الموجز
تاجْمَاعْتْ، وتُنطق ثَاجْمَاعْتْ (ⵜⴰⴷⵊⴻⵎⴰⴰⵜ) في الأمازيغية القبائلية، هي تنظيم سياسي واجتماعي تقليدي انتشر أساسًا في قرى منطقة القبائل{{منطقة القبائل هي إقليم يغلب عليه الطابع الجبلي، يقع شمال شرق الجزائر ويشمل عدة ولايات: تيزي وزو، وبجاية، وشرق ولاية بومرداس، وشمال ولاية البويرة، وشمال ولاية برج بوعريريج، وشمال ولاية سطيف. سكان هذه المنطقة ناطقون باللغة الأمازيغية المتغير القبائلي.}} في الجزائر، كما وُجد في مناطق أخرى ناطقة باللغة الأمازيغية، كمنطقة الأوراس شمال شرق البلاد، ووادي مزاب جنوبًا. وتُعد تسمية "تاجماعت" اقتراضًا من مصطلح "الجماعة" في اللغة العربية، غير أن دلالتها في اللغة الأمازيغية لا تقتصر على الهيئة الاجتماعية فحسب، بل تشمل أيضًا الأشخاص المكوّنين لها والمكان الذي تُعقد فيه اجتماعاتها[1].
تتكون تاجماعت من مجلس أعيان عشائري يتولى تسيير شؤون القرية وسكانها بصفة سيادية، وتكون قراراته ملزمة. تشمل صلاحياتها تنظيم الشؤون اليومية عبر قوانين عرفية يتكفل المجلس نفسه بتطبيقها. كان مجلس تاجماعت ينعقد في مكان مخصص يُبنى ويُهيأ وسط القرية، وفي بعض القبائل ينعقد الاجتماع في مسجد القرية. وخلال انعقاد المجلس لمناقشة شؤون القرية، يحق لجميع رجال القرية الحاضرين إبداء آرائهم، غير أن القرارات النهائية تُبنى على آراء ذوي السمعة والشأن.
تركيبة تاجماعت
تقتصر تركيبة تاجماعت تقليديًا على الرجال، وتتشكل أساسًا من:
- 1. الّلامِين (الأمين): هو رئيس المجلس، يعينه سكان القرية بعد مشاورات طويلة، ويُختار على أساس تقدم السن، والنزاهة، والحكمة، والقدرة على قيادة الجماعة. اللاّمِين هو حجر الزاوية في التنظيم الاجتماعي لقرى منطقة القبائل، وكانت مهامه تطوعية غير مدفوعة الأجر.
- لُوكِيل (الوكيل): يعيّنه اللاّمين لتسيير خزينة القرية التي تتكون مواردها أساسًا من الغرامات المفروضة على مخالفي القوانين العرفية التي تضعها تاجماعت، ويتولى تسيير موارد المسجد وأوقافه الخاضعة لنظام خاص.
- 3. التمّان (الضامن): هم ممثلو الجماعات العائلية المكونة للقرية، ويتفاوت عددهم من قرية إلى أخرى حسب حجمها. يُعيّن مُمثّل عن كل جماعة عائلية للدفاع عن مصالحها خلال اجتماعات مجلس تاجماعت. ويُقابل مصطلح التمّان في اللغة العربية لفظ الضامن، وهو ما يعكس وظيفته بوصفه ضامنًا لمصالح جماعته العائلية.
التسمية المحلية | المقابل العربي | المستوى/المنصب | الوظيفة الأساسية | طبيعة السلطة |
|---|
الّلامِين | الأمين | القيادة العليا للمجلس | رئاسة المجلس العرفي، الإشراف على المداولات، تمثيل القرية، ضمان تنفيذ القرارات | سلطة تنظيمية عرفيةـ تطوعية |
لُوكِيل | الوكيل | الإدارة المالية | تسيير خزينة القرية، إدارة الغرامات، الإشراف على موارد المسجد والأوقاف | سلطة مالية/ إدارية |
التمّان | الضامن | التمثيل العائلي | تمثيل الجماعات العائلية، نقل مواقفها، الدفاع عن مصالحها داخل المجلس | سلطة تمثيلية |
صلاحيات تاجماعت وسلطاتها
تُعهد إلى تاجماعت سلطتا التشريع والتنفيذ على مستوى القرية التي تشرف عليها. فمن الناحية التشريعية، كانت تضع قوانين عرفية لتنظيم الشؤون اليومية لسكان القرية، مستلهمة من مصدرين رئيسين: العادات المتوارثة عن الأجداد، والتشريع الإسلامي. أما من الناحية التنفيذية، فهي تتولى الإشراف على تطبيق تلك القوانين، كما تجمع الأموال المتأتية من الغرامات المفروضة على المخالفين، ليُعاد إنفاقها في أشغال تهيئة القرية وتنظيفها، إضافة إلى الأعمال التكافلية[2].
