دولة القانون أحد أكثر المفاهيم تداولًا عبر العالم، وهو نتاج مشترك للعقل البشري؛ فقد عرفته الحضارات القديمة في كل من بابل في العراق ومصر الفرعونية والصين والهند واليونان. وتقوم دولة القانون، في جوهرها، على أن القانون ليس موجّهًا للمحكومين وحدهم، بل هو قبل ذلك قيدٌ على الحاكم وآلية لضبط سلطاته، عبر دستورٍ ومعايير شرعية، ومؤسسات رقابية فعّالة. وترتبط الفكرة تاريخيًا بمسارات طويلة لتقييد السلطة، وتبلورت في تقاليد قانونية متعددة أبرزها: سيادة القانون في التقليد الأنكلوسكسوني (Rule of Law)، ودولة القانون في التقليدين الألماني (Rechtsstaat) والفرنسي (État de droit)، مع اختلافات في التأصيل والوظائف المعيارية بحسب السياقات الوطنية.
يقوم هذا المفهوم على عدة مبادئ أساسية وهي ومعايير ومؤشرات أساسية تقيس مدى العمل به والتقيّد بمقتضياته، أهمها: الشرعية (أن تُبنى السلطة على قواعد معلنة وتُمارَس في حدودها)، وفصل السلطات لمنع تركّز القوة، واستقلال القضاء لضمان محاكمة عادلة وإنفاذ القانون على الجميع، والضمان القانوني بما يشمل وضوح القواعد واستقرارها وعدم رجعيتها، ومنع إساءة استعمال السلطة، وإتاحة الوصول إلى العدالة، وحماية الحقوق الأساسية بما يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
ويواجه مفهوم دولة القانون اليوم مجموعة من التحديات التي لا تكتفي بمجرد التشكيك به، بل هي تتساءل عن أهمية وجود الدولة من الأساس.
أصول مفهوم دولة القانون
ينتشر اليوم تعبير دولة القانون على نطاق واسع وبشكل ملحوظ، ليس فقط في الأدبيات السياسية والقانونية، بل كذلك في الصحف واللغة السياسية بشكل خاص. لا يمكن النظر لهذا التعبير باعتباره ابتكارًا معجميًا جديدًا، نظرًا إلى أن صيغة "دولة القانون" تمتلك تاريخًا طويلًا، ما يؤثر بعمق في معانيها وشعبيتها المعاصرة.
وقد وُظّف مفهوم دولة القانون، في صيغته الأولى، للتمييز بين الدولة الخاضعة للقانون والدولة الاستبدادية المطلقة التي يتصرف فيها الحاكم بالبلاد وسكانها باعتباره إلهًا، أو نصف إله، من دون أي قيد أو شرط، علمًا أن ذلك اتُبع في كل دولة بعد صراع طويل لتقييد المجتمع للسلطة الحاكمة وبمشاركة عناصر في الدولة. لا ينحصر القانون المقصود هنا في تلك القواعد القانونية الموضوعة للمحكوم ليتبعها، بل يتعلق قبلها بالقواعد القانونية الموضوعة للحاكم ليخضع لها ولتقيد حكمه[1].
قوانين حمورابي: الجزء العلوي من مسلّة قوانين حمورابي
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
من زاوية تاريخية، يمكن القول إن مفهوم دولة القانون هو نتاج مشترك للعقل البشري، ذلك أن بعض المبادئ التي تقوم عليها دولة القانون بمفهومها الحالي نجدها حاضرة في تشريعات الحضارات القديمة، مثل الحضارة البابلية (قوانين حمورابي) والفرعونية، إلى جانب مبادئ كونفوشيوس في الحضارة الصينية القديمة[2]، ودهارما (Dharma) ومانوسمريتي (Manusmriti)[3] في الهند التي تعطي الأولوية للمبادئ والفضائل الأخلاقية على حساب الشرائع القانونية. أما في السياق الأوروبي، فإن أصول مفهوم دولة القانون ترتبط بالحضارة اليونانية القديمة (بين عامي 300 و500 قبل الميلاد)، حين تبلور "التعريف الذاتي للمجتمع السياسي للمدينة"، كما تنامت خلال تلك الفترة اجتهادات سياسية كبيرة في اتجاه الديمقراطية الأثينية، حيث وجدت سيادة القانون تعبيرها في فكرة أن القانون يمكن أن يكون في مقام الحاجز الأكثر فعالية وشرعية ضد السلطة التمييزية والتعسفية للحاكم. وقد عالج أرسطو نفسه هذه المسألة في عمله الرئيس السياسة الذي قارن فيه بين مزايا أن يحكم الدولة "أفضل رجل أو أفضل القوانين". ومع ذلك، كان على الإنسان أن ينتظر عدة قرون قبل أن يتم تصوّر دولة القانون وتطبيقها في سياق النظم القانونية المحلية (الوطنية) التي تتميز بدرجة عالية من المركزية والمأسسة والتسلسل الهرمي[4].
لقد حاول توم بينغهام (2010-1933) في كتابه (The Rule of Law) (حكم القانون) تقديم معالم تاريخية مهمة على الطريق إلى دولة القانون كما نعرفها اليوم، ولخّصها في اثنتي عشرة لحظة تاريخية[5]: وثيقة "الماغنا كارتا" أو "الميثاق الأعظم" Magna Carta)) الإنكليزية التي وُقعت عام 1215؛ وأمر الإحضار أمام المحكمة (Habeas corpus): الطعن في الاحتجاز غير القانوني؛ وإلغاء التعذيب عام 1640؛ وعريضة الحق لعام 1628؛ وقرارات السير ماثيو هيل (Sir Matthew Hale، 1609-1676)؛ وقانون المثول أمام المحكمة المعدل لعام 1679؛ ووثيقة الحقوق (Bill of Rights) عام 1689 وقانون التسوية عام 1701؛ ودستور الولايات المتحدة الأميركية؛ والإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن عام 1789؛ ووثيقة الحقوق الأميركية؛ وقانون الحرب؛ ثم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948.
الماغنا كارتا: الماغنا كارتا (المعروفة أصلاً باسم ميثاق الحريات) لعام1215، محفوظة في المكتبة البريطانية.
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
واعتبارًا لأهمية التجربة الأوروبية في التأسيس لدولة القانون، فلا بُد من تلخيص تطور هذا المفهوم في السياق الأوروبي انطلاقًا من ثلاثة نماذج رئيسة تتمثّل في النموذج الإنكليزي، ثم الألماني والفرنسي أولًا، على أساس بسط المبادئ التي تقوم عليها دولة القانون، والمعايير المعتمدة في قياس توجه الدول نحو دولة القانون بعد ذلك ثانيًا.
تطور مفهوم دولة القانون في المدارس الأوروبية
مفهوم سيادة القانون (Rule of Law) إحدى أكثر الصيغ شيوعًا التي استخدمها المفكرون السياسيون والقانونيون الغربيون خلال القرن العشرين، وخصوصًا خلال العقدين اللذين أعقبا الحرب العالمية الثانية، قبل انتشار استخدامه في كل مكان في العصر الحالي. بيد أنه إضافة إلى تعبير "سيادة القانون" الذي يُعدّ من سمات الثقافة الأنكلوسكسونية أساسًا، فإن المعاجم النظرية للعلوم الاجتماعية الأوروبية تتضمن أيضًا تعبيرات أخرى مشابهة تحيل على المفهوم نفسه تقريبًا، مثل (Rechtsstaat) الألمانية، و(État de droit) الفرنسية، و(Stato di diritto) الإيطالية، و(Estado de derecho) الإسبانية. ورغم أن هذه التقاليد تشترك بوضوح في العديد من العناصر، فإن السياق الوطني الذي تطوّرت فيه أثر بعمق في محتواها وطبيعتها المعيارية ووظائفها[6].
