية، قبل عودته إلى باريس ليموت فيها بعد أربع سنوات ضابطًا متقاعدًا ومكتئبًا مهزومًا. عقدت المفاوضات في خيمة نُصبت في معسكر بريطاني أصبح اليوم مستعمرة زراعية إسرائيلية، ومثّل الفيشيين الجنرال دانتز والكولونيل جوزيف فريدهاك، وجلس أمامهم جورج كاترو، ممثلًا عن الجنرال ديغول. تعامل كاترو بنُبل مع قوات فيشي المهزومة، وأصر على عدم تجريدهم من سلاحهم الخفيف، ليتمكنوا من العودة به إلى فرنسا بأمان[16].

ولم تأت اتفاقية عكا على ذكر حقوق فرنسا الحرة في مستقبل سورية، ما أزعج ديغول كثيرًا، كما لم تذكر الاتفاقية شيئًا عن استقلال سورية[17]. منعت الاتفاقية الفرنسيين الأحرار من التواصل المباشر مع فلول فيشي في سورية ومن تجنيدهم، وفي محاولة بائسة منه لتعديل بنودها، حط ديغول في القاهرة يوم 20 تموز/ يوليو 1941 متوعدًا بريطانيا بالثأر، وعاقدًا النية على تمزيق اتفاقية عكا[18]. ظن ديغول أن العملية العسكرية ستعيد لفرنسا نفوذها في سورية، ولكن بدا واضحًا له أنها كانت اللبنة الأولى لإخراجها من المنطقة. وقد عبر ديغول عن انزعاجه لاحقًا في لقاء مع تشرشل انفجر قال فيه: "لا أعتقد أن بإمكاني التفاهم مع الإنكليز. أنتم جميعًا متشابهون، تهتمون بمصالحكم الخاصة فقط ولا تبدون أي اهتمام بمتطلبات الآخرين. هل تعتقد أن انتصار بريطانيا في الحرب يعنيني؟ كلا! أنا لست مهتمًا إلا بنصر فرنسا"[19].

استقلال سورية ولبنان

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

انزعج تشرشل من حدة انتقادات ديغول وتكرارها على مسمع الجميع، وفكر جديًا بمنعه من دخول سورية واستبداله بجورج كاترو في قيادة فرنسا الحرة، ولكنه سرعان ما تراجع، نظرًا لحاجته له في أوروبا. وبدلًا من إقصائه، قرر مشاركته في إدارة سورية ولو بشكل مؤقت، حيث تكون الشؤون العسكرية بيد الإنكليز، والسياسية بيد الفرنسيين. أجرى تشرشل سلسلة تغيرات شكلية، كإلغاء منصب مندوب فرنسا السامي في سورية ولبنان، والاستعاضة عنه بمنصب ممثل فرنسا العام، الذي عُين فيه الجنرال كاترو[21]. وبهذه الصفة أسقط الأخير مناشير ملونة في سماء دمشق وبيروت، وعدت السوريين واللبنانيين بالاستقلال باسم فرنسا الحرة أو "فرنسا الحقيقية"، كما كان يحلو لديغول تسميتها، دون سحب القوات الأجنبية عن أراضيها إلا بعد انتهاء الأعمال القتالية في أوروبا[22]. وعرض نص البيان على تشرشل وبعد أخذ موافقته، اعتمد على الشكل التالي[23]:

"أيها السوريون واللبنانيون... في الوقت الذي تدخل فيه قوات فرنسا الحرة أراضيكم، بالاشتراك مع قوات الإمبراطورية البريطانية فإنني أتعهد باسم فرنسا الحرة التقليدية والأصلية وباسم قائدها الجنرال ديغول بممارسة الصلاحيات وحمل المسؤوليات والالتزامات كممثل فرنسا في هذا الجزء من المشرق. وبهذه الصفة فقد جئت لأصنع نهاية لنظام الانتداب ولأعلن لكم بأنكم أحرار مستقلون، فقد أصبحتم منذ الآن شعبًا ذا سيادة واستقلال. إن ساعة عظيمة في تاريخكم قد دقت"[24].