تضطلع تاجماعت أيضًا بفضّ النزاعات المتعلقة بالأراضي وجرائم القتل، وبمعالجة قضايا أسرية ذات طابع حساس، مثل: الزواج، والطلاق، والخلافات حول الميراث، ما منحها صلاحيات قضائية ضمن البنية التقليدية للقرية[3]. وتضمّ كلّ تاجماعت إمامًا ضمن تشكيلة مجلسها نظرًا إلى درايته بأحكام الشريعة الإسلامية. غير أن تطبيق هذه الأحكام لم يكن دائمًا مُمكنًا نظرًا لسيادة النظام الأبوي في المنطقة؛ إذ لم تكن أحكام الشريعة الإسلامية تُراعى أحيانًا في المسائل التي قد تُضعف السلطة الأبوية، مثل: حق النساء في الميراث، حيث كانت تُحرم منه في كثير من الحالات.
عمليًّا، سمحت هذه الصلاحيات مجتمعة بتحقيق قدر من الاستقلال الذاتي والإداري لتاجماعت عن السلطة المركزية.
إلى جانب العقوبة المالية، كانت تاجماعت تلجأ أيضًا إلى عقوبتي ضرب مخالفي القوانين العرفية ومقاطعتهم. فإذا كانت العقوبة ضربًا، يناط تنفيذها عادةً بعضو من أعضاء تاجماعت. أما في حالة المقاطعة الناتجة عن عدم امتثال أحد الأفراد لقرارات المجلس رغم التحذيرات المتكررة، فإنّه يتوجب على سكان القرية مقاطعته إلى أن يلتزم بقرارات تاجماعت[4].
تاجماعت أثناء الاحتلال الفرنسي
جاك لويس راندون
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أدركت فرنسا، عند احتلالها لمنطقة القبائل عام 1857، أهمية نظام تاجماعت في التسيير الإداري للمنطقة، خاصةً أن هذا النظام الذي يضمن استمرار العمل بالقوانين العرفية كان محل تفاوض بين قرى المنطقة والجنرال جاك لويس راندون ((Jacques Louis Randon قائد الحملة الفرنسية على منطقة القبائل. في الوقت نفسه، كانت فرنسا متخوفة من أن يتحول هذا النظام إلى سلطة موازية تهدد سيطرة الإدارة الاستعمارية على المنطقة، فعملت على القضاء عليه تدريجيًا[5]. في المرحلة الأولى، أُنشئ نظام إداري باسم "التنظيم القبائلي" تحت سلطة الجنرال راندون، وأدى هذا الإصلاح الإداري إلى تقييد الاستقلالية السياسية والمالية لتاجماعت، إذ صار اللاّمين عميلًا للإدارة الاستعمارية، يساعده خوجة {{الخوجة: كلمة تركية الأصل، وتحيل لوظيفة الكاتب أو الإداري في ديوان الحكم خلال العهد العثماني.}} في جمع ضريبة الرأس، مع الاحتفاظ بمبدأ انتخابه السنوي[6].
بعد ثورة المقراني في عام 1871، التي ساهمت فيها عدة قرى في منطقة القبائل، فَقدَ نظام تاجماعت استقلاليته تمامًا. ومنذ عام 1876، عمدت السلطات الاستعمارية إلى تحويله إلى مجالس أعيان مُعيّنة، كانت تتألف غالبًا من اثني عشر عضوًا، يرأسها موظف م تعيّنه الإدارة الاستعمارية. أما اللاّمين فصار دوره يقتصر على جمع المعلومات لصالح هذه السلطات[7].
تدريجيًّا، صارت الصلاحيات الإدارية والقضائية لنظام تاجماعت شبه معدومة. وفي عام 1880، رُبطت منطقة القبائل الكبرى إداريًّا بالإقليم المدني، وأُنشئت بلديات مختلطة ودوائر قضائية أدت إلى اندثار النظام القضائي لتاجماعت وتعويضه بقضاة الصلح{{قضاة الصلح (Juges de paix): أول درجة في سلم القضاء بالنسبة للمستعمرين، إلى جانب مهمته القضائية، كان له دور إداري محلي مرتبط بالسلطات المدنية والعسكرية، يُحتكم فيه إلى قانون الأهالي أو إلى أحكام الشريعة الإسلامية في مسائل الأحوال الشخصية.}}[8]. تحولت تاجماعت في نسختها الاستعمارية إلى مجلس صوري وأداة بيد السلطات الاستعمارية، ما أثار الاستنكار في عموم منطقة القبائل[9].
