اللجنة الوطنية للطلبة والعمّال في مصر، تشكّلت في شباط/ فبراير عام 1946، بوصفها نتاجًا للحركتَيْن الطلابية والعمّالية، اللتين كان لهما دور بارز في مسيرة النضال من أجل استقلال مصر، وجلاء الاحتلال البريطاني خلال النصف الأول من القرن العشرين، فقد عملت كلّ حركة على نحو منفرد، وكثيرًا ما توحّدتا ونُسِّق بينهما تنظيميًا في مراحل مهمّة من تاريخ الحركة الوطنية، من أبرزها ما كان خلال انتفاضة عام 1946، التي تصدّرت اللجنة قيادتها تنظيميًا وسياسيًا.
تشكّلها
عُقِدت معاهدة 1936 بين بريطانيا ومصر {{المعاهدة البريطانية المصرية 1936: معاهدة نصّت على انسحاب القوات البريطانية تدريجيًا من مصر، مع بالاحتفاظ بوجود عسكري في قناة السويس لضمان الأمن والملاحة، كما أكدت على التعاون العسكري والدفاعي بين البلدين. ومنحت مصر استقلالًا رسميًا في شؤونها الداخلية، رغم بقاء بعض القيود على سيادتها الكاملة، ولا سيّما فيما يتعلق بالوجود العسكري البريطاني.}} عقب انتفاضة وطنية مصرية في تشرين الثاني/ نوڤمبر عام 1935، واجهتها قوات الاحتلال بعنف شديد، ولا سيّما تجاه الطلبة الذين تظاهروا على كوبري عباس، ذلك أنّ سياسات بريطانيا الاستعمارية في مصر وإصرارها على عدم الجلاء عن البلاد، سبّبا حالة من السخط لدى مختلف فئات الشعب المصري، الأمر الذي تزايد مع الحرب العالمية الثانية (1939-1945) بتأثيره سلبًا في أوضاع البلاد. لذا، ومع نهاية الحرب، في أواخر عام 1945، بدأت التجمّعات الطلابية والعمّالية بتشكيل اللجان دفعًا نحو إجبار الاستعمار على الاعتراف باستقلال مصر، إذْ لم تُفلِح مساعي السياسيّين والأحزاب في الضغط على بريطانيا للجلاء عن مصر[1].
فشلت حكومة محمود فهمي النقراشي (1888-1948) في نهاية عام 1945 في مفاوضاتها بخصوص جلاء القوات الإنكليزية عن مصر، وفشلت في إقناع بريطانيا بإعادة النظر في معاهدة 1936، ومع تزايد حالة الاستياء الشعبي، خرجت مظاهرات ضد الحكومة في 9 شباط/ فبراير 1946، وانطلق آلاف من طلاب المدارس الثانوية بالقاهرة إلى حرم جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًا)، وقُمِعت هذه التظاهرات في أثناء مرورها على كوبري عباس {{كوبري عباس: جسر يقع في محافظة الجيزة، يُعدّ بوابة العبور من الجيزة إلى القاهرة، أُنْشِىء في عام 1908، ويحمل اسم الخديوي عباس حلمي الثاني، يربط بين جزيرة منيل الروضة والجيزة.}}. ثم توالت التظاهرات في القاهرة، وفي عدة محافظات أخرى، وقُمِعت بعنف، الأمر الذي أدّى إلى استقالة حكومة النقراشي، فشكَّل إسماعيل صدقي باشا (1875-1950) الحكومة الجديدة بتاريخ 15 شباط/ فبراير 1946[2].
