الوصايا العشر هي أوامر توراتية نزلت على موسى وحيًا أو تجليًا على جبل سيناء، كتبت على "لوحي العهد" بـ"إصبع الرَّب"، كما جاء في التوراة (الخروج، 31: 18؛ التثنية، 9: 10) وأصبحت عقيدة راسخة في اليهودية، وهي موجّهة إلى بني إسرائيل تحديدًا. تحوّلت هذه الوصايا إلى محل جدل واسع مع نشوء المسيحية بسبب حصرها بـ"اليهود" فقط، إذ هيمن منذ ذلك الحين في الأدبيات غير اليهودية التعبيران "يهود" و"يهودية" بدلًا من "شعب إسرائيل" أو "بني إسرائيل" و"الديانة الإسرائيلية". وتوسّع هذا الجدل بصورة أكبر مع ظهور الإسلام لرفضه العقيدة الهينوثية {{العقيدة الهينوثية: (Henotheism) عقيدة دينية سادت في العصور القديمة، وخصوصًا قبل نشوء المسيحية، وكانت اليهودية المبكّرة جزءًا أصيلًا منها. تعني العقيدة الهينوثية الاعتراف بإله واحد مختلف يحكم بشكل حصري شؤون كل مجموعة (قبيلة؛ شعب؛ إقليم، وغيرها). وبهذا، فهي تختلف عن عقائد دينية أخرى لكونها تعترف بوجود آلهة أخرى، ولكن لا سلطة لها خارج حدود مجموعة معينة أو إقليم محدّد.}} والطابع الحصري للديانة اليهودية ببني إسرائيل/ اليهود. اتسع نطاق هذه الوصايا في العصر الحديث في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، ولا سيما في ظل تشكّل طرح فكرة "التراث اليهودي المسيحي" المشترك المتضمّن في مقولة الثقافة "اليهودية المسيحية" (Jedeo-Christian) المشتركة، لتأخذ شكلًا كونيًا ضمن الخطاب الكولونيالي "الغربي" في مواجهة الثقافات والديانات والحضارات الأخرى.
الوصايا المُنزَّلة على موسى في سيناء
صعد موسى جبل سيناء، ومكث هناك أربعين يومًا صائمًا، فاستلم "الرسالة" (أو الوحي) التي تُمثِّل تفصيلًا لمواد العهد بين آباء بني إسرائيل (إبراهيم وإسحاق ويعقوب) وإله - أو آلهة - التوراة، وكتبت على "لوحين" تضمنا الوصايا المكتوبة بـ"إصبع الرب" (الخروج، 31: 18؛ التثنية، 9: 10). عند عودته إلى بني قومه، وجدهم يعبدون العجل الذهبي، فغضب وكسر اللوحين الأوّلين (الخروج، 32: 19؛ التثنية، 9: 17). صعد موسى الجبل مرة أخرى، ومكث أربعين يومًا إضافية يتوسّل فيها المغفرة لبني قومه. بعد أن قُبلت المغفرة، أمره الرب بإعداد لوحين حجريّين جديدين يُكتب عليهما العهد السابق ذاته (الخروج، 32: 30 وما يليه؛ 34: 1 وما يليه؛ التثنية، 9: 18-20؛ 10: 1-2، 10). أمر الرب بوضع هذين اللوحين داخل "تابوت العهد" (أو "تابوت الشهادة")، الذي وُضع أوّلًا - وفق الرواية التوراتية - في "خيمة الاجتماع" في تيه سيناء (حوريب)، ثم في خيمة الاجتماع في "شيلوه"، ثم في هيكل أورشليم (الخروج، 25: 16، 21؛ 40: 20؛ التثنية، 10: 2-5؛ الملوك الأول، 8: 9). صُمّم التابوت، بحسب الرواية التوراتية، بوصفه مكانًا لحلول الحضور الإلهي وسكن الإله وموطئًا لـ"قدمي الرب" (أخبار الأيام الأول، 28: 2).