تاجماعت بعد الاستقلال
بعد استقلال الجزائر، لم تحظ تاجماعت بأي اعتراف رسمي، ورغم آثار السياسات الاستعمارية في منطقة القبائل، والنزوح الريفي إلى المدن بعد الاستقلال، استمر هذا النظام موجودا بصفة غير رسمية في بعض القرى، مستندًا إلى الهياكل العشائرية التقليدية. اقتصر دورها على الأعمال ذات المنفعة العامة وبعض الطقوس التكافلية، وفُوّض بعض أعضائها لتمثيل القرى أمام السلطات المحلية في مشاريع التنمية، ما مكن المؤسسة من البقاء ومع تسارع التحولات السياسية والاجتماعية في منطقة القبائل -خاصة بعد الربيع الأمازيغي في 1980 الذي صاحبه بروز نخب شابة متعلمة، حاملة لثقافة سياسية حديثة مدفوعة بزخم النضال من أجل الحقوق الهوياتية (اللغوية والثقافية)- أُعيدت هيكلة نظام تاجماعت بصفة جذرية، حيث صارت تسمى لجنة القرية، وأعيد النظر في تركيبتها التقليدية التي صارت تضم شبابًا متعلمين، فاندثرت وظيفتا اللاّمين ولُوكِيل. ومع دخول الجزائر عهد التعددية السياسية بعد دستور 1989، والسماح بنشاط جمعيات المجتمع المدني، اعتُمدت لجان القرى قانونيًّا، وصارت هي المفوضة للسلطات العمومية[10].
رغم أن نظام تاجماعت بشكله التقليدي لم يعد عمليًّا قائمًا، لا تزال رمزيّته حاضرة بقوة في العديد من قرى منطقة القبائل؛ حيث ما زال يحظى باعتراف اجتماعي رغم عدم تمتعه بأي صفة قانونية، وما زالت الكثير من الأعراف المتوارثة عن نظام تاجماعت قائمة في المنطقة، وما زالت السلطات العمومية تحتفي برمزية نظام تاجماعت، وتقدمه نموذجًا للديمقراطية التشاركية على المستوى المحلي[11].
المراجع
العربية
زلماط، عمار وجبلي، الطاهر. "نظام تاجماعت بمنطقة منعة (الأوراس) من خلال الكتابات الكولونيالية: إيميل ماسكوراي وهانوتو لوتورنو أنموذجين". الفكر المتوسطي. مج 13، عدد 2 (كانونأول/ ديسمبر 2024).
الأجنبية
Algérie Presse Service, "Président de la République: Tajmaât, un exemple de démocratie participative et un modèle de gestion des affaires locales," 10/07/2024, accessed on 26/04/2026. at: https://acr.ps/hBy5Otw
Dahbia Abrous & Hélène Claudot-Hawad. "Djemâa-Tajmaεt, Ameney," in: Gabriel Camps (ed.). Encyclopédie berbère, vol. 16. Aix-en-Provence: Edisud, 1995.
Ould Fella, Abdenour. "Ethnographie de l’espace public d’un village de Kabylie: Aït Arbi. Paradigme communautaire et citoyenneté en construction." Insaniyat: Revue Algérienne d’Anthropologie et de Sciences Sociales. vol. 16, no. 54. 2011.
[1] Dahbia Abrous & Hélène Claudot-Hawad, "Djemâa-Tajmaεt, Ameney," in: Gabriel Camps (ed.) Encyclopédie berbère, vol. 16 (Aix-en-Provence: Edisud, 1995), pp. 2434-2441.
[2] Ibid.
[3] عمار زلماط والطاهر جبلي، "نظام تاجماعت بمنطقة منعة (الأوراس) من خلال الكتابات الكولونيالية: إيميل ماسكوراي وهانوتو لوتورنو أنموذجين"، الفكر المتوسطي، مج 13، العدد 2 (ديسمبر 2024)، ص 311-314.
[4] المرجع نفسه، ص 310.
[5] Dahbia Abrous & Hélène Claudot-Hawad, op. cit.
[6] Ibid.
[7] Ibid.
[8] قاضي السلم هو قاضي شرعي كانت تعينه السلطات الاستعمارية، وكان مختصًّا بالنظر في قضايا الأحوال الشخصية للمسلمين فقط.
[9] Dahbia Abrous & Hélène Claudot-Hawad, op. cit.
[10] Ibid.
[11] Algérie Presse Service, "Président de la République: Tajmaât, un exemple de démocratie participative et un modèle de gestion des affaires locales," 10/07/2024, accessed on 26/04/2026 at: https://acr.ps/hBy5Otw