تميم بن بحر المُطَّوِّعي، رحّالة عربي من أبناء القرنين الثاني والثالث الهجريَّيْن/ الثامن والتاسع الميلاديَّيْن ترجيحًا. يعدّه الدارسون الرحالةَ العربي الأول الذي زار بلاد التغزغز، فقد شكلت إفادته عن نشأة هذه البلاد وعن خاقانها، المصدر الوحيد من خارج المصادر الصينية. أما حديثه عن شعب
الكيماك {{الكيماك: (Kimak) قبيلة تركية قديمة تعود أصولها إلى آسيا الوسطى، ظهرت في القرون الوسطى في مناطق سيبيريا وجنوب سيبيريا. اشتهروا بحياتهم الرعوية والتنقلية، وتركوا تأثيرًا في تاريخ شعوب تركستان عبر سيطرتهم على مناطق واسعة لفترات محدودة.}}، فهو المصدر الوحيد عنهم في تلك المرحلة المبكرة.
حياته ورحلته
نسب ابن الفَقِيه الهَمَذَانيّ (255-340هـ/ 869-951م) ما ذكره في كتاب
البلدان عن التغزغز (تركستان الشرقية)، والكيماك، والطريق إلى الصين، إلى رجل يُدعى تميم بن بَحْر المُطَّوِّعِي، وذكر أنه التقاه وسمع منه، من دون أن يُحدِّد متى حدث ذلك. وبناء على لقبه (المُطَّوِّعي)، يمكن الاستنتاج أن تميم بن بحر، ينتمي إلى جماعات المسلمين المتطوّعة، مِمّن كانوا يتطوّعون للمرابطة والجهاد في الثغور[1].
يرى المستشرق الروسي إغناطيوس يوليانوڤتش كراتشكوڤسكي (Ignaty Yulianovich Krachkovsky، 1883-1951) أن المُطَّوِّعي هو أول عربي يمدّنا بمعلومات عن شعب التغزغز، تستند إلى معرفة مباشرة بهم في ديارهم، فيُقدّم الأخبار الطريفة عنهم وعن غيرهم من القبائل التركية الأخرى، وكذلك يصف عاصمتهم قرب طرفان (Turpan)[2]. أمّا المستشرق الروسي ڤاسيلي بارتولد (1869-1930)، فيُرجّح أن رحلته كانت في الفترة بين عامَي 760 و800م، بناءً على معطيات تتعلق بنشأة مملكة التغزغز في المصادر الصينية، التي تتفق مع ما ذكره المُطَّوِّعي، مفسرًا الاسم بأنه من مقطعَيْن: دوكوز أويغور، أي القبائل التسع[3].
وتذهب الآثارية الروسية سڤيتلانا أليكساندروڤنا بليتنيڤا (1926-2008) إلى أن النص الأول عن شعب الكيماك، الذي يُشكّل أحد شعوب القفجاق (Kipchak)، هو نص ابن خُرَّدَاذْبَه، المنقول عن مصدر أقدم[4]، وهو ما ذكر ڤاسيلي بارتولد أنه نقله عن تميم المُطَّوِّعي[5].