سيادة القانون في الفقه الإنكليزي
تُعتبر المدرسة البريطانية الأقدم من حيث تبلور مبادئ دولة القانون، لكنها تتبنى مفهوم سيادة القانون (Rule of Law) عِوض دولة القانون (Etat de Droit). فقد وُجدت في إنكلترا أولى الكتابات التي تشير إلى ما عُرف لاحقًا بمفهوم سيادة القانون، وذلك من خلال وثيقة الماغنا كارتا (أو الميثاق الأعظم) التي وُقعت عام 1215، حيث كانت تهدف إلى تقييد سلطة الملك من خلال إخضاعه للقانون، ما يُعتبر نقطة تحوّل مهمة في التاريخ القانوني والسياسي لإنكلترا. ورغم أن الماغنا كارتا لم تذكر سيادة القانون بشكل مباشر، فإنها أسست لمبدأين مهمين هما: أولوية القانون وفعاليته[7].
لقد وفّر الصراع بين البرلمان والملكية السياق المؤسسي والدستوري اللازم لتطوّر سيادة القانون الإنكليزي. إذ بعد التوقيع على الماغنا كارتا، ظل هناك توتر حقيقي عدة قرون حول المعنى الفعلي للسيادة وممارسة الملك للسلطة. فبينما كان من المسلّم به بالفعل أن ملك إنكلترا يتعين عليه احترام القانون، إلّا أنه ظل محتفظًا بالصلاحيات الملكية في إقامة العدل وفقًا لفكرته الخاصة عن القانون. ويعتبر الإعلان عن السيادة البرلمانية في وثيقة الحقوق لعام 1689 الحدث الذي جعل الملك ملزمًا فعليًا بالقانون، إذ منعه من التدخّل في الإجراءات القضائية. وقد نصّت وثيقة الحقوق على أن البرلمان هو المصدر الرئيس للحقوق التي يجب أن تحميها المحاكم بعد ذلك. وبفضل مبدأ السيادة البرلمانية لم يَعد بإمكان الملك أن يعترض على قرارات المحاكم، ولا سيما تلك الصادرة عن المحكمة العليا للبرلمان. وتماشيًا مع أفكار جون لوك (John Locke، 1632-1704)، دعمت الثورة الإنكليزية ونتائجها فكرة أن القوانين الدائمة الثابتة التي صدرت والمعروفة من طرف الشعب "يجب أن تلزم بالفعل" من يملك السلطة التشريعية أو العليا وأن تُطبّق حقًا.
وفي القرن التاسع عشر، صاغ الفقيه الدستوري الإنكليزي ألبرت فين دايسي (1853-1922) مفهوم سيادة القانون بمزيد من التفصيل، إذ جادل بأن سيادة القانون في إنكلترا ترتكز على طريقة التفاعل بين القانون العام والسيادة البرلمانية. من وجهة نظره، تعمل السيادة البرلمانية والقانون العام باعتبارهما مبدأين يعزز كل منهما الآخر في النظام القانوني الإنكليزي. ففي كتابه (Introduction to the Study of the Law of the Constitution) )مقدمة لدراسة قانون الدستور([8]، أقرّ دايسي بثلاثة معانٍ لسيادة القانون باعتباره "مبدأ أساسيًا للدستور":
- أولًا: اعتبار أن القانون العادي يجب أن تكون له السيادة على أي سلطة تعسفية من الحكومة.
- ثانيًا: اعتماد مبدأ المساواة أمام القانون، فعلى جميع الأفراد، بما في ذلك المسؤولين، الالتزام بالقوانين دون استثناء.
- ثالثًا: اعتبار أن القوانين الدستورية ليست مصدر الحقوق، بل هي نتيجة لتلك الحقوق التي تُعرّفها وتُطبّقها المحاكم[9].
وقد نحا قاموس أكسفوردللعلوم الاجتماعية[10] المنحى نفسه في تعريفه لمفهوم "سيادة القانون" بوصفه "المبدأ الذي يعني أن السلطة يجب أن تمُارَس تبعًا لقواعد وإجراءات يتم التفاهم عليها، وتنطبق على جميع أعضاء الكيان السياسي، بمن في ذلك موظفو الدولة. ويقتضي حكم القانون وجود هيئة قضائية مستقلة قادرة على فرض القوانين حتى في مواجهة كبار المسؤولين في الدولة. ولهذا السبب، فإن هذا المفهوم وثيق الارتباط بمبدأ فصل السلطات في التقليد السياسي الغربي. ومع أن حكم القانون ليس مقتصرًا على الديمقراطية، فإنه يعُدّ شرطًا مهمًا من شروطها، وهو بذلك يقوم بدور كبير في الدراسات التي تتناول التحوّل الديمقراطي"[11].
تجدر الإشارة إلى أنه على النقيض من مبدأ سيادة القانون الإنكليزي كما قُدّم آنفًا، فإن أصول التقاليد الأوروبية الأخرى لمبدأ دولة القانون تبدو أكثر حداثة ولا تتسم في المقام الأول ببراغماتيتها. فقد ظهر التقليد القارّي لدولة القانون لأول مرة في ألمانيا مع تطور مبدأ (Rechtsstaat) في القرن التاسع عشر، ثم تبعتها فرنسا مع الصياغة التدريجية لمبدأ "دولة القانون" (Etat de droit) الذي ظهر بوصفه ردة فعل على المفهوم المعياري لمبدأ (Rechtsstaat) "دولة القانون الألمانية". ورغم تقارب المصطلحات بينهما، فإن مبدأ دولة القانون في النموذجين الألماني والفرنسي هما تقليدان من نوع خاص في مجال سيادة القانون، وقد تأثر جوهرهما ومعياريتهما إلى حد كبير بالسياقات التي تطورا فيها[12].
الدولة القانونية في ألمانيا
تعبّر دولة القانون الألمانية "الريشتات" (Rechtsstaat) عن مفهوم فلسفي ونظري تطوّر في بروسيا باعتباره ردة فعل على الدولة البوليسية في القرن التاسع عشر. يمكن فهم الهوية المعيارية العالية لدولة القانون على أنها ردة فعل على التعسّف والعنف القائمين في المجالين الخاص والعام. لذلك ليس من المستغرب أن نعثر على الأصول الفلسفية والنظرية لمبدأ الريشتات في رؤية إيمانويل كانط (Emmanuel Kant، 1804-1724) حول العدالة والحقوق[13].
طابع بريدي ألماني من سنة 1981 بعنوان "الأفكار الأساسية للديمقراطية"
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
من وجهة نظر كانط، فإن الوظيفة الأساسية للقانون هي ضمان "مجال أقصى من الحرية الخارجية" لكل فرد، أي الحرية تجاه الأفراد الآخرين والدولة. وفي هذا السياق، يهدف القانون إلى الحد من سلطة الدولة وإلى تقيّد السلطة التنفيذية بمقتضياته. لقد وفّر هذا المبدأ الليبرالي الأساس للمقاربة المعيارية ذاتها لنظرية "دولة القانون" التي طوّرها منظرون قانونيون مثل روبرت فون موهل (Robert von Mohl، 1875-1799)، وفريدريش شتال ( Friedrich Stahl، 1802-1861)، ورودولف غنيست (Rudolf Gneist، 1895-1816).