قائمة الوصايا العشر
فيما يأتي نصّ الوصايا العشر بترجمة ڤاندايك الحديثة (الخروج، 20: 3-14) التي تنقل اسم إله التوراة "يهوه" بلفظة "الرب":
- لا يكن لك آلهةٌ أخرى أمامي؛
- لا تصنع لك تمثالًا منحوتًا، ولا صورةً ما ممَّا في السَّماء من فوق، وما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض؛ لا تسجد لهنَّ ولا تعبدهنَّ، لأني أنا الربَّ إلهك إلهٌ غيور، أفتقدُ ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثَّالث والرَّابع من مُبغضيَّ، وأصنعُ إحسانًا إلى أُلُوف من محبّيَّ وحافظي وصاياي؛
- لا تنطق باسم الرب إلهك باطلًا، لأنَّ الرَّبُّ لا يُبرئُ من نطق باسْمه باطلًا؛
- اُذكر يومَ السبت لتقدّسه، ستة أيام تعملُ وتصنعُ جميعَ عملك، وأما اليومُ السابعُ ففيه سبْتٌ للرَّبّ إلهك، لا تصنع عملًا ما أنتَ وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك، لأن في ستة أيام صنع الرَّبُّ السَّماء والأرض والبحر وكل ما فيها، واستراح في اليوم السابع، لذلك بارك الرَّبُّ يوم السَّبت وقدَّسه؛
- أكرم أباك وأمك لكي تطولَ أيامُك على الأرض التي يُعطيكَ الرَّبُّ إلهُك؛
- لا تَقتُل؛
- لا تَزْنِ؛
- لا تَسْرِق؛
- لا تشهد على قريبك شهادة زور؛
- لا تشته بيت قريبك، لا تشته امرأة قريبك، ولا عبدَه، ولا أَمَتَه، ولا ثوره، ولا حماره، ولا شيئًا ممّا لقريبك.
تعدد الصياغات والتقاليد النصيّة
ترد الوصايا العشر في موضعين مركزيّين في التوراة: سفر الخروج (الإصحاح 20) وسفر التثنية (الإصحاح 5)، مع وجود اختلافات ملحوظة في الصياغة، فضلًا عن اختلافات أوضح في نص التوراة المعتمدة في طائفة السامريّين. وقد قدّمت التفاسير التقليدية عدة تفسيرات لهذه الاختلافات، منها القول إنَّ كلتا الصياغتين مقدّستان وصدرتا في آن واحد عن الرَّب؛ أو إنَّ صيغة سفر الخروج تمثّل اللوحين الأولين، في حين تعكس صيغة سفر التثنية الصيغة الثانية بعد كسرهما في إثر واقعة عبادة العجل؛ وهناك من ذهب إلى أن سفر التثنية يتأسّس على التوراة الشفوية، ومن ثم تُعد صياغته تفسيرًا لصياغة سفر الخروج وتوضيحًا لها. أما في الدراسات الحديثة، فقد تطورت نظرية مفادها أن الوصايا كانت في الأصل موجزة، ثم أُضيفت إليها لاحقًا عبارات وشروح لأغراض تفسيرية أو تأطيرية[1].
المكانة العقدية للوصايا العشر في التراث المكتوب بالعربية اليهودية
تُعرف الوصايا العشر في التراث اليهودي الذي تشكّل وتطوّر في الحواضر الإسلامية، وهو تراث مكتوب بالغالب بالعربية بأحرف عبرية (الشهيرة بتعبير "العربية اليهودية")، باسم "العشر كلمات"، وقد غدت منذ القرن التاسع الميلادي جوهر العقيدة اليهودية، خصوصًا في ظل تشكُّل الأدبيات الدينية اليهودية باللغة العربية بدءًا من القرنين التاسع والعاشر الميلاديّين، وذلك في مسعى لتأكيد الأبعاد العقدية والأخلاقية والمنهجية في اليهودية وبصورة خاصة في ظل هيمنة الفكر المعتزلي. فعلى سبيل المثال، أكّد الفقيه سعيد بن يوسف الفيومي (ولد في دلاص - الفيوم، ونشط في بغداد، ت. 942م)، ذو النزعات الاعتزالية الواضحة، أنَّ مجمل الفرائض الـ613 المندرجة ضمن الشريعة اليهودية إنما هي توسيعٌ لهذه الوصايا العشر وتفصيلٌ لها، ورأى فيها كذلك، وفق ما جاء في تفسيره لـكتاب الخلق (سِيفِر يِتْسِيرَه)[2]، انعكاسًا لمقولات أرسطو العشر {{مقولات أرسطو العشر: أو "قاطيغورياس"، هي الأبعاد الأساسية لأعم المعاني وأشملها التي يجب البحث عنها بخصوص أي موضوع موجود، وتشمل: الجوهر (مثل "رجل") والأعراض التي يحملها، وهي تسعة أعراض: الكمية (مثل "أربعة أمتار")، والكيفية (مثل "حلو المذاق")، والإضافة (مثل "نصف")، والمكان (مثل "المدرسة")، والزمان (مثل "أمس")، والوضعية (مثل "منتصب")، والمُلْك (مثل "معتمر القبعة")، والفعل (مثل "يمرح")، والانفعال (مثل "ابتهاج")، وتشكّل جميعها أسس المنطق والفكر الأرسطي، وتُعد من أهم أعماله المنطقية.}} التي تُشكّل أساس البحث الفلسفي في الوجود. وقد أضحت هذه الوصايا جزءًا لا يتجّزأ من كتاب الصلوات اليهودية[3]، منذ القرون الأولى للميلاد، وكتبت حولها الأناشيد الدينية ووضعت المؤلّفات الخاصة بها.