بعد تولّي صدقي الوزارة، وفي 17 شباط/ فبراير، أصدرت اللجنة التنفيذية الوطنية للطلاب[3] بيانًا تُطالب فيه بجلاء الإنكليز عن مصر، وأنّ لمصر الحقّ في الاستقلال والتحرّر من الاستعمار[4]. وخرجت في اليوم التالي مظاهرة حاشدة لطلاب جامعتَي القاهرة والأزهر {{الأزهر: جامعة وجامع إسلامي يقع في مدينة القاهرة بمصر، ويُعدّ من أقدم المؤسّسات التعليمية في العالم الإسلامي، تأسّس عام 970 خلال العصر الفاطمي. اشتُهِر الأزهر بدوره في نشر العلوم الشرعية، واللغة العربية، والفكر الإسلامي.}}، وخرج من رحم هذه التظاهرة ما سُمّي بـاللجنة الوطنية للطلبة والعمال، فقد اجتمع ممثلون من اللجنة التنفيذية الوطنية للطلبة، مع ممثلين من اللجنة الوطنية العامة لعمّال شبرا الخيمة وعمال المطابع، ومن مؤتمر نقابات الشركات والمؤسّسات الأهلية، واللجنة التحضيرية لمؤتمر نقابات مصر، ورابطة العمال المصرية، واتّفقوا جميعًا على أنّ قوّة الحركة الوطنية وصلابتها تُستَمدّان من الابتعاد عن الأحزاب الفاسدة، وعن أنانيّتها وتهاونها مع المستعمر، وعن طريق تحقيق وحدة فئات الشعب تحت قيادة جديدة[5].
نضالها الوطني
تكوّنت اللجنة الوطنية للطلبة والعمال في 17 شباط/ فبراير 1946 بمدرج كليّة الطب في جامعة فؤاد الأوّل، وأصدرت قرارًا بالدعوة إلى إضراب عام، كان نصّه:
"قررت نقابات العمال بالقطر المصري، وطلبة الجامعات المصرية، والأزهر، والمعاهد العليا، والمدراس الخصوصية والثانوية، أن يكون يوم الخميس 21 فبراير 1946 يوم الجلاء، يومَ إضراب عام لجميع هيئات الشعب وطوائفه، يوم استئناف للحركة الوطنية المقدسة التي تشترك فيها كلّ عناصر الشعب المصري متكتلة حول حقها في الاستقلال التام والحرية الشاملة، يوم إشعار المستعمر البريطاني والعالم الخارجي أجمع، أنّ الشعب المصري قد أعدّ عدّته للكفاح الإيجابي حتى ينجلي كابوس الاستعمار، الذي ظلّ جاثمًا على صدورنا منذ 64 عامًا. هو يوم وثيقة في أيدي المفاوضين المصريين، يقدمونها دليلًا للمستعمر على أنّ الشعب المصري مصمّم على ألا يتخلّى لحظة عن الجلاء عن مصر والسودان، يوم يقظة عامّة للشعب المصري، يؤكد فيها أنه لن يقبل أي انحراف أو تهاون في حقه في الاستقلال والحرية، يوم تتعطل فيه المرافق العامة، ووسائل النقل، والمحلات التجارية والعامة، ومعاهد العلم، والمصانع في جميع أنحاء القطر. إنّ جلال هذا اليوم يهيب بنا جميعًا ألا ننحرف بقضيتنا المقدسة إلى شغب، أو تخريب، أو إخلال بالأمن العام. فلنرفع جميعًا لواء الوطن عاليًا، ولنثبت وحدتنا التي لا تنفصم، عمّالًا وصُنّاعًا، طلبة وتجارًا وموظفين، شعبًا متكتلًا، يرفع عن نفسه وصمة الذلّ والاستعباد"[6].
استجابت جموع من الشعب المصري لهذه الدعوة، وخرج عشرات الآلاف من المتظاهرين في مختلف شوارع القاهرة في 21 شباط/ فبراير 1946، وتجمّعوا لاحقًا في ميدان الإسماعيلية (التحرير حاليًا) بوسط المدينة، وقُمعوا من قوات الاحتلال البريطانية، وسقطت أعداد من المتظاهرين بين قتلى وجرحى. وفي إثر هذا القمع، قررت اللجنة إعلان الحداد العام في 4 آذار/ مارس على شهداء هذه التظاهرات، وسُمّي يوم الشهداء. كذلك أصدرت لائحة بمطالبها للحكومة المصرية، تضمّنت: تنفيذ جلاء القوات البريطانية فورًا عن المدن الكبرى، وإصدار تصريح واضح بأن يكون أساس المفاوضة هو تحديد يوم للجلاء التام عن وادي النيل، ووقف منع الصحافة من النشر عن أنباء اللجنة الوطنية. كذلك أصدرت اللجنة عقب ذلك ميثاقًا وطنيًا بهذه المطالب، وقد قُوبِلت احتجاجات يوم 4 آذار/ مارس بقمع شديد من قوات الاحتلال البريطاني[7].