ففي إطار استحضار الخلفية النظرية لمبدأ الريشتات، تستند الدولة إلى دولة العقل (بالألمانية: Staat der Vernunft) التي تُفهم على أنها المبادئ الأخلاقية، كما انبثقت من تقاليد القانون الأخلاقي وكما انبثقت عن تقاليد النظرية القانونية الأخلاقية، تتجسد في "العيش معًا ومن أجل العيش معًا بين الناس". وباعتبارها نموذجًا مثقلًا بالأخلاق، فإن العقيدة المؤطرة لمبدأ الريشتات تتجاوز بوضوح الشرعية وتولّد شكلًا من أشكال الدستورية التي تهدف إلى تحقيق العقل العام[14]، وبناءً عليه سيكون أساس الدولة ضمان حريات المواطنين وحقوقهم في مواجهة محاولات تقييدها من مؤسسات الدولة[15].
وقد ساهم الدستور الألماني لما بعد الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى اجتهادات المحكمة الدستورية الفدرالية الألمانية، في ترسيخ دولة القانون الألمانية، إذ ورد في أحد أحكامها "ينشأ عن مبدأ دولة القانون المنصوص عليه في الفقرة 3 من المادة 20 من القانون الأساسي[16]، مبدأ المجال المحفوظ للقانون. ولهذا المبدأ وظيفة حماية حرية ومساواة المواطنين المضمونة دستوريًا"[17].
دولة القانون في فرنسا
في التقليد القانوني الفرنسي، تجد الفكرة الشاملة لتقييد سلطة الدولة من خلال القانون أصولها في ثورة 1789 التي وضعت حدًا لقرون من السلطة الملكية داخل فرنسا. وبناء على ذلك، أدخل الدستور الثالث لفرنسا، أي إعلان حقوق الإنسان والمواطن، قيم الشرعية (المادة 5)، والمساواة أمام القانون (المادة 6)، والإجراءات القانونية الواجبة (المادة 7)، والإنصاف وفصل السلط (المادة 16). كما قُدّمت فعالية النظام القانوني في الإعلان شرطًا مسبقًا لوجود نظام دستوري. وكان مفهوم دولة القانون الذي استندت إليه هذه الأفكار الثورية هو أن القاضي والإدارة على حد سواء يجب أن يلتزما بالقانون الذي هو حصيلة العمل التشريعي[18].
وبصرف النظر عن التوازي في المصطلحات المستخدمة في كل من ألمانيا وفرنسا، فإن دولة القانون الفرنسية تختلف في الواقع تمامًا عن نظيرتها الألمانية. وبشكل أكثر دقة، ينبغي النظر إلى التفكير النظري حول دولة القانون الفرنسية (Etat de droit) في أواخر القرن التاسع عشر على أنه ردة فعل ضد تعريف دولة القانون الألمانية بحد ذاته. فقد رفض المذهب الفرنسي بوضوح المذهب الألماني المستند إلى مبدأ الريشتات لأنه اعتبره أداة لإضفاء الشرعية على النظام السياسي الألماني الذي أعطى دورًا أقوى للبيروقراطية على حساب البرلمان. ولفهم الأفكار الأساسية الكامنة وراء النقد الفرنسي لمبدأ دولة القانون الألماني، من المهم الإشارة إلى حقيقة أن المذهب القانوني الألماني ربط مبدأ الريشتات فقط بالقضايا ذات الصلة بالتفاعلات بين المواطنين والدولة، واستبعد الإدارة العامة الفعلية من النظام القضائي وأخضعها لقواعد النظام الإداري. في المقابل، اعترف التقليد الفرنسي بوضوح بالطبيعة القانونية لتلك الأفعال المتعلقة بالتنظيم الداخلي للدولة[19].
وقد جسّد الفقيه الفرنسي ريمون كاريه دو مالبرغ (1816-1895)، هذا الرفض الواضح لفكرة دولة القانون بصيغتها الألمانية من خلال اعتماده مفهوم الدولة القانونية. فقد اعتبر أن الدولة القانونية تقتضي أن تكون جميع أعمال الإدارة خاضعة للقانون، وعرّفها بأنها دولة يفترض فيها أن جميع أعمال السلطة الإدارية لها مصدر قانوني وتهدف إلى تنفيذه[20]. وعلى النقيض أيضًا من التعريف المعياري لمبدأ الريشتات، فقد جادل دو مالبرغ بأن القيم والمبادئ المتعالية التي يقوم عليها إنشاء الدولة لا يمكن اعتبارها قواعد قانونية، وبناءً عليه يجب أن يُفهم القانون فقط على أنه تلك القواعد التي تسنها السلطة التشريعية[21].
وفي مرحلة لاحقة، ميّز دو مالبرغ بين الدولة القانونية (Etat légale) ودولة القانون (Etat de droit) في معرض دراسته لنظام الجمهورية الفرنسية الثالثة. وقد انطلق في هذا التمييز من أن فرنسا كانت في مرحلة أولى دولة ضبطية إدارية للقانون، وتحوّلت في الجمهورية الثالثة إلى دولة القانون التي ترتبط، في نظره، بمفهوم سياسي يتعلق بالتنظيم الأساسي للسلطات العامة، ويقتضي إخضاع الهيئة الإدارية في الحالات والمسائل كلها للهيئة التشريعية[22]. ويشهد التفضيل الأولي لمصطلح "الدولة القانونية" بدلًا من "دولة القانون" على النهج القانوني المتأصّل في التقاليد الفرنسية، إذ لم يهتم مذهب دولة القانون الفرنسي أبدّا بالبحث عن الأسس الليبرالية الكامنة وراء تشكيل الدولة، بل تأثر بفكر أكثر قانونيةً يعتبر القانون أداة لحماية الحريات المدنية، واحتواء التجاوزات في المشاركة الديمقراطية، وتبرير الأعمال الإدارية التي تفرضها الدولة[23].
وخلاصة القول، فإن تاريخ دولة القانون في أوروبا، من خلال مفاهيم سيادة القانون الإنكليزي، ودولة القانون الألماني ودولة القانون الفرنسي، يبرز اختلاف المدارس، ليس فقط في جوهر المفهوم، بل في كيفية فهمه وتطبيقه بين الثقافات القانونية المختلفة[24]. ولما كان من الصعب الاتفاق على تعريف موحّد عابر للسياقات الوطنية المختلفة، فقد أصبح مفهوم سيادة القانون الإنكليزي الأكثر شيوعًا واستعمالًا في الأدبيات العالمية[25]، وهو ما نجده مثلًا في أدبيات الأمم المتحدة التي تستخدم مفهوم سيادة القانون عوض دولة القانون، وتعتبره لبّ مهمتها، ويشير، بحسبها، إلى مبدأ للحكم يكون فيه جميع الأشخاص والمؤسسات والكيانات العامة والخاصة، بما في ذلك الدولة ذاتها، مسؤولين أمام قوانين صادرة علنًا، وتطبّق على الجميع بالتساوي، ويحتكم في إطارها إلى قضاء مستقل، وتتفق مع القواعد والمعايير الدولية لحقوق الإنسان. ويقتضي هذا المبدأ كذلك اتخاذ تدابير لكفالة الالتزام بمبادئ سيادة القانون، والمساواة أمام القانون، والمسؤولية أمام القانون، والعدل في تطبيق القانون، والفصل بين السلطات، والمشاركة في صنع القرار، واليقين القانوني، وتجنّب التعسّف، والشفافية الإجرائية والقانونية[26].