نصب تذكاري لموسى بن ميمون في قرطبة بأسبانيا
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
كذلك، وصف الفقيه موسى بن ميمون (ولد في قرطبة، ت. 1204م) هذه الوصايا بكونها "أصل التشريع وابتداءه"[4]؛ وقد وصفها يهودا اللّاوي الأندلسي (ت. 1142م تقريبًا) صاحب الكتاب الخزري بأنها "أمّهات الشرائع وأصولها"[5]. لم تقتصر هذه المكانة على الفكر اليهودي، بل انتقلت إلى المسيحية، حيث تُذكر معظم الوصايا في الأناجيل (متى، 19: 18-19؛ مرقس، 10: 19)، كذلك تُلمَس أصداء العديد منها في القرآن، ولا سيما في سورتي الإسراء والأنعام.[6]
إشكالية عدد الوصايا وتقسيمها والجمهور المخاطب
يرد في عدة أماكن في التوراة أن عدد هذه الوصايا هو عشرة (الخروج، 34: 28؛ التثنية، 4: 13؛ 10: 4)، ولكن يمكن التمييز بصورة واضحة بتسع وصايا فقط، لأن الأولى والثانية تتصلان بتحريم عبادة الأصنام والأوثان وتعتبران وصية واحدة. وتوصّل بعض الفقهاء والمفسّرين السلف إلى أنَّ مقدّمة الوصايا القائلة "أنا يهوه [الرّب] إلهك الذي أخرجك من بلد مصر من بيت العبودية"[7] إنما تعتبر الوصية الأولى وتفيد فريضة التوحيد.
أما من حيث البنية، فتتناول الوصايا الأربع الأولى العلاقة بين اليهودي وخالقه، في حين تتصل الست الأخرى بالعلاقة بين بني البشر (اليهود) أنفسهم. تعتمد الوصيتان الأوليان ضمير المتكلم، أما بقية الوصايا فتعتمد ضمير الغائب، الأمر الذي أدّى بالفقهاء السلف إلى القول إن الرب يخاطب في أول وصيتين جمهور بني إسرائيل مباشرة، في حين تولّى موسى صياغة بقية الوصايا عن الرب وتوجّه بها إلى الجمهور. وكذلك، ترتبط الوصيتان الأولى والأخيرة بالإيمان القلبي، أما بقية الوصايا فترتبط بالمعاملات والسلوكيات. ومن اللافت أن الرّب يقدّم نفسه لموسى، أو لجمهور بني إسرائيل، في سفر الخروج بصيغة: "أنا يهوه إلهك الذي أخرجك من بلد مصر من بيت العبودية" (الخروج، 20: 2)، وليس أنا رب العالمين، أو أنا خالق الكون من سماء وأرض والمخلوقات كافة. وهناك من رأى، مثل يهودا الّلاوي في الكتاب الخزري، هذا التقديم إشارة إلى اصطفاء بني إسرائيل بصفتهم "شعب الله المختار"، أي الشعب الذي اصطفاه الإله ليسكن في وسطه وينضم إليه، ما يُبرز البُعد الخصوصي في تشكيل الهوية الدينية اليهودية، في حين رأى آخرون أنها إشارة إلى الالتزام الخاص لبني إسرائيل بعبادة إله التوراة لأنه حرّرهم من عبودية مصر.