ديغول في دمشق

وصل ديغول إلى دمشق قادمًا من بيروت في 23 حزيران/ يونيو 1941، ونزل في مقر المفوضية الفرنسية (السفارة الفرنسية حاليًا) في منطقة العفيف، القريبة من القصر الجمهوري المقفل منذ عام 1939. كتب ديغول معلقًا في مذكراته: "اجتمعت أثناء وجودي في دمشق مع كافة وجهاء البلاد السياسيين والدينيين والإداريين، وكان عددهم كبيرًا. وكان من الممكن أن ترى سلطة فرنسا وقد عاد الناس إلى الاعتراف بها ممثلة فيّ شخصيًا. وقد مثل دخول قائد فرنسا الحرة إلى العاصمة السورية، تلك المدينة العظيمة التي كانت دائمًا مهتمة بأن تبدي للسلطة الفرنسية وفي كل مناسبة حماسًا واضحًا رآه كل الناس"[25]. التقى ديغول بمعظم السياسيين القدامى، باستثناء الرئيس السابق هاشم الأتاسي (1873-1960)، الذي تجنب الحضور بحجة وجوده للاستجمام مع عائلته في بلدة شتورا اللبنانية. لحقه ديغول واجتمع معه على انفراد بحضور ابنه الدكتور عدنان الأتاسي (1904-1969)، عارضًا عليه العودة إلى الحكم مع وعد بتنفيذ المعاهدة السورية الفرنسية القديمة، التي لم تر النور سنة 1936[26]. اعتذر الأتاسي بلباقة، وقال إنه لا يرغب في العودة إلى السلطة بوجود الفرنسيين، مذكرًا بأنهم نكثوا كل وعودهم وعهودهم في الماضي[27]. عُرضت بعدها الرئاسة الأولى على رئيس الحكومة الأسبق جميل مردم بك، الذي علق في مذكراته أن الإنكليز عارضوا ترشيحه، ما أجهض الفكرة من أساسها، لأن القول الفصل في موضوع الرئاسة السورية كان لهم وليس للفرنسيين[28]. وقد تزامن وصول ديغول إلى دمشق مع عودة رئيس الحكومة الأسبق تاج الدين الحسني (1885-1943) من منفاه، والذي كان خَصْم الكتلة الوطنية المحسوب تاريخيًا على المحور المهادن للفرنسيين في سورية، وقد اجتمع مع ديغول ودعي لتسلم الرئاسة السورية من 16 أيلول/ سبتمبر 1941 وحتى وفاته يوم 17 كانون الثاني/ يناير 1943.

قبلها بأيام خطب تشرشل في مجلس العموم البريطاني، وكان ذلك يوم 9 أيلول/ سبتمبر 1941، وتحدث عن سورية قائلًا: "نحن لا نسعى لاستبدال فرنسا ومصالحها في سورية ونحن موجودون في سورية فقط من أجل الانتصار في الحرب. ومع ذلك يجب أن أوضح أن سياساتنا التي وافق عليها الحلفاء في فرنسا الحرة، هي إعادة سورية إلى السوريين"[29].

كان لهذا الكلام أثر كبير في الأوساط السياسية السورية، إذ سَمَح لعدد من الوطنيين بمشاركة الشيخ تاج في الحكم دون أي حرج، مثل حسن الحكيم (1886-1982)، الذي سُمي أول رئيس حكومة، وفايز الخوري (1895-1959) الذي عُين وزيرًا للخارجية. دُمجت جبال العلويين والدروز مع الوطن الأم، ودعا الشيخ تاج إلى احتفال كبير في السراي الكبير بمناسبة الوحدة والاستقلال، بحضور ممثلين عن البعثات الدبلوماسية، ومنها بريطانيا التي عينت وزيرًا مفوضًا لها في سورية وحدها، وليس في سورية ولبنان للمرة الأولى منذ بدء الانتداب الفرنسي. وصدرت طوابع بريدية بهذه المناسبة تحمل رسم رئيس الجمهورية إلى جانب العلم السوري. وفي 27 نيسان/ أبريل 1942، أبرق وزير الخارجية إلى عواصم العالم، معلنًا انتهاء الانتداب الفرنسي. رد الملوك والرؤساء بالتهنئة، ومنهم ملك بريطانيا جورج السادس (George VI، 1895-1952)، والملك السعودي عبد العزيز آل سعود (1876-1953)[30]. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 1942 قدم ممثل عن الرئيس الأميركي أوراق اعتماده إلى الشيخ تاج، بصفته قنصلًا عامًا في سورية[31]. وبارك تشرشل لنظيره السوري وأرسل صهره النائب دانكن ساندس إلى دمشق نيابة عنه لتهنئة الشيخ تاج على استقلال بلاده[32].

المراجع

العربية

الأتاسي، محمد رضوان. هاشم الأتاسي: حياته وعصره. دمشق: إصدار خاص، 2005.