مبادئ دولة القانون
لا يمكن إنكار أن التجارب السياسية والثقافية للأنظمة القانونية المذكورة آنفة الذكر مختلفة للغاية، سواء من حيث سيادة سلطاتها المعيارية أو من حيث التقنيات الدستورية التي تستخدمها في الفصل بين السلط والحدّ من تغوّل بعضها على بعض. وعلاوة على ذلك، فإنها تتبنّى مقاربات مختلفة في ما يتعلق بأسس الحقوق الفردية وحمايتها الفعلية. يمكن بوضوح تمييز الانقسام الكبير داخل التقاليد الغربية لدولة القانون؛ فمن ناحية هناك "الاستثناء التأسيسي" للنسخة الإنكليزية من سيادة القانون، ومن ناحية أخرى هناك نماذج وتجارب أوروبية مختلفة.
إن التعاطي مع هذه الاختلافات هو ما دفع مجموعة من فقهاء القانون لبلورة مبادئ مشتركة يُعمل بها لوصف دولة القانون، كما انبنت عليها مجموعة من المعايير والمؤشرات التي يتعيّن اعتمادها من أجل تصنيف الدول في سلم دولة القانون.
المبادئ الأساسية
حدد توم بينغهام في كتابه عن سيادة القانون[27] مجموعة من القضايا التي يمكن القول إنها مجتمعة تشكّل سيادة القانون بوصفها قاعدة عالمية، إذ اقترح ثمانية مكوّنات رئيسة لسيادة القانون تشكّل في نظره فهمًا محيطًا أو شاملًا للفكرة أو القاعدة. هذه المكونات تتمثّل في ما يلي:
- إمكانية الوصول إلى القانون: يجب أن يكون القانون متاحًا ومفهومًا وواضحًا، ويمكن التنبؤ به قدر الإمكان.
- اعتماد القانون وليس السلطة التقديرية: ينبغي عادة حلّ مسائل الحق والمسؤولية القانونيين بتطبيق القانون وليس عن طريق ممارسة السلطة التقديرية.
- اعتماد مبدأ المساواة أمام القانون: يجب أن تُطبّق قوانين البلاد على الجميع بالتساوي، باستثناء الحدّ الذي تبرر فيه الاختلافات الموضوعية التغيير.
- ممارسة السلطة: يجب على الوزراء والرؤساء العامين على جميع المستويات ممارسة الصلاحيات الممنوحة لهم بحسن نيّة وإنصاف للغرض الذي منحت السلطات من أجله، من دون تجاوز حدود هذه الصلاحيات، أو ممارستها بشكل غير معقول.
- حقوق الإنسان: يجب أن يوفر القانون الحماية الكافية لحقوق الإنسان الأساسية.
- تسوية المنازعات: ينبغي توفير وسائل لحلّ المنازعات المدنية الحقيقية التي لا يستطيع الطرفان أنفسهم حلّها من دون تكلفة باهظة أو تأخير مفرط.
- محاكمة عادلة: يتعيّن أن تكون الإجراءات القضائية التي توفرها الدولة عادلة.
- سيادة القانون في النظام القانوني الدولي: تتطلب سيادة القانون امتثال الدولة لالتزاماتها في القانون الدولي، إذ تنص المادة 103 من ميثاق الأمم المتحدة على سموّه على باقي الالتزامات الدولية الأخرى[28]. ومن جهة أخرى، تسمو الالتزامات المترتبة على الدولة والمستمدة من القانون الدولي على مثيلتها المستمدة من القانون الداخلي. وهذا هو عين ما تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في العديد من قراراتها[29]. كما أن محكمة العدل الدولية أكدت مرارًا على سيادة القانون الدولي وسموه على القانون الداخلي[30].
ومن جهته، قدّم هانز كلسن (1881-1973)[31] في بداية القرن العشرين مجموعة من المبادئ عدّها العديد من المنظرين أساسًا لدولة القانون. أول هذه المبادئ وجود تراتبية هرمية للقواعد القانونية انطلاقًا من الدستور بوصفه قاعدةً عليا، وصولًا إلى القرارات الإدارية بوصفها أدنى قاعدة قانونية، إذ لا يمكن للقاعدة الأدنى درجة أن تخالف القاعدة الأعلى درجة. أما ثاني المبادئ فيتمثّل في وجود مؤسسة دستورية مستقلة تسهر على مراقبة دستورية القواعد القانونية واحترمها لمبدأ الهرمية، وهو ما سُمّي بالقضاء الدستوري. في ما تمثّل دسترة ضمان الحقوق والحريات الأساسية وحمايتها ثالث مبادئ دولة القانون في نظر كلسن.
وبشكل عام، يرى العديد من الفقهاء القانونيين أن المبادئ الكبرى لدولة القانون يمكن إجمالها في ما يلي:
مبدأ خضوع الدولة للقانون
يعني هذا المبدأ تقييد سلطات الدولة وإخضاعها للدستور المتضمن حقوق الأفراد وحرياتهم، وأن يكون جميع الأشخاص والمؤسسات والكيانات العامة والخاصة، بما في ذلك الدولة ذاتها، مسؤولين أمام قوانين صادرة علنًا، تطبق على الجميع بالتساوي وتتفق مع القواعد والمعايير الدولية لحقوق الإنسان. كما تتطلب دولة القانون أن يتمتع الجميع بحماية متساوية بموجب القانون، وتمنع استخدام الحكومات التعسّفي للسطلة. كما تضمن أيضًا حماية الحقوق السياسية والمدنية الأساسية، فضلًا عن الحريات المدنية والحفاظ عليها[32].
مبدأ فصل السلطات
يهدف هذا المبدأ إلى منع تركيز السلطة في يد جهة واحدة، وبناءً عليه ضمان تحقيق التوازن والرقابة بين السلطات المختلفة في الدولة (السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية). وقد أصّل لهذا المبدأ بشكل رئيس الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو (1689-1755) في كتابه روح القوانين[33].
مبدأ استقلال القضاء
يهدف إلى ضمان نزاهة القضاء وحماية حقوق الأفراد وحرياتهم، حيث السلطة القضائية مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، ويتمتع القضاة بحرية في اتخاذ القرارات من دون تدخل أو ضغط من أي جهة خارجية. يضمن هذا المبدأ للمواطن حماية قضائية فعّالة، بما في ذلك الوصول إلى العدالة، والوصول إلى الأحكام. كما يتطلب أن تكفل الدولة استقلال السلطة القضائية وأن ينصّ عليه دستور البلد أو قوانينه. ومن واجب جميع المؤسسات الحكومية وغيرها من المؤسسات احترام استقلال السلطة القضائية ومراعاة ذلك. كما تفصل السلطة القضائية في المسائل المعروضة عليها من دون تحيّز، على أساس الوقائع ووفقًا للقانون، ومن دون أي تقييدات أو تأثيرات غير سليمة أو أي إغراءات أو ضغوط أو تهديدات أو تدخلات، مباشرة كانت أو غير مباشرة، من أي جهة أو لأي سبب. وتكون للسلطة القضائية الولاية على جميع المسائل ذات الطابع القضائي، كما تنفرد بسلطة البتّ في ما إذا كانت أي مسألة معروضة عليها للفصل فيها تدخل في نطاق اختصاصها حسب التعريف الوارد في القانون[34].