الوصايا العشر وسياقاتها التوراتية واللاهوتية
على الرغم من النبرة الكونية للعديد من هذه الوصايا، وما تنطوي عليه من مضامين أخلاقية نبيلة، فإنَّ السياق التوراتي يشير إلى أنّها موجّهة إلى بني إسرائيل حصرًا، ويتضح ذلك جليًا في مقدّمة الوصايا كما وردت في سفر الخروج: "أنا يهوه إلهك الذي أَخرجَكَ من بلد مصر من بيت العبودية" (الخروج، 20: 2)، وهو ما يؤطر الخطاب في نطاق العلاقة الخاصة بين إله التوراة وبني إسرائيل. وتؤكّد الفريضة الخامسة هذا التوجّه، إذ تُقرأ: "أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامُك على الأرض التي يُعطيكَ الرب إلهُك"، بمعنى أنّ إكرام الأب والأم يعتبر شرطًا لإطالة عمر بني إسرائيل في أرض كنعان بصفتها الأرض الموعودة. وفي المقابل، يرى الفقهاء التقليديون أنّ بقية الأمم خاضعة لمنظومة مختلفة من الوصايا، تُعرف في الأدبيات الدينية بعبارة "وصايا بني نوح السبع"، وهي منظومة موجّهة إلى غير اليهود.
تظهر تساؤلات عديدة بسبب كون هذه الوصايا مفروضة على بني إسرائيل حصرًا: هل يسري مفعول هذه الوصايا على العلاقة داخل الجماعة الإسرائيلية فقط، أم يسري كذلك على العلاقة مع غيرهم من الشعوب؟ فهل "قتل" غير اليهودي أو "الشخص البريء" (أدام نكي) من غير اليهود محرمًّا؟ وكثيرًا ما يرد في التراث الفقهي أنَّ تحريم قتل النفس تعني الشخص "البريء" فقط، وهناك من يرى أن "غير اليهودي" ليس بريئًا لأنه ينتمي إما إلى عبدة الأوثان والأصنام وإما إلى "أمم العالَم" (أي جميع الأمم باستثناء بني إسرائيل). كما تستخدم آداب يهودية تعبير "أدام" (إنسان) بمعنى اليهودي حصرًا عملًا بمبدأ تفسيري يُنسب إلى الفقيه الشهير شمعون بار يوحاي (ولد في فلسطين، ت. 160م تقريبًا) ورد في إحدى مناقشات الحاخامات السلف: "عليكم [اليهود] يُطلق اسم إنسان [أدام] ولا يُطلق على الأجانب [غير اليهود] اسم إنسان [أدام]"[8]. تجدر الإشارة إلى أنَّ لفظة "أدام" العبرية ("آدم" برسمها العربي) تُستَخدم اسمَ علمٍ لآدم، وللدلالة على نوع الإنسان بالجملة، وعلى كل إنسان فرد كذلك، لهذا يمكن بسهولة تأويل هذه المقولة على أوجه عدة[9]. وفي مطلع القرن الحادي والعشرين، يوجد بين الإسرائيليّين، وربما بين يهود العالم أيضًا، من يفسّر هذا المبدأ بصورة تعني أنَّ تحريم "لا تقتل" تعني "لا تقتل اليهودي فقط"، وهو التفسير السائد في أطراف واسعة من تيار الصهيونية الدينية ومجموعات الأرثوذكس القوميّين الذين يُطلَق عليهم اختصارًا تعبير "حردليم"، أي أرثوذكس (حريديم) قوميّين. وخير مثال على ذلك هو كتاب الفقه اليهودي الذي أصدره حاخامان ينتميان إلى تيار الأرثوذكس القوميّين، ويحمل العنوان شريعة المَلِك، وهما يتسحاق شابيرا ويوسيف إليتسور[10]. جاء في هذا الكتاب الكثير من التوضيحات بخصوص حصرية "الوصايا العشر" لليهود فقط، فنقرأ مثلًا أن وصية "لا تقتل" تختص باليهود فيما بينهم فقط، ولهذا فإنها لا تسري على علاقة اليهودي بغير اليهودي، فيحق لليهود قتل غير اليهود لمجرد الاشتباه به بشهادة شاهد واحد أنه سرق أي شيء من يهودي، أي أنه انتهك إحدى وصايا نوح السبع، ولا يحق تقديم القاتل للمحاكمة[11]. كما "يُسمح كذلك بقتل الأبرياء، مثل الأطفال الرُّضّع، عندما تكون هناك حاجة لفعل هذا لإنقاذ حياة شخص يهودي"[12]. إضافة إلى ذلك، يضم الكتاب العديد من التأويلات الفقهية التي تنطلق من قاعدة مفادها "أن الشريعة تخبرنا أن الأغيار (غير اليهود) مشتبه فيهم بشكل عام بسفك دماء إسرائيل، ويزداد هذا الشك أكثر في حالة الحرب"، ولهذا "قرّر حكماؤنا طيّب الله ثراهم بشكل نهائي أنه في وقت الحرب يجب قتل ’أفضل مَن في الأغيار‘ [...] كذلك الأطفال [...] بسبب الخطر المستقبلي الذي سيحدث إذا كبروا وصاروا أشرارًا مثل آبائهم"[13].