زيارة خاقان التغزغز
يذكر المُطَّوِّعي أنه قصد زيارة خاقان التغزغز على بريد أرسله خاقان
الخزر {{الخَزَر: شعب تركي قديم ظهر بين بحر قزوين والبحر الأسود في القرون الوسطى، وقد أسسوا دولةً عُرفت باسم الدولة الخزرية في القرن السابع الميلادي، كان لها دور محوري في التجارة والسياسة بين الإمبراطوريات الإسلامية والبيزنطية، إذ سيطروا على طرق التجارة بين أوروبا وآسيا.}}، فيما يبدو أنه مهمة دبلوماسية لا يتضح الطرف المقصود منها، وقال إنه سار عشرين يومًا في الصحراء من دون أن يرى قرية ولا مدينة، حتى بلغ محطة بريد ليس فيها سوى الخيام. ثم سار بعد ذلك عشرين يومًا في قرى متصلة، وعمارات كثيرة، أهلها كلّهم أو أكثرهم أتراك، ومنهم عبدة النيران على مذهب
المجوس {{المجوس: يُعرفون أيضًا باسم الزرادشتيين. ويقوم مذهبهم على عبادة النار بوصفها رمزًا للنور والخير، ويؤمنون بصراع دائم بين قوى الخير والشر، مع التركيز على الأخلاق والطهارة والتقوى.}}، ومنهم الزنادقة. وبعد هذه الأيام، وصل إلى مدينة الملك، ووصفها بأنها مدينة عظيمة خصيبة، حولها رساتيق عامرة، وقرى متصلة، ولها اثنا عشر بابًا من حديد، مُفْرِطَة العِظَمِ، وأنها كثيرة الأهل والزحام والأسواق والتجارات، والغالب على أهلها مذهب الزنادقة. وعلى يمين مدينة ملك التغزغز، بلاد الترك الذين لا يخالطهم غيرهم، وعن يسارها بلاد الكيماك، وأمامها بلاد الصين. وقد قدَّر المسافة منها إلى بلاد الصين بثلاثمئة فرسخ (نحو 900 ميل) أو أكثر، وذكر أنه رأى قبل وصوله إلى المدينة بخمسة فراسخ (15 ميلًا) خيمةً للملك من ذهب، وقال إن خاقان التغزغز كان مصاهرًا لملك الصين، وإن ملك الصين يحمل إليه في كل سنة خمسمئة ألف
فرند {{الفرند: نَصْلٌ نادر من السيوف.}}[6].
وجد المُطَّوِّعي خاقان التغزغز مُعسكِرًا قرب مدينته، وقدَّر عددَ جيشه المرابط حول سرادقه باثني عشر ألف رجل، وقال: "وبعد هؤلاء سبعة عشر قائدًا، مع كل قائد ثلاثة آلاف. وبين القائد والقائد
مصالح {{الصحيح أن يُقال "مَسَالِح"، جمع "مَسلَحَة"، أي الجماعات ذات السلاح ومخافر الجيوش.}} من خيام. والقُوَّاد ومن معهم من المصالح [المسالح] بأجمعهم محيطون بالعسكر، ولهم في إحاطتهم فرجة يكون مقدارها أربعة أبواب إلى ناحية العسكر"[7].
بلاد النوشجان والكيماك
يحدثنا المُطَّوِّعي عن بلاد نوشجان، وهي من بلاد ما وراء النهر، ويقول إنها تتكوّن من قسمين، نوشجان الأسفل، الذي يقع على مسافة ثلاثة فراسخ (9 أميال) عن نوشجان الأعلى. ويضيف: "بين النوشجان الأعلى وبين الشاش على مدينة طراز [إلى الجنوب الشرقي من كزخستان]، أربعون مرحلة للقوافل، فمن سارها على دابة وكان منفردًا قطعها في شهر. ونوشجان الأعلى بها أربع مدن كبار وأربع صغار"[8]. ويشير إلى أنه أحصى المقاتلين في مدينة واحدة على شطّ بحيرة هناك، فميّزهم بنحو عشرين ألف فارس بالسلاح التام. ويقول إنه ليس في أجناس الترك جميعًا أشدّ منهم، وإذا اجتمعوا مع الخرلخية (وهم جنس من الترك يُعتقَد أنهم القرغيزُ الحاليون) لحربٍ، كان منهم مئة رجل، ومن الخرلخية ألف رجل، وعلى هذا يخرجون في حروبهم كلها[9].
وصف المُطّوِّعي البحيرة بأنها حوض مربع حوله جبال شامحة، فكأنها بحيرة إيسيك كول
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ويصف المُطَّوِّعي البحيرة بأنها شبيهة بالحوض المربع، وأن حولها جبالًا شامخة فيها من أصناف الشجر جميعها، وهو وصف ينطبق على بحيرة إيسيك كول (Issyk-Kul) في قرغيزستان. ويقول إنه رأى قرب شاطئ البحيرة آثار مدينة قديمة، لم يجد في الأتراك من يعرف خبرها ولا من بناها، ولا من كان أهلها، ولا متى خربت. ويخبرنا بأنه رأى في هذه البحيرة أنواعًا من الحيوانات البحرية والطيور، لم يرَ مثلها من قبل. ويبدو أنهم كانوا يحتفلون بعيد النيروز {{عيد النيروز: عيد رأس السنة الفارسية، يصادف بداية فصل الربيع. يعود أصل العيد إلى التقاليد الزرادشتية والفارسية القديمة، ويرمز إلى تجدد الطبيعة وبداية حياة جديدة. يتميّز العيد بالاحتفالات العائلية، وتبادل الهدايا، وإعداد أطعمة تقليدية، وزراعة النباتات الصغيرة بوصفها رمزًا للخصوبة والازدهار.}}، إذ تحدّث عن اجتماع أهل النوشجان، "من المدن والقرى مرة في السنة في أيام الربيع، ويجعلون ذلك عيدًا"[10].