الأرمنازي، نجيب. سورية من الاحتلال حتى الجلاء. بيروت: دار الكتاب الجديد، 1973.

البرازي، حسني. المذكرات الصوتية - قسم التاريخ الشفهي، الجامعة الأمريكية في بيروت، 1969.

ديغول، شارل. مذكرات الجنرال ديغول. ج 1. بغداد: منشورات مكتبة المثنى، 1964.

 كيالي، نزار. دراسة في تاريخ سورية الحديث. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1997.

مردم بك، سلمى. أوراق جميل مردمبك. بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 1994.

الأجنبية

Churchill, Winston. The Second World War. vol, 3. (London: Cassel & Co, 1952).

Gaunson, AB. The Anglo-French Clash in Lebanon and Syria 1940-45. (New York: St. Martn's press, 1987).

Kersaudy, François. Churchill and De Gaulle. New York: Harper Collins Publishers, 1990.

Melki, James A. "Syria and State Department 1937-47." Middle Eastern Studies. Vol. 33, no.1 (1997).

Seale, patrick. The Struggle for Arab Independence: Riad el-Solh and the Makers of the Modern Middle East. Cambridge: University Press, 2010.

Spears, Edward. Fulfillment of a Mission: The Spears Mission to Syria and Lebanon 1941-1944. Connecticut: Archon Books, 1977.

de Wailly, Henri. Invasion Syria, 1941: Churchill and de Gaulle’s Forgotten War. London: IB Tauris, 2016.

[1] سلمى مردم بك، أوراق جميل مردمبك (بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 1994)، ص 100.

[2] The National Archive (TNA), MacKereth to Baxter, 371/1895, vol. 23276, (3 March 1939).

[3] مركز الوثائق التاريخية بدمشق، رسالة من فخري البارودي إلى ماكسيم ويغان (عمّان: 19 كانون الثاني 1940).

[4] TNA, 371.Secret political report from British Council (Damascus) to Foreign Office (London), no. 25. (7 October 1939).

[5]

[6]

[7] AB Gaunson, The Anglo-French Clash in Lebanon and Syria 1940-45 (New York: St. Martn's press, 1987), p. 48.

[8] Winston Churchill, The Second World War, vol. 3 (London: Cassel & Co, 1952), p. 288.

[9] James A. Melki, "Syria and State Department 1937-47," Middle Eastern Studies, vol. 33, no.1 (1997), pp. 92-106.

[10] Edward Spears, Fulfillment of a Mission: The Spears Mission to Syria and Lebanon 1941-1944 (Connecticut: Archon Books, 1977(, pp. 67-71.

[11] Henri de Wailly, Invasion Syria, 1941: Churchill and de Gaulle’s Forgotten War (London: IB Tauris 2016), p. 157.

[12] Ibid.

[13] Ibid., p. 219.

[14] Jon Sutherland & Diane Canwell, Vichy Air Force at War: The French Air Force that Fought the Allies at World War II, (Barnsley: Pen & Sword Aviation, 2011), p. 47.

[15] Churchill, p. 296.

[16] Ibid., p. 125.

[17] de Wailly, p. 305.

[18] شارل ديغول، مذكرات الجنرال ديغول، ج 1 (بغداد: منشورات مكتبة المثنى، 1964)، ص 264.

[19] Spears, p. 121.

[20] François Kersaudy, Churchill and De Gaulle (Harper Collins Publishers, 1990), pp. 192-210.

[21] Churchill, p. 294.

[22] Wailly, p. 156.

[23] Spears. p. 98.

[24] الجريدة الرسمية السورية، العدد 40 مكرر (14 تشرين الثاني 1940)، ص 11.

[25] ديغول، ص 263-273.

[26] محمد رضوان الأتاسي، هاشم الأتاسي: حياته وعصره (دمشق: إصدار خاص، 2005)، ص 263-264.

[27] نجيب الأرمنازي، سورية من الاحتلال حتى الجلاء (بيروت: دار الكتاب الجديد، 1973)، ص 150-153.

[28] سلمى مردم بك، ص 168-169.

[29] Seale, pp. 443-444.

[30] نزار كيالي، دراسة في تاريخ سورية الحديث (دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1997)، ص 121-122.

[31] Melki. op. cit.

[32] المذكرات الصوتية لحسني البرازي، رئيس وزراء سورية الأسبق، المحفوظة في قسم التاريخ الشفهي في الجامعة الأمريكية في بيروت (1969).


المحتويات

الهوامش