واجهت اللجنة الوطنية للطلبة والعمّال خلال قيادتها للحركة الوطنية حينذاك، ضغوطًا شديدة من حكومة إسماعيل صدقي، إذ مُنِعت الصحف من نشر أخبارها وبياناتها، وأوعز صدقي إلى بعض حلفائه، ومنهم جماعة الإخوان المسلمين ومنظمات أخرى - بعد خروجها من اللجنة الوطنية - بتأسيس اللجنة القومية بوصفها جبهة مضادة ومنافسة للجنة الوطنية للطلبة والعمّال من أجل إضعافها، وفتَح للّجنة القومية المجال للنشر في جُلّ الصحف، وقد حُرِّم هذا على اللجنة الوطنية.
تقييم التجربة النضالية
تباينت الآراء بشأن التجربة النضالية للّجنة الوطنية، فثمّة من يرى أنها لم تنضج للدرجة التي تؤهلها للاستمرار في مشروعها النضالي، وقد ظهر ذلك في اقتصار نشاطها على الطلاب، والعمّال، والحرفيين من دون الفلاحين، كذلك فإنها لم تتطوّر تنظيميًا بالشكل الكافي، ولم تتوحّد قيادتها، بل دبّ فيها الانقسام. لكن، وعلى الرغم من تقييم صاحب كتاب تطور الحركة الوطنية المصرية لنقاط ضعف اللجنة، وأنها لم تصمد إلا عدّة أشهر، فقد رأى فيها فاعلًا سياسيًا شعبيًا مهمًا في تاريخ حركة التحرّر الوطني في مصر[8].
في المقابل، فإنّ طبيعة تكوين اللجنة كانت أحد أهمّ عوامل بروز تجربتها النضالية، وقد امتدّ نفوذها المباشر واليومي إلى جامعتَي القاهرة والإسكندرية، وإلى طلاب المدارس الثانوية والفنية، وقِطَاع واسع من أصحاب المهن الحرّة، علاوة على النقابات المصرية المتنوعة. ويرى صاحب كتاب المجتمع المصري والجيش، أنّ اللجنة تبنَّت أساليب عمل متنوّعة في العمل الجماهيري، منها اللجان المهنيّة والمظاهرات الجماهيرية، والاتصال بالحركات الديمقراطية العالمية المعادية للاستعمار، وانتهت بالكفاح المسلَّح ضد الاحتلال البريطاني[9].
المراجع
الرافعي، عبد الرحمن. في أعقاب الثورة المصرية. القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1951.
الشافعي، شهدي عطية. تطور الحركة الوطنية المصرية 1882-1956. القاهرة: دار شهدي للطباعة والنشر والتوزيع، 1957.
شعبان، أحمد بهاء الدين. حكاية مشعلي الثورة. القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2014.
عبد الله، أحمد. الطلبة والسياسة في مصر. ترجمة إكرام يوسف. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2007.
عبد الملك، أنور. المجتمع المصري والجيش. ترجمة محمود حداد وميخائيل خوري. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2013.
[1] أحمد عبد الله، الطلبة والسياسة في مصر، ترجمة إكرام يوسف (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2007)، ص 123-128.
[2] عبد الرحمن الرافعي، في أعقاب الثورة المصرية، ج 3 (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1951)، ص 182-184.
[3] هي بمنزلة مجلس طلابي، أو اتحاد طلابي للجامعة/ الجامعات في مصر.
[4] يُنظر نصّ البيان في: عبد الله، ص 127.
[5] أحمد بهاء الدين شعبان، حكاية مشعلي الثورة (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2014)، ص 58.
[6] شهدي عطية الشافعي، تطور الحركة الوطنية المصرية 1882-1956 (القاهرة: دار شهدي للطباعة والنشر والتوزيع، 1957)، ص 98-99.
[7] للمزيد يُنظر: المرجع نفسه، ص 100-102.
[8] المرجع نفسه، ص 108-109.
[9] أنور عبد الملك، المجتمع المصري والجيش، ترجمة محمود حداد وميخائيل خوري (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2013)، ص 55-56.