مؤشرات قياس توجه الدول نحو دولة القانون
رغم توافق الفقهاء حول أهم المبادئ الكبرى لدولة القانون، تظهر أحيانًا بعض النزوعات التي تختزل دولة القانون المعاصرة في أحد عناصرها، مثل مبدأ الخضوع للقانون[35]. ولهذا، حذّرت اللجنة الأوروبية للديمقراطية من مخاطر الارتكان لمفهوم شكلي بحت لدولة القانون، بحيث يصبح تصرف موظف عمومي مسموحًا بموجب القانون دليلًا على دولة القانون. وفي هذا الإطار، تمثّل بعض المصطلحات من قبيل "الحكم بالقانون" أو "حكم القانون" أو "الحكم وفق قواعد القانون" تفسيرات مشوّهة لدولة القانون[36].
يسمح استقراء بعض التجارب التاريخية، وخصوصًا الإنكليزية والألمانية والفرنسية، بالقول إن لدولة القانون اختلافات معيارية ومؤسسية يمكن توضيحها باللجوء إلى ثلاثة معايير مقارنة تتمثّل في: إسناد السيادة، والوظيفة الدستورية، ووسائل حماية الحقوق الفردية[37]:
- ففي التجربة الإنكليزية، تعود السيادة إلى البرلمان، الذي يمارس أسبقية معيارية بشكل حصري تقريبًا مقارنة بالسلطة التنفيذية. ورغم أن الدستور الإنكليزي غير مكتوب، فهو عبارة عن مجموعة من التقاليد القانونية والقوانين المعيارية والأعراف الاجتماعية والممارسات التي تتفق في تقييد السلطة التنفيذية وضبطها. أما التحديد القانوني للحقوق الفردية وحمايتها فيُعهد بها عمليًا إلى محاكم القانون العام العادية.
- أما في ما يتعلق بدولة القانون الألمانية، فإن السيادة تُنسب إلى السلطة التشريعية التي لها أولوية معيارية مطلقة على السلطات الأخرى. تتوفر ألمانيا على دستور مكتوب ومرن، إلّا أنه لا يسمو فوق القوانين العادية ولا تحميه ولاية قضائية دستورية. أما حماية الحقوق الفردية فهي موكولة حصريًا للبرلمان باعتباره المصدر والضامن الأصلي لها.
- في النموذج الفرنسي لدولة القانون، تتطابق السيادة مع الأسبقية المعيارية للبرلمان، التي يُقصد بها التعبير عن السيادة الشعبية. ومع ذلك، فإن البرلمان ليس سلطة تأسيسية وحيدة، بل إحدى هذه السلطات، ويترتب على ذلك أن وظائفه تخضع لحدود وضوابط، إذ يسمو الدستور على القوانين الصادرة عن البرلمان، وتتوافر للمواطنين طرق الطعن ضدها، وليس فقط ضد القرارات الإدارية، عندما تنتهك حقوقهم الأساسية.
انطلاقًا من الوعي بأهمية المبادئ المحددة لدولة القانون، ومن أجل تقدير مدى الالتزام بها، بُلوِرت عدة معايير لقياس درجة تقدم الأنظمة السياسية المختلفة نحو احترام دولة القانون، يُذكر منها قائمة معايير سيادة القانون التي تصدرها لجنة البندقية والتي يمكن تلخيصها في ما يلي[38]:
- الشرعية: يتجسّد هذا المعيار في احترام القانون والامتثال له من طرف الجميع، وفي العلاقة بين القانون الدولي والقانون الوطني، ومدى توافر السلطة التنفيذية على صلاحيات تشريعية، ثم مدى وجود استثناءات في حالة الطوارئ، ووجود جهات خاصة مكلّفة بمهمات الخدمة العامة.
- الضمان القانوني: يتجسد في إمكانية الوصول إلى التشريع وإلى قرارات المحاكم، وكذا توقع القوانين واستقرار القانون واتساقه، وفي مبادئ عدم الرجعية، ولا جريمة ولا عقوبة إلّا بنص، وحجية الشيء المقضي به.
- الوقاية من سوء استخدام السلطة.
- المساواة أمام القانون وعدم التمييز.
- الوصول إلى العدالة: وتشمل الاستقلال والنزاهة، والمحاكمة العادلة، والعدالة الدستورية.
ويُعتبر مؤشر سيادة القانون الذي يصدره مشروع العدالة العالمية (World Justice Project) أحد المؤشرات المعتمدة لقياس توجه الدول نحو دولة القانون، ومدى توافر المعايير المذكورة لقياسه. يقيس هذا المؤشر أداء سيادة القانون في 142 دولة من خلال اعتماد ثمانية مؤشرات مركزية، يتفرع عنها 44 مؤشرًا فرعيًا. تتمثل الركائز الثماني في: القيود على السلطات الحكومية؛ غياب الفساد؛ الحكومة المفتوحة؛ الحقوق الأساسية؛ النظام والأمن؛ إنفاذ القوانين؛ العدالة المدنية، ثم العدالة الجنائية[39]، يضاف إليها مؤشر تاسع يخصّ الدول ذات المرتبة الضعيفة في سيادة القانون، وهو مؤشر العدالة غير الرسمية (Factor 9: Informal Justice) والذي يضم بدوره ثلاثة مؤشرات فرعية.
شعار مشروع العدالة العالمية
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
ومن جهتها، تصدر الأمم المتحدة نموذجًا للحكم على مستويات سيادة القانون يعتمد على 135 مؤشرًا فرعيًا، جُمّعت في ثلاث مؤسسات هي: الشرطة (41 مؤشرًا)؛ والنظام القضائي (51 مؤشرًا)؛ ثم السجون (43 مؤشرًا)[40].
تحديات أمام دولة القانون
في ظل التحوّلات التي يعرفها العالم خلال القرن الحالي، سيكون من المناسب استحضار تأثيراتها المحتملة في دولة القانون، سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر. لذا يتعيّن الانتباه إلى مجموعة من التحديات التي قد تواجه دولة القانون، ويتعلق الأمر أساسًا بالتحديات الثقافية وما تفرضه من تنويع لمصادر التشريع، إضافة إلى التحديات الرقمية والذكاء الاصطناعي التي تضفي طابعًا افتراضيًا على الوجود البشري، هذا إلى جانب تزايد الأفكار الشعبوية (Populism) التي قد تصل إلى درجة التشكيك في وجود الدولة من الأساس.
تحدي تدبير التعددية القانونية
تواجه دولة القانون انتقادات تتعلق بمدى سيادة القانون في سياق يتيح التشكيك بجدية في إمكانية حكم دولة ما على أساس القانون فقط. ولعلّ أبرز مثال على هذا الأمر تلك الدول أو المجتمعات التي تتسم بدرجة عالية من التعددية القانونية، خصوصًا الدول الخارجة حديثًا من صراعات داخلية. تشير التعددية القانونية إلى فكرة أن الدولة لا تحتكر وضع القواعد القانونية، بل هناك مصادر قانونية متعددة بتعدد الثقافات والطوائف، وغالبًا ما تُعطى هذه المصادر مكانة متساوية في إنتاج التشريع. تتمظهر التعددية القانونية في البلدان النامية من خلال الغياب الواضح لنظام قانوني موحد، وضعف تأسيس المعايير القانونية على هذا النظام مقارنة بالمصادر شبه القانونية، وكذا من خلال التناقضات بين المجتمع والمؤسسات الدستورية والقانونية، هذه الأخيرة غالبًا ما تؤسَّس بناء على ضغوط غير مجتمعية، ناعمة كانت أو مفروضة[41].