إضافة إلى ذلك، تظهر تساؤلات عسيرة ناجمة عن تفسير المفردات ومعانيها وسياقاتها وحيثياتها، وإلى أي مدى يمكن تفسير مضامين هذه الوصايا بصورة مطلقة أو نسبية تبعًا للسياق؟ على سبيل المثال، بشأن تحريم القتل، هل القتل الناجم عن الدفاع عن النفس يعتبر "قتلًا" فيعتبر محرّمًا؟ وهل القتل عن غير العمد يندرج ضمن هذا التحريم، أم ربما المقصود به القتل العمد فقط؟ وماذا عن المسؤولية غير المباشرة التي قد تؤدي إلى مقتل إنسان، كما في حالة الشهادة الزور أو التسبّب في أذى غير مباشر؟ تباينت مواقف الفقهاء والمفسّرين في تفسير دلالات هذه الوصايا، وبرز هذا التباين خاصة في الوصايا المرتبطة بالضبط الاجتماعي، مثل تحريم الزنا والسرقة. وتجدر الإشارة، إلى أن هناك من الفقهاء السلف من فسّر وصية تحريم السرقة باعتبارها إشارة إلى خطف البشر وبيعهم، لا إلى سرقة الأموال، التي وُضِعت بشأنها وصية في مكان آخر: "لا تسرقوا، ولا تكذبوا، ولا تغدروا أحدكم بصاحبه" (اللاويّين، 19: 11)؛ وماذا بخصوص سرقة اليهودي لغير اليهودي؟ هل يندرج هذا ضمن هذا التحريم أم لا؟ وكذلك الأمر بخصوص بقية الوصايا.
تحوّلات على مكانة الوصايا العشر في العصر الحديث
ابتداءً من مطلع العصر الحديث، ولا سيّما عقب الإصلاح البروتستانتي في أوروبا، بدأت الوصايا العشر تكتسب مكانة دستورية وأخلاقية كونية، ضمن تصوّر اصطُلح على تسميته بـ"الموروث اليهودي-المسيحي" (Judeo-Christian Tradition) أو "الثقافة اليهودية-المسيحية". ففي ظل هذا التصوّر المستجد، اعتُبرت الوصايا العشر تعبيرًا عن المبادئ الأخلاقية الكونية، الدينية وغير الدينية، التي تتجاوز حدود الإيمان والعقيدة والانتماء الإثني. وقد صيغت غالبًا في الخطاب الثقافي الأوروبي الحديث بوصفها المرجع الأخلاقي الأعلى الذي لا يختلف على أهميته أحد، وإن تباينت تأويلاته بحسب السياقات الدينية والثقافية المختلفة. بل إنَّ التصوّر الشائع أنَّ اليهودية قدّمت للبشرية "دستورًا أخلاقيًا نبيلًا"، غالبًا ما يُقصد به هذه الوصايا تحديدًا، لما تحمله من مضامين تشكّل ركيزة للضمير الإنساني الجمعي عبر العصور. ويستخدم هذا التصوّر في خطاب سياسي يفسّر ويفيد التحالف الإسرائيلي الأميركي الأوروبي ضد كل ما سواهما في آسيا وأفريقيا، ولا سيما الإسلام والعرب.
المصادر والمراجع
العربية
بشير، نبيه. "مراجعة كتاب: وعليهم أيضًا يُطلق اسم إنسان: الأجنبي (غير اليهودي) بعيني موسى بن ميمون". تبيُّن. مج 8، العدد 29 (صيف 2019). ص 197-205.
سِدُّور فارحي: كتاب الصلوات حسب طقس السفاراديم - الصلوات اليومية وبعض صلوات خصوصية وقواعد التقويم العبراني. تعريب هلال يعقوب فارحي. القاهرة: مطبعة الأدون روبرتو موسكوفتش، 1917.
شابيرا، يتسحاق ويوسيف إليتسور. شريعة الملك، ج 1: شريعة قتل الأغيار. ترجمة خالد سعيد ومحمود مندور. القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2011.