يُحدِّد المُطَّوِّعي الطريق إلى بلاد الكيماك (وهم من الترك الشماليين) من مدينة طراز إلى قريتين عامرتين آهلتين، في موضع يقال له كواكب، بسبعة فراسخ. ومن هذا الموضع إلى ملك الكيماك، مسيرة ثمانين يومًا للفارس المُجدِّ يحمل معه زاده. ويذكر أن تلك البلاد جميعها صحارٍ وبراريّ، ومفاوز واسعة، كثيرة الكلأ والعيون، وهي مراعي الكيماكية. وذكر أنه سلك وحده هذه الطريق، ووجد ملك الكيماك مع عسكره في خيام، وبقربه قرى وعمارات، وأنه رآه ينتقل من موضع إلى موضع يتبع الكلأ. وقال إن دوابهم كثيرة دقيقة الحوافر، وتحرَّى عدد عسكرهم فوجدهم نحو عشرين ألف فارس[11].
أخيرًا، لا يُعرَف شيء عن تميم المُطَّوِّعي سوى ما ذكره ابن الفقيه الهمذانِيّ في كتاب
البلدان، الذي فرَغ من تأليفه عام 279هـ/ 892م. ولكن كراتشكڤسكي لحظ أن أصداء رحلته تتردّد عند ابن خُرَّدَاذْبَه (ت. 300هـ/ 913م)، وقُدَامَة بن جعفر (ت. 337هـ/ 948م)، وأبي دُلَف (ت. بعد 377هـ/ 987م)، والشَّريف الإدريسيّ (ت. 560هـ/ 1166م)، وحتى ياقوت الحَمَوِيّ (ت. 626هـ/ 1229م)[12].
المصادر والمراجع
العربية
ابن الفقيه الهمذاني، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن إسحاق.
البلدان. تحقيق يوسف الهادي. بيروت: عالم الكتب، 1996.
كراتشكوڤسكي، إغناطيوس يوليانوڤتش.
تاريخ الأدب الجغرافي العربي. ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم. القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1961.
الأجنبية
Houtsma, Martinus Theodoros et al. (eds.).
First Encyclopedia of Islam (1913-1936). vol. IV. Leiden: E. J. Brill, 1987.
Pletneva, Svetlana Alexandrovna.
KIPCHAKS. Moscow: Hayka, 1990.
[1] أبو عبد الله أحمد بن محمد بن إسحاق بن الفقيه الهمذاني،
البلدان، تحقيق يوسف الهادي (بيروت: عالم الكتب، 1996)، ص 27.
[2] إغناطيوس يوليانوڤتش كراتشكوڤسكي،
تاريخ الأدب الجغرافي العربي، ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم، القسم الأول (القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1961)، ص 138-139.
[3] Vasily Bartold (Wilhelm Barthold), “Tog̲h̲uzg̲h̲uz,” in: Martinus Theodoros Houtsma et al. (eds.),
First Encyclopedia of Islam (1913-1936), vol. 4 (Leiden: E. J. Brill 1987), pp. 872-873.
[4] Svetlana Alexandrovna Pletneva,
KIPCHAKS (Moscow: Hayka, 1990), p. 25.
[5] Bartold,
op. cit.
[6] ابن الفقيه الهمذاني، ص 637.
[7] ابن الفقيه الهمذاني، ص 538.
[8] المرجع نفسه، ص 537.
[9] المرجع نفسه، ص 538.
[10] المرجع نفسه.
[11] المرجع نفسه، ص 539.
[12] كراتشكوڤسكي، ص 139.