وتبرز إشكالية التعددية القانونية أيضًا داخل الدول ذات التغلغل القوي للقطاع الخاص، حيث تطورت المعايير الخاصة لتصبح مصادر رئيسة للقواعد القانونية في العديد من المجالات، وهي معايير تروم الاستدامة البيئية والتجارة العادلة وحماية المستهلكين. تشير المعايير الخاصة إلى تلك القواعد التي يعتمدها القطاع الخاص والتي تعمل أدوات تنظيمية وطنية أو دولية مهمة. ورغم أنها لا تتعارض بشكل خاص مع القوانين واللوائح الدولية أو الوطنية، فقد صارت هذه المعايير الخاصة أداة جديدة مهمة للحوكمة، وخصوصًا في البلدان النامية، حيث أضحت تساهم في عملية أكبر من التنويع المعياري التي لا يظهر فيها القانون الوطني هيكلًا تنظيميًا وحيدًا داخل البلد[42].
تحدي تدبير إشكالية تغول الفساد وتضارب المصالح
تعدّ إشكالية تغوّل الفساد وتضارب المصالح من أهم التحديات الكبرى التي تواجه دولة القانون[43]، فهي تُهدد أسس العدالة والشفافية والمساواة، وتُضعف الثقة بين المواطنين والمؤسسات الحكومية. يشمل الفساد استغلال المنصب العام لتحقيق مكاسب شخصية أو جماعية، سواء كانت مالية أو غير مالية، بطرق عدة مثل الرشوة، الاختلاس، المحسوبية، والابتزاز. ومع انتشاره في مؤسسات الدولة، يصبح الفساد ثقافة مؤسسية من الصعب السيطرة عليه. يُجمع خبراء الحوكمة أن تغوّل الفساد يؤثر بشكل مباشر في دولة القانون، إذ يضعف سيادة القانون عبر انتهاك القوانين بشكل متكرر من دون محاسبة، وبناءً عليه يُضعف قدرة الدولة على فرض هيبتها وعلى تطبيق القانون بشكل عادل، كما يقوّض العدالة، ويساهم في هدر الموارد العامة وإعاقة الاستثمار، ما يؤدي إلى تراجع التنمية الاقتصادية ويقلل قدرة الدولة على تلبية الخدمات الأساسية للمواطنين.
أما تضارب المصالح، فهو يتجسد في الحالات التي يكون فيها لصانع القرار مصلحة شخصية أو خاصة تتعارض مع مهماته في الدولة، ما يؤثر في قراراته بشكل غير موضوعي، إذ يتخذها بناء على المصالح الخاصة وليس المصلحة العامة. ويعدّ تضارب المصالح من أهم معاول هدم دولة القانون لأنه يضعف المؤسسات ويقلل من الشفافية، ويجعل محاسبة المسؤولين مهمة صعبة إن لم نقل مستحيلة، وهو ما ينعكس على الاستثمار والتنمية.
تحدي تدبير إشكالية التشكيك في دولة القانون في ظل تنامي الشعبوية
تعدّ الشعبوية من أهم التحديات التي تواجه دولة القانون، وتتجلى خطورتها في التشكيك في المؤسسات والمبادئ الأساسية التي تضمن سيادة القانون وفصل السلطات[44]. يهاجم الشعبويون مبدأ فصل السلطات، ويسعون لتركيز السلطة بين أيديهم، ما يقلل من استقلالية السلطة القضائية ووسائل الإعلام، وباقي المؤسسات الرقابية الأخرى. يتم ذلك من خلال تمرير إصلاحات تشريعية تضعف المؤسسات، وأيضًا بتعيين حلفائهم في المناصب الرئيسة، ما يضعف نزاهة تلك المؤسسات. ينتج من هذا الوضع إضعاف الثقة في المؤسسات الدستورية، وتصويرها على أنها فاسدة أو غير فعالة، وتخوّل السلطة التنفيذية في النهاية العديد من الصلاحيات على حساب البرلمان، مع تقليص دوره في مراقبة الحكومة، وكذا إضعاف الإعلام المستقل والهجوم عليه. على المستوى التواصلي، يروّج الشعبويون خطابًا مناهضًا للنخب من خلال رفض التعددية والترويج لفكرة الصراع بين النخب والشعب، والدعوة إلى الحكم المستند إلى إرادة أغلبية متجانسة مزعومة، على حساب احترام التنوع والحوار الديمقراطي. كما ينادون بتقليص الحقوق الأساسية بدعوى مكافحة الإرهاب، ويحاربون الهجرة ويعملون على إضعاف حقوق الأقليات العرقية أو الدينية أو السياسية، وهو ما يقوّض في النهاية مبدأ المساواة أمام القانون.
تحدي تدبير إشكالات الواقع الافتراضي في ظل اتساع الثورة الرقمية
تميّز القرن الحادي والعشرون بثورة تكنولوجية تطوّر خلالها الذكاء الاصطناعي مدفوعًا بنظريات وتقنيات جديدة، مثل الإنترنت على الهواتف المحمولة، والبيانات الضخمة وعلوم الدماغ وشبكات الاستشعار وغيرها. وهو ما أُطلق عليه العصر الرقمي[45]. ولأن القانون ينبغي أن يساير تحوّل المجتمع من طابعه التقليدي إلى المجتمع الذكي، إذ يجب أن ترافق هذا التحوّل سيادة القانون، فقد أصبح الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي يفرضان تحديات جديدة على دولة القانون. تتجسد هذه التحديات في صعوبة حماية البيانات والخصوصية، ذلك أن تزايد جمع البيانات في الواقع الافتراضي يزيد المخاوف بشأن حماية البيانات الشخصية وكيفية استخدامها، وهو ما يجعل من الصعب تحديد المسؤولية عن حماية تلك البيانات، وخصوصًا عندما تكون في أيدي الشركات والمؤسسات العابرة للحدود.
كما تتجسد التحديات أيضًا في صعوبة تحديد المسؤولية القانونية عن الأفعال التي تحدث في الواقع الافتراضي، وتحديد موقع الدولة منها بصفتها المسؤولة قانونًا عن حماية المواطن، وبالتالي مدى قدرتها على تطبيق القوانين التقليدية على الأفعال المحدثة في البيئة الافتراضية. ويرى الخبراء في هذا المجال أن التحدي الحقيقي المرتبط بالواقع الافتراضي هو الأمن السيبراني وخطر الهجمات التي تستهدف سرقة البيانات والهويات الرقمية، وكذا جرائم التحرش الافتراضي وتعطيل الخدمات العمومية، كشبكات الكهرباء والاتصال والمطارات والأبناك والبورصات والوصول لتشغيل منصات السلاح النووي، إذ تتجسد خطورة كل هذه الأفعال في صعوبة تحديد المسؤولين عنها. يضاف إلى ذلك الصعوبات المرتبطة بفهم كيفية اتخاذ أنظمة الذكاء الاصطناعي للقرارات ومن يتحكم فيها، وخصوصًا في ظل تزايد استعمالات الذكاء الاصطناعي في جميع المجالات، ومنها الإدارة والقضاء والأمن، حيث تزداد التحديات أمام دولة القانون، وخصوصًا في المسائل المتعلقة بالشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة واحترام الحقوق.