الّلاوي، أبو الحسن يهودا بن صموئيل. الكتاب الخزري: كتاب الردّ والدليل في الدين الذليل. نقله إلى الحرف العربي وعارضه وهذّبه وعلّق عليه وحرّره نبيه بشير. بيروت: منشورات الجمل، 2012.
الأجنبية
Greenberg, Moshe, Aaron Rothkoff & David Kadosh. "Decalogue (The Ten Commandments)." in: Encyclopedia Judaica. Second edition. vol. 5: COH-DOZ. Jerusalem: Keter Publishing House, 2007.
Günther, Sebastian. "'O People of the Scripture! Come to a Word Common to You and Us' (Q. 3:64): The Ten Commandments and the Qur'an." Journal of Quranic Studies. vol. 9, no. 1 (2007). pp. 28-58.
بن ميمون، موسى. شرح المشناه (السراج). تحقيق يوسف كافح. القدس: مؤسّسة الراب كوك، 1963-1969.
شابيرا، يتسحاق ويوسيف إليتسور. شريعة الملك(جزآن). [مستوطنة يتسهار]: المعهد التوراتي في المدرسة الدينية "عود يوسيف حي"، 2010.
الفيومي، سعيد. تفسير كتاب الخلق (سيفر يتسيراه). تحقيق يوسف كافح. ط 2. كريات أونو: مَخون مِشْنات هَرَمْبام، 1999.
[1] للتوسّع، يُنظر:
Moshe Greenberg, Aaron Rothkoff & David Kadosh, "Decalogue (The Ten Commandments)," in: Encyclopedia Judaica, Second edition, vol. 5: COH-DOZ (Jerusalem: Keter Publishing House, 2007), pp. 520b-526b.
[2] سعيد الفيومي، تفسير كتاب الخلق (سيفر يتسيراه)، تحقيق يوسف كافح، ط 2 (كريات أونو: مَخون مِشْنات هَرَمْبام، 1999) (بالعربية اليهودية وترجمة عبرية، وقد نشر الفيومي تفسيره هذا تحت عنوان كتاب المبادئ).
[3]سِدُّور فارحي: كتاب الصلوات حسب طقس السفاراديم - الصلوات اليومية وبعض صلوات خصوصية وقواعد التقويم العبراني، تعريب هلال يعقوب فارحي (القاهرة: مطبعة الأدون روبرتو موسكوفتش، 1917).
[4] موسى بن ميمون، شرح المشناه (السراج)، تحقيق يوسف كافح، التقدمة اليومية/ هَتَميد، المبحث 5، الشريعة أ (القدس: مؤسّسة الراب كوك، 1967)، مج المقدسات/ كيدوشيم، ص 420 (بالعربية اليهودية وترجمة عبرية).
[5] يُنظر المقالة 1، المادة 87، في: أبو الحسن يهودا بن صموئيل اللاوي، الكتاب الخزري: كتاب الردّ والدليل في الدين الذليل، نقله إلى الحرف العربي وحرّره نبيه بشير (بيروت: منشورات الجمل، 2012)، ص 200.
[6] يُنظر:
Sebastian Günther, “'O People of the Scripture! Come to a Word Common to You and Us' (Q. 3:64): The Ten Commandments and the Qur'an,” Journal of Quranic Studies, vol. 9, no. 1 (2007), pp. 28-58.
[7] الترجمة حرفية.
[8]التلمود البابلي، الباب الأوسط/بابا متسيعا، 114ب؛ الأرامل/يبموت، 61أ. العبارات بين معقوفتين هي عبارات توضيحية أو نقحرة عربية للألفاظ العبرية.
[9] يُنظر: نبيه بشير، "مراجعة كتاب: وعليهم أيضًا يُطلق اسم إنسان: الأجنبي (غير اليهودي) بعيني موسى بن ميمون"، تبيُّن، مج 8، العدد 29 (صيف 2019)، ص 197-205.
[10] يتسحاق شابيرا ويوسيف إليتسور، شريعة الملك، ج 1: شريعة قتل الأغيار، ترجمة خالد سعيد ومحمود مندور (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2011)، ص 301؛ ويُنظر: يتسحاق شابيرا ويوسيف إليتسور، شريعة الملك(جزآن) ([مستوطنة يتسهار]: المعهد التوراتي في المدرسة الدينية "عود يوسيف حي"، 2010).
[11] يُنظر: المرجع نفسه، ص 29، 74، 245، 299.
[12] المرجع نفسه، ص 301.
[13] المرجع نفسه.