وختامًا، يبقى أن التحولات على المستوى الدولي تمارس تأثيراتها في مفهوم دولة القانون، وهو ما يستلزم من فقهاء القانون اجتهادات جديدة تساعد في تقديم إجابات للتحديات المعاصرة التي تواجه هذا المفهوم.
المراجع
العربية
أحمد السويداني، أحكام المحكمة الدستورية الفيدرالية الألمانية: بنية الدولة ودولة القانون. الرباط: مؤسسة كونراد أديناور، 2017.
الأمم المتحدة. "تقرير محكمة العدل الدولية 1 آب/ أغسطس 2001 – 31 تموز/ يوليه 2002". في: https://acr.ps/1L9BPb5
الأمم المتحدة. مجلس الأمن. "سيادة القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات الصراع مجتمعات ما بعد الصراع - تقرير الأمين العام". S/2004/616. 23/8/2004. في: https://acr.ps/1L9BPg9
جعلاب، كمال. "دولة القانون الديمقراطية: إشكالية المفهوم ومتطلبات الدسترة". سياسات عربية. مج 9، العدد 52 (أيلول/ سبتمبر 2021)، ص 7-22.
جمهورية ألمانيا الاتحادية. القانون الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية، بتاريخ 23 مايو 1949 والمعدل حديثًا بتاريخ 28 يونيو 2022. في: https://acr.ps/1L9BP9y
فخر الدين، يوسف وآخرون. دولة القانون والحقوق في تحليل قانونيين/ات سوريين/ات. دمشق: المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، 2022. في: https://acr.ps/1L9BPOP
"قائمة معايير سيادة القانون: اللجنة الأوروبية للديمقراطية من خلال القانون (لجنة البندقية، 2016)". لجنة البندقية. في: https://acr.ps/1L9BPsx
"مبادئ أساسية بشأن استقلال السلطة القضائية". الأمم المتحدة - مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان. في: https://acr.ps/1L9BPlz
كونفوشيوس، محاورات كونفوشيوس. ترجمة محسن سيد الفرجاني. تحقيق ليو جون تيان ولين سونغ ويوكيكون. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2000.
"ميثاق الأمم المتحدة". الأمم المتحدة. في: https://acr.ps/1L9BPjQ
الأجنبية
Bingham, Tom. The Rule of Law. London: Penguin books, 2011.
Burnay, Matthieu (ed.). Chinese Perspectives on the International Rule of Law: Law and Politics in the One-party State. Northampton, MA: Edward Elgar Pub., Inc., 2018. at: https://acr.ps/1L9BPUY
Calhoun, Craig (ed.). Dictionary of the SOCIAL Sciences. New York: Oxford University Press, 2002.
Carré De Malberg, Raymond. Contribution à la Théorie Générale de l’Etat, vol. 1. Paris: Centre National de Recherche Scientifique, [1920].
Costa, Pietro & Danilo Zolo (eds.). The Rule of Law History, Theory and Criticism. Dordrecht: Springer, 2007.
Council of the European union. “Rule of law: why it matters.” at: https://acr.ps/1L9BP25
Dicey, Albert Venn. Introduction to the Study of the Law of the Constitution. 8th ed. London: Macmillan and co., limited, 1915. at: https://acr.ps/1L9BPwU
Giri, Ananta Kumar. “Rule of law and Indian society: Colonial encounters, post-colonial experiments and beyond.” Madras Institute of Development Studies. Working paper. no. 165 (November 2001).
Herrera, Carlos-Miguel. “Quelques remarques à propos de la notion d'État de droit.” L'Homme et la société. no. 113 (January 1994). pp. 89-103.
Kelsen, Hans. Théorie pure du droit. trad. française de la 2ième éd. de Reine Rechtslehre par Charles Eisenmann. Paris: Dalloz, 1962.
Kyriacou, Andreas & Pedro Trivin. “Populism and the rule of law: The importance of institutional legacies.” American Journal of Political Science. (2024). pp. 1–16.
Montesquieu. De l'esprit des lois (1758). Édition établie par Laurent Versini. Paris: Éditions Gallimard, 1995.
Sage, Caroline, Michael Woolcock & Brian Z. Tamanaha (eds.). Legal Pluralism and Development: Scholars and Practitioners in Dialogue. Cambridge/New York: Cambridge University Press, 2012.
Tamanaha, Brian Z. “The Rule of Law and Legal Pluralism in Developmentm.” Hague Journal on the Rule of Law. vol. 3 (March 2011). at: https://acr.ps/1L9BPc4
The Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD). «Recommendation of the Council on OECD Guidelines for Managing Conflict of Interest in the Public Service.» Legal Instuments. OECD/LEGAL/0316. 2025. at: https://acr.ps/1L9BPu8
United Nations Department of Peacekeeping Operations (DPKO) & The Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights (OHCHR). The United Nations Rule of Law Indicators: Implementation Guide and Project Tools. 2011. at: https://acr.ps/1L9BPI7
Waldron, Jeremy. «Is the Rule of Law an Essentially Contested Concept (in Florida)?» Law and Philosophy. vol. 21, issue 2 (2002). at: https://acr.ps/1L9BPdE
WJP Rule of Law Index. World Justice Project. at: https://acr.ps/1L9BPED
Yadong, Cui. (ed.). Blue Book on AI and Rule of Law in the World (2022). Singapore: Springer, 2024.
[1] يوسف فخر الدين وآخرون، دولة القانون والحقوق في تحليل قانونيين/ات سوريين/ات (دمشق: المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، 2022)، ص 2، في: https://acr.ps/1L9BPOP
[2] كونفوشيوس، محاورات كونفوشيوس، ترجمة محسن سيد الفرجاني، تحقيق ليو جون تيان ولين سونغ ويوكيكون (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2000)، ص 21.
[3] Ananta Kumar Giri, “Rule of law and Indian society: Colonial encounters, post-colonial experiments and beyond,” Madras Institute of Development Studies, Working paper, no. 165 (November 2001), p. 2.
[4] Matthieu Burnay, “The Rule of Law: Origins, Prospects and Challenges,” in: Matthieu Burnay (ed.),
Chinese Perspectives on the International Rule of Law: Law and Politics in the One-party State (Northampton, MA: Edward Elgar Pub., Inc., 2018), accessed on 8/4/2025, at: https://acr.ps/1L9BPUY
[5] Tom Bingham, The Rule of Law (London: Penguin books, 2011), pp. 20-46.
[6] Pietro Costa, “The Rule of Law: A Historical Introduction,” in: Pietro Costa & Danilo Zolo (eds.), The Rule of Law History, Theory and Criticism (Dordrecht: Springer, 2007), p. 73.
[7] Burnay, p. 12.
[8] Albert Venn Dicey, Introduction to the Study of the Law of the Constitution, 8th ed. (London: Macmillan and co., limited, 1915), accessed on 8/4/2025, at: https://acr.ps/1L9BPwU
[9] Burnay, p. 14.
[10] «Rule of law The principle that power should be exercised according to mutually understood rules and procedures that are applicable to all members of a polity, including officers of the state. The rule of law requires an independent JUDICIARY capable of enforcing laws against even the highest-ranking agents of the state. For this reason, it is closely associated in the Western political tradition with the doctrine of the SEPARATION OF POWERS. Although the rule of law is not limited to DEMOCRACY, it is an important condition for it and thus plays a large part in studies of DEMOCRATIZATION», in: Craig Calhoun (ed.), Dictionary of the SOCIAL Sciences (New York: Oxford University Press, 2002), p. 421.
[11] كمال جعلاب، "دولة القانون الديمقراطية: إشكالية المفهوم ومتطلبات الدسترة"، سياسات عربية، مج 9، العدد 52 (أيلول/ سبتمبر 2021)، ص 7-22.
[12] Burnay, p. 16.
[13] Ibid.
[14] Ibid.
[15] Carlos-Miguel Herrera, “Quelques remarques à propos de la notion d'État de droit,” L'Homme et la société, no. 113 (January 1994), p. 91.
[16] ورد في الفقرة الثالثة من المادة 20 من القانون الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية (النسخة الإلكترونية)، أن "تلتزم السلطة التشريعية بالنظام الدستوري، بينما تلتزم السلطة التنفيذية والسلطة القضائية بالحق والقانون"، في: جمهورية ألمانيا الاتحادية، القانون الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية، بتاريخ 23 مايو 1949 والمعدل حديثًا بتاريخ 28 يونيو 2022، ص 31، شوهد في 8/4/2025، في: https://acr.ps/1L9BP9y
[17] أحمد السويداني، أحكام المحكمة الدستورية الفيدرالية الألمانية: بنية الدولة ودولة القانون، ج 1 (الرباط: مؤسسة كونراد أديناور، 2017)، ص 193.
[18] Burnay, p. 19.
[19] Ibid.
[20] Raymond Carré De Malberg, Contribution à la Théorie Générale de l’Etat (Paris: Centre National de Recherche Scientifique, [1920]), pp. 489-490. En français dans le texte: «Un Etat dans lequel tout acte de puissance administrative présuppose une loi à laquelle il se rattache et dont il soit destiné à assurer l’exécution».
[21] Burnay, p. 20.
[22] جعلاب.
[23] Burnay.
[24] Jeremy Waldron, “Is the Rule of Law an Essentially Contested Concept (in Florida)?” Law and Philosophy, vol. 21, issue 2 (2002), p. 10, accessed on 8/4/2025, at: https://acr.ps/1L9BPdE
[25] Burnay, p. 23.
[26] الأمم المتحدة، مجلس الأمن، "سيادة القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات الصراع مجتمعات ما بعد الصراع - تقرير الأمين العام"، S/2004/616، 23/8/2004، ص 5، شوهد في 8/4/2025، في: https://acr.ps/1L9BPg9
[27] Bingham, pp. 47-164.
[28] تنص المادة 103 من ميثاق الأمم المتحدة على: "إذا تعارضت الالتزامات التي يرتبط بها أعضاء الأمم المتحدة وفقًا لأحكام هذا الميثاق مع أي التزام دولي آخر يرتبطون به، فالعبرة بالتزاماتهم المترتبة على هذا الميثاق". يُنظر: "ميثاق الأمم المتحدة"، الأمم المتحدة، شوهد في 8/4/2025، في: https://acr.ps/1L9BPjQ
[29] يُنظر على سبيل المثال قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 42/ 230، بتاريخ 23/3/1988 حول "التأكيد من جديد أن بعثة المراقب الدائم عن منظمة التحرير الفلسطينية لدى الأمم المتحدة تشملها أحكام اتفاق المقرّ المعقود بين الولايات المتحدة الأميركية والأمم المتحدة، وأن لمنظمة التحرير الفلسطينية الحق في الاحتفاظ بمرافق في نيويورك". للاطّلاع على القرار، يُنظر: "الجمعية العامة للأمم المتحدة: قرار رقم 42/ 230 بتاريخ 23 آذار/مارس 1988"، الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية، شوهد في 8/4/2025، في: https://acr.ps/1L9BOXP
[30] يُنظر على سبيل المثال قرار محكمة العدل الدولية في قضية أمر الاعتقال المؤرخ 11 نيسان/ أبريل 2000 (جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد بلجيكا). يمكن الاطلاع عليه في تقرير محكمة العدل الدولية في: الأمم المتحدة، "تقرير محكمة العدل الدولية 1 آب/ أغسطس 2001 – 31 تموز/ يوليه 2002"، ص 82، شوهد في 8/4/2025، في: https://acr.ps/1L9BPb5
[31]Hans Kelsen, Théorie pure du droit, trad. française de la 2ième éd. de Reine Rechtslehre par Charles Eisenmann (Paris: Dalloz, 1962).
[32] Council of the European union, “Rule of law: why it matters,” accessed on 8/4/2025, at: https://acr.ps/1L9BP25
[33] Montesquieu, De l'esprit des lois (1758), Édition établie par Laurent Versini (Paris: Éditions Gallimard, 1995) (2 volumes: vol I: pp. 1-604; vol. II: pp. 605-1628) Collection folio Essais.
[34] "مبادئ أساسية بشأن استقلال السلطة القضائية"، الأمم المتحدة - مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، شوهد في 27/1/2025، في: https://acr.ps/1L9BPlz
[35] فخر الدين وآخرون، ص 11.
[36] "قائمة معايير سيادة القانون: اللجنة الأوروبية للديمقراطية من خلال القانون (لجنة البندقية، 2016)"، لجنة البندقية، ص 10، شوهد في 8/4/2025، في: https://acr.ps/1L9BPsx
[37] Danilo Zolo, “The Rule of Law: A Critical Reappraisal,” in: Costa & Zolo (eds.), p. 15.
[38] "قائمة معايير سيادة القانون: اللجنة الأوروبية للديمقراطية من خلال القانون (لجنة البندقية، 2016)"، ص 18-42
[39] WJP Rule of Law Index, World Justice Project, accessed on 8/4/2025, at: https://acr.ps/1L9BPED
[40] يُنظر:
United Nations Department of Peacekeeping Operations (DPKO) & The Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights (OHCHR), The United Nations Rule of Law Indicators: Implementation Guide and Project Tools (2011), accessed on 8/4/2025, at: https://acr.ps/1L9BPI7
[41] Brian Z. Tamanaha, “The Rule of Law and Legal Pluralism in Developmentm,” Hague Journal on the Rule of Law, vol. 3 (March 2011), p. 1, at: https://acr.ps/1L9BPc4 ; Caroline Sage, Michael Woolcock & Brian Z. Tamanaha (eds.), Legal Pluralism and Development: Scholars and Practitioners in Dialogue (Cambridge/New York: Cambridge University Press, 2012).
[42] Burnay, p. 35.
[43] The Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD), «Recommendation of the Council on OECD Guidelines for Managing Conflict of Interest in the Public Service,» Legal Instuments, OECD/LEGAL/0316, 2025, at: https://acr.ps/1L9BPu8
[44] Andreas Kyriacou & Pedro Trivin, “Populism and the rule of law: The importance of institutional legacies,” American Journal of Political Science (2024), pp. 1–16.
[45] Yadong Cui (ed.), Blue Book on AI and Rule of Law in the World (2022), (Singapore: Springer, 2024), p